أبي ليلى الكنديّ، عن سُويد بن غَفَلة، قال: «أتانا مصدّق النبيّ - ﷺ - …» الحديث. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٢/ ٢٤٥٧ - وفي «الكبرى» ١٢/ ٢٢٣٧. وأخرجه أبو داود في «الزكاة» ١٥٧٩ (ق) ١٨٠١ (أحمد) في «مسند الكوفيين» ١٨٣٥٨ (الدارميّ) في «الزكاة» ١٦٣٠. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الجمع بين المتفرّق، والتفريق بين المجتمع، خشية الصدقة، وقد تقدّم بيانه (ومنها): النهي عن أخذ الرضيع في الزكاة (ومنها): النهي عن أخذ خيار المال (ومنها): أن الزكاة شُرعت لمواساة الفقراء، فلا ينبغي إضرار أحد الجانبين، لا المالكِ بأخذ خيار ماله، ولا الفقيرِ بأخذ أردإ المال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٤٥٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ يَزِيدَ -يَعْنِي ابْنَ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، بَعَثَ سَاعِيًا، فَأَتَى رَجُلًا، فَأَتَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بَعَثْنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، وَلَا فِي إِبِلِهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَجَاءَ بِنَاقَةٍ حَسْنَاءَ، فَقَالَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ -﷿-، وَإِلَى نَبِيِّهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، وَفِي إِبِلِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن زيد بن يزيد بن أبي الزَّرْقَاء) الموصليّ، نزيل الرَّمْلة، صدوق [١٠] ٥٠/ ٨٥١.
٢ - (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء» الموصليّ، نزيل الرملة، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (عاصم بن كُليب) الكوفيّ، صدوق رمي بالإرجاء [٥] ١١/ ٨٨٩.
٥ - (كُليب بن شهاب) صدوق [٢] ووهم من ذكره في الصحابة.
٦ - (وائل بن حجر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن سعد بن مسروق الحضرميّ، الصحابيّ الجليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، ومات في خلافة معاوية - ﵄ - ٤/ ٨٧٩. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من رجال المصنف، وأبي داود، وغير كليب، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه فإنهما موصليان، ثم رمليان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، بَعَثَ سَاعِيًا) اسم فاعل، من سَعَى في الصدقة يَسعَى سَعْيًا: إذا عمل في أخذها من أربابها (فَأَتَى رَجُلًا، فَآتاهُ) بالمدّ، كأعطاه وزنًا ومعنى (فَصِيلًا) -بفتح، فكسر-: ولد الناقة، سمي به لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فَعِيل بمعنى مفعول، والجمع فُصْلان -بضمّ الفاء، وكسرها- وقد يُجمع على فِصال -بالكسر- كأنهم توهّموا فيه الصفة، مثل كريم وكِرَام. قاله الفيّوميّ (مَخْلُولًا) قال ابن الأثير: أي مهزولًا، وهو الذي جُعِل في أنفه خِلَالٌ؛ لئلّا يرضع أمه، فَتُهْزَلَ. وقيل: المخلول: السَّمِين، ضدّ المهزول، والمهزول إنما يقال له: خَلٌّ، ومُخْتَلٌّ. والأول الأوجه. ومنه يقال لابن مخاض: خَلٌّ؛ لأنه دقيق الجسم انتهى .
وقال ابن منظور: وأما ما جاء في الحديث أنه - ﷺ - أُتي بفصيل مَخْلُول، أو مَحْلُول، فقيل: هو الْهَزِيل الذي قد خَلَّ جسمه. وبقال: أصله أنهم كانوا يَخُلُّون الفَصِيل لئلا يَرتضع، فَتُهزَلَ لذلك. وفي «التهذيب»: وقيل: هو الفصيل الذي خُلَّ أنفُهُ لئلّا يَرْضَع أمه، فتُهْزَلَ. قال: وأما المهزول فلا يقال له: مخلول؛ لأن المخلول هو السَّمِين، ضدّ المهزول. والمهزول: هو الخَلُّ والْمُخْتَلُّ، والأصحّ في الحديث أنه المشقوق اللسان لئلاّ يرضع. ذكره ابن سِيدَهْ.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن ذلك الفصيل مَعِيب بالْهُزَال بسبب عدم ارتضاعه لأمه. واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «بَعَثنَا مُصَدِّقَ اللَّهِ» -﷿- (وَرَسُولِهِ) - ﷺ - (وَإنَّ فُلَانًا أَعْطَاهُ فَصِيلًا مَخْلُولًا، اللَّهُمَّ لَا تُبَارِكْ فِيهِ، وَلَا فِي إِبلِهِ) إنما دعا عليه - ﷺ - بأن لا يبارك اللَّه تعالى فيه، ولا في إبله، لبخله عن أداء ما أوجبه اللَّه تعالى عليه من الزكاة التي بسسبها يزكو المال،
ويكثر، والتي هي سبب لتطهير صاحبها، وتزكيته، وصلاة النبيّ - ﷺ - عليه كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فلمّا أعرض عن ذلك كلّه استحقّ الدعاء عليه، كما أنه إذا أتاه شخص بصدقته عن طيب نفس، وسخاه، وآتاه من طيّبات ما آتاه اللَّه من المال صلّى عليه، ودعا له بالبركة؛ عملًا بما أمره اللَّه تعالى به في الآية.
وفيه أن من أعطى في الزكاة رديء ماله يستحقّ أن يدعو عليه الإمام بنزع البركة عنه وعن ماله. واللَّه تعالى أعلم.
(فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَجَاءَ بنَاقَةٍ حَسْنَاءَ، فَقَالَ: أَتُوبُ) وفي نسخة: «تبت» (إِلَى اللَّهِ -﷿-، وَإِلَى نَبِيِّهِ - ﷺ -، فَقَاَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ، وَفِي إِبلِهِ») لأن من تاب تاب اللَّه عليه.
وفيه أن من أعطى في الصدقة النوع الطيب ينبغي للإمام أن يدعو له بأن يبارك اللَّه تعالى فيه، وفي ماله.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث وائل بن حجر به - ﵁ - هذا صحيح الإسناد، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٢/ ٢٤٥٨ - وفي«الكبرى»١٢/ ٢٢٣٨.
ثم إن إيراده في هذا الباب فيه بُعْدٌ، إذ لا مناسبة بينهما، كما لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب».
…
١٣ - (بَابُ صَلَاةِ الإِمَامِ عَلَى صَاحِبِ الصَّدَقَةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعيّة صلاة الإمام لصاحب الصدقة، أي قوله عند دفعه الصدقةَ اللَّهم صلَّ على فلان، وقدّمنا في«كتاب الصلاة» عند شرح الصلاة الإبراهيمية أن الأصحّ في معنى صلاة اللَّه على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى. وقيل: رحمته.