HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٧١

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾».
  • عبد الفتاح أبو غدة:شاذ
  • الألباني:شاذ
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٥ ص ٨٤

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٠٠
فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ، حَتَّى يُقْتَلَ، أَوْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ -﷿-، الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ وَالْغَنِىُّ الظَّلُومُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح ، تقدّم للمصنّف في «كتاب الصلاة» «فضل صلاة الليل في السفر» رقم ٧/ ١٦١٥ - وتقدّم شرحه، والكلام على مسائله هناك. و«محمد» هو ابن جعفر غندر. و«منصور»: هو ابن المعتمر. و«رِبْعيّ» بن حِرَاش التابعيّ الجليل الكوفيّ العابد الثقة. و«زيد بن ظبيان» الكوفيّ، وثّقه ابن حبّان. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة، حيث إنه يدلّ على ثواب من أعطى السائل باللَّه تعالى، ولا سيّما في حالة منع الناس له، فإنه يدلّ على تعظيم اسم اللَّه تعالى، فأثابه اللَّه تعالى بمحبّته له. وقوله: «فرجل» أي فأحدهم معطي رجل. وقوله: «فتخلفه» أي مشى خلفه. وقوله: «وقوم» أي «والثاني» قارئ قوم. وقوله: «مما يُعْدل به» أي يساويه. وقوله: «يتملّقني» أي يتضرّع لديّ بأحسن ما يكون. وأما الثلاثة الذين يُبغضهم اللَّه تعالى، فسيأتي شرحهم بعد باب، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أُنيب». … ٧٦ - (تَفْسِيرُ الْمِسْكِينِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، بهذا بيان معنى المسكين الذي ذكره اللَّه تعالى في آية الصدقات، حيث قال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية بما أورده من الأحاديث، وسيأتي اختلاف أهل العلم في الفرق بينه، وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧١ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجْرة) السعديّ المروزيّ ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (شريك) بن عبد اللَّه بن أبي نَمِر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوق يُخطىء [٥] ١/ ١٥٠٤. ٤ - (عطاء بن يسار) أبو محمد المدنيّ الفاضل العابد الواعظ، ثقة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٥ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين من الرواية«روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ:»لَيْسَ الْمِسْكِينُ) أي الكامل في المسكنة. قال القرطبيّ: مِفْعيل من السكون. فكأن مَنْ عَدِمَ المالَ سكنت حركاته، ووجوه مكاسبه ولذلك قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي لا صقًا بالتراب. وعند الأصمعيّ: أنه أسوأ حالًا من الفقير. وعند غيره عكس ذلك. وقيل: هما اسمان لمسمّى واحد انتهى . وسنكمّل الكلام في ضبط المسكين، واشتقاقه، وفي الفرق بينه وبين الفقير في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ) بالتاء المثناة الفوقية، وهو في «الصحيحين» وغيرهما، ووقع في «الكبرى» بالثاء المثلّثة. واللَّه تعالى أعلم (وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ) قال في «اللسان»: اللَّقْمَة -بالفتح- واللُّقْمة- بالضمّ-: ما تهُيّئه للَّقْم. قال: وفي «التهذيب»: اللُّقْمة -بالضمّ- اسم لما يهُيّئه الإنسان للالتقام، واللَّقْمة -بالفتح- أكلها بمرّة، تقول: أكلتُ لُقْمةً بلَقْمَتين. انتهى. وفي الرواية التالية: «ليس المسكين بهذا الطّوّاف الذي يطوف على الناس، ترُدُّهُ اللقمة، واللقمتان، والتمرة، والتمرتان»، قالوا: فما المسكين؟، قال: «الذي لا يَجد غنًى يُغنيه …». وفي رواية البخاريّ: «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة، والأكلتان، ولكنّ المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي»، أو «لا يسأل الناس إلحافًا». وقوله: «الأكلة، والأكلتان». قال أهل اللغة: الأُكلة -بالضمّ-: اللقمة، و-بالفتح-: المرّة من الغداء، والعشاء. والموافق هنا المضموم، بدليل رواية المصنّف «اللقمة، واللقمتان». (إِنَّ الْمِسْكِينَ) أي الكامل في المسكنة (الْمُتَعَفِّفُ) أي الممتنع عن المسألة، بمعنى أنه لا يسأل الناس مع احتياجه تعفّفًا، ولذا أتبعه بقوله (اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن شئتم أن تعلموا الدليل على هذا فاقرءوا قوله تعالى (﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) قال السمين الحلبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الإلحاف، والإلحاح، واللَّجَاج، والإحفاء، كلّه بمعنًى، يقال: ألحف، وألحّ في المسألة: إذا لجّ فيها. قال: واشتقاقه من اللِّحَاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمّهم، كما يشتمل اللّحاف مَنْ تحتَهُ وُيغطّيه. ومنه قول ابن أحمر يصف ذَكَر نَعَام يَحضُنُ بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف [من الكامل]: يَظَلُّ يَحُفّهُنَ بِقَفْقَفَيْهِ … وَيُلْحِفُهُنَّ هَفْهَافًا ثَخِينَا وقال آخر في المعنى [من الرمل]: ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهمْ … يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ أي يُلبسونها الأرض كإلباس اللحاف للشيء. وقيل: با اشتقاق اللفظة من لَحْفِ الجبلِ، وهو المكان الخَشِنُ، ومجازه أنّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته. وقيل: بل هي من لَحَفَني فلانٌ: أي أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأول. قال: وفي نصب ﴿إِلْحَافًا﴾ ثلاثة أوجه: (أحدهما): نصبه على المصدر بفعل مقدر، أي يُلحفون إلحافًا، والجملة المقدّرة حالٌ من فاعل ﴿يَسْأَلُونَ﴾. (الثاني): أن يكون مفعولًا من أجله: أي لا يسألون لأجل الإلحاف. (الثالث): أن يكون مصدرًا في موضع الحال، تقديره: لا يسألون ملحفين. أي إلحاحًا، يقال: ألحف عليّ، وألحّ، وأحفاني بالمسألة بمعنًى واحد. وقال أبو عبيدة: انتصب إلحافًا على أنه مصدر في موضع الحال، أي لا يسألون الناس في حال الإلحاف، أو مفعولٌ لأجله، أي لا يسألون لأجل الإلحاف. انتهى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهل المراد نفي المسألة، أي لا يسألون أصلًا، أو نفي السؤال بالإلحاف خاصّةً، فلا ينتفي السؤال بغير إلحاف فيه احتمال، والثاني أكثر في الاستعمال. ويحتمل أن يكون المراد لو سألوا لم يسألوا إلحافًا، فلا يستلزم الوقوع. قاله في «الفتح» . وقال السمين -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد، نحو: ما رأيت رجلًا صالحًا، الأكثر على أنك رأيت رجلًا، ولكن ليس بصالح، وبجوز أنك لم تر رجلًا البتّة، لا صالحًا، ولا طالحًا، فقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ المفهوم أنهم يسألون لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يُلحفون، والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأوّل عندهم. ومثله في المعنى: ما تأتينا، فتحدّثنا، يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدّثهم. ويجوز أنه لا يأتيهم، ولا يُحدّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى المسبب، وهو التحديث. انتهى كلام السمين باختصار، وتصرّف . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٥٧١ و٢٥٧٢ و٢٥٧٣ - وفي «الكبرى» ٧٨/ ٢٣٥٢ و٢٣٥٣ و٢٣٥٤. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٧٦ و١٤٦٩ وفي «التفسير» ٤٥٣٩ (م) في «الزكاة» ١٠٣٩ (د) في «الزكاة» ١٦٣١ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٤٨٦ و٨٨٦٧ و٨٨٩٥ و٢٧٢٣٢ و٢٧٢٦٨ (الموطأ) «الجامع» ١٧١٣ (الدارمي) في (الزكاة) ١٦١٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان معنى المسكين الذي ذكره اللَّه -﷿- بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية. (ومنها): أن المسكنة إنما تُحمد مع العفّة عن السؤال، والصبر على الحاجة (ومنها): استحباب الحياء في كلّ الأحوال (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وأن المسكين الذي له شيء، لكنه لا يكفيه، بخلاف الفقير فإنه الذي لا شيء له، كما سيأتي توجيهه، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): حسن الإرشاد لوضع الصدقة، وأن يُتحرّى وضعها فيمن صفته التعفّف، دون الإلحاح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختلاف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين: قال العلّامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «تفسيره»: واختلف علماء اللغة، وأهل الفقه في الفرق بين الفقير والمسكين على تسعة أقوال: (الأول): ما ذهب إليه يعقوب بن السّكّيت، والْقُتَبيّ، ويونس بن حبيب من أنّ الفقير أحسن حالًا من المسكين، قالوا: الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه، وُيقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، واحتجّوا بقول الراعي [من البسيط]: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ وذهب إلى هذا قومٌ من أهل اللغة، والحديث، منهم أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهّاب. والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام؛ يقال: حَلُوبته وفقَ عياله، أي لها لَبَنٌ قدرَ كفايتهم، لا فضل فيه. قاله الجوهريّ. (الثاني): ذهب آخرون إلى أن المسكين أحسن حالًا من الفقير. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، فأخبر أنّ لهم سفينةً من سُفُن البحر، وربّما ساوت جملةً من المال، وعضدوه بما روي عن النبيّ - ﷺ - أنه تعوّذ من الفقر. وروي عنه أنه قال: «اللَّهمّ أحييني مسكينًا، وأمتني مسكينًا» ، فلو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الخبران؛ إذ يستحيل أن يتعوّذ من الفقر، ثمّ يسأل ما هو أسوأ حالًا منه، وقد استجاب اللَّه دعاءه، وقُبِض، وله مالٌ مما أفاء اللَّه عليه، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية؛ ولذلك رَهَنَ دِرْعَه، قالوا: وأمّا بيت الراعي، فلا حجّة فيه؛ لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حَلُوبةٌ في حالٍ. قالوا: والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نُزِعت فِقَرُهُ من ظهره من شدّة الفقر، فلا حال أشدّ من هذه، وقد أخبر اللَّه بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾، واستشهدوا بقول الشاعر [من الكامل]: لَمَّا رَأَى لُبَدُ النُّسُورَ تَطَايَرَتْ … رَفَعَ الْقَوَادِمَ كَالْفَقِيرِ الأَعْزَلِ أي لم يُطق الطيران، فصار بمنزلة من انقطع صلبه، ولَصِق بالأرض. ذهب إلى هذا الأصمعيّ، وغيره، وحكاه الطحاويّ عن الكوفيين، وهو أحد قولي الشافعيّ، وأكثرِ أصحابه. (الثالث): أنّ الفقير والمسكين سواء، لا فرق بينهما في المعنى، وإن افترقا في الاسم، وإلى هذا ذهب الشافعيّ في أحد قوليه، وابن القاسم، وسائر أصحاب مالك، وبه قال أبو يوسف. قال القرطبيّ: ظاهر اللفظ يدلّ على أن المسكين غير الفقير، وأنهما صنفان، إلا أنّ أحد الصنفين، أشدّ حاجة من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما صنفًا واحدًا. ولا حجّة في قول من احتجّ بقوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾؛ لأنه يحتمل أن تكون مستأجرة لهم؛ كما يقال: هذه دار فلان إذا كان ساكنها، وإن كانت لغيره، وقد قال اللَّه تعالى في وصف أهل النار: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، فأضافها إليهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وقال - ﷺ -: «من باع عبدًا، وله مالٌ»، وهو كثير جدًّا يُضاف الشيء إليه، وليس له، ومنه قولهم: باب الدار، وجُلُّ الدابّة، وسَرْجُ الفرس، وشبهه، ويجوز أن يُسمَّوا مساكين على جهة الرحمة والاستعطاف؛ كما يقال لمن امتُحِنَ بنكبة، أو دُفع إلى بليّة مسكين، وفي الحديث: «مساكين أهل النار»، وقال الشاعر [من الطويل]: مَسَاكِينُ أَهْلِ الْحُبِّ حَتَّى قُبُورُهُمْ … عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَيْنَ الْمَقَابِرِ وأما ما تأوّلوه من قوله - ﵇ -: «اللَّهم أحييني مسكينًا» الحديث. رواه أنس، فديس كذلك؛ وإنما المعنى ههنا التواضع للَّه الذي لا جبروت فيه، ولا نخوّة، ولا كِبْر، ولا بَطَرَ، ولا تكبّر، ولا أَشَرَ، ولقد أحسن أبو العَتَاهية، حيث قال [من البسيط]: إِذَا أَرَدتَّ شَرِيفَ الْقَوْمِ كُلِّهِمِ … فَانْظُرْ إِلَى مَلِكِ فِي زِيِّ مِسْكِنِ ذَاكَ الَّذِي عَظُمَتْ فِي اللَّه رَغْبَتَهُ … وَذَاكَ يَصْلُحُ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ وليس بالسائل؛ لأنّ النبيّ - ﷺ - قد كره السؤال، ونهى عنه، وقال في امرأة سوداء أبت أن تزول له عن الطريق: «دعوها، فإنها جبّارة» . وأما قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾، فلا يمتنع أن يكون لهم شيء. واللَّه أعلم. وما ذهب إليه أصحاب مالك، والشافعيّ في أنهما سواء حسن. (الرابع): ما ذكره ابن سُحنون عن مالك، أنه قال: الفقير المحتاج المتعفّف، والمسكين السائل، وروي عن ابن عباس، وقاله الزهريّ، واختاره ابن شعبان. (الخامس): ما قاله محمد بن مسلمة: الفقير الذي له المسكن، والخادم، والمسكين الذي لا مال له. قال القرطبيّ: وهذا القول عكس ما ثبت في «صحيح مسلم» عن عبد اللَّه بن عمرو، وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد اللَّه: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن تسكُنُه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنّ لي خادمًا، قال: فأنت من الملوك. (السادس): ما روي عن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: الفقير من المهاجرين، والمساكين من الأعراب الذين لم يهاجروا. وقاله الضحّاك. (السابع): أن المسكين الذي يخشع، ويستكنّ، وان لم يسأل، والفقير: الذي يتحمّل، ويقبل الشيء سرًّا، ولا يخشع. قاله عبيد اللَّه بن الحسن. (الثامن): المساكين الطّوّافون، والفقراء فقراء المسلمين. قاله مجاهد، وعكرمة، والزهريّ. (التاسع): الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب. قاله عكرمة. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بتصرّف . وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى- في «النهاية»: وقد تكرّر ذكر المسكين، والمساكين، والمسكنة، والتمسكن. قال: وكلّها يدور معناه على الخضوع والذلّة، وقلّة المال، والحال السيّئة. واستكان: إذا خَضَعَ، والمسكنة: فقر النفس، وتمسكن: إذا تشبّه بالمساكين، وهم جمع المسكين، وهو الذي لا شيء له. وقيل: هو الذي له بعض الشيء. وقد تقع المسكنة على الضعف. انتهى . وقال العلاّمة اللغويّ ابن منظور -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «لسان العرب»: والْمِسْكين أي بالكسر، والْمَسْكين أي بالفتح -الأخيرة نادرة؛ - لأنه ليس في الكلام مَفْعِيلٌ-: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله. قال أبو إسحاق: المسكين الذي أسكنه الفقر، أي قلّل حركته، وهذا بعيد؛ لأن مسكينًا في معنى فاعل. وقوله: الذي أسكنه الفقر يُخرجه إلى معنى مفعول. وهو مِفْعيل من السكون، مثلُ الْمِنْطيق من النُّطْق. قال ابن الأنباريّ: قال يونس الفقير أحسن حالًا من المسكين، والفقير الذي له بعض ما يُقيمه. والمسكين أسوأ حالًا من الفقير، وهو قول ابن السكيت؛ قال يونس: وقلت لأعرابيّ أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لا واللَّه، بل مسكين، فأعلم أنه أسوأ حالا من الفقير؛ واحتجّوا على أن المسكين أسوأ حالًا من الفقير بقول الراعي [من البسيط]: أما الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ … وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ فأثبت أن للفقير حَلوبةً، وجعلها وَفْقًا لعياله؛ قال: وقول مالك في هذا كقول يونس. وروي عن الأصمعيّ أنه قال: المسكين أحسن حالًا من الفقير، وإليه ذهب أحمد بن عُبيد، قال: وهو القول الصحيح عندنا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ فأخبر أنهم مساكين، وأن لهم سفينة، تساوي جملة، وقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء، هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين. قال ابن برّيّ: وإلى هذا القول ذهب عليّ بن حمزة الأصفهانيّ اللغويّ، ويرى أنه الصواب، وما سواه خطأٌ، واستدلّ على ذلك بقوله: ﴿مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، فأكّد -﷿- سُوء حاله بصفة الفقر؛ لأن الْمَتْرَبة الفقر، ولا يؤكّد الشيء إلا بما هو أوكد منه، واستدلّ على ذلك بقوله -﷿-: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فأثبت أنّ لهم سفينة يعملون عليها في البحر، واستدلّ أيضًا بقول الراجز: هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهُ … تُغِيثُ مِسْكِينًا قَلِيلًا عَسْكَرُهْ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهْ … قَدْ حَدَّثَ النَّفسَ بِمِصْرٍ يَحْضُرُهْ فأثبت أنّ له عشر شياه، وأراد بقوله: عسكره غنمه، وأنها قليلة، واستدلّ أيضًا ببيت الراعي، وزعم أنه أعدل شاهد على صحّة ذلك، وهو قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ لأنه قال: أما الفقير الذي كانت حَلُوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وقال: فلم يُترك له سَبَدٌ، فأعلمك أنه كانت له حلوبة تقوت عياله، ومن كانت هذه حاله، فليس بفقير، ولكن مسكين، ثم أعلمك أنها أُخذت منه، فصار إذ ذاك فقيرًا، يعني ابنُ حمزة بهذا القول أنّ الشاعر لم يُثبت أن للفقير حَلوبة؛ لأنه قال: الذي كانت حلوبته، ولم يقل: الذي حلوبته، وهذا كما تقول: أما الفقير الذي كان له مالٌ، وثَرْوَةٌ، فإنه لم يُترك له سَبَد، فلم يُثبت بهذا أن للفقير مالًا وثروة، وإنما أثبت سُوء حاله الذي به صار فقيرًا، بعد أن كان ذا مال وثروة، وكذلك يكون المعنى في قوله: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوَبتُهُ أنه أثبت فقره لعدم حلوبته بعد أن كان مسكينًا قبل حلوبته، ولم يُرد أنه فقير مع وجودها، فإنّ ذلك لا يصحّ كما لا يصحّ أن يكون للفقير مالٌ وثروة في قولك: أما الفقير الذي كان له مالٌ وثروة؛ لأنه لا يكون فقيرًا مع ثروته وماله. قال: فثبت بهذا أن المسكين أصلح حالًا من الفقير. قال عليّ بن حمزة: ولذلك بدأ اللَّه تعالى بالفقير قبل من يستحقّ الصدقة من المسكين وغيره، وأنت إذا تأمّلت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية، وجدته سبحانه قد رتّبهم، فجعل الثاني أصلح حالًا من الأول، والثالثَ أصلح حالًا من الثاني، وكذلك الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن. قال: ومما يدلّك على أن المسكين أصلح حالًا من الفقير أن العرب قد تسمّت به، ولم تتسمّ بفقير لتناهي الفقر في سوء الحال. ألا ترى أنهم قالوا: تمسكن الرجل، فبنوا منه فعلًا على معنى التشبيه بالمسكين في زيّه، ولم يفعلوا ذلك في الفقير؛ إذ كانت حاله لا يَتزيّا بها أحد. قال: ولهذا رَغِبَ الأعرابي الذي سأله يونس عن اسم الفقير لتناهيه في سوء الحال، فآثر التسمية بالمسكنة، أو أراد أنه ذليلٌ لبعده عن قومه ووطنه. قال: ولا أظنّه أراد إلا ذلك، ووافق قولُ الأصمعيّ، وابنِ حمزة في هذا قولَ الشافعيّ. وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة، والمسكين الصحيح المحتاج. وقال زيادة اللَّه بن أحمد: الفقير القاعد في بيته، لا يسأل، والمسكين الذي يسأل. انتهى كلام ابن منظور باختصار . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تحرّر مما تقدّم أن قول الجمهور، ومنهم الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين هو الأرجح؛ لآية: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ الآية، ولحديث الباب، حيث وصفه بقوله: «الذي لا يجد غنى يُغنيه»، فإنه دالّ على أن له شيئًا من المال، لكنه لا يكفيه، ولآية الصدقة، حيث رتّبت المستحقّين لها بالترقّي من الأدنى إلى الأعلى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه
مصادر المؤلف (١٤)

١. - تقدّم في الباب المذكور أن سنده ضعيف من أجل زيد بن ظبيان، فإنه مجهول الحال، لم يرو عنه غير ربعيّ بن حراش، لكن قدمت هناك شاهدًا من رواية أحمد بسند صحيح نحوه، فراجعه تستفد. وباللَّه تعالى التوفيق.

٢. - راجع «المفهم» ج ٣ ص ٨٤.

٣. - قفقفا الطائر: جناحاه.

٤. - راجع «الدرّ المصون في علوم الكتاب الكنون» ج ١ ص ٦٥٧ - ٦٥٧.

٥. - راجع «الفتح» في «كتاب التفسير» ج ٩ ص ٦٣.

٦. - راجع «الدر المصون في علوم الكتاب المكنون» ج ١ ص ٦٥٧ - ٦٥٩.

٧. - السَّبّدُ بالتحريك: القليل.

٨. - أخرجه الترمذيّ في «جامعه»، بسند ضعيف.

٩. - الفقرة -بالكسر- والفَقْرة، والفقارة-بالفتح: ما انتضد من عظام الصلب، من لدن الكاهل إلى العجب.

١٠. - لُبَد اسم آخر نُسُورِ لقمان بن عاد، سماه بذلك لأنه لبد، فبقي لا يذهب، ولا يموت، والقوادم أربع ريشات في مقدّم الجناح، الواحدة قادة. من هامش القرطبيّ ج ٨ ص ١٨٩.

١١. - لم أر من أخرجه.

١٢. - «جامع الأحكام» ج ٨ ص ١٦٨ - ١٧١.

١٣. - راجع «النهاية في غريب الحديث والأثر» و١ ج ٢ ص ٣٨٥.

١٤. - راجع «لسان العرب» ج ١٣ ص ٢١٤ - ٢١٦. طبعة دار صادر - بيروت.