HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٣٧

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: «أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَ مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ فَقَالَ: يُطْعِمُ طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ! وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: بِغَيْرِ أَمْرِي. قَالَ: الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص207
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ٦٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, صحيح مسلم
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٣٦
وقوله: «قال: وأنبأنا إسماعيل بن مسعود» هذا إسناد آخر للمصنّف، والواو فيه واو التحويل، أي هي الواو التي تأتي بعد حاء التحويل، ففاعل «قال» ضمير يعود إلى تلميذ المصنّف، وقائل: «وأنبأنا» هو المصنّف. وقوله: «بغير طهور» قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: «الطهور» هنا -بضمّ الطاء- على الأشهر؛ لأن المراد به المصدر انتهى. وقوله: «من غُلُولٍ» -بضم الغين المعجمة- مصدر غَلّ يَغُلُّ غُلُولًا، من باب قعد: إذا سرق من مال الغنيمة قبل القسمة، ويطلق أيضًا على أخذ مال غيره خفية مطلقًا، غنيمة، أو غيرها، والمراد به هنا مطلق المال الحرام، أُخذ خفيةً، أم لا، وسمي غلولًا؛ لأن الأيدي يُجعل فيها الغُلّ بسببه، والغلّ: هي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه. والحاصل أن كلّ مال يأخذه الشخص من غير حلّ، ثم يتصدّق به لا يقبل منه، وكذا لو نوى التصدّق به عن صاحبه، ولا تسقط عنه تبعته، إلا إذا رضي عنه صاحبه، وجعله في حلّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ، مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ -﷿-، إِلاَّ الطَّيِّبَ، إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ -﷿- بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»، أَوْ«فَصِيلَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧]. ٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريّ المدني الثقة الفقيه [٣]. ٤ - (سعيد بن يسار) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقة [٣]. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، والليث فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية روى (٥٣٧٤). واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بن يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا») نافية (تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ) الباء يكثر زيادتها بعد «ما» النافية، و«ليس»، و«كان المنفيّة بـ»لم«، كما قال ابن مالك في»الخلاصة«: وَبَعْدَ«مَا»و«لَيْسَ»جّرَّ الْبَا الْخَبَرْ وَبَعْدَ«لَا»وَنَفْيِ«كَانَ»قَدْ يُجَرُّ (مِنْ طَيِّبٍ) أي حلالٍ، وقد يطلق الطيّب على المستلذّ بالطبع، والمراد هنا هو الحلال. وفي رواية الشيخين:«مَن تصدّق بِعَدْل تمرة من كسب طيّب»: أي بقيمتها؛ لأنه بالفتح: المثل، وبالكسر: الِحْمل بكسر المهملة، هذا قول الجمهور، وقال الفرّاء: بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة، وبالكسر في النظر. وأنكر البصريّون هذه التفرقة. وقال الكسائيّ: هما بمعنى، كما أنّ لفظ المثل لا يختلف. وضُبط في هذه الرواية للأكثر بالفتح انتهى . وقوله:«من كسب طيّب» أي صناعة، أو تجارة، أو زراعة، أو غيرها، ولو إرثًا، أو هبة. قال الحافظ: معنى الكسب: المكسوبُ، والمراد به ما هو أعمّ من تعاطي التكسّب، أو حصول المكسوب بغير تعاط، كالميراث، وكأنه ذكر الكسب لكونه الغالب في تحصيل المال، والمراد بالطيّب الحلال؛ لأنه صفة الكسب. وقال القرطبيّ: والكسب الطيّب في هذا الحديث الحلال، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] وغيره، وأصل الطيّب المستلذّ بالطبع، ثمّ أُطلق على المطلق بالشرع انتهى . (وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ -﷿-، إِلَّا الطَّيِّبَ) جملة معترضةٌ بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفيه دليل على أن الحلال مقبول. قال السنديّ: هذه الجملة معترضة لبيان أنه لا ثواب في غير الطيّب، لا أن ثوابه دون هذا الثواب، إذ قد يتوهّم من التقييد أنه شرط لهذا الثواب بخصوصه، لا لمطلق الثواب، فمطلق الثواب يكون بدونه أيضًا، فذُكِرَت هذه الجملة دفعًا لهذا التوهّم. ومعنى عَدَم قبوله أنه لا يُثيب عليه، ولا يرضى به. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «ومعنى عدم القبول الخ» فيه نظر؛ لأن هذا لازم لمعنى القبول، لا مَعنًى للقبول، والصواب أن القبول على ظاهر معناه على الوجه اللائق به -﷿-، كما يدلّ عليه قوله: «إلا أخذها الرحمن الخ»، كما سيأتي بيانه قريبًا. وقال القرطبيّ: وإنما لا يقبل اللَّه الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدّق، وهو ممنوعٌ من التصرّف فيه، والتصدّق به تصرّف فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحرَم الرّقّة، والإخلاص، فلا تقبل الأعمال، وإشارة الحديث إلى أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيّب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيّب بذاته انتهى. (إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ -﷿- بِيَمِينِهِ) فيه إثبات اليمين للَّه -﷿-، على ما يليق بجلاله، وهذا المذهب الحقّ الذي عليه سلف هذه الأمة، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (وَإنْ كَانَتْ تَمْرَةً) قال السنديّ: و«إن» وصليّةٌ، أي ولو كانت الصدقة شيئًا حقيرًا انتهى (فَتَرْبُو) أي تزيد تلك الصدقة (فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ) فيه إثبات الكفّ للَّه تعالى أيضًا على ما يليق بجلاله -﷿- (حَتَّى تَكُونَ) تلك الصدقة (أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ) أي في الثقل. وفي رواية البخاريّ: «حتى تكون مثل الجبل». وفي رواية ابن جرير: «حتى يوافَى بها يوم القيامة، وهي أعظم من أحد». يعني التمرة. ولفظ الترمذيّ: «حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد»، وتصديق ذلك في كتاب اللَّه -﷿-: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [التوبة: ١٠٤]، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٦]، وفي رواية ابن جرير التصريح بأن تلاوة الآية من كلام أبي هريرة. وزاد في رواية عبد الرزّاق: «فتصدّقوا». قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعِظَمِها أن عينها تعظم لتَثقُلَ في الميزان. ويحتمل أن يكون ذلك معبّرًا به عن ثوابها انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الصواب، وأما الثاني، فيُبعِده سياق الحديث. واللَّه تعالى أعلم (كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ) هذا التشبيه متعلّق بمحذوف: أي يربيها الرحمن تربية، مثل تربية أحدكم الخ، ويدلّ عليه رواية الشيخين، وغيرهما بلفظ: «ثم يُربيّها لصاحبها، كما يربّي أحدكم الخ» (فَلُوَّهُ«) بفتح الفاء، وضمّ اللام، وفتح الواو المشدّدة: أي مُهره. وهو بضمّ، فسكون: ولد الفرس، حين يُفلَى، أي يُفطم. وقيل: هو كلّ فَطِيم، من ذوات حافر، والجمع أفلاء، كعدُوّ وأعداء، والأنثى فَلُوّةٌ بالهاء، والْفِلْوُ وزان حِمْل لغة فيه. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شدّدت الواو، وإذا كسرتها سكّنت اللام، كجِرْوٍ. وضُرِب به المثلُ؛ لأنه يزيد زيادة بينة، فإن صاحب النتاج لا يزال يتعاهده، ويتولّى تربيته، ولأن الصدقة نتاج عمله، وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن القيام، والعناية به انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم، لا سيّما الصدقة التي يُجاذبها الشحّ، ويتشبّث بها الهوى، ويقتفيها الرياء، ويكدّرها الطبع، فلا تكاد تخلص إلى اللَّه تعالى إلا موسومة بنقائص، لا يجبرها إلا نظر الرحمن ﷾، فإذا تصدق العبد من كسب طيّب، مستعدًّا للقبول، فتح دونها باب الرحمة، فلا يزال نظر اللَّه يُكسبها نعت الكمال، ويوفيها حصّة الثواب حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبةُ بينه وبين ما قَدّم من العمل وقوعَ المناسبة بين التمرة والجبل. كذا قال التوربشتيّ . (أَوْ فَصِيلَهُ) «أو» للشكّ من الراوي. و«الفصيل» -بالفتح-: ولد الناقة؛ لأنه يُفصَل عن أمّه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع فُصلان، بضمّ الفاء، وكسرها، وقد يُجمع على فِصال، بالكسر. قاله في «المصباح». ووقع عند الترمذيّ: «فلوّه، أو مُهْره». ولعبد الرزّاق: «مُهره، أو فَصيله». وفي رواية البزّار: «مهره، أو رَضيعه، أو فَصيله». ولابن خزيمة: «فلوّه، أو قال: فصيله». وهذا يشعر بأن «أو» للشكّ. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٨/ ٢٥٢٥ - وفي «الكبرى» ٥٠/ ٢٣٠٤. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤١٠ (م) في «الزكاة» ١٠١٤ (ت) في «الزكاة» ٦٦١ و٦٦٢ (ق) في «الزكاة» ١٨٤٢ (أحمد) في باقي مسند المكثرين«٧٥٧٨ و٨١٨١ و٨٧٣٨ و٨٩٩٢ و٩١٤٢ و٩١٤٩ و٩٢٨١ و٣٨٩٧ و١٠٥٦٢ و١٠٥٩٦ (الدارميّ) في»الزكاة« ١٦٧٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها):- ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو تحريم الصدقة من غلول؛ لأنها خبيثة، واللَّه تعالى طيّب، لا يتقبل إلا طيّبًا (ومنها): جواز الوصف للَّه تعالى بأنه طيّب. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي منَزّه عن النقائص، والخبائث، فيكون بمعنى القدّوس. وقيل: طيّب الثناء، ومُستَلَذّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا فطيّبٌ من أسمائه الحسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السنّة، كالجميل، والنظيف، على قول من رواه، ورآه انتهى . (ومنها): فضل الصدقة من المال الحلال، حيث إن الرحمن يتقبّلها بقبول حسنٍ (ومنها): إثبات صفة القبول للَّه تعالى على ما يليق بجلاله -﷿-، ولا يقال: إنه بمعنى الرضا والمثوبة؛ لإن هذا تفسير باللازم، ولا حاجة إلى العدول إلى التأويل؛ إذ ليس نصّ يدلّ عليه، بل القبول على ظاهره، ولا يلزم من إثباته تشبيه بالمخلوق، إذ القبول الثابت له تعالى غير القبول الثابت للمخلوق، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (ومنها): إثبات اليمين للَّه -﷿- على ما يليق بجلاله أيضًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (ومنها): إثبات الكف للَّه -﷿- كذلك (ومنها): بيان فضل اللَّه تعالى للمتصدّق من مال طيّب، حيث يربّيها له حتى تكون التمرة الواحدة من عظمها مثل الجبل، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في آيات الصفات، وآحاديثها: (اعلم): أن الحق الذي درج عليه الصحابة - ﵃ -، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان هو إثبات ما دلّت عليه آيات الصفات، وأحاديثها الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه - ﷺ - على ظاهرها من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل، بل على ما يليق بجلاله ﷾، كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «جامعه» بعد أن أورد حديث الباب: ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الربّ ﵎، كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ويُؤمَن بها، ولا يُتَوَهَّم، ولا يقال: كيفَ. هكذا رُوي عن مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا «كيف». وهكذا قول أهل العلم من أهل السنّة والجماعة. وأما الجهميّة، فأنكرت هذه الرويات، وقالوا: هذا تشبيه. وقد ذكر اللَّه تبارك تعالى في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهميّة هذه الآيات، وفعمروها على غير ما فسّر به أهلُ العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد القوّة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يدٌ كيدٍ، أو مثلُ يدٍ، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمعٌ كسمع، أو مثلُ سمعٍ، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال اللَّه: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيفَ، ولا يقول: مثلُ سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- . وأخرج الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في «السنن الكبرى» - بعد أن أخرج حديث: «ينزل ربنا -﷿- كلّ ليلة إلى سماء الدنيا …» الحديث- عن الوليد بن مسلم، أنه قال: سئل الأوزاعيّ، ومالكٌ، وسفيان الثوريّ، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة. وأخرج أيضًا عن أبي داود الطيالسيّ، أنه قال: كان سفيان الثوريّ، وشعبة، وحماد ابن زيد، وحماد بن سلمة، وشريك، وأبو عوانة لا يَحِدُون، ولا يُشبّهون، ولا يمثلون، يَرْوُون الحديث، ولا يقولون: كيفَ، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر. قال: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، قال: سمعت أبا محمد أحمد بن عبد اللَّه المزنيّ، يقول: حديث النزول قد ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ - من وجوه صحيحة، وورد في التنزيل ما يصدّقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، والنزول، والمجيء صفتان منفيّتان عن اللَّه تعالى من طريق الحركة، والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات اللَّه تعالى، بلا تشبيه، جلّ اللَّه تعالى عما تقول المعطّلة لصفاته، والمشبّهة بها علوًّا كبيرًا انتهى كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الإمام المفسّر المحدّث البغويّ في «شرح السنّة» بعد أن أخرج حديث النار، وفيه: «حتى يضع ربّ العزة قدمه»، وفي لفظ: «رجله»: ما نصّه: قلت: والقدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات اللَّه -﷿- المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب والسنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرض، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطلٌ، والمكيّفُ مشبِّهٌ، تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ انتهى كلام البغويّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الحافظ الذهبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «العلوّ للعليّ الغفّار» بعد أن ذكر عدّة آيات من آيات الاستواء والعلوّ: ما نصّه: فإن أحببت يا عبد اللَّه الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنّة، ثم انظر ما قاله الصحابة، والتابعون، وأئمّة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف … إلى أن قال: فإننا على اعتقادٍ صحيحٍ، وعقدٍ متينٍ من أن اللَّه تعالى، تقدس اسمه، لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدّسة، إذ الصفات متابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري، ونميّز ذاته المقدسة عن الأشباه، من غير أن نعقل الماهيّة، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونتعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها، أو نكيّفها، أو نمثّلها بصفات خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا انتهى المقصود من كلام الحافظ الذهبيّ -﵀- تعالى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في «الفتح»: قال شهاب الدين السهرورديّ في كتاب العقيدة له: أخبر اللَّه في كتابه، وثبت عن رسوله - ﷺ - الاستواء، والنزول، والنفس، واليد، والعين، فلا يُتصرّف فيها بتشبيه، ولا تعطيل، إذ لولا إخبار اللَّه، ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. قال الطيبيّ: هذا هو المذهب المعتمد، وبه يقول السلف الصالح. وقال غيره: لم ينقل عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أحد من أصحابه، من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ذلك، ولا المنع من ذكره، ومن المحال أن يأمر اللَّه نبيّه - ﷺ - بتبليغ ما أُنزل إليه من ربّه، وُينْزِل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ثم يترك هذا الباب، فلا يميّز ما يجوز نسبته إليه مما لا يجوز، مع حضّه على التبليغ عنه بقوله: «ليبلّغ الشاهد الغائب»، حتى نقلوا أقواله، وأفعاله، وأحواله، وصفاته، وما فُعل بحضرته، فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان بها على الوجه الذي أراده اللَّه منها، ووجب تنزيهه عن مشابهة المخلوقات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾،فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم، وباللَّه تعالى التوفيق انتهى ما ذكره الحافظ في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من نصوص هؤلاء الأئمة الأعلام أن الحقّ هو إثبات صفات اللَّه -﷿- على ما جاءت به نصوص الكتاب، والسنّة «الصحيحة» من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله -﷿-، وهذا هو الذي أجمع عليه السلف، ومن سار على طريقتهم، وسلك سبيلهم، من أهل العلم بالكتاب والسنّة في جميع الأعصار والأمصار. وأما ما نقله في «الفتح» عن المازريّ، والقاضي عياض، والزين ابن المنيّر، وغيرهم من تأويلهم حديث الباب بالتأويلات التي يأباها ظاهر النص، وتخالف ما عليه السلف، مما تقدّم من إثباتهم الصفات كما وردت على المعنى اللائق به -﷿-، وعدم الخوض بالتأويل فأقوال لا يُلْتَفَتُ إليها؛ لكونها مما أحدثه المتأخّرون، مخالفين لهدي سلفهم الذي هو الحقّ الحقيق بالقبول والاتباع ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، ولقد أحسن من قال: وَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِ مَنْ سَلَفْ … وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَن خَلَفْ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللَّهمّ فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم اللهم آمين، آمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٩ - (جُهْدُ الْمُقِلِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل الصدقة مع قلّة المال، فـ «الجهد» بالفتح، والضمّ: الطاقة، تقول اجهد جَهْدك، وقيل: بالفتح: المشقّة، وبالضمّ: الطاقة، وقال الليث: الجَهْد -بالفتح-: ما جَهَدَ الإنسانَ من مرضٍ، أو أمر شاقّ، فهو مجهودٌ، قال: والْجُهْد -بالضمّ- لغةٌ بهذا المعنى. وقال ابن الأثير: قد تكرّر لفظ الْجَهْد -بالفتح، والضمّ- في الحديث، وهو -بالفتح- المشقّة، وقيل: المبالغة والغاية، و- بالضمّ-: الوُسع والطاقة، وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، فأما في المشقّة والغاية فالفتح لا غير، قال: ومن المضموم حديث الصدقةِ، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: «جُهْد المقلّ»: أي قدر ما يحتمله حال القليل المال. ذكره في «لسان العرب». واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٢٦ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ حَجَّاجٍ ، قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَلِيٍّ الأَزْدِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ»، قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ»، قِيلَ: «فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: »جَهْدُ الْمُقِلِّ«، قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: »مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ -﷿-«، قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: »مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ«، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: »مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعُقِرَ جَوَادُهُ«). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ) أبو الحسن الورّاق البغداديّ، ويقال له: ابن الحكم، ثقة [١١] ٤٢/ ١٢٨٢ من رجال أبي داود، والترمذيّ، والمصنّف. ٢ - (حَجَّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ الحافظ الثبت، وهو أثبت مَن روى عن ابن جُريج [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الفقيه الثقة الفاضل المكيّ [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيمَانَ) بن جُبير بن مطعم القرشيّ النوفليّ المكيّ، قاضيها، ثقة [٦] ١٣/ ١٢٠٥. ٥ - (عَلِيِّ الْأَزْدِيّ) بن عبد اللَّه البارقيّ أبو عبد اللَّه بن أبي الوليد، صدوق [٣] ٢٦/ ١٦٦٦. ٦ - (عُبَيد بْن عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، ولد على عهد النبيّ - ﷺ -، من كبار التابعيين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته، مات قبل ابن عمر [٢] ١٢/ ٤١٦. ٧ - (عبد اللَّه بن حُبْشيّ الْخَثْعَميّ) -بضمّ المهملة، وسكون الموحّدة، بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة- أبو قُتيلة. روى عن النبيّ - ﷺ -. وعنه عُبيد بن عُمير، وسعيد بن محمد بن جُبير ابن مُطعم، إن كان محفوظًا. قال ابن سعد: نزل مكة. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله عندهما حديث الباب، وحديث النهي عن قطع السدر فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابيّ كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين من ابن جريج، إلى آخره،. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فإنه ليس له في الكتب الستّة، بل ولا في غيرها غير هذين الحديثين عند أبي داود، والمصنف. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبد اللَّهِ بْن حُبْشِيٍّ الْخَثْعَمِيِّ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الثاء المثلّثة، بعدها عين مهملة، فميم-: نسبة إلى خَثْعَم بوزن جَعْفر، اسم قبيلة، سمّيت باسم أبيها خثعم بن أنمار (أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ -، سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أعمال العباد أكثر ثوابًا؟ (قَالَ: «إِيمَانٌ لًا شَكَّ فِيهِ») قال السنديّ: أي في مُتعلّقه، والمراد تصديقٌ بلغ حدّ اليقين، بحيث لا يبقى معه أدنى توهّم لخلافه، وإلا فمع بقاء الشكّ لا يحصل الإيمان، أو إيمان لا يشكّ المرء في حصوله له، بأن يتردّد هل حصل له الإيمان، أم لا. والوجه الأول أولى، واللَّه تعالى أعلم انتهى (وجهادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ) بضمّ الغين، أي لا خيانة منه في غنائمه (وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ) قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الحجّ المبرور: هو الذي لا يخالطه شيءٌ من المآثم. وقيل: هو المقبولُ الْمُقابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرَّ حَجُّهُ، وبُرَّ حجُّهُ، وبرَّ اللَّهُ حجَّهُ، وأبرَّه بِرًّا -بالكسر- وإبرارًا انتهى (قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ») أي القيام، وفيه أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وبه قالت الشافعيّة، والحنفيّة، وهو الحقّ، لهذا الحديث، ولما رواه مسلم في «صحيحه»، من حديث جابر - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «أفضل الصلاة طول القنوت». يعني القيام. وقد تقدّم تمام البحث في هذا في «كتاب الصلاة» - في باب «أقربُ ما يكون العبد من اللَّه - ﷺ -»، فراجعه تستفد. (قِيلَ: «فَأَيُّ الصدقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:» جُهْدُ الْمُقِلِّ«)»الجهد«-بالضمّ-: الوسع والطاقة، - وبالفتح-: المشقة والغاية، والمراد هنا الأول. و»المقلّ«-بضمّ الميم، وكسر القاف، وتشديد اللام-: الفقير الذي معه شيء قليل من المال: أي إن أفضل الصدقة هو الذي يتصدّق به قليل المال على قدر طاقته، ووسعه. وإنما كانت صدقة المقلّ أفضل من صدقة الغنيّ؛ لأن الفقير يتصدّق بما هو محتاجٌ إليه، بخلاف الغنيّ، فإنه يتصدّق بفضول ماله. وهذا نظير الحديث التالي:»سبق درهم مائة ألف درهم … «الحديث. ولا تنافي بينه وبين حديث أبي هريرة الآتي في-٥٣/ ٢٥٣٤ - مرفوعًا:«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى … » الحديث. فإن حديث الباب محمول على قويّ الإيمان الذي يصبر على الفاقة، ويكتفي بأقلّ الكفاية. والحديث الآتي محمول على ضعيف الإيمان. ويحتمل أن يكون المراد بالغنى غنى القلب الذي يصبر صاحبه على الجوع، والشدّة، وهو المراد بالمقلّ في حديث الباب، فيكون المعنى: أن تصدق الفقير الغنيّ القلب، ولو كان قليلًا، أفضل من تصدّق الغنيّ بكثير من ماله، فهو يدلّ على أن الفقير الصابر أفضل من الغنيّ الشاكر، وأنّ عبادة الأول مع قلّتها أفضل من عبادة الثاني، مع كثرتها . وسيأتي تمام البحث في هذا في الباب المذكور، إن شاء اللَّه تعالى. (قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الهجرة أفضل. و«الهجرة» في الأصل مأخوذة من الْهَجْر -بفتح، فسكون- ضدِّ الوصل، ثمّ غلبت على الخروج من أرض إلى أرض، فإن كان خرج للَّه، فهي الهجرة الشرعيّة، وتطلق أيضًا على ترك المحرّمات، وهي المرادة هنا، كما أشار إليها بقوله (قَالَ) - ﷺ - (مَن هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ -﷿-») الكلام على حذف مضاف، أي هجرة من هجر الخ، يعني أن ترك الشخص الأمر الذي حرّمه اللَّه -﷿- هو أفضل أنواع الهجرة. وقال في«الفتح»عند شرح حديث عبد اللَّه بن عَمْرو - ﵄ -، مرفوعًا:«والمهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه»: ما نصّه: وهذه الهجرة ضربان، ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء، والشيطانُ، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن، وكأنّ المهاجرين خوطبوا بذلك لئلّا يتكلوا على مجرّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع، ونواهيه. وَيحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة، لَمّا فُتحت مكّة؛ تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى اللَّه عنه انتهى . (قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟) أي أيّ أنواع الجهاد أفضل؟ (قَالَ) - ﷺ - (مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ، وَنَفْسِهِ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي جهادُ مَن جاهد الخ. يعني أن جهاد من جاهد المشركين بماله ونفسه أفضل من غيره. ولا تنافي بينه وبين حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، مرفوعًا: «أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر». رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وهو حديث حسنٌ بشواهده؛ لأن الأفضلية نسبيّةٌ، أي بالنسبة للكلام، فإن المؤمن يجاهد بلسانه، كما يجاهد بيده، فتكون كلمة الحقّ عند سلطان جائر أفضل جهاد المؤمن المتعلّق بلسانه. ويحتمل أن تكون «من» مقدّرة، أي من أفضل الجهاد. والحاصل أن جهاد المؤمن للمشركين بنفسه وماله أفضل أنواع الجهاد على الإطلاق. واللَّه تعالى أعلم. (قِيلَ: فَأَيُّ القَتْلِ أَشْرَفُ؟) أي أيّ أنواع القتل أشرف؟. وفي نسخة: «فأيّ القتل أفضل؟» (قَالَ) - ﷺ - (مَن أُهَرِيقَ دَمُهُ) هو على حذف مضاف أيضًا، أي قتل من أهريق الخ. و«أهريق» بالبناء للمفعول، بمعنى «أُريق»، أي صَبّ. قال الفيّوميّ: راق الماءُ والدمُ رَيقًا، من باب باع: انصبّ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أراقه صاحبه، والفاعل مُرِيقٌ، والمفعولُ مُراقٌ، وتبدل الهمزة هاءً، فيقال: هراقه، والأصل هَرْيَقَه، وزان دحرجه، ولهذا تفتح الهاء من المضارع، فيقال: يُهَريقه، كما تُفتح الدّالّ من يُدَحرجه، وتفتح من الفاعل، والمفعول أيضًا، فيقال: مُهَرِيقٌ، ومُهَراقٌ، قال امرؤ القيس [من الطويل]: وِإنَّ شِفَائِي عَبرَةٌ مُهَرَاقَةٌ … فَهَلْ عِنْدَ رَسْمِ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ والأمرُ هَرِقْ ماءَكَ، والأصل هَرْيِقْ، وزان دَحْرِجْ. وقد يُجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أهراقه يُهرِيقه، ساكن الهاء، تشبيهًا له بـ «أسطاع يُسْطِيع»، كأنّ الهمزة زيدت عوضًا عن حركة الياء في الأصل، ولهذا لا يصير الفعل بهذه الزيادة خماسيًّا. انتهى كلام الفيّومي . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: فعلى هذا يحتمل «أُهريق» هنا أن يُضبط بفتح الهاء، وهو الأصل، وسكونِهَا. واللَّه تعالى أعلم. (وَعُقِرَ جَوَادُهُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي ضُربت قوائم جواده بالسيف، يقال: عَقَرَ البعيرَ بالسيف عَقْرًا، من باب ضرب: إذا ضرب قوائمه به، ولا يطلق العَقْرُ في غير القوائم، وربّما قيل: عقره: إذا نحره، فهو عَقِيرٌ. أفاده في «المصباح». و«الجواد» - بفتح الجيم، وتخفيف الواو- الخيل، يُطلق على الذكر والأنثى. قال في «اللسان»: وجاد الفرسُ: أي صار رائعًا، يَجُود جُودَةً -بالضمّ-، فهو جَوَادٌ للذكر والأنثى، والجمع جِيَاد، وأَجْيَادٌ، وأجاويد انتهى بتصرّف يسير. والمراد قتلُ مَن صَرَفَ نفسه وماله في سبيل اللَّه تعالى، وقتل فرسه معه، وإنما كان هذا أشرف أنواع القتل؛ لأنه بذل أنفس ما عنده للَّه تعالى، وهما نفسه، وماله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن حُبْشيّ - ﵁ - هذا صحيح. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في «الإصابة» بعد أن ذكر أن إسناد هذا الحديث قويٌّ: ما نصّه: لكن ذكر البخاريّ في «التاريخ» له علّة، وهي الاختلاف على عُبيد بن عُمير في سنده، فقال عليٌّ الأزديّ عنه هكذا، وقال عبد اللَّه بن عُبيد بن عمير، عن أبيه عن جدّه، واسم جدّه قتادة بن النعمان الليثيّ، ولكن لفظ المتن قال: «السماحة والصبر». فمن هنا يمكن أن يقال: ليست العلّة بقادحة. وقد أخرجه هكذا موصولا، من وجهين، في كلّ منهما مقال، ثم أورده من طريق الزهريّ، عن عبد اللَّه ابن عبيد، عن أبيه، مرسلًا، وهذا أقوى انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذه العلّة غير قادحة في صحة الحديث، كما أشار إليه الحافظ في كلامه المذكور آنفًا، بدليل اختلاف متني الحديثين، فيحمل على أن عبيد بن عُمير روى الحديثين جميعًا، روى عن عبد اللَّه بن حبشيّ حديث الباب، وعن أبيه عن جدّه الحديث المذكور، فلا يُعَلّ أحدهما بالآخر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٩/ ٢٥٢٦ - و«كتاب الإيمان» ١/ ٤٩٨٦ - وفي «الكبرى» ٥١/ ٢٣٠٥ وفي «كتاب الإيمان» ١/ ١١٧١٧. وأخرجه (د) في «الصلاة» ١٤٤٩ (أحمد) في «مسند المكيين» ١٤٩٧٥ (الدارميّ) في «الصلاة» ١٤٢٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صدقة قليل المال بقدر طاقته (ومنها): أن الأعمال تتفاوت ثوابًا، فيكون بعضها مع قلّته يفضل على بعض مع كثرته، وذلك فضل اللَّه تعالى يعطي الكثير على القليل لمن يشاء ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (ومنها): أن طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود، وهذا هو المذهب الراجح، وقد خالف فيه بعض أهل العلم، كما أشرت إليه قريبًا، وتقدّم تحقيق ذلك في «كتاب الصلاة» (ومنها): أن هَجْر المعاصي أفضل أنواع الهجرة (ومنها): أن جهاد المشركين بالمال والنفس أفضل الجهاد (ومنها): أن أشرف أنواع القتل في سبيل اللَّه تعالى أن يُقتل الشخص، ويُعقر فرسه معه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ، قَالَ: «كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ، تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ، فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: وقد تقدموا في الباب الماضي غير: ١ - (ابن عجلان) محمد المدني، مولى فاطمة بنت الوليد، صدوقٌ، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥] ٣٦/ ٤٠. ٢ - (القعقاع) بن حكيم الكنانيّ المدنيّ ثقة [٤] ٣٦/ ٤٠. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (أبو هريرة) - ﵁١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمديين غير شيخه فبغلاني، والليث، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. [تنبيه]: قوله: «والقعقاع» بالجرّ عطفًا على «سعيد»، فمحمد بن عجلان يروي عنهما جميعًا، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ) أي تقدّمها في الأجر والثواب (قَالُوا: وَكَيْفَ؟) أي قال الصحابة الحاضرون مجلس رسول اللَّه - ﷺ - حينما حَدَّث بهذا الحديث: وكيف يسبق درهم واحد مع قلّته مائةَ ألف درهم مع كثرتها؟ (قَالَ) - ﷺ - مبيّنًا وجه أسبقية الدرهم الواحد على هذه الدراهم الكثيرة (كَانَ لِرَجُلِ دِرْهَمَانِ، تَصَدَّقَ بأَحَدِهِمَا) أي وأبقى الآخر لأهله، حتى لا يقِع في إضاعة نفسه، وإضاعة من تجب عليه نفَقته، أو لئلّا يقع في ذل مسألة الناس (وَانْطَلقَ) أي ذهب (رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ) بضمّ العين المهملة، وسكون الراء: أي جانبه، وفيه إشارة إلى كثرة ماله، بحيث إن الذي تصدّق به من المبلغ المذكور لم يكن إلا جانبًا من جوانبه (فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر الحديث أن الأجر على قدر حال المعطي، لا على قدر المال الْمُعْطَى، فصاحب الدرهمين حيث أعطَى نصف ماله، في حال لا يُعطِي فيها إلا الأقوياء، يكون أجره على قدر همّته، بخلاف الغنيّ، فإنه ما أعطى نصف ماله، ولا في حال لا يُعطَى فيها عادةً. ويحتمل أن يقال: لعلّ الكلام فيما إذا صار إعطاء الفقيرِ الدرهمَ سببًا لإعطاء الغنيّ تلك الدراهم، وحينئذ يزيد أجر الفقير، فإن له مثل أجر الغنيّ، وأجر زيادة درهم. لكن لفظ الحديث لا يدلّ على هذا المعنى، ولا يناسبه. انتهى كلام السنديّ . واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ وفيه ابن عجلان، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -؟. [قلت]: إن الاختلاطه خاص بما رواه عن سعيد المقبري ، وهذا مما رواه أيضًا عن القعقاع عن أبي هريرة، وعن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهذان الطريقان ليس فيهما كلام، فتنبّه. والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٤٩/ ٢٥٢٧ و٢٥٢٨ - وفي «الكبرى» ٥١/ ٢٣٠٦ و٢٣٠٧. وأخرجه (أحمد) في «مسند المكثرين» ٨٧١٠ (وابن خزيمة) في «صحيحه» جـ ٤ ص ٩٩ رقم ٢٤٤٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٢٨ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ؟، قَالَ: «رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَانِ، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا، فَتَصَدَّقَ بِهِ، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَأَخَذَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ، مِائَةَ أَلْفٍ، فَتَصَدَّقَ بِهَا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. و«عبيد اللَّه بن سعيد»: هو أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ الثبت [١٠]. و«صفوان بن عيسى»: هو أبو محمد القَسّام البصريّ الثقة [٩]. و«أبو صالح»: هو ذكران السمّان الزيات المدنيّ ثقة ثبت [٣]. والحديث صحيح، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٢٩ - (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَأْمُرُنَا بِالصَّدَقَةِ، فَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا شَيْئًا، يَتَصَدَّقُ بِهِ، حَتَّى يَنْطَلِقَ إِلَى السُّوقِ، فَيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَجِيءَ بِالْمُدِّ، فَيُعْطِيَهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، إِنِّي لأَعْرِفُ الْيَوْمَ، رَجُلًا لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ، مَا كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ دِرْهَمٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الحسين بن حريث) أبو عمار المروزين ثقة [١٠] ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السينانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، ثقة ثبت ربما أغرب، من كبار [٩] ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (الحسين) بن واقد المروزيّ، أبو عبد اللَّه القاضي، ثقة له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٥ - (شقيق) بن سلمة المشهور بـ «أبي وائل» الأسدي الكوفي، مخضرم ثقة [٢] ٢/ ٢. ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدري الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدّم في ٦/ ٤٩٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمروزيين إلى الحسين، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي عند من قال: إن منصورًا من صغار التابعين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو - ﵁ - أنه (قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يَأْمُرُنَا بِالصَّدَقَةِ) أي بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية؛ لما في رواية البخاريّ من طريق سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود - ﵁ -، قال: لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل … » الحديث (فَمَا يَجِدُ أَحَدُنَا شَيْئًا، يَتَصَدَّقُ بِهِ) أي لفقره (حَتَّى يَنْطَلِقَ إِلَى السُّوقِ، فَيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ) أي يحمل أمتعة الناس بالأَجرة؛ لأجل أن يتصدّق، فينال الأجر الموعود للمتصدّقين من أموالهم القليلة، حيث إن أجرها أعظم من أجر صدقة كثير المال، كما سبق في الأحاديث الماضية (فَيَجِيءَ بِالْمُدِّ) أي مما أصابه من أجرة حمله (فَيُعْطِيَهُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي ليتصدّق به على المستحقّين (إِنِّي لَأَعْرِفُ الْيَوْمَ، رَجُلًا لَهُ مِائَةُ أَلْفٍ) قال في «الفتح»: ولم يذكر مميّز مائة ألف، فيحتمل أن يريد الدراهم، أو الدنانير، أو الأمداد انتهى (مَا كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ) أي في عهد النبيّ - ﷺ - (دِرْهَمٌ) زاد في رواية البخاريّ في «التفسير»: «كأنه يُعرِّض بنفسه». وأخرجه ابن مردويه، من وجه آخر، فقال في آخره: «وإن لأحدهم اليوم لمائة ألف، قال شقيق: كأنه يعرّض بنفسه». وأخرجه الإسماعيلي، من وجه آخر، وزاد في آخر الحديث: «قال الأعمش: وكان أبو مسعود قد كثر ماله». قال ابن بطّال: يريد أنهم كانوا في زمن الرسول - ﷺ - يتصدّقون بما يجدون، وهؤلاء مكثرون، ولا يتصدّقون. قال الحافظ: كذا قال، وهو بعيد. وقال الزين ابن المنيّر: مراده أنهم كانوا يتصدّقون مع قلّة الشيء، ويتكلفون ذلك، ثم وسّع اللَّه عليهم، فصاروا يتصدّقون من يسر، ومع عدم خشية عسر. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراده أن الحرص على الصدقة الآن لسهولة مأخذها بالتوسّع الذي وُسّع عليهم أولى من الحرص عليها مع تكلّفهم، أو أراد الإشارة إلى ضيق العيش في زمن الرسول - ﷺ -، وذلك لقلّة ما وقع من الفتوح والغنائم في زمانه، وإلى سعة عيشهم بعده؛ لكثرة الفتوح والغنائم انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٩/ ٢٥٢٩ و٢٥٣٠ - وفي «الكبرى» ٥١/ ٢٣٠٨ و٢٣٠٩. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤١٥ و١٤١٦ و«الإجارة» ٢٢٧٣ و«التفسير» ٤٦٦٨ و٤٦٦٩ (م) ي في «الزكاة» ١٠١٨ (ق) في «الزهد» ٤١٥٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): الأمر بالصدقة، والحثّ عليها بما تيسّر (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الحرص على فعل الخير، حتى يؤاجرون أنفسهم (ومنها): جواز إيجار الحرّ نفسه لحمل شيء على ظهره حتى يتصدّق من أجرته (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من قلّة العيش، وصبرهم على ذلك (ومنها): بيان ما فتح اللَّه على المؤمنين بعد الرسول - ﷺ -، حتى يملك بعضهم مائة ألف؛ وفاء بما وعدهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية [النور: ٥٥]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٥٣٠ - (أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالصَّدَقَةِ، فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ، بِنِصْفِ صَاعٍ، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ، أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّهَ -﷿- لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلاَّ رِيَاءً، فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٧٩]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (بشر بن خالد) العسكريّ، أبو محمد الفرائضي، نزيل البصرة، ثقة يُغرب [١٠] ٢٦/ ٨١٢. ٢ - (غندر) محمد بن جعفر، أبو عبد اللَّه البصري، ربيب شعبة، ثقة، صحيح الكتاب [٩] ٢١/ ٢٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٧. ٤ - (سليمان) بن مِهران الأعمش الكوفي، ثقة ثبت يدلس [٥] ١٧/ ١٨. والباقيان تقدما في السند الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح. (ومنها): أن الثلاثة الأولين بصريّون، والباقون كوفيّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو - ﵁ -، أنه (قَالَ: «لَمَّا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالصَّدَقَةِ) ولفظ البخاريّ في»الزكاة«:»لما نزلت آية الصدقة، كنّا نُحامل … «. قال في»الفتح«: كأنه يشير إلى قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية (فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ، بِنِصْفِ صَاعٍ) اسم أبي عَقيل هذا -وهو بفتح أوّله- حَبْحَاب- بمهملتين، بينهما موحّدة ساكنة، وآخره مثلها-. ذكر عبد بن حُميد، والطبريّ، وابن منده من طريق أبي عروبة، عن قتادة، قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ قال:»جاء رجل من الأنصار، يقال له: الحبحاب، أبو عَقِيلٍ، فقال: يا نبيّ اللَّه بِتُّ أجُرُّ الجرير على صاعين من تمر، فأما صاعٌ، فأمسكته لأهلي، وأما صاع فها هو ذا، فقال المنافقون: إن كان اللَّه ورسوله لغنيين عن صاع أبي عَقيل، فنزلت«. وهذا مرسل. ووصله الطبرانيّ، والباورديّ، والطبريّ من طريق موسى بن عُبيدة، عن خالد بن يسار، عن ابن أبي عَقيل، عن أبيه بهذا، ولكن لم يسمّوه. وذكر السهيليّ أنه رآه بخطّ بعض الحفّاظ مضبوطًا بجيمين. وروى الطبرانيّ في«الأوسط»، وابن منده من طريق سعيد بن عثمان البلويّ، عن جدّته بنت عديّ، أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع، صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون خرج بزكاته، صاع تمر، وبابنته عميرة إلى النبيّ - ﷺ -، فدعا لهما بالبركة. وكذا ذكر ابن الكلبيّ أن سهل بن رافع، هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون. وروى عبد بن حميد من طريق عكرمة، قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ هو رفاعة بن سهل. ووقع عند ابن أبي حاتم رفاعة بن سعد، فيحتمل أن يكون تصحيفًا. ويحتمل أن يكون اسم أبي عَقيل سهل، ولقبه حبحاب، أو هما اثنان. وفي الصحابة أبو عقيل بن عبد اللَّه بن ثعلبة البلويّ بدريّ، لم يسمّه موسى ابن عقبة، ولا ابن إسحاق، وسماه الواقديّ عبد الرحمن، قال: واستُشهِد باليمامة. وكلام الطبريّ يدلّ على أنه هو صاحب الصاع عنده، وتبعه بعض المتأخّرين. قال الحافظ: والأول أولى. وقيل: هو عبد الرحمن بن سمحان ، وقد ثبت في حديث كعب بن مالك في قصّة توبته، قال: «وجاء رجل يزول به السراب، فقال النبيّ - ﷺ -:»كن أبا خيثمة«، فإذا هو أبو خيثمة»، وهو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، واسم أبي خيثمة هذا عبد اللَّه بن خيثمة، من بني سالم، من الأنصار. قال الحافظ: فهذا يدلّ على تعدد من جاء بالصاع، ويؤيّد ذلك أن أكثر الرويات فيها أنه جاء بصاع. وكذا وقع عند البخاريّ في «الزكاة»: «فجاء رجل، فتصدّق بصاع»، وفي حديث الباب: «فجاء أبو عقيل بنصف صاع». وجزم الواقديّ بأن الذي جاء بصدقة ماله هو زيد بن أسلم العجلانيّ، والذي جاء بالصاع هو علية بن زيد المحاربيّ. وسمّي من الذين قالوا: إن هذا مُرَاءٍ، وإن اللَّه غني عن صدقة هذا معتّب بن قشير، وعبد اللَّه بن نبتل. وأورده الخطيب في «المبهمات» من طريق الواقديّ، وفيه: عبد الرحمن بن نبتل -وهو بنون، ثمّ موحّدة، ثمّ مثنّاة، ثم لام بوزن جعفر- وسيأتي أيضًا ما يدلّ على تعدّد من جاء بأكثر من ذلك. (وَجَاءَ إِنْسَانٌ بشَيْءِ أَكْثَرَ مِنْهُ) أي مما جاء به أبو عقيل. وفي رواية البخاريّ في «الزكاة»: «وجاءَ رجل بشيء كثير». وروى البزار من طريق عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «تصدّقوا، فإني أريد أن أبعث بعثًا». فجاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: يا رسول اللَّه عندي أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربّي، وألفين أمسكهما لعيالي، فقال: «بارك اللَّه لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت». قال: وبات رجلٌ من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر … «الحديث. قال البزّار: لم يسنده إلا طالوت بن عبّاد، عن أبي عوانة، عن عمر. قال: وحدّثناه أبو كامل، عن أبي عوانة، فلم يذكر أبا هريرة فيه، وكذلك أخرجه عبد بن حُميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة. وأخرجه ابن أبي حاتم، والطبري، وابن مردويه من طرق أخرى، عن أبي عوانة، مرسلًا. وذكره ابن إسحاق في»المغازي«بغير إسناد. وأخرجه الطبريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد، عن قتادة، وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، والمعنى واحد، قال:»وحث رسول اللَّه - ﷺ - على الصدقة -يعني في غزوة تبوك- فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف، فقال: يا رسول اللَّه مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها، فقال: «بارك اللَّه لك فيما أمسكت، وفيما أعطيت». وتصدّق يومئذ عاصم بن عديّ بمائة وسقِ من تمر. وجاء أبو عقيل بصاع من تمر … «الحديث. وكذا أخرجه الطبريّ من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عباس نحوه، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال:» جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب«بمعناه. وعند عبد بن حميد، وابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس، قال:» جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية من ذهب، فقال: إن لي ثمانمائة أوقيّة من ذهب … «الحديث. وأخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، فقال:»ثمانية آلاف دينار«، ومثله لابن أبي حاتم من طريق مجاهد. وحكى عياض في»الشفا«أنه جاء يومئذ بتسعمائة بعير. وهذا اختلاف شديدٌ في القدر الذي أحضره عبد الرحمن بن عوف، وأصحّ الطرق فيه ثمانية آلاف درهم. وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أو غيره. واللَّه أعلم. ووقع في«معاني القرآن»للفرّاء أن النبيّ - ﷺ - حثّ على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وبعض أصحاب النبيّ - ﷺ - يعني عبد الرحمن بن عوف، ثم جاء أبو عَقيل بصاع من تمر، فقال المنافقون: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل، فإنما جاء بصاعه ليذكّر بنفسه، فنزلت. ولابن مردويه من طريق أبي سعيد:«فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته، وجاء المطّوّعون من المؤمنين … »الحديث. ذكر هذا كله في«الفتح» . (فَقَالَ: الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللَّه -﷿- لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا) أي عن صدقة أبي عقيل (وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ) بالرفع بدلًا من اسم الإشارة، وعنوا به الإنسان الذي جاء بمال كثير، وقد تقدّم الخلاف فيه آنفًا (إِلَّا ريَاءً) أي إلا إظهارًا لصدقته للناس، ليروه، ويظنّوا به خيرًا، ويحمدوه عليها (فَنَزَلَتْ: الذِينَ يَلْمِزُونَ) أي يَعيبونهم (الْمُطَّوِّعِينَ) قرأ الجمهور بتشديد الطاء، والواو، وأصله المتطوّعين، فأُدغمت التاء في الطاء، وهم الذين يغزون بغير استعانة برزق من سلطان، أو غيره (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بيان لـ «لمطوّعين» (فِي الصَّدَقَاتِ) متعلّق بـ «يلمزون» (والَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) معطوف على «المطّوّعي»، وأخطأ من قال: إنه معطوف على ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾؛ لإستلزامه فساد المعنى، وكذا من قال: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنه يفهم منه أن ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ ليسوا بمؤمنين؛ لأن الأصل في العطف المغايرة، فكأنه قيل: الذين يلزون المطّوّعين من هذين الصنفين: المؤمنين، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فكأن الأولين مُطّوّعون مؤمنون، والثاني مطوّعون غير مؤمنين، وليس بصحيح، فالحق أنه معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾، ويكون من عطف الخاصّ على العامّ، والنكتة فيه التنويه بالخاصّ؛ لأن السخريّة من المقلّ أشدّ من المكثر غالبًا. واللَّه أعلم. قاله في «الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤٩/ ٢٥٣٠ - وفي «الكبرى» ٥١/ ٢٣٠٩. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤١٥ و١٤١٦ و«الإجارة» ٢٢٧٣ و«التفسير» ٤٦٦٨ و٤٦٦٩ (م) في «الزكاة» ١٠١٨ (ق) في «الزهد» ٤١٥٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل صدقة قليل المال (ومنها): مشروعيّة حثّ الإمام الناسَ على الصدقة لإزالة فاقة المحتاجين (ومنها): ما كان عليه الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، من المسارعة إلى الخيرات، كلٌّ على حسب حاله، فالغنيّ يجود بالكثير، والفقير بقدر استطاعته (ومنها): بيان أخلاق المنافقين، وسوء طويّتهم، وأنهم لا يَسْلَم منهم أحدٌ من المؤمنين، لا الأغنياء، ولا المقلّون، فيتّهمون كلًّا منهم بما هم بريؤون منه، بل هو من صفات المنافقين أنفسِهِم، فإن الرياء والسمعة، وحبّ المحمدة بما لم يفعلوا، ونحوها من الأخلاق المذمومة هي بضاعتهم، وفيها تجارتهم، ولقد جازاهم اللَّه تعالى على هذا الخلُق الذميم، كما أخبر بذلك في قوله: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩]. «واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب». «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٠ - (الْيَدُ الْعُلْيَا) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على فضل اليد العليا، وهي المنفقة، وهي يد المعطي، كما سيأتي تفسيرها بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. ٢٥٣١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَعُرْوَةُ، سَمِعَا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ، بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ، لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي الثقة الثبت الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [٤] ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب الحجة الثبت الفقيه المدني، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني الثقة الثبت الفقيه [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (حَكِيمْ بْن حِزَامٍ) بن خويلد بن أسد بن عبد العزَّي الأسديّ، أبو خالد المكيّ، ابن أخي خديجة الكبرى، أم المؤمنين - ﵂ -، أسلم يوم الفتح، وصحب النبيّ - ﷺ -، وله أربع وسبعون سنة، ثم عاش- إلى سنة أربع وخمسين، أو بعدها، وكان عالمًا بالنسب، تقدّمت ترجمته - ﵁ - في ١٢٥/ ١٠٨٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلاني، وسفيان فمكي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن فيه اثنين من الفقهاء السبعة: سعيد، وعروة. (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من الصحابة الذين عاشوا (١٢٠) سنة، نصفها في الجاهلية، ونصفها في الإسلام، وقد ذكرهم السيوطي في «ألفية الحديث» فقال: وَعِدَّةٌ مِنَ الصِّحَاب وَصَلُوا … عِشْرِينَ بعد مائَةٍ تُكَمَّلُ سِتُونَ فِي الإِسْلامِ حَسَّانٌ يَلي … حُوَيْطِبٌ مَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفِلِ ثُمَّ حَكِيمٌ حَمْنَنٌ سَعَيدُ … وَآخَرُونَ مُطلَقا لَبِيدُ عَاصمُ سَعْدٌ نَوْفَلٌ مُنْتَجِعُ … لَجْلَاجُ أَوْسٌ وَعَدِيُّ نَافِعُ نَابغَةٌ ثُمَّتَ حَسَّانُ انْفَرَدْ … أَنْ عاشَ ذا أَبٌ وَجَدُّهُ وَجَدُّ (ومنها): أنه ولد في جوف الكعبة، ولا يُعرف هذا لغيره، كما قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «ألفيّة المصطلح»: ثُمَّ حَكِيمٌ مُفْرَدٌ بِأَنْ وُلِدْ … بِكَعْبَةٍ وَمَا لِغَيْرِهِ عُهِدْ وهذا كله قد سبق، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن الزُّهْرِيِّ) وفي رواية للبخاريّ في «كتاب الرِّقَاق»: «سمعت الزهريّ يقول …» (قَالَ: أَخْبَرَني سَعيدٌ) هو ابن المسيّب الفقيه الحجة المدنيّ (وَعُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الفقيه الحجة المدنيّ أيضًا (سَمِعَا) يقدّر قبله «أنّ» واسمها: أي أنهما سمعا (حَكِيمَ بْنَ حِزَام) - ﵁ - (يَقُولُ: سأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) أي المالَ (فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمّ سَأَلْتُهُ، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ) وفي الرواية الآتية-٩٣/ ٢٦٠٣ -: ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يا حكيم …» («إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الضاد المعجمة، قال في»القاموس«: والْخَضِرُ، كَكَتِفٍ: الْغُصن، والزرع، والْبَقْلَةُ الْخَضْرَاء، كالْخَضِرَة، والْخَضِيرِ انتهى (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: ضدّ الْمُرّة. قال الزركشيّ -رحمه اللَّه تعالى-: تأنيث الخبر تنبيهٌ على أن المبتدأ مؤنّثٌ، والتقدير: أن صورة هذا المال، أو يكون التأنيث للمعنى؛ لأنه اسمٌ جامعٌ لأشياء كثيرة، والمراد بالخَضِرَة الروضة الخضراء، أو الشجرة الناعمة، والحلوة المستحلاة الطعم. انتهى . وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: التأنيث: إما باعتبار الأنواع، أو الصورة، أو تقديرُهُ: كالفاكهة الخَضرَة الحُلْوَة، شبّهَ المالَ في الرغبة فيه بها، فإن الأخضر مرغوب من حيث النظر، والحلو من حيث الذّوقُ، فإذا اجتمعا زادا في الرغبة. حاصله أن التشبيه في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذّة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده، فاجتماعهما أشدّ، وفيه إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضروات لا تبقى، ولا تراد للبقاء. قاله في «عمدة القاري» . (فَمَنْ أَخَذَهُ) أي من أخذ المال الذي يُبذل له (بطِيبِ نَفْسٍ) أي مع طيّب نفس، فالباء للمصاحبة، يعني أنه أخذه من غير شَرَهٍ، ولا إلحاح. وفي الرواية الآتية في ٩٣/ ٢٦٠٣ -: «بسخاوة نفس». قال القاضي: فيه احتمالان: أظهرهما أنه عائدٌ إلى الآخذ، أي من أخذه بغير حرصٍ، وطمع، وإشراف عليه. والثاني: إلى الدافع، أي من أخذه ممن يدفعه منشرحًا بدفعه، طيّب النفس انتهى (بُورِكَ لَهُ فِيهِ) أي جعل اللَّه تعالى البركة له في ذلك المال (وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشرَافِ نَفْسٍ) «الإشراف» على الشيء: الاطلاع عليه، والتعرّض له. وقيل: معنى إشراف النفس أن المسؤول يُعطيه عن تكرّه. وقيل: يريد به شدّة حرص السائل، وإشرافه على المسألة (لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ) الضمير في «له» يرجع إلى الآخذ، وفي «فيه» إلى المال المأخوذ، وإنما لم يبارك له فيه؛ لأنه لم يمنع نفسه عن المسألة التي هي مذمومة شرعًا، ولم يصُنْ ماء وجهه، فعوقب بعدم البركة فيما أخذ (وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ) أي لا ينقطع اشتهاؤه، فيبقى في حيرة الطلب على الدوام، ولا يقضي شهواته التي لأجلها طلبُهُ، فكان كمن به الجوع الكاذب، المسمَّى بجوع الكلب، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا؛ لأنه يأكل من سقم، وكلما أكل زاد سقمًا، ولا يجد شبعًا، ويزعم أهل الطبّ أن ذلك من غلبة السوداء، ويسمّونها الشهوة الكلبية، وهي صفة لمن يأكل، ولا يشبع . (وَالْيَدُ الْعُلْيَا) هي المنفقة على الصواب، كما صحّ تفسيره بذلك في الحديث الآتي قريبًا (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هي السائلة على الصواب أيضًا، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في تفسير هذه الجملة بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. وزاد في الرواية الآتيةِ في -٩٣/ ٢٦٠٣ -: «قال حكيمٌ: فقلت: يا رسول اللَّه، والذي بعثك بالحقّ، لا أَرْزَأ أحدًا بعدك حتى أفارق الدنيا بشيء». ونحوه في رواية للبخاري، وزاد: «فكان أبو بكر - ﵁ - يدعو حكيمًا إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر - ﵁ - دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أُشهدكم يا معشر المسلمين على حكيمِ، أنّي أَعرِضُ عليه حقّه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول اللَّه - ﷺ - حتى توفّي». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث حكيم بن حزام - ﵁ - هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٠/ ١٢٥٣ و٩٣/ ٢٦٠١ و٢٦٠٢ و٢٦٠٣ - وفي «الكبرى» ٥٢/ ٢٣١٠ و٩٥/ ٢٣٨٢ و٢٣٨٣ و٢٣٨٤. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٢٨ و١٤٧٢ و«الوصايا» ٢٧٥٠ و«فرض الخمس» ٣١٤٣ و«الرقاق» ٦٤٤١ (م) في «الزكاة» ١٠٣٤ و١٠٣٥ (د) في «الزكاة» ١٦٧٦ (ت) في «صفة القيامة» ٢٤٦٣ (أحمد) في «مسند المكّيّين» ١٤٨٩٣ و١٤٩٠٢ و١٥١٤٦ (الدارميّ) في «الزكّاة» ١٦٥٠ و«الرقاق» ٢٧٥٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كون اليد العليا -وهي المنفقة خيرًا من اليد السفلى -وهي السائلة-كما سيأتي تمام البحث فيه بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): ما قاله المهلّب: إن سؤال السلطان الأكبر ليس بعار (ومنها): أن السائل إذا ألحف لا بأس بردّه، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص (ومنها): أن الإنسان لا يسأل إلا عند الحاجة والضرورة؛ لأنه إذا كانت يده السفلى مع إباحة المسألة، فهو أحرى أن يمتنع من ذلك عند غير الحاجة (ومنها): أن من كان له حقّ عند أحد، فإنه يأخذه إذا أتى، فإن كان مما لا يستحقه إلا ببسط اليد فلا يجبر على أخذه (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة: قد يقع الزهد مع الأخذ، فإن سخاوة النفس هو زهدها، تقول: سَخَتْ بكذا: أي جادت، وسخت عن كذا: أي لم تلتفت إليه (ومنها): أن الأخذ مع سخاوة النفس يُحصِّل أجر الزهد، والبركة في الرزق، فظهر أن الزهد يُحَصِّل خيري الدنيا والآخرة (ومنها): ضرب المثل لما لا يعقله السامع من الأمثلة؛ لأن الغالب من الناس لا يعرف البركة إلا في الشيء الكثير، فبيّن بالمثال المذكور أن البركة هي خلق من خلق اللَّه تعالى، وضرب لهم المثل بما يعهدون، فالآكل إنما يأكل ليشبع، فإذا أكل، ولم يشبع، كان عَناءً في حقّه بغير فائدة، وكذلك المال، ليست الفائدة في عينه، وإنما هي لما يتحصّل به من المنافع، فإذا كثر المال عند المرء بغير تحصيل منفعة، كان وجوده كالعدم (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن لا يبيّن للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء حاجته؛ لتقع موعظته له الموقع؛ لئلا يتخيّل أن ذلك سبب لمنعه حاجته (ومنها): جواز تكرار السؤال ثلاثًا، وجواز المنع في الرابعة (ومنها): أن ردّ السائل بعد ثلاث ليس بمكروه (ومنها): أن الإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وزاد إسحاق بن راهويه في «مسنده» من طريق معمر، عن الزهريّ في آخره: «فمات حين مات، وإنه لمن أكثر قريش مالًا». وفيه أيضًا سبب ذلك، وهو أن النبيّ - ﷺ - أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه، فقال: يا رسول اللَّه، ما كنت أظنّ أن تُقَصِّرَ بي، دون أحد من الناس، فزاده، ثم استزاده حتى رضي«، فذكر نحو الحديث. قاله في»الفتح«. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.»إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب«. … ٥١ - (بَابٌ أَيَّتُهُمَا الْيَدُ الْعُلْيَا؟) ٢٥٣٢ - (أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ- عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَدُ الْمُعْطِى الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، أَدْنَاكَ». مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يوسف بن عيسى) بن دينار الزهريّ، أبو يعقوب المروزيّ ثقة فاضل [١٠] ٣٢/ ٩٢٤. ٢ - (الفضل بن موسى) السيناني المذكور قبل باب. ٣ - (يزيد بن زياد بن أبي الجعد) الأشجعيّ الغَطَفَانيّ الكوفيّ، صدوق [٧]. قال أبو زرعة: شيخٌ. وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، صالح الحديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له البخاريّ في «خلق أفعال العباد»، والمصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنّف أربعة أحاديث برقم ٢٥٣٢ و٣٧٣٤ و٤٤٣٥ و٤١٤٨. ٤ - (جامع بن شدّاد) المحاربيّ، أبو صخّرة الكوفيّ ثقة [٥] ١٠٨/ ١٤٥. ٥ - (طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ) هو: طارق بن عبد اللَّه المحاربيّ، من مُحارب خَصَفَة، صحابيٌّ نزل الكوفة، وله عند المصنّف ثلاثة أحاديث، تقدّم أحدها في -٣٣/ ٧٢٦ -: «إذا كنت تصلّي، فلا تبزقنّ بين يديك، ولا عن يمينك، وابصُق خلفك، أو تلقاء شمالك، إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله، ودلكه». والثاني: حديث الباب. والثالث : سيأتي في ٤٢/ ٤٨٣٩: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: «لا تجني أمٌّ على ولد» مرَّتين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير يزيد كما مرّ آنفًا، وطارق، فإنه من رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان. (ومنها): أن صحابيه من المقلين، فليس له إلا الأحاديث، الثلاثة المذكورة آنفًا، الأول عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، والثاني عند المصنف فقط، والثالث عنده، وعند ابن ماجه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَدِمْنَا) بكسر الدال المهملة (الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ -، قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا») هذا نصّ واضح في أن معنى الحديث السابق: «واليد العليا خير من اليد السفلى»، وسيأتي تمام الكلام عليه في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (وَابدَأْ) أي في العطاء (بِمَق تَعُولُ) أي بمن تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجل أهله عَوْلًا، من باب قال: إذا مانهم، أي قام بما يحتاجون إليه، من قوت، وكسوة. وفيه تقديم نفقة نفسه وعياله؛ لأنها منحصرة فيه، بخلاف نفقة غيرهم (أُمَّكَ) يحتمل أن يكون منصوبًا بفعل محذوف، أي أعني أمّك الخ. أو منصوبًا على نزع الخافض، أي بأمّك الخ. ويحتمل أن يكون مجرورًا بدلًا من قوله: «من تعول». ويحتمل أن يكون مرفوعًا بتقدير: وهم أمكّ الخ، فعلى الوجهين الأخيرين يكون قوله (وَأَبَاكَ) - ومثلها «أخاك» - مقصورًا معربًا على الألف، على حدّ قول الشاعر: إِن أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا وهي لغة مشهورة، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: ............. … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ (وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ) أي الأقرب إليك نسبًا (أَدْنَاكَ) الظاهر أنه معطوف بحرف الترتيب مقدّرًا، أي فأدناك (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف، أي هذا الحديث مختصر من حديث طارق المحاربيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - المطوّل. وقد ساقه الإمام الدارقطنيّ -رحمه اللَّه تعالى- بطوله في «سننه» جـ ٣ ص ٤٤ - ٤٥، فقال: حدثنا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل، نا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، نا ابن نُمير، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، نا أبو صخّرة، جامع بن شدّاد، عن طارق ابن عبد اللَّه المحاربيّ، قال: رأيت رسول اللَّه - ﷺ - مرّتين، مرّة بسوق ذي المجاز، وأنا في تباعة لي هكذا، قال: أبيعها، فمرّ، وعليه حلّة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا»، ورجلٌ يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه، فإنه كذّابٌ، قلت: من هذا؟ فقالوا: هذا غلام بني عبد المطّلب، قلت: من هذا الذي يتبعه، يرميه؟ قالوا: هذا عمه عبد العزّى، وهو أبو لهب، فلما ظهر الإسلام، وقدم المدينة أقبلنا في ركبٍ من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبًا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، قال: فبينا نحن قُعُودٌ، إذ أتانا رجلٌ عليه ثوبان أبيضان، فسلم علينا، فرددنا عليه، فقال: «من أين أقبل القوم؟»، قلنا: من الرَّبَذَة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، قال: «تبيعوني جملكم؟»، قلنا: نعم، قال: «بكم؟»، قلنا: بكذا وكذا صاعًا من تمر، قال: فما استوضعنا شيئًا، وقال: «قد أخذته»، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة، فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تَلَاوَمُوا، فقد رأيت وجه رجل ما كان ليَحقِركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجلٌ، فقال: السلام عليكم، أنا رسول رسول اللَّه - ﷺ - إليكم، وأنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا، وتكتالوا، حتى تستوفوا، قال: فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا حتى استوفينا، فدما كان من الغد دخلنا المدينة، فإذا رسول اللَّه - ﷺ - قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول:، «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول، أمّك، وأباك، وأختك، وأخاك، وأدناك، أدناك»، فقام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللَّه، هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين قتلوا فلانًا في الجاهليّة، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه حتى رأينا بياض إبطيه، فقال: «ألا لا يجني والد على ولده». انتهى . واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث طارق المحاربيّ - ﵁ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا- ٥١/ ٢٥٣٢ - وفي «الكبرى» ٥٣/ ٢٣١١. وأخرجه (الداقطنيّ) في «سننه» ٣/ ٤٤ - ٤٥ و(الطبراني) برقم ٨١٧٥. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٢ - (الْيَدُ السُّفْلَى) ٢٥٣٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ-: «الْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلهم رجال الصحيح، وتقدّموا غير مرّة. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٣٠) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. (ومنها): أن هذا السند أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة المشهورين بالفتوى، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ -وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) جملة حاليّة، أي والحال أنه - ﷺ - يذكر فضل الصدقة، ويحضّ الغنيّ عليها (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ-) ولفظ البخاريّ من طريق أيوب، عن نافع: «قال -وهو على المنبر، وذكر الصدقة، والتعفّف، والمسألة». والمعنى أنه - ﷺ - يحضّ الغنيّ على الصدقة، والفقير على التعفّف عن المسألة، أو يحضّه على التعفّف، ويذمّ المسألة. (الْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هذه الجملة هي مقول «قال». أي قال - ﷺ -، والحال أنه يذكر الصدقة، والتعفّف: «اليدُ العليا خير من اليد السفلى»، ثم فسّر ذلك بقوله (وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالْيَدُ السُّفْلَى السَّائِلَةُ) قال أبو داود: قال الأكثر عن حماد بن زيد: «المنفقة»، وقال واحد عنه: «المتعفّفة»، وكذا قال عبد الوارث، عن أيوب انتهى. قال الحافظ: فأما الذي قال عن حماد: «المتعفّفة» -بالعين، وفاءين- فهو مسدّدٌ، كذلك رويناه في «مسنده»، رواية معاذ بن المثنّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البرّ في «التمهيد»، وقد تابعه على ذلك أبو الربيع الزَّهْرانيّ، كما رويناه في «كتاب الزكاة» ليوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا أبو الربيع. وأما رواية عبد الوارث، فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بلفظ: «واليد العليا يد المعطي». وهذا يدلّ على أن من رواه عن نافع بلفظ «المتعفّفة» فقد صحّف. قال ابن عبد البرّ: ورواه موسى بن عقبة، عن نافع، فاختلف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة، عنه: «المنفقة»، كما قال مالك. قال الحافظ: وكذا قال فضيل بن سليمان، عنه، أخرجه ابن حبّان من طريقه، قال: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى، فقال: «المنفقة»، قال ابن عبد البرّ: رواية مالك أولى، وأشبه بالأصول، ويؤيده حديث طارق المحاربيّ، عند النسائيّ، قال: قدمنا المدينة، فإذا النبيّ - ﷺ - قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا» انتهى. ولابن أبي شيبة، والبزّار، من طريق ثعلبة بن زهدم مثله. وللطبرانيّ بإسناد صحيح، عن حكيم بن حزام، مرفوعًا: «يد اللَّه فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي». وللطبرانيّ من حديث الجذاميّ، مرفوعًا مثله. ولأبي داود، وابن خزيمة، من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، مرفوعًا: «الأيدي ثلاثة: فيد اللَّه العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى». ولأحمد، والبزّار، من حديث عطية السعديّ: «اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى». [تنبيه]: هذه الأحاديث كلها واضحة في أن التفسير المذكور مرفوع، قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسّف من تعسّف في تأويله انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لكن ادعى أبو العبّاس الدانيّ في «أطراف الموطإ» أن التفسير المذكور مدرجٌ في الحديث، ولم يذكر مستنده لذلك، ثم وجدت في «كتاب العسكري في الصحابة» بإسناد له، فيه انقطاعٌ، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان أني سمعت النبيّ - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية». فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، قال: «كنا نتحدّث أن العليا هي المنفقة» انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة؛ لأن الحديث اتفق عليه الشيخان، مرفوعًا، وما ذكره الحافظ مما يؤيّد الدعوى المذكورة، فغير مقبول؛ لأن ما نقله من كتاب العسكري منقطع، كما اعترف هو به، وكذا ما نقله عن ابن أبي شيبة، ففي سنده سفيان الثوريّ، وهو وإن كان إمامًا، إلا أنه مدلّسٌ، وقد رواه بالعنعنة ، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما اتفق الشيخان على صحته مرفوعًا؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٢/ ٢٥٣٣ - وفي «الكبرى» ٥٤/ ٢٣١٢. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٢٩ (م) في «الزكاة» ١٠٣٣ (د) في «الزكاة» ١٦٤٨ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٦٠ و٥٣٢٢ و٥٦٩٥ و٦٠٠٣ و٦٣٦٦ (الموطأ) ١٨٨١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن اليد السفلى هي السائلة، كما أن الباب السابق فيه بيان أن اليد العليا هي المعطية، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): إباحة الكلام للخطيب أثناء خطبته بكلّ ما يصلح من موعظة، وعلم، وقُرَبٍ (ومنها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعة (ومنها): تفضيل الغِنَى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى (ومنها): كراهة السؤال، والتنفير عنه، ومحلّه إذا لم تدع إليه ضرورةٌ، من خوف هلاك ونحوه. وقد روى الطبرانيّ من حديث ابن عمر - ﵄ - بإسناد فيه مقالٌ، مرفوعًا: «ما المعطي من سَعَة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا. قاله في»الفتح« . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال. وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد اللَّه قبل يد المتصَدَّق عليه. قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد اللَّه هي المعطية، ويد اللَّه هي الآخذة، وكلتاهما يمين انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد اللَّه تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة: (أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. ثانيها: يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما. (ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًّا معنويًّا. (رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختلف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا. قال ابن حبّان في «صحيحه»: عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون من فرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيأنه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أبيح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أُبيح له أفضل، وأورع من الذي يعطي، فلما استحال هذا على الإطلاق دون التحصيل بالتفضيل، صحّ أن معناه أن المتصدّق أفضل من الذي يسألها انتهى . وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة، ولم يوافق عليه. وأطلق آخرون من المتصوّفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا. ونقل ابن قتيبة في «غريب الحديث» ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجّون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى مِن فوقُ هو الذي كان رقيقًا، فأُعتق، والمولى من أسفلُ هو السيّد الذي أعتقه انتهى. قال الحافظ: وقرأت في «مطلع الفوائد» للعلّامة جمال الدين ابن نُباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنّ المعنى أن العطيّة الجزيلة خيرٌ من العطيّة القليلة. قال: وهذا حثّ على المكارم بأوجز لفظٍ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: «ما أبقت غنى»، أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لو أعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمرّ؛ إذ فيمن يأخذ من هو خيرٌ عند اللَّه ممن يعطي. قال الحافظ: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في «مسنده» من طريق عمر بن عبد اللَّه بن عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول اللَّه، ما اليد العليا؟ قال: «التي تعطي، ولا تأخذ». فقوله: «ولا تأخذ» صريح في أن الآخذة ليست بعليا. واللَّه أعلم. قال: وكلّ هذه التأويلات المتعسّفة تَضمَحِلّ عند الأحاديث المتقدّمة المصرّحة بالمراد، فأولى ما فُسّر الحديث بالحديث. ومُحصّل ما في الآثار المتقدّمة أن أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة، والمانعة. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- كلام حسنٌ جدًّا. والحاصل أن المذهب الحقّ في المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من أن اليد العليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة؛ لوضوح دليله، وأما العكس فلا يؤيّده النقل، بل يدفعه، ويبطله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٣ - (الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنَى) ٢٥٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ، مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - قتيبة المذكور في الباب الماضي. ٢ - (بكرٌ) بن مضر، أبو محمد المصريّ ثقة ثبت [٨] ١٢٢/ ١٧٣. ٣ - (ابن عجلان) محمد المدني، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠. ٤ - (أبوه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدنيّ، لا بأس به [٤]. روى عن مولاته،، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت. وعنه ابنه محمد، وبُكير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، وإسماعيل بن أبي حبيبة، إن كان محفوظًا. قال النسائيّ: لا بأس به. وقال الآجرّي، عن أبي داود: لم يرو عنه غير ابنه محمد. وذكره ابن حبّان في «الثقات». علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف حديثان، هذا ٢٥٣٤ و٢٥٧٥ حديث: «ثلاثة لا يكلهم اللَّه -﷿- ..» الحديث. ٥ - (أبو هريرة) - ﵁١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه فبغلاني، وشيخ شيخه، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ، مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى) جملة من مبتدإ وخبر. أي إن أفضل الصدقة ما وقع من غير محتاج إلى ما يتصدّق به لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، وسيأتي اختلاف أهل العلم في تفسير المراد بقوله:»عن ظهر غنًى« في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. وقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا، خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ) قد تقدّم شرحه في الأبواب الماضية، فليُراجَع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٣/ ٢٥٣٤ و٦٠/ ٢٥٤٤ - وفي «الكبرى» ٥٥/ ٢٣١٣ و٦٢/ ٢٣٢٢. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٢٦ و«النفقات» ٥٣٥٥ و٥٣٥٦ (د) في «الزكاة» ١٦٧٦ (أحمد) في باقي مسند المكثرين«٧١١٥ و٧٣٠١ و٧٣٨١ و٧٦٨٣ و٧٨٠٧ و٨٨٧٨ و٨٩٧٠ و٩٣٣٠ و٩٨١٦ و٢٧٢٧٨ و١٠٤٠٦ و١٠٤٣٧ (الدارميّ) في»الزكاة«١٦٥١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله:«ما كان عن ظهر غنًى»: قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لفظ«الظهر»يَرِد في مثل هذا إشباعًا للكلام، والمعنى أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية، ولذلك قال بعده:«وابدأ بمن تعول». وقال البغوي -رحمه اللَّه تعالى-: المراد غِنًى يَستظهِر به على النوائب التي تنوبه، ونحوه قولهم: ركب متن السلامة. والتنكير في قوله:«غنى»للتعظيم، هذا هو المعتمد في معنى الحديث. وقيل: المراد خير الصدقة ما أغنيت به من أعطيته عن المسألة. وقيل:«عن»للسببية، و«الظهر»زائد، أي خير الصدقة ما كان سببها غنى في المتصدِّقِ. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا أن التصدّق بجميع المال مستحبّ لمن لا دين عليه، ولا له عيالٌ لا يصبرون، ويكون هو ممن يصبر على الإضاقة والفقر، فإن لم يجمع هذه الشروط فهو مكروه . وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في«المفهم»: قوله:«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»: أي ما كان من الصدقة بعد القيام بحقوق النفس، وحقوق العيال. وقال الخطّابيّ: أي متبرّعًا، أو عن غنًى يعتمده، ويستظهر به على النوائب. والتأويل الأول أولى، غير أنه يبقى علينا النظر في درجة الإيثار التي أثنى اللَّه بها على الأنصار، إذ قال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ الآية [الحشر: ٩]. وقد روي أن هذه الآية نزلت بسبب رجل من الأنصار ضافه ضيفٌ، فنَوّمَ صبيانه، وأطفا السّراج، وآثر الضيف بقوتهم . وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية [الإنسان: ٨]. أي على شدّة الحاجة إليه، والشهوة له، ولا شكّ أن صدقةَ مَن هذه حاله أفضل. وفي حديث أبي ذرّ - ﵁ -: «أفضل الصدقة جهد مقلّ» . وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «سبق درهم مائة ألف …» . فقد أفاد مجموع ما ذكرنا أن صدقة المؤثر، والمقلّ أفضل، وحينئذ يثبت التعارض بين هذا المعنى، وبين قوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» على تأويل الخطّابيّ، فأما على ما أولنا به الغنى، فيرتفع التعارض. وبيأنه أن الغِنَى يُعنى به في الحديث حصول ما تُدفع به الحاجة الضروريّة، كالأكل عند الجوع المشوّش، الذي لا صبر عليه، وستر العورة، والحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الأذى، وما هذا سبيله، فهذا ونحوه مما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدّق، بل يحرم، وذلك أنه إذا آثر غيره بذلك أدّى إلى هلاك نفسه، أو الإضرار بها، أو كشف عورته، فمراعاة حقّه أولى على كلّ حال، فإذا سقطت هذه الواجبات صحّ الإيثار، وكانت صدقته هي الأفضلَ؛ لأجل ما يتحمّل من مضض الفقر، وشدّة مشقّته. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي وجّه به القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- هذا الحديث حسنٌ جدًّا، حيث تجتمع به الأدلّة، ويندفع به التعارض بينها. وحاصله أن المراد بالغنى في قوله: «ما كان عن ظهر غنى» الغنى الذي يقوم معه على حقوق نفسه، وحقوق العيال، من دفع الحاجات الضروريّة التي لا بدّ للإنسان، كالأكل من جوع، واللبس من عري، ونحوهما، فما كان بعد ذلك من الصدقة، فهو أفضل؛ للنصوص التي وردت في مدح الإيثار، وإن كان معه نوع احتياج. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٥٤ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ) أي هذا باب في ذكر الحديث الدّالّ على تفسير قوله - ﷺ -: «لا صدقة إلا عن ظهر غِنًى»، ووجه ذلك أن المراد بالغنى هو أن يستغني المتصدّق عما يتصدّق به، فلا يحتاجه لنفقة نفسه، ولا لنفقة من تلزمه نفقته، من زوجة، وولد، وخادم، ولا يراد الغنى المعروف عند الناس، وهو أن يكون كثير المال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «تَصَدَّقُوا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّق بِهِ عَلَى خَادِمِكَ»، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَبْصَرُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عمرو بن علي) الفلاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (محمد بن المثنى) العنزي البصريّ، الثقة الثبت [١٠]. ٣ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. والباقون تقدموا قريبًا، وسعيد هو المقبريّ. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن عجلان، والباقون بصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِيِ هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «تَصَدَّقُوا، فَقَالَ: رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (يا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ) أي وأريد أن أتصدّق به (قَالَ) - ﷺ - (»تَصَدَّقْ بهِ عَلَى نَفْسِكَ) أي اقض به حوائج نفسك، وإنما قدّم النفس؛ لأنها أقرب قريب للإنسان، فتكون حقوقها مقدّمة على غيرها (قَال عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ) اختلفت الرواية في تقديم الولد على الزوجة، فقدّمها عليه في رواية المصنّف، وأحمد، وابن حبَّان، وابن حزم. وقدّمه عليها في رواية الشافعيّ، وأبي داود، والحاكم. قال ابن حزم: اختلف يحيى القطّان، والثوريّ، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فقدّم يحيى الزوجة على الولد، وقدّم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدّم أحدهما على الآخر، بل يكونان سواءً؛ لأنه صحّ أن النبيّ - ﷺ - كان إذا تكلّم تكلّم ثلاثًا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه مرّة قدّم الولد، ومرّة قدّم الزوجة، فصارا سواءً. قال الحافظ في «التلخيص» بعد ذكر كلام ابن حزم: ما نصّه: قلت: وفي «صحيح مسلم» من رواية جابر تقديم الأهل على الولد، من غير تردّد، فيمكن أن تُرجّح به إحدى الروايتين انتهى. ولفظ حديث جابر عند مسلم، قال: «ابدأ بنفسك، فتصدّق عليها، فإن فَضَل شيء، فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك». قال الشوكانيّ: يمكن ترجيح تقديم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها في حديث جابر - ﵁ - انتهى. وقال الطيبيّ: إنما قدّم الولد على الزوجة -أي في رواية الشافعيّ، وأبي داود، والحاكم- لشدّة افتقاره إلى النفقة، بخلافها، فإنه لو طلّقها، لأمكنها أن تتزوّج بآخر. وقال الخطّابيّ في «المعالم»: هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه - ﷺ - قدّم الأولى، فالأولى، والأقرب، وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه، ثمّ بولده لأن ولده كبعضه، فإذا ضيّعه هلك، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلّث بالزوجة، وأخّرها عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما يُنفق عليها فرّق بينهما، وكان لها من يمونها، من زوج، أو ذي رحم، تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم؛ لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على من يبتاعه، ويملكه انتهى . (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ») فيه دليلٌ على أن الأب يلزمه نفقة ولده المعسر، فإن كان صغيرًا، فذلك بالإجماع، وإن كان كبيرًا ففيه اختلاف. قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختُلف في نفقة من بلغ من الأولاد، ولا مال له، ولا كسب، فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد، أطفالًا كانوا، أو بالغين، إناثًا، وذكرانًا، إذا لم يكن لهم أموال، يستغنون بها. وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر، أو تتزوّج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموالٌ، فلا وجوب على الأب. وألحق الشافعيّ ولد الولد، وإن سفل بالولد في ذلك انتهى . (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ) أي لأن نفقته واجبة على السيّد، حيث إنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتقدّم على الصدقة على سائر الأقرباء (قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ:»أَنْتَ أَبْصَرُ«) أي أعلم بشأنه، فإن شئت تصدّقت به، وإن شئت أمسكته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا صحيح. [فإن قيل]: في إسناده محمد بن عجلان، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -، فكيف يصحّ؟ [قلت]: يصحّ بشواهده، فقد تقدّم قريبًا حديث جابر - ﵁ -، وغيره، وصححه ابن حبّان، والحاكم، وقال: على شرط مسلم ، ووافقه الذهبيّ، وصححه أيضا الشيخ أحمد شاكر، والشيخ الألباني. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٤/ ٢٥٣٥ - وفي«الكبرى»٥٦/ ٢٣١٤. وأخرجه (د) في«الزكاة»١٦٩١ (الشافعيّ) في«مسنده»٢٠٩ (أحمد) ٧٤١٣ و١٠٠٨٨ (ابن حبّان) في«صحيحه»٤٢١٩ (الحاكم) في«المستدرك»ج ١ ص ٤١٥ .. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى«الصدقة عن ظهر غنى». (ومنها): أن الواجب على الشخص في النفقة أن يقدم نفسه، ثم الأقرب، فالأقرب (ومنها): وجوب نفقة الزوجة، وهو مجمع عليه (ومنها): وجوب نفقة الأولاد، وقد تقدّم قريبًا اختلاف أهل العلم فيه (ومنها): وجوب نفقة الخادم (ومنها): أن المتطوّع بالصدقة غير بين أن يتصدّق، وبين أن يترك، فلا تجب عليه الصدقة، إلا الزكاة، وصدقة الفطر، أو ما يكون لعارض، كما إذا وجد مضطرًّا، على ما قدّمنا تفصيله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٥ - (بَابٌ إِذَا تَصَدَّقَ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، هَلْ يُرَدُ عَلَيْهِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على أن من تصدق بما يحتاج إليه هل تبطل صدقته، وتردّ عليه، والجواب نعم، كما هو القول الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٣٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَةَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا»، فَتَصَدَّقُوا، فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا»، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا، إِنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَرَجَوْتُ، أَنْ تَفْطُنُوا لَهُ، فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَتَصَدَّقْتُمْ، فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ»، وَانْتَهَرَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّموا في الباب الماضي، سوى: ١ - (عياض) بن عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري المكي، ثقة [٣] ٢٦/ ١٤٠٨. ٢ - (أبو سعيد) سعد بن مالك بن سنان الخدري - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. والحديث صحيح، وقد تقدّم في ٢٦/ ١٤٠٨ - رواه عن محمد بن عبد اللَّه بن يزيد، عن سفيان، عن ابن عجلان به، وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله، وبقي الكلام على ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، فأقول: (مسألة): في حكم التصدّق مع الحاجة إلى المال: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: ومن تصدّق، وهو محتاجٌ، أو أهله محتاجٌ، أو عليه دين، فالدين أحقّ أن يُقضَى من الصدقة، والعتق، والهبة، وهو ردٌّ عليه، ليس له أن يُتلِفَ أموال الناس، قال النبيّ - ﷺ -: «من أخذ أموال الناس يُريد إتلافها أتلفه اللَّه»، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصةٌ، كفعل أبي بكر - ﵁ - حين تصدّق بماله. وكذلك آثر الأنصار المهاجرين. ونهى النبيّ - ﷺ - عن إضاعة المال، فليس له أن يضيّع أموال الناس بعلّة الصدقة. وقال كعب بن مالك - ﵁ -: قلت: يا رسول اللَّه، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى اللَّه، وإلى رسوله - ﷺ -، قال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خيرٌ لك»، قلت: أُمسِك سهمي الذي بخيبر. انتهى كلام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الطبريّ وغيره: قال الجمهور: من تصدّق بماله كلّه في صحّة بدنه وعقله، حيث لا دينَ عليه، وكان صبورًا على الإضاقة، ولا عيال له، أو له عيالٌ يصبرون أيضًا، فهو جائزٌ، فإن فُقد شيء من هذه الشروط كُرِه. وقال بعضهم: هو مردودٌ. ورُوي عن عمر - ﵁ -، حيث رَدّ على غيلان الثقفيّ قسمة ماله. ويمكن أن يُحتجّ له بقصّة المدبّر، الذي سيأتي للمصنّف برقم -٦٠/ ٢٥٥٦ - وأخرجه الشيخان، عن جابر - ﵁ -، قال: أعتق رجل من بني عُذْرَة، عبدا له، عن دبر، فبلغ ذلك رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: «ألك مال غيره؟»، فقال: لا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «من يشتريه مني؟»، فاشتراه نعيم بن عبد اللَّه العدويّ، بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول اللَّه - ﷺ -، فدفعها إليه، ثم قال: «ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك، فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا، وهكذا، يقول: بين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك. وفي لفظ للبخاريّ أن رجلًا أعتق غلاما له عن دبر، فاحتاج …» الحديث. فهذا الحديث يدلّ على أن من تصدّق، وهو محتاجٌ يردّ عليه، ولا تنفذ صدقته. وقال آخرون: يجوز من الثلث، ويُردّ عليه الثلثان. وهو قول الأوزاعيّ، ومكحول. وعن مكحول أيضًا يُردّ ما زاد على النصف. قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: والصواب عندنا الأول، من حيث الجواز، والمختار من حيث الاستحباب أن يجعل ذلك من الثلث، جمعًا بين قصّة أبى بكر، وحديث كعب. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح، وحاصله أن من تصدق بماله، وهو محتاجٌ، أو أهله، أو عليه دينٌ، بطلت صدقته، إلا أن يكون معروفًا بالصبر، كفعل أبي بكر - ﵁ -، وبهذا تجتمع الأدلّة، من غير تعارض. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٥٦ - (صَدَقَةِ الْعَبْدِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على جواز صدقة العبد. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أما الحديث الأول فدلالته على الترجمة واضحة، وأما الحديث الثاني، فمحلّ الاستدلال منه قوله: «على كلّ مسلم الخ»، حيث إن العبد داخل في جملة «كلّ مسلم»، فعليه ما عليهم، ومنه الصدقة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٣٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا، مَوْلَى آبِى اللَّحْمِ، قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ، أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَ مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «لِمَ ضَرَبْتَهُ؟»، فَقَالَ: يُطْعِمُ طَعَامِي، بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: بِغَيْرِ أَمْرِي، قَالَ: «الأَجْرُ بَيْنَكُمَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٢ - (حاتم) بن إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوق يَهم، صحيح الكتاب [٨] ٢٤/ ٥٤٣. ٣ - (يزيد بن أبي عبيد) الأسلميّ مولى سلمة بن الأكوع، ثقة [٤] تقدم في ٦٧/ ١٩١. ٤ - (عمير مَوْلَى آبِي اللَّحْم) الغفاريّ، صحابي شهد خيبر، وعاش إلى آخر السبعين، وتقدّمت ترجمته في ٩/ ١٥١٤. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (١٣١) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن صحابيه من المقلين من الرواية، فليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث، حديث الباب عند مسلم، والمصنف، وابن ماجه، وحديث: «شهدتُ خيبر مع سادتي، فكلموا فيّ رسول اللَّه - ﷺ - …» الحديث عند أبي داود، والترمذي، والمصنف في «الكبرى»، وابن ماجه، وحديث «أنه رأى النبي - ﷺ - يستسقي عند أحجار الزيت …» الحديث عند أبي داود، والمصنف تقدم في ٩/ ١٥١٤. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا) بالتصغير (مَوْلَى آبِي اللَّحْم) الغفاريّ - ﵁ - (قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا) بضم الهمرّة، وكسر الدال المشدَّدة، من القَدّ، وهو الشقّ طولًا (فَجَاءَ مِسْكِينٌ، فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ) أي أعطيته من ذلك اللحم (فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ، فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: «لِمَ ضَرَبْتَهُ؟»، فَقَالَ) وفي نسخة: «قال» (يُطْعِمُ طَعَامِي، بغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ) أي بغير إذني (وَقَال مَرَّةً أُخْرَى: بغَيْرِ أَمْرِي) الظاهر أنّ ضمير «قال» لعمير، أي أنه حدّثه بهذا الحديث مرّتين، فمرّة قال: «بغير أن آمره»، ومرّة قال: «بغير أمري» (قَالَ) - ﷺ - («الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا») أي إن رضيت بذلك يحلّ له إعطاء مثل هذا، مما يجري فيه المسامحة، وتؤجران معًا. قال الطيبيّ أخذًا عن التوربشتيّ: لم يرد به إطلاق يد العبد، بل كره صنيع مولاه في ضربه على أمر تبيّن رشده فيه، فحثّ السيّد على اغتنام الأجر، والصفح عنه، فهذا تعليم، وإرشاد لآبي اللحم، لا تقرير لفعل العبد انتهى. وقال النوويّ: هذا محمول على أن عميرًا تصدق بشيء ظن أن مولاه يرضى به، ولم يرض به مولاه، فلعمير أجرٌ؛ لأنه فعل شيئًا يعتقده طاعة بنيّة الطاعة، ولمولاه أجرٌ؛ لأن ماله أُتلف عليه، وقوله: «الأجر بينكما»: أي لكلّ منكما أجرٌ، وليس المراد أنّ أجر نفس المال يتقاسمانه. فهذا الذي ذكرته من تأويله هو المعتمد، وقد وقع في كلام بعضهم ما لا يُرتضى من تفسيره. وقال قبل ذلك: وقوله - ﷺ -: «الأجر بينكما»: ليس معناه أن الأجر الذي لأحدهما يزدحمان فيه، بل معناه أن هذه الصدقة التي أخرجها الخازن، أو المرأة، أو المملوك، ونحوهم بإذن المالك يترتّب على جملتها ثوابٌ على قدر المال والعمل، فيكون ذلك مقسومًا بينهما، لهذا نصيبٌ بماله، ولهذا نصيبٌ بعمله، فلا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله. (واعلم): أنه لا بد للعامل، وهو الخازن، وللزوجة، والمملوك من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن أذن أصلًا، فلا أجر لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزرٌ بتصرّفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان: أحدهما: الإذن الصريح في النفقة، والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطّراد العرف والعادة، كإعطاء السائل كسرةً ونحوها، مما جرت العادة به، واطّرد العرف فيه، وعُلم رضاء الزوج، والمالك به، فإذنه في ذلك حاصلٌ، وإن لم يتكلّم، وهذا إذا عُلم رضاه لاطراد العرف، وعُلم أن نفسه كنفوس غالب الناس في السماحة بذلك، والرضا به، فإن اضطرب العرف، وشُكّ في رضاه، أو كان شخصًا يشحّ بذلك، وعُلم من حاله ذلك، أو شكّ فيه، لم يجز للمرأة، وغيرها التصدّق مما ماله إلا بصريح إذنه. انتهى .
مصادر المؤلف (٥٥)

١. - «فتح» ج ٤ ص ٢٦.

٢. - «المفهم» ج ٣ ص ٥٨ - ٥٩.

٣. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٥٧.

٤. -«فتح» ج ٤ ص ٢٧ - ٢٨.

٥. - «المرعاة» ج ٦ ص ٣٢١.

٦. -«فتح» ج٤ ص ٢٧.

٧. - «المفهم» ج ٣ ص ٥٨.

٨. - «الجامع» ج ٣ ص ٣٣١ - ٣٣٢.

٩. - «السنن الكبرى» ج ٢ - ٣ ص ٣.

١٠. - «شرح السنّة» ج ١٦ ص ٢٥٧ - ٢٥٨.

١١. - راجع «تحفة الأحوذيّ» ج ٣ ص ٣٣١.

١٢. - «الفتح» ج ٤ ص ٣٤٥.

١٣. - وفي نسخة: «الحجّاج».

١٤. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٥٨.

١٥. - «النهاية» ج ١ ص ١١٧.

١٦. - راجع«المنهل» ج ٨ ص ٩٥ - ٩٦.

١٧. - «فتح» ج ١ ص ٧٨.

١٨. - «المصباح المنير».

١٩. - انظر «التاريخ الكبير» ج ٥ ص ٢٥ - ٢٦.

٢٠. - «الإصابة في تمييز الصحابة» ج ٦ ص ٥٠.

٢١. - وفي نسخة: «كيف» بدون الواو.

٢٢. - راجع «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٥٩ - ٦٠.

٢٣. راجع «تهذيب التهذيب» جـ ٣ ص ٦٤٦ - ٦٤٧.

٢٤. - ووقع في نسخة «بن» بدل «عن»، أي عن الحسن بن منصور«، وهو غلطٌ، فاحش، فإن الحسين هذا ليس ابن منصور، بل هو حسين بن واقد، فينبغي التنبّه له.

٢٥. - «فتح» ج ٩ ص ٢٣١.

٢٦. - المصدر السابق.

٢٧. - الجرير بالفتح: حبل يُجعل في عنق الناقة. قاله في «المصباح».

٢٨. - في هامش طبعة بولاق: كذا في بعض النسخ، وفي بعضها «سحان» بغير ميم.

٢٩. - «فتح» ج ٩ ص ٢٣٠ - ٢٣١.

٣٠. هذا أصل معناه، وأما في الآية هنا فالمراد المتطوع بصدقته. واللَّه تعالى أعلم.

٣١. - ذكره في «زهر الربى» ج ٥ ص ٦٠.

٣٢. - «عمدة القاري» ج ٩ ص ٥٢.

٣٣. - «عمدة القاري» ج ٩ ص ٥٢.

٣٤. - راجع «عمدة القاري» ج ٩ ص ٥٢.

٣٥. -«فتح»ج ٤ ص ٩٩ - ١٠٠.«عمدة القاري» ج ٩ ص ٥٣.

٣٦. سيأتي قريبًا أن الثاني والثالث حديث واحد، وإنما فرق بينهما الرواد بالاختصار.

٣٧. - «سنن الدارقطنيّ» ج ٣ ص ٤٤ - ٤٥.

٣٨. - «فتح» ج ٤ ص ٤٩.

٣٩. - انظر «مصنّف ابن أبي شيبة» ج ٣ ص ٢١١.

٤٠. - «فتح» ج ٤ ص ٥١.

٤١. - عبارة ابن حبان «أحسن» وما هنا من «الفتح»، وهو الظاهر.

٤٢. - «صحيح ابن حبّان» ج ٨ ص ١٥٠ - ١٥١ بتحقيق شعيب الأرنؤوط.

٤٣. - «فتح» ج ٤ ص ٤٩ - ٥٠.

٤٤. - «فتح» ج٤ ص ٤٧ - ٤٨.

٤٥. - أخرجه البخاريّ في «صحيحه» في تفسير «سورة الحشر».

٤٦. - صحيح تقدّم للمصنّف قبل ثلاثة أبواب، بلفظ «فأي الصدقة أفضل؟ قال:» جهد المقلّ«.

٤٧. - صحيح، تقدم في الباب المذكور أيضًا.

٤٨. - «المفهم» ج ٣ ص ٨٠ - ٨١.

٤٩. - راجع«المرعاة»ج ٦ ص ٣٧٦.

٥٠. - راجع«المرعاة»ج ٦ ص ٣٦٦.

٥١. - لكن فيه نظر، فإن محمد بن عجلان لم يخرج له مسلم، إلا في المتابعات، لا محتجًّا به، انظر «تهذيب التهذيب» ج ٣ ص ٦٤٧.

٥٢. - وفي نسخة: «فتصدقوا» بتاء واحدة.

٥٣. - راجع «صحيح البخاريّ» ج ٤ ص ٤٥ بنسخة «الفتح».

٥٤. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٤٥ - ٤٧.

٥٥. - «شرح مسلم» ج ٧ ص ١١٤.