HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٦٩

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَارِظِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ. قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ. قُلْنَا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللهِ ﷿ وَلَا يُعْطِي بِهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص218
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٥ ص ٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٨٩
وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فمن لم يهاجر فلا تقبل له الأعمال، والظاهر أن هذا قبل فتح مكّة، أو يحمل على ما إذا لم يتمكّن من إقامة دينه في بلاد المشركين، وإلا فالهجرة تكون مستحبّة. فافهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٧٤ - (منْ يَسْأَلُ بِاللَّهِ -﷿-، وَلَا يُعْطِي) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يحتمل بناء الفعل الأول للفاعل، وللمفعول، فيكون المعنى على الأوّل: هذا باب ذكر ذمّ من يَسأل شيئًا باللَّه تعالى لنفسه، ولا يعطي إذا سأله به سائل، حيث جمع بين قبيحين، سؤاله باللَّه تعالى لنفسه، ومنعه من سأله به، فاستخفّ باسم اللَّه تعالى في الحالتين. ويكون المعنى على الثاني: ذمّ من يسأله الناس شيئًا باللَّه تعالى، فلا يُعطيهم ما سألوه، أي مِع القدرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٦٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَارِظِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلًا»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، وَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ»، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَيَعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ، وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ»، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ -﷿-، وَلَا يُعْطِي بِهِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن رافع) أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثقة عابد [١١] ٩٢/ ١١٤. ٢ - (ابن أبي فُدَيكَ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم الدِّيليُّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيُّ، صدوق من صغار [٨] ٥١/ ٩٦٢. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث أبي ذئب القرشيّ المدنيّ، ثقة [٧] ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ) بن عبد اللَّه بن قارظ -بالظاء المشالة- الكنانيّ الْقَارِظِيّ المدنيّ، حليف بني زهرة، صدوق [٣]. قال النسائيّ في «الجرح والتعديل»: ثقة. وقال الدارقطنيّ: مدنيّ يُحتجّ به. وذكره ابن حبّان في «الثقات» . وقال ابن سعد: توفّي في آخر سلطان بني أُميّة، وله أحاديث. روى له «أبو داود، والمصنّف، وابن ماجه»، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم ٢٥٦٩ و٤٢٦٢ و٤٣٥٥. ٥ - (إِسْمَاعيلُ بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ) بن ذُؤيب، وقيل: ابن أبي ذئب الأسديّ، ثقة [٣] ٤٥/ ٥٩١. ٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ثقة فاضل، صاحب مواعظ، وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٧ - (ابن عباس) البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف؛ وأنه مسلسل بالمدنين غير شيخه، فنيسابوري، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: سعيد عن إسماعيل عن عطاء، وهو من رواية الأقران، فإنهم من الطبقة الثالثة، وفيه ابن عباس - ﵄ - من العبادلة الأربعة والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ») «ألا» مركّبة من همزة الاستفهام التقريريّ، و«لا» النافية (بِخَيْرِ النَّاسِ) أي بمن هو من خير الناس، وكذلك قوله: «بِشَرّ الناس»، أي بمن هو من شرّ الناس. وقيل: أطلق للمبالغة في الحثّ على الأوّل، والتحذير عن الثاني. وقال القاضي عياض: وهذا عامّ مخصوص، وتقديره: «من خير الناس»، وإلّا فالعلماء الذين حملوا الناس على الشرائع، والسنن، وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث، ويؤيّده أن في رواية للنسائيّ: «إن من خير الناس رجلًا عَمِلَ في سبيل اللَّه على ظهر فرسه» بـ «من» التي للتبعيض انتهى. وقال الحافظ: وفي رواية للحاكم: سئل أَيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟، قال: «الذي يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه، وماله الخ». وكأنّ المراد بالمؤمن من قام بما تعين عليه القيام به، ثمّ حصّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لما فيه من بذل نفسه، وماله للَّه تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي (مَنْزِلًا) قال الباجيّ: أي أكثرهم ثوابًا، وأرفعهم درجةً. (قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَجُلٌ) بالرفع خبر لمبتدإ محذوف، أي هو رجلٌ (آخِذٌ) صفة لـ»رجل«(بِرَأْسِ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-) كناية عن مداومة الجهاد. وفي رواية«الموطّإ»:«رجل آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللَّه». ولفظ الترمذيّ:«ممسكٌ بعنان فرسه». و«العِنَان»-بالكسر-: اللَّجَام. قال الباجيّ: يريد- واللَّه أعلم- أنه مواظبٌ على ذلك، ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه، يجاهد في سبيل اللَّه بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك، راكبًا له، أو قائدًا معظم أمره، ومقصوده من تصرّفه، فوصف بذلك جميع أحواله، وإن لم يكن آخذًا بعنان فرسه في كثير منها انتهى (حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ، وَأَخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَلِيهِ») أي يتّبعه في الخيريّة، وفي رواية الترمذيّ: «بالذي يتلوه». وفي رواية «الموطّإ»: «ألا أُخبركم بخير الناس منزلّا بعده». قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وصف رسول اللَّه - ﷺ - أفضل المنازل، ونصّ عليها، ورغّب فيها من قَوِيَ عليها، وأخبر بعد ذلك من قَصَرَ عن هذه الفضيلة، وضَعُف عنها، فليس كلّ الناس يستطيع الجهاد، ولا يقدر على أن يكون آخذًا بعِنَان فرسه فيه، ففي الناس الضعيف، والكبير، وذو الحاجة، والفقير انتهى (قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ») خبر لمحذوف: أي هو رجلٌ معتزل، بصيغة اسم الفاعل من اعتزل عن الناس: إذا انفرد عنهم، أي متباعدٌ عن الناس، منفرد عنهم (فِي شِعْبٍ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو الطريق، أو الطريق في الجبل، والجمع شِعَاب -بالكسر أيضًا. والمراد أنه منفرد عن الناس في موضع خال من البوادي، والصحارى. ولفظ الترمذيّ: رجلٌ معتزلٌ في غُنيمة له، يؤدّي حقّ اللَّه فيها». وهو تصغير غَنَم، وهو مؤنّث سماعيّ، ولذلك صُغّر بالتاء، والمراد قطعة من الغنم، وفيه إشارة إلى قلّتها. قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: إنما وردت الأحاديث بذكر الشِّعْب، والجبل؛ لأن ذلك في الأغلب يكون خاليًا من الناس، فكلّ موضع يبعد عن الناس، فهو داخلٌ في المعنى. انتهى. (يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ) زاد في رواية«الموطّإ»: ويعبد اللَّه، لا يشرك به شيئًا« (وَيعْتَزِلُ شُرُورَ النَّاسِ) يحتمل أن تكون الإضافة فيه بمعنى اللام، فيكون المعنى: يبتعد عن إيصال شروره للناس، فيكون بمعنى حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عند الشيخين: «ويَدَعُ الناس من شرّه». والمراد أن من أسباب اعتزاله عن الناس أن لا يصيب أحدًا من المسلمين بسوء. ويحتمل أن تكون الإضافة بمعنى «من»، ويكون المعنى: يبتعد عن وصول الشرور من الناس إليه. واللَّه تعالى أعلم. قال الباجيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فمنزلة هذا منزلة بعد منزلة المجاهد من أفضل المنازل؛ لأداء الفرائض، وإخلاصه للَّه تعالى العبادة، وبُعْده عن الرياء والسمعة، إذا خفي، ولم يكن ذلك شهرة له؛ ولأنه لا يؤذي أحدًا، ولا يذكره، ولا تبلغ درجته درجة المجاهد؛ لأن المجاهد يذبّ عن المسلمين، ويجاهد الكافرين حتى يُدخلهم في الدين، فيتعدّى فضله إلى غيره، ويكثر الانتفاع به، وهذا المعتزل لا يتعدّى نفعه إلى غيره. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﷺ -: قيل: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أفضل؟، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «مؤمن يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله»، قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شِعْب من الشعاب، يتقي اللَّه، ويَدَعُ الناسَ من شره». متّفق عليه. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وإنما كان المؤمن المعتزل يتلو المجاهد في الفضيلة؛ لأنّ الذي يُخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن. انتهى بتصرّف . (وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ»، قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:«الَّذِي يَسْأَلُ بِاللَّهِ -﷿-، وَلَا يُعْطِي بِهِ) يحتمل بناء الفعلين للفاعل، ويكون المعنى: يسأل غيره بحقّ اللَّه، ثمّ إذا سئل هو به لا يُعطي، بل يَنكُص، ويبخل. ويحتمل بناء الأول للمفعول: أي يسأله غيرُهُ باللَّه، فلا يجيب، يعني أنه يسأله صاحب حاجة، بأن يقول له: أعطني باللَّه، وهو يقدر، ولا يُعطيه شيئًا، بل يردّه خائبًا. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الباء فيه كالباء في «كتبتُ بالقلم»، أي يسأل بواسطة ذكر اسم اللَّه تعالى. أو هي للقسم، والاستعطاف، أي يقول السائل: أعطني شيئًا بحقّ اللَّه تعالى. وقال ابن حجر الهيتميّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي مُقْسِمًا عليه باللَّه، استعطافًا إليه، وحملًا له على الإعطاء، بأن يقال له: بحقّ اللَّه أعطني كذا للَّه، ولا يعطي مع ذلك شيئًا، أي والصورة أنه مع قدرته عَلِمَ اضطرار السائل إلى ما سأله. وعلى هذا يُحمل قول الْحَلِيميّ -رحمه اللَّه تعالى-، أخذًا من هذا الحديث وغيره: إنّ ردّ السائل بوجه اللَّه كبيرة انتهى . واختار السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- الاحتمال الأوّل، واستبعد الثاني، حيث قال: قوله: «الذي يسأل باللَّه» على بناء الفاعل، أي الذي يجمع بين القبيحين: أحدهما: السؤال باللَّه. والثاني: عدم الإعطاء لمن يسأل به تعالى، فما يُراعي حرمة اسمه تعالى في الوقتين جميعًا. وأما جعله مبنيًّا للمفعول، فبعيد، إذ لا صُنْعَ للعبد في أن يسأله السائل باللَّه، فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإعطاء في هذا المحلّ، والوجه في إفادة ذلك المعنى أن يقال: الذي لا يعطي إذا سئل باللَّه ونحوه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي استبعده السنديّ عندي غير مستبعد، فإنّ المعنى عليه صحيح أيضًا، ووجه ذلك أن معناه: شرّ الناس هو الذي يُسأل باللَّه تعالى، أي يسأله الناس شيئًا مما يقدر عليه باللَّه تعالى، ثم لا يعطيهم ما سألوه باللَّه تعالى. والحاصل أن الاحتمالين صحيحان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٤/ ٢٥٦٩ - وفي «الكبرى» ٧٦/ ٢٣٥٠. وأخرجه (ت) في «الجهاد» ١٦٥٢ (الموطأ) في «الجهاد» ٩٧٦ (الدارميّ) في «الجهاد» ٢٢٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ من يسأل باللَّه تعالى، ولا يعطي (ومنها): بيان فضل الجهاد في سبيل اللَّه تعالى (ومنها): فضل العزلة عن الناس، مع أداء حقوق اللَّه تعالى، لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك لكن قال الجمهور محلّ ذلك عند وقوع الفتن. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العزلة: اختلف السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في أصل العزلة، فذهب الجمهور إلى أن الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الدين، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقّق السلامة بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل الأمر، فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم من يتحتّم عليه أحد الأمرين. ومنهم من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا، وإما كفايةً بحسب الحال والإمكان. وممن يترجّح من يغلب على ظنّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر في المعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقّق أنه لا يطاع. وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. قال الحافظ: ويؤيّد التفصيل المذكور حديث أبي سعيد - ﵁ - أيضًا: «خير الناس رجلٌ جاهد بنفسه وماله، ورجلٌ في شعب من الشعاب يعبد ربه، ويدع الناس من شرّه». انتهى . وقد كتب الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «التمهيد» بحثًا نفيسًا فيما يتعلّق بالعزلة، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة، وهاك خلاصته: قال- عند شرح حديث الباب-: ما حاصله: في الحديث حضّ على الانفراد عن الناس، واعتزالهم، والفرار عنهم. قال: وقد فضّلها رسول اللَّه - ﷺكما ترى، وفضّلها جماعة العلماء والحكماء، لا سيّما في زمن الفتن، وفساد الناس، وقد يكون الاعتزال عن الناس مرّةً في الجبال والشعاب، ومرّةً في السواحل والرباط، ومرّةً في البيوت. وقد جاء في غير هذا الحديث: «إذا كانت الفتنة، فأَخْف مكانَك، وكُفَّ لسانك» . ولم يخصّ موضعًا من موضع. وقد قال عقبة بن عامر - ﵁ - لرسول اللَّه - ﷺ - ما النجاة يا رسول اللَّه؟ فقال: «يا عقبة أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» . وبمثل هذا أوصى ابن مسعود - ﵁ - رجلًا، قال له: أوصني. ثم أخرج أبو عمر بسنده أنّ ابن مسعود - ﵁ - أُهدي له طائرٌ، فقال: وددتُ أني حيث صِيد هذا الطائر، لا يكلّمني أحدٌ، ولا أكلّمه. ٤٢٧٤ - حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عمرو بن وابصة الأسدي، عن أبيه، قال: إني بالكوفة في داري، إذ سمعت على باب الدار السلام عليهم، أألج؟، قلت: - ﵈ -، فَلِجْ، فلما دخل، فإذا هو عبد اللَّه بن مسعود، قلت: يا أبا عبد الرحمن، آية ساعة زيارة هذه، وذلك في نحر الظهيرة، قال: طال على النهار، فذكرت من أتحدث إليه، قال: فجعل يحدثني عن رسول اللَّه - ﷺ -، وأحدثه، قال: ثم أنشأ يحدثني، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «تكون فتنة، النائم فيها خير من المضطجع، والمضطجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري، قتلاها كلها في النار»، قال: قلت: يا رسول اللَّه، ومتى ذلك؟ قال: «ذلك أيام الهرج»، قلت: ومتى أيام الهرج؟ قال: «حين لا يأمن الرجل جليسه»، قال: قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: «اكفف نفسك ويدك، وادخل دارك»، قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت إن دخل رجل عليّ داري، قال: «فادخل بيتك»، قال: قلت: أفرأيت إن دخل عليّ بيتي؟ قال: «فادخل مسجدك، واصنع هكذا»، وقبض بيمينه على الكوع، وقل: «ربي اللَّه حتى تموت على ذلك». حدثنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد اللَّه يعني ابن المبارك أخبرنا معمر عن إسحاق بن راشد عن عمرو بن وابصة الأسدي. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد ثقات، فإن الرجل المبهم في السند الأول سمي في الثاني بأنه إسحاق بن راشد، وهو ثقة، وعمرو بن وابصة، وثّقه ابن حبّان، لكن في إسناد أبي داود زاد سالمًا بين إسحاق بن راشد وبين عمرو بن وابصة، فالحديث ضعيف. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: بينما نحن حَوْلَ رسول اللَّه - ﷺ -، إذ ذَكَرَ الفتنةَ، فقال: «إذا رأيتم الناس قد مَرِجَت عهودهم، وخَفَّت أماناتهم، وكانوا هكذا» -وشبك بين أصابعه- قال: فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك اللَّهُمَّ جعلني اللَّه فداك- قال: «الزم بيتك، وامْلِكْ عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودعْ عنك أمر العامة». وأخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح. وقالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: كان أول ما بُدىء به رسول اللَّه - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا، إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنث فيه، اللياليَ ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود بمثلها، حتى فَجِئَه الحق، وهو في غار حراء … « الحديث. متّفق عليه. قال: وكان يقال قديمًا: طوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته. ثم أخرج بسنده، عن سليم بن عامر، قال: قال أبو الدرداء - ﵁ -: نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ فيه بصره، ونفسه، وفرجه، وإياكم والمجالس في الأسواق، فإنها تُلغي، وتُلهي. ثم أخرج بسنده: أن عمر بن الخطّاب - ﵁ - قال: إن اليأس غنى، وإن الطمع فقر حاضر، وإن العزلة راحة من خُلَطاء السوء. وقد روي من مرسل الحسن، وغيره، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «صوامع المؤمنين بيوتهم». وأخرج عن يسار بن عبد الرحمن، قال لي بكير بن الأشجّ: ما فعل خالك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: ألا إن رجالًا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم. وأخرج عن قيس بن أبي حازم، قال: قال طلحة بن عبيد اللَّه: أقلُّ لعيب الرجل لزومه بيته. قال: وعن حذيفة - ﵁ - أنه قال: لوددت أني وجدت من يقوم لي في مالي، فدخلت بيتي، فأغلقت بابي، فلم يدخل عليّ أحد، ولم أخرج إلى أحد، حتى ألحق باللَّه -﷿-. وقال غيره: طوبى لمن كان غنيًّا خفيًّا. وكان طاوس يجلس في البيت، فقيل له: لم تكثر الجلوس في البيت؟ فقال: حَيْفُ الأئمة، وفساد الناس. قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: فرّ الناس قديمًا من الناس، فكيف بالحال اليوم، مع ظهور فسادهم، وتعذّر السلامة منهم، ورحم اللَّه منصورًا الفقيه، حيث يقول [من مجزوّ الخفيف]: النَّاسُ بَحْرٌ عَمِيقٌ … وَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَفِينَهْ وَقَدْ نَصَحْتُكَ فَانْظُرْ … لِنَفْسِكَ الْمُسْتَكِينَهْ وقال رجل لسفيان الثوريّ: أوصني، فقال. هذا زمان السكوت، ولزوم البيوت. وأخذ هذا منصورٌ، فقال [من مجزوّ الكامل]: الْخَيرُ أَجْمَعُ فِي السُّكُو … تِ وَفِي مُلَازَمَةِ الْبُيُوتْ فَإِذَا اسْتَوَى لَكَ ذَا وَذَ … لِكَ فَاقْتَنِعْ بِأَقَلِّ قُوتْ وأخرج عن سفيان الثوريّ، قال: ما رأيت لأحد خيرًا من أن يدخل في جُحر. وقال يحيى بن يمان: قال لي سفيان: أَنكِرْ من تَعرف، ولا تتعرّف من لا تعرف. وأخرج عن سفيان بن عيينة، قال: رأيت سفيان الثوريّ في النوم، فقلت: أوصني، فقال: أقلّ من معرفة الناس، أقلّ من معرفة الناس. قال ابن عيينة: كأنه ملدوغٌ من مجالسة الناس. وقال داود الطائيّ: فِرَّ من الناس كما تفرّ من الأسد، واستوحش منهم كما تستوحش من السباع. ومما يُروى عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، وزمانه لا محالة خيرٌ من زماننا هذا [من البسيط]: لَيْتَ السِّبَاعَ لَنَا كَانَتْ مُجَاوِرَةً … وَلَيتَنَا لَا نَرَى مِمَّنْ نَرَى أَحَدًا إِنَّ السِّبَاعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا … وَالنَّاسُ لَيسَ بَهِادٍ شَرُّهُمْ أَبَدًا فَاهْرُبْ بِنَفْسِكَ وَاسْتَأْنِسْ بِوَحْدَتَهِا … تَعِشْ سَلِيمًا إِذَا مَا كُنْتَ مُنْفَرِدًا وقال الفضيل بن عياض: أقِلَّ من معرفة الناس، وليكن شغلك في نفسك. وقال وُهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلًا غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليّ عورةً، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حُمْقٌ. وقال مالك بن دينار: قال لي راهبٌ من الرهبان: يا مالك، إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سُورًا من حديد، فافعل، فانظر كلّ جليس لا تستفيد منه خيرًا في دينك، فانبذه عنك. وأخرج عن عمر بن الخطّاب، قال: خذوا بحظّكم من العزلة. وكان سعيد بن المسيّب يقول: العزلة عبادة. وذكر عبد اللَّه بن حبيق، قال: قال لي يوسف بن أسباط: قال لي سفيان الثوريّ -وهو يطوف حول الكعبة- والذي لا إله إلا هو، لقد حلّت العزلة. وقال بعض الحكماء: الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت» العاشرة عزلة الناس، قال: وعالجت نفسي على الصمت، فلم أظفر به، فرأيت أن العاشرة خير الأجزاء، وهي عزلة الناس. قال أبو عمر: وقد جَعَلَت طائفة من العلماء العزلة، اعتزال الشرّ، وأهله بقلبك وعملك، وإن كنت بين ظهرانيهم، ذكر ابن المبارك، قال: حدّثنا وهيب بن الورد، قال: جاء رجل إلى وهب بن منبّه، فقال: إنّ الناس قد وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدّثت نفسي أن لا أخالطهم، فقال: لا تفعل، إنه لا بدّ لك من الناس، ولا بدّ لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمّ سميعًا، أعمى بصيرًا، سَكُوتًا نَطُوقًا. وقال ابن المبارك في تفسير العزلة: وإن خاضوا في غير ذلك، فأسكت. قال أبو عمر: يشبه أن يكون من ذهب هذا المذهب مِنْ حجته: ما رواه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، عن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «المؤمن الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم». قال: وروينا عن الأحنف بن قيس، أنه قال: الكلام بالخير أفضل من السكوت، والسكوت خير من الكلام باللغو والباطل، والجليس الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء. ثم أخرج الأحاديث المرفوعة بأسانيده: (منها): حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى - عنهما المذكور في الباب. (ومنها): حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رجلًا أتى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، أيّ الناس أفضل؟ قال: «مؤمنٌ يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله»، فقال: ثمّ من يا رسول اللَّه؟ قال: «ثمّ مؤمنٌ في شعب من الشعاب يتّقي اللَّه، ويَدَعُ الناس من شرّه». متّفق عليه. (ومنها): حديث أبي سعيد أيضًا: قيل: يا رسول اللَّه، أيّ الأعمال أفضل؟، قال: «الجهاد في سبيل اللَّه -﷿-»، قيل: ثمّ مهْ؟ قال: «رجلٌ في شعب من الشعاب، يتّقي ربّه -﷿-، ويذَرُ الناس من شرّه». (ومنها): حديثه أيضًا: قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ، يتبع بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن». رواه البخاريّ. (ومنها): حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «يأتي على الناس زمانٌ يكون فيه خير الناس فيه منزلةً من أخذ بعنان فرسه في سبيل اللَّه، كلّما سمع بهَيْعَة استوى على متنه، ثم يطلب الموت في مظانّه، ورجلٌ في شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويَدَعُ الناس إلا من خير». رواه أحمد بسند رجاله ثقات (ومنها): حديث أم مبشّر بنت البراء بن معرور - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول لأصحابه: «ألا أخبركم بخير الناس، رجلًا؟»، قالوا: بلى، يا
مصادر المؤلف (١١)

١. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٢. - ذكر في «تهذيب الكمال» عن النسائيّ، أنه قال: ضعيف. قال في «تهذيب التهذيب» بعد ما نقل عنه عن «الجرح والتعديل» أنه قال: ثقة: ما نصّه: فينظر في أين قال: إنه ضعيف. انتهى.

٣. - راجع «الفتح» ج ٦ ص ٨١.

٤. - راجع «الفتح» ج ٦ ص ٨١.

٥. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ٣١٣.

٦. - راجع «شرح السندي» ج ٥ ص ٨٥.

٧. - «فتح» ج ١٤ ص ٥٤١ - ٥٤٢.

٨. - رواه أحمد في «مسنده» مطوّلا، ونصّه:

٩. - رواه الترمذيّ، والبيهقيّ، وهو ضعيف؛ لأن في سنده علي بن يزيد الألهانيّ، وهو ضعيف.

١٠. - مرج كفرِح: اختلط.

١١. - حديث صحيح.