HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٦٠

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ يَظْلِمُونَ! قَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ، قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ، ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ. قَالَ جَرِيرٌ: فَمَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ٣١

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٣٣
احتجّوا به كافِ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٤ - (بَابٌ إِذَا جَاوَزَ فِي الصَّدَقَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ظاهر تبويب المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- يدلّ على أنه إذا جاوز الْمُصَدِّق الواجب، فأخذ أكثر منه، يجب دفع ما طلبه، وإرضاؤه، لظاهر حديث الباب. لكن الذي يظهر لي أن هذا محمول على ما إذا كان المصدّق معروفًا بالورع، لا يظلم الناس، ولكنّ صاحب المال لحرصه ظنّ أنه يظلمه، وأما إذا طلب فوق الواجب من دون تأويل، فلا يجب إرضاؤه، لحديث أنس - ﵁ - المتقدّم: «فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعط، ومن سُئل فوق ذلك، فلا يعط». وخلاصة القول: أنه - ﷺ - عَلِمَ أن عامليه لا يظلمون الناس، ولكنّ أرباب الأموال لشدّة محبّتهم للأموال يعدّون الأخذ ظلمًا، فقال لهم: «أرضوا مصدّقيكم»، أي وإن ظلموكم في زعمكم، فليس فيه تقرير للعاملين على الظلم، ولا تقرير للناس على الصبر عليه، وعلى إعطاء الزيادة على ما حدّه اللَّه تعالى في الزكاة. والحاصل أن الجمع بين الحديثين بما ذكر متعيّنٌ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٦٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ: جَرِيرٌ، أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - نَاسٌ، مِنَ الأَعْرَابِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ، يَظْلِمُونَ، قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ»، قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ»، ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ»، قَالَ جَرِيرٌ: فَمَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ، مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِلاَّ وَهُوَ رَاضٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنَزيّ البصريّ. ثقة حافظ [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (محمد بن بشار) أبو بكر بندار البصري، ثقة [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٣ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة [٩] ٤/ ٤. ٤ - (محمد بن أبي إسماعيل) واسم أبي إسماعيل راشد الأسلميّ المدنيّ، ثقة [٥]. قال ابن معين، والنسائيّ ثقة. وقال أبو حاتم: محمد بن راشد أخو عمر، وإسماعيل، ويُعرفون ببني أبي إسماعيل، محمد أحبّهم إليّ. وقال يحيى بن آدم، عن شريك: أنه سئل عن امرأة وَلَدت في بطن أربعة، فقال: قد رأيت بني أبي إسماعيل أربعة وُلِدُوا في بطن واحد، وعاشوا. قال البخاريّ: عامتهم محدّثون. وذكره ابن حبّان في «الثقات». قال البخاريّ: قال يحيى: مات سنة (٢٤٢). أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنّف، له عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الرحمن بن هلال) العبسيّ -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقة [٣]. قال النسائيّ: ثقة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وفي الطبرانيّ من طريق مُجالد عنه قال: بعثني أبي إلى جرير، فسألته. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، سوى الترمذيّ، وله عند المصنف في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جرير) بن عبد اللَّه بن جابر البجلي الصحابي الجليل - رضي اللَّه تعالى عنه - ٤٣/ ٥١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن عبد الرحمن، ومحمد بن أبي إسماعيل هذا أول محل ذكرهما من الكتاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ) العبسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه - ﵁ - (أَتَى النَّبِيَّ) بالنصب مفعول مقدم (- ﷺ - نَاسٌ) بالرفع فاعل مؤخّر (مِنَ الأَعْرَابِ) بالفتح يريد أهل الباديهَ، وواحد الأعراب أعرابيّ، والفرق بين الأعرابيّ والعربيّ أن من نزل البادية، وجاور البادين، وظعن بظَعْنِهم، فهو من الأعراب، ومن نزل بلاد الرِّيفِ، واستوطن الْمُدُن، والقرى العربيّة، وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهو من العرب، وإن لم يكن فصيحًا. (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِينَا نَاسٌ مِنْ مُصَدِّقِيكَ) وفي نسخة: «من مصدقكم»، وهو جمع مُصَدّق -بتخفيف الصاد، وتشديد الدال- أي من السُّعَاة الذين ترسلهم لأخذ الصدقات (يَظلِمُونَ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا شكّ أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا؛ ولذلك قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٩٧] ولذلك نَسَبُوا الظلم إلى مصدّقي النبيّ - ﷺ -، وإلى فضلاء أصحابه، فإنه - ﷺ - ما كان يَستعمل على ذلك إلا أعلم الناس، وأعدلهم؛ لكن لجهل الأعراب بحدود اللَّه ظنّوا أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم، فقال لهم - ﷺ -: «أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلِمتم» أي على زعمكم وظنّكم، لا أنّ النبيّ - ﷺ - سوّغ للعمّال الظلم، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكرٍ، وإغراءً بالظلم، وذلك مُحالٌ قطعًا، وإنما سلك النبيّ - ﷺ - مع هؤلاء هذا الطريق، دون أن يبيّن لهم أن ذلك الذي أخذه المصدّقون ليس ظلمًا؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقريرٍ، وقد لا يَفهَم ذلك أكثرهم. وأيضًا فَلْيَحصُل منهم الانقياد الكلّيّ بالتسليم، وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] انتهى كلام القرطبيّ . (قَالَ) - ﷺ - (أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المصدّق الساعي، ومقصود الحديث الوَصَاية بالسُّعَاة، وطاعةِ وُلاة الأمور، وملاطفتِهِم، وجمعُ كلمة المسلمين، وصلاح ذات البين. وهذا كلّه ما لم يطلب جَوْرًا، فإذا طلب جَورًا، فلا موافقة له، ولا طاعة؛ لقوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ - المتقدّم: «فمن سئلها على وجهها، فليعطها، ومن سئل فوقها، فلا يعط». قال: واختلف أصحابنا في معنى قوله - ﷺ -: «فلا يُعط» فقال أكثرهم: لا يُعطي الزيادة، بل يعطي الواجب. وقال بعضهم: لا يعطه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا يُعطَى شيئًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الأكثرون هو الأقرب. واللَّه تعالى أعلم. (قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ: «أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ) زاد في رواية لأبي داود:»وإن ظُلمتم«. وفي حديث بشير ابن الْخَصَاصيّة - ﵁ - قال: قلنا: يا رسول اللَّه إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال:»لا«. رواه أبو داود، وفي إسناده مجهول. وفي حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:»سيأتيكم ركبٌ مُبَغّضون، فإذا جاؤوكم، فرحّبوا بهم، وخلّوا بينهم، وبين ما يَبتغون، فإن عَدَلُوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم«. رواه أبو داود أيضًا، وفي إسناده مجهول أيضًا . (ثُمَّ قَالُوا: وَإِنْ ظَلَمَ؟ قَالَ:»أَرْضُوا مُصَدِّقِيكمْ«، قَالَ: جَرِيرٌ) بن عبد اللَّه - ﵁ - (فَمَا صَدَرَ عَنيِّ مُصَدِّقٌ) أي ما رجع من عندي سَاعٍ. يقال: صدَرَ عن الموضع صَدْرًا، من باب قتل: إذا رجع، قال الشاعر [من البسيط]: وَلَيلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا … صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا (مُنْذُ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِلاَّ وَهُوَ رَاضٍ) يعني أنه ما رجع من عنده ساعٍ بعد سماعه هذا الحديث من رسول اللَّه - ﷺ - إلا وهو راضٍ عنه؛ لكونه أعطاه ما طلب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جرير - ﵁ - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٤/ ٢٤٦٠ و٢٤٦١ - وفي «الكبرى» ١٥/ ٢٢٤٠ و٢٢٤١. وأخرجه (م) في «الزكاة» ٩٨٩ (د) في «الزكاة» ١٥٨٩ (ت) في «الزكاة» ٦٤٧ (ق) في «الزكاة» ١٨٠٢ (أحمد) في «مسند الكوفيين» ١٨٧٢٤ (الدارميّ) ١٦٦٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم ما إذا جاوز الساعي في الصدقة القدرَ الواجبَ، وهو أنه يجب إرضاؤه، وقد تقدّم الجمع بينه وبين حديث أنس - ﵁ -: «ومن سئل فوقها، فلا يعط» أولَ الباب، فتنبّه. (ومنها): أن الإنسان مجبول على الحرص في ماله، ولذا يَظُنّ أحيانًا المصدّق ظالمًا له، ولهذا أمر النبيّ - ﷺ - بإرضاء المصدّق، لأنه لا يظلم، حيث إنه - ﷺ - لا يرسل إلا العالم الورع، ومع ذلك يوصيه بتوقّي كرائم أموال الناس، وإنما حِرْصُ صاحب المال
مصادر المؤلف (٤)

١. -»المفهم«ج ٣ ص ١٣٣ - ١٣٤.

٢. -»شرح مسلم«ج ٧ ص ١٧٤ - ١٨٥.

٣. - راجع «المنهل» ج ٩ ص ١٨٧ - ١٨٩.

٤. - راجع «المصباح المنير» في مادة صدر. والسَّدَفُ مُحَرَّكّةٌ: الصبح، وإقباله، وسواد الليل. قاله في «القاموس».