HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٠٠

أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص195
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢٥٤
أعلم بالصواب. ٢٥٠٠ - (أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، زَكَاةَ رَمَضَانَ عَلَى الْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمران بن موسى) القزّاز الليثيّ، أبو عمرو البصريّ، صدوق [١٠] ٦/ ٦. ٢ - (عبد الوارث) بن سعيد بن ذكران العنبريّ مولاهم، أبو عبيدة البصريّ التّنّوريّ، ثقة ثبت [٨] ٦/ ٦. ٣ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان البصريّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٥] ٤٢/ ٤٨. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر العدويّ المدنيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو، والترمذيُّ، وابنُ ماجه. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريون، والباقيان مدنيّان، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة: وهم، ابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: «فَرَضَ») أي أوجب، وألزم (رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وما فرضه - ﷺ - إلا عن أمر من اللَّه -﷿-، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: «فَرَض» على أن صدقة الفطر فريضة. والحنفيّة على أنها واجبة. قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعيّ، فهو فرض عمليٌّ، لا اعتقاديّ. وقال السنديّ: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤدّاه الظن، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض بالقطع، والواجب بالظنّ انتهى. وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة الفرق بين الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت بدليل ظنّيّ، قالوا: إن المراد بالفرض هنا الواجب. وفيه نظر؛ لأنّ هذا قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله، حتى على قواعدهم، فلا يحتاج لتأويلهم الفرض بالواجب انتهى. قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ، والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعًا حكوا الخلاف فيها. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما أمكن هو المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن الصحابة - ﵃ - ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض والواجب، كما يقول به الحنفيّة، فعبد اللَّه بن عمر - ﵄ - حين قال: فرض رسول اللَّه - ﷺ - زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون فرض زكاة المال، وفرض صوم رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كلف اللَّه تعالى بها المكلّفين، من غير فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو الذي فرض زكاة رمضان. والحاصل أن ما ذهب إليه الأئمّة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو الحقّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (زَكَاةَ رَمَضَانَ) أي الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم رمضان، فإضافة الزكاة إلى «رمضان» من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل الباب. فـ«زكاة» منصوب على المفعولية (عَلَى الْحُرِّ) متعلّق بـ «فرَضَ». قال السنديّ: «على» بمعنى «عن»، إذ لا وجوب على العبد، والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال للعبد، ولا تكليف على الصغير، نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه انتهى. (وَالْعَبْدِ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة. وخالفه أصحابه، والناس. واحتجّوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر». رواه مسلم. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. (وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، صَاعًا) منصوب على البدليّة من «زكاةَ رمضان»، أو حال منه، أو «زكاة» منصوب على نزع الخافض، أي في زكاة رمضان، والمفعول «صاعًا». أفاده السنديّ. وقال الحافظ السيوطيّ في «شرحه»: قيل: إن «صاعًا» منصوب على أنه مفعول ثان. وقيل: على التمييز. وقيل: خبر «كان» محذوفًا. وقيل: على سبيل الحكاية انتهى (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ«صاعًا» (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ) «أو» هنا للتخيير، فيُخيّر بين أن يخرج صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (فَعَدَلَ النَّاسُ) أي جعلوه مثله، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدْلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. ذكره في «المصباح». والمراد بالناس معاويةُ - ﵁ -، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب، عن نافع، أخرجه الحميديّ، في «مسنده»، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه: «صدقة الفطر صاعٌ من شعير، أو صاع من تمر، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير». وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في «صحيحه» من وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الآتي في ٣٨/ ٢٥١٣ - وهو أصرح منه. وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه: «فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. فقد حكم مسلم في»كتاب التمييز«على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الردّ عليه. وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عُيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له:»إني أحلف لا أعطي قومًا، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير«. ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطة. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء اللَّه تعالى (بِهِ) أي بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من شعير (نِصْفَ صَاعٍ من بُرٍّ») يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر، أو شعير، فيجزىء أداؤه عن صدقة الفطر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٠/ ٢٥٠٠ و٣١/ ٢٥٠١ و٣٢/ ٢٥٠٢ و٣٣/ ٢٥٠٣ و٢٥٠٤ و٣٤/ ٢٥٠٥ و٤١/ ٢٥١٦ و٤٥/ ٢٥٢١ - وفي «الكبرى» ٣٢/ ٢٢٧٩ و٣٣/ ٢٢٨٠ و٣٤/ ٢٢٨١ و٣٥/ ٢٢٨٢ و٢٢٨٣ و٣٦/ ٢٢٨٤ و٤٣/ ٢٢٩٥ و٤٧/ ٢٣٠٠. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٥٠٣ و١٥٠٤ و١٥٠٧ و١٥٠٩ و١٥١١ و١٥١٢ (م) في «الزكاة» ٩٨٤ و٩٨٦ (د) في «الزكاة» ١٦١١ و١٦١٣ و١٦١٤ (ت) في «الزكاة» ٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧ (ق) في «الزكاة» ١٨٢٦ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٧٢ و٥١٥٢ و٥٢٨١ و٥٣١٧ و٥٣٢٣ و٥٧٤٧ و٥٩٠٦ و٦١٧٩ و٦٣٥٣ و٦٣٩٣ و٦٤٣١ و(مالك) في «الزكاة» ٦٢٧ (الدارميّ) في «الزكاة» ١٦٦١ و١٦٦٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة الفطر. وقال إسحاق -يعني ابن راهويه- هو كالإجماع من أهل العلم. وقال الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم. وقال الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: فأما قوله في حديث ابن عمر: «فرض رسول اللَّه - ﷺ - …» فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول اللَّه - ﷺ -، وما أوجبه رسول اللَّه - ﷺ -، فبأمر اللَّه أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها: فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول اللَّه - ﷺ - كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله . وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب ما فرضها رسول اللَّه - ﷺ -، لم ينسخها شيء. وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ. وقال أشهب: سألت مالكًا عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو التَّمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ. قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج. واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضًا: أحدهما: أنها فرض واجبٌ. والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في «الاستذكار» . وقال في «التمهيد»: وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: «فرضَ الخ» فإنه يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر- فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم: أي قدّرها، وعرف مقدارها. والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع. وقد فَهِمَ المسلمون من قوله -﷿-: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١].، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه اللَّه هذا فرض، وما أوجبه رسول اللَّه - ﷺ -، فعن اللَّه أوجبه، وقد فرض اللَّه طاعته، وحذّر مخالفته، ففَرْضُ اللَّه، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه. قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضًا؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ. قال: ولعلّ جاهلًا يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال: إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست بفرض، كُفِّرَ. فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر صاحبه، ولكنه يُجَهَّل، ويُخطَّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبيّن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدًا بيد … إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؛ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- كلام نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض اللَّه تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بينه -رحمه اللَّه تعالى- آنفًا، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه اللَّه تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار، لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى. واختلف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك فاضلًا عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر. وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى. وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور. وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي انتهى. قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في «الجواهر»: لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى. فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك انتهى. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصابًا من الذهب أو الفضّة، أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بد منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهمًا فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهمًا انتهى. وفي «مسند أحمد» عن أبي هريرة - ﵁ - في زكاة الفطر: «على كلّ حرّ، وعبد، ذكرِ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف صاع من قَمْحٍ» . قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ - ﷺ -. وروى الدارقطنيّ عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول اللَّه - ﷺ - قال: «أدّوا صاعًا من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه اللَّه، وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى» . ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قويّة، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ - ﷺ - بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول»، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: «فرض رسول اللَّه - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على الناس». وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين . وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «النيل»: قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى شرعيًّا. واستُدلّ لهم بقوله - ﷺ -: «إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى». أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا. وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». كما أخرجه أبو داود انتهى. وأخرجه البخاريّ أيضًا بهذا اللفظ، وهو مشعر بأن النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى. قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال. وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا
مصادر المؤلف (٨)

١. - «شرح السندي» ج ٥ ص ٤٧. و«شرح السيوطيّ» ج ٥ ص ٤٧ - ٤٨.

٢. - سيأتي للمصنّف برقم ٢٥٠٧. وأخرجه ابن ماجه برقم ١٨٢٨.

٣. - «الاستذكار» ج ٩ ص ٣٤٨ - ٣٥٠.

٤. - هكذا في نسخة «التمهيد»: «على، والظاهر أنها»عن«.

٥. -«التمهيد» ج ١٤ ص ٣٢٣ - ٣٢٤.

٦. - هو موقوف رجاله ثقات.

٧. - ضعيف؛ لكثرة اضطرابه سندًا، ومتنًا. انظر «نصب الراية» ج ٢ ص ٤٠٦ - ٤١٠.

٨. - «طرح التثريب» ج ٤ ص ٦٥ - ٦٦.