HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٧٨

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ [عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ] ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ بِتُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ قَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَمَنْ يُطِعِ اللهَ ﷿ إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟ ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص220
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١١٨
أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر انتهى كلام القرطبيّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٧٨ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ بِتُرْبَتِهَا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا، قَالَ: «إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ؛ لأَتَأَلَّفَهُمْ»، فَجَاءَ رَجُلٌ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ -﷿-، إِنْ عَصَيْتُهُ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلَا تَأْمَنُونِي؟»، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هناد بن السري) الكوفي، ثقة [١٠] ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي، ثقة ثبت [٧] ٧٩/ ٩٦. ٣ - (سعيد بن مسروق) والد سفيان الثوري الكوفي، ثقة [٦] ١٥٣/ ١١٢١. ٤ - (عبد الرحمن بن أبي نُعم) -بضمّ النون، وسكون المهملة- البجليّ، أبي الْحَكَم الكوفيّ، صدوق، عابد [٣]. قال مندل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن قد تَوَجّهَ ملك الموت إليك يريد قبض روحك، ما كانت عنه زيادة على ما هو فيه. وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان يقول: لبيك لو كان رياءً لاضمحلّ . وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: كان من عبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجّاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسدّ الباب خمسة عشر يومًا، ثمّ أمر بالباب، ففتح ليُخرَج، فيُدفَنَ، فدخلوا عليه، فإذا هو قائمٌ يُصلي، فقال له الحجّاج: سِرْ حيث شئت. وروى عبد الرحمن بن أحمد في زيادات «الزهد» من طريق مغيرة، عن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجّاج أيّام الجماجم، فوعظه. وقال ابن سعد: كان ثقة، يُحرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن أبي حاتم: ذَكَر أبي عبدَ الرحمن بنَ أبي نُعم، فذكر له فضلًا وعبادةً. وقال النسائيّ في «التمييز»: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. روى له الجماعة وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٥٧٨ و٤١٠١ و٤٥٦٩ و٤٦٧٣ و٤٦٧٤ و٥٦٦١. ٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان - ﵄ - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف وأنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابي فمدني، وفيه أبو سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، يعني أنه كان باليمن، وقد ولّاه النبيّ - ﷺ - قاضيا بها (بِذُهَيْبَةٍ) تصغير ذَهَبَة، وكأنه أنّثها على معنى الطائفة، أو الجملة. وقال الخطّابيّ: على معنى القطعة. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنها كانت تبرًا، وقد يؤنّث الذهب في بعض اللغات، وفي بعض النسخ من مسلم: «بذَهَبَة» بفتحتين بغير تصغير انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: اعتراض الحافظ على الخطّاب لا وجه له، إذ القطعة، هي الطائفة التي فسر بها هو، فتبصّر. وأيضًا ما فسّر به الخطّابيّ فسر به غيره، قال في «اللسان»: قال الأزهريّ: والذهب معروف، وإنما أُنّث، وقال غيره: الذهب: التِّبْرُ، القطعة منه ذَهَبَةٌ، وعلى هذا يُذكّر، ويؤنّث على ما ذُكر في الجمع الذي لا يفارقه واحده إلا بالهاء. وقال ابن الأثير: هي تصغير ذهب، وأدخل الهاء فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ، إذا صُغر أُلحق في تصغيره الهاء، نحو قُويسة، وقيل: هو تصغير ذهبة، على نية القطعة منها، فصغّروها على لفظها، والجمع الأذهاب، والذُّهُوب انتهى . فتبيّن بهذا أن ما قاله الخطابيّ صحيح. واللَّه تعالى أعلم. زاد في رواية الشيخين: «في أديم مقروظ»: و«الأديم»: الجلد. و«المقروظ»: المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في «المفهم» . (بِتُرْبَتِهَا) أيِ مخلوطة بترابها، بمعنى أنها لم يتميّز من ترِاب معدنها. وفي رواية الشيخين: «لم تُحصّل من ترابها»: قال في «الفتح»: أي لم تخُلّص من تراب المعدن، فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك . [تنبيه]: اختُلف في هذه الذُّهيبة، فقيل: كانت خمس الخمس. وفيه نظر. وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه - ﷺ - أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة. وقيل: من أصل الغنيمة. وفيه بُعْدٌ. قاله في «الفتح». (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ: «النفر» - بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة انتهى. (الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ) بالجر بدل من «أربعة»، أو من «نفر»، ويجوز الرفع، والنصب على القطع. وهو الأقرع بن بن حابس بن عثمان بن محمد بن سفيان بن مُجاشع التميميّ المجاشعيّ. قيل: كان اسمه فراس، والأقرع لقبه . وفي رواية للبخاريّ: «وأقرع بن حابس» بدون «ال»، قال ابن مالك: فيه شاهد على أن الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا ضرورةٍ، وقد حكى سيبويه عن العرب: هذا يوم اثنين مبارك وإلى هذا أشار في «خلاصته»: وَقَدْ يَصِيرُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ «أَلْ» كَالْعَقَبَهْ وَحَذْفَ «أَلْ» ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ (وَعُيَينَةَ بْنِ بَدْرٍ) بن حُذيفة بن بدر (الْفَزَارِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثَمَّ أَحَدِ بَنِي كلَابٍ) «عُلَاثة» -بضمّ العين المهملة، والمثلّثة- ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبدَ الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: «إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل». فقال في «الفتح»: وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر ابن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل ذلك انتهى . (وَزَيْدِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ) هو زيد بن مهلهل الطائيّ، ويقال له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، وسمّاه النبيّ - ﷺ - زيد الخير -بالراء بدل اللام- وأثنى عليه، فأسلمِ، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ - ﷺ -. (فغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ مَرَّةَ أُخْرَى) الظاهر أن القائل هو سعيد بن مسروق؛ لأن هذه الزيادة في روايته، كما يظهر من عبارة «الفتح»، ولفظه: وفي رواية سعيد بن مسروق: «فغضبت قريش، والأنصار، وقالوا: يعطي صناديد أهل نجد، ويدعنا الخ» انتهى (صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ) الصناديد -بالمهملة، والنون- جمع صِنديد، وهو الرئيس (فَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَتَدَعُنَا) أي تتركنا. وفي رواية الشيخين: «فقال رجلٌ من أصحابه: كنا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبيّ - ﷺ -، فقال:»ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء، مساءً وصباحًا«. قال القرطبيّ في«المفهم»: لا حجّة فيه لمن يرى أن اللَّه مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسمية، وأيضًا فيحتمل أن يراد بـ«من في السماء»الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول في قوله تعالى تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في المشكلات أسلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه استوى على عرشه استواء حقيقيّا، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر به النبيّ - ﷺ - في الأحاديث «الصحيحة» ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا ﷾ هو الأعلى «سبحان ربي الأعلى»، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع من هذا الشرح. واللَّه سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) - ﷺ - اعتذارًا إليهم (إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إنما آثرت إعطاء هؤلاء، وتركتكم (لِأَتَأَلَّفَهُمْ) أي لأجل أن أستميل قلوبهم إلى الإسلام. (فَجَاءَ رَجُلٌ) هو ذو الْخُويصِرَةِ التميميّ، كما ثبت صريحًا في رواية لأبي سعيد الخدريّ عند البخاريّ في «علامات النبوّة». وعند أبي داود: اسمه نافع. ورجّحه السهيليّ. وقيل: اسمه حُرْقُوص بن زُهير السعديّ. (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف: أي غليظها (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَينِ) المشرف -بشين معجمة، وفاء- بمعنى البارز، والمرتفع. والوجنتان: تثنية وَجْنة. قال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات انتهى. وقال في «اللسان»: الوجنة مثلثةً، والوَجَنَة محرَّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما انحدر من الْمَحْجِرِ ، ونَتَأَ من الوجه. وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَنَفي الأنف. وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه، إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى الليحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا انتهى. (غَائِرُ الْعَينَيْنِ) بالغين المعجمة، والتحتانيّة، اسم فاعل من الْغَوْر، والمراد أن عينيه داخلتان في مَحَاجرهما، لا صقتان بقعر الحدقة، وهو ضدّ الْجُحُوظ (نَاتِىءُ الْجَبِينِ) بهمز ناتىء: أي مرتفع الجبين، والجبين -بفتح الجيم، وكسر الموحّدة-: جانب الجبهة، ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه جُبُن -بضمّتين، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أَسْلِحَة. وفي «الكبرى»: قاني الجبين«بالقاف بدل»ناتىء«، والظاهر أنه بمعناه؛ لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع أعلاه، واحْدِيدَاب وسطه، كما في»القاموس«. (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في«كتاب التوحيد»في وصف الخوارج:«سيماهم التحليق»، ولفظه من طريق معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال:«يَخرُج ناس من قبل المشرق، ويقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يَمرُقُون من الدين، كما يَمرُق السهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فيه، حتى يعود السهم إلى فُوقِه، قيل: ما سيماهم؟، قال: »سيماهم التحليق«، أو قال: »التسبيد« انتهى. »التسبيد« بمعنى التحليق، أو أبلغ منه. قال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فيستلزم أن كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج، والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا. ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم، إلا للنسك، أو في الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدنًا، فصار شِعَارًا لهم، وعُرفوا به. قال: ويحتمل أن يُراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم، وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: الأول باطل لأنه لم يقع من الخوارج. والثاني محتمل، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس، والثالث كالثاني. واللَّه أعلم انتهى . وزاد في رواية الشيخين: «مشمّر الإزار». (فَقَالَ: اتَّقِ اللَّه يَا مُحَمَّدُ، قَالَ) - ﷺ - (فَمَنْ يُطِيعُ اللَّه -﷿-، إِنْ عَصَيتُهُ؟) «من» استفهامية، والاستفهام للإنكار والتوبيخ. وفي رواية البخاريّ: «أو لست أحقّ ثم هل الأرض أن يتّقي اللَّه» (أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ) أي يجعلني اللَّه تعالى مؤتمنًا على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة (وَلَا تَأْمَنُونِي؟) أي لا تعتقدون كوني أمينًا، إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها (ثُمَّ أدْبَرَ الرَّجُلُ) وفي رواية الشيخين: «ثم ولّى الرجل» (فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتلِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) يحتمل أن يكون «يرون» بالبناء للفاعل بمعنى يعلمون، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون. وفي رواية الشيخين: «فقال خالد بن الوليد: يا رسول اللَّه، ألا أضرب عنقه؟». وفي هذه الرواية أن الذي استأذن في قتله هو خالد بن الوليد. وفي رواية عند البخاريّ أن الذي استأذنه في قتله هو عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولا إشكال فيه، إذ يمكن الجمع، بأن يكون كلّ واحد منهما استأذن في قتله، فأجيب كلّ منهما. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ: رَسُولُ اللَّه - ﷺ -) وفي رواية الشيخين لما استأذن خالد في ضرب عنقه، قال - ﷺ -: «لا، لعله أن يكون يصلّي»، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنّي لم أومر أَنَّ أَنقُب قلوب الناس، ولا أشُقّ بطونهم»، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقّفِّ، فقال: إنه يخرج من ضئضىء هذا الخ«. قال في«الفتح»: قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب القتل لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد اللَّه ابن أُبيّ. وقال المازريّ: يحتمل أن يكون النبيّﷺ - لم يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم. أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم انتهى. وأبطله عياض بقوله في الحديث: «اعدل يا محمد»، فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى. (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) قال في «الفتح»: كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين، بينهما تحتانيّة، مهموزة، ساكنة، وفي آخره تحتانيّة مهموزة أيضًا. وفي رواية الكشميهنيّ: بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة، فالمراد به النسل والعقب. وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه. وحكى ابن الأثير أنه روي بالمدّ، بوزن قِنْدِيل انتهى (قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ) وفي رواية للشيخين: «يتلون كتاب اللَّه رطبًا». قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «يتلون كتاب اللَّه رطبًا» فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الْحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله. والثاني: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به. والثالث: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. انتهى . (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الْغَلْصَمة ، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق . قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرة، والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف. والثاني: معناه: لا يصعد لهم عملٌ، ولا تلاوةٌ، ولا يُتقبّل انتهى . (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإسلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأوثَانِ) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا منه - ﷺ - إخبار عن أمرٍ غيبٍ، وقِع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلًا من أدلّة نبوّته - ﷺ -، وذلك أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خرَجُوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كلّه من آثار عبادات الجهّال الذين لم يشرح اللَّه صدورهم بنور العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى بذلك أن مُقَدَّمهم ردّ على رسول اللَّه - ﷺ - أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول اللَّه - ﷺ -، كما لا يُتصوّر في حقّ اللَّه تعالى؛ إذ الموجودات كلّها ملكٌ للَّه تعالى، ولا يستحقّ أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ من ذلك، والرسول مُبلّغٌ حكمَ اللَّه تعالى، فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في حقّ مُرْسِلِه. ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له رسول اللَّه - ﷺ - بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة رسول اللَّه - ﷺ -، مع ما وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من شهادات اللَّه، ورسوله لهم، وثنائه على عليّ، والصحابة عمومًا وخصوصًا انتهى كلام القرطبيّ . (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإسْلَامِ) بضم الراء، يقال: فرَقَ السهمُ مُرُوقًا، من باب قعد: إذا خرج منه من الجانب الآخر. أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نفذ الصيدَ من جهة أخرى، ولم يتعلّق به شيء منه. وفي رواية عمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعم: «من الدين» بدل الإسلام. قال في «الفتح»: وفي قوله: «من الإسلام» ردّ على من أوّل «الدين» هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرّمِيّة. وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يطيعون الخلفاء. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصواب أن المراد بخروجهم من الدين، خروجهم من الإسلام، الذي قال اللَّه تعالى فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، كما فسّرته رواية المصنّف، إذ الرواية يفسّر بعضها بعضًا. واللَّه تعالى أعلم. (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) بفتح الراء، وتشديد التحتانيّة: أي الصيد الْمَرْمِيّ. قال الفيّوميّ: الرَّمِيّةُ ما يُرمَى من الحيوان، ذكرًا كان أو أنثى، والجمع رَمِيَّات، ورَمَايا، مثلُ عَطِية، وعَطِيّات، وعَطَايا، وأصلها فَعِيلة بمعنى مفعولة. انتهى. شبّهَ مروقهم من الإسلام بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه لقوّة الرامي، لا يَعْلَق به من جسد الصيد شيء . وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: فقال عمر: يا رسول اللَّه، ائذن لي فيه، فأضربَ عنقه، فقال: «دعه، فإن له أصحابا، يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، يُنظَر إلى نَصْلِه، فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظر إلى رِصَافه، فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّهِ -وهو قِدْحُهُ- فلا يوجد فيه شيء، ثم يُنظَر إلى قُذَذه، فلا يوجد فيه شيء، قد سَبَقَ الفرثَ والدمَ، آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة»، أو «مثل البَضْعَة، تَدَرْدَر، ويخرجون على حين فُرْقَة من الناس». قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث، من رسول اللَّه - ﷺ -، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب قاتلهم، وأنا معه، فأمر بذلك الرجل، فالتُمِس، فأُتي به، حتى نظرتُ إليه، على نَعْتِ النبيّ - ﷺ -، الذي نعته». وقوله:«في نَصْله»أي حديدة السهم. و«رِصَافه»بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء: عَصَبه الذي يكون فوق مدخل النّصل. والرِّصَاف جمعٌ، واحده رَصَفَة بحركات. و«نَضِيّه»بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة: القِدْح - بكسر، فسكون -كما فُسّر في الحديث- أي عود السهم قبل أن يُراش، وُينصّل. وقيل: ما بين الريش والنصل. و«الْقُذَذ»-بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة، جمع قُذّة: وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة قُذّة، ويقال: هو أشبه من القذّة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد. وقوله:«آيتهم»أي علامتهم. وقوله:«بضعة»-بفتح الموحّدة: أي قطعة لحم. وقوله:«تدردر»: أي تضطرب، وتتحرّك. وقوله:«على حين فُرْقة»: أي يخرجون فى وقت افتراق الناس. وفي رواية لمسلم:«تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين، تقتلها أوْلى الطائفتين بالحقّ». وفي هذا، وقولِهِ - ﷺ -:«تقتل عمّارًا الفئة الباغية»دلالة واضحة على أن عليًّا - رضي اللَّه تعالى عنه -، ومن معه كانوا على الحقّ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم. واللَّه تعالى أعلم . (لَئِنْ أَدْرَكتُهُمْ، لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]. وفي رواية«قتل ثمود». قال القرطبيّ: ووجه الجمع أن يكون النبيّ - ﷺ - قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ. ومعنى هذا أنه - ﷺ - كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن بعض، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل اللَّه بعاد، حيث أهلهكم بالريح العقيم، وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة انتهى . وقال في«الفتح»: وقد استُشكل قوله:«لئن أدركتهم لأقتلتهم» مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم. وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه - ﷺ -، وأوّل ما ظهر في زمان عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، كما هو مشهور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٩/ ٢٥٧٨ و٢٦/ ٤١٠١ - وفي «الكبرى» ٨١/ ٢٣٥٩ و«التفسير» ١٧٠/ ١١٢٢١. وأخرجه (خ) في «المناقب» ٣٦١٠ و«المغازي» ٤٣٥١ و«التفسير» ٤٦٦٧ و«فضائل القرآن» ٥٠٥٨ و«الأدب» ٦١٦٣ و«استتابة المرتدّين» ٦٩٣١ و٦٩٣٣ و«التوحيد» ٧٤٣٢ و٧٥٦٢ (م) في «الزكاة» ١٠٦ (د) في «السنّة» ٤٧٦٤ (ق) في «المقدمة» ١٦٩ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٠٦٢٥ و١٠٨٧٤ و١١٠٩٦ و١١١٨٥ و١١٢٥٤ و١١٢٩٦ «الموطّأ» في «النداء للصلاة» ٤٧٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف للعلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي (ومنها): أن فيه بيان صفات الخوارج التي يتميزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم مرتدّون عن الإسلام، أو قلنا: إنهم بغاة، خرجوا على أهل العدل (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بخروج الخوارج قبل أن يقع، فوقع على طِبْقِ ما أخبر ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. (ومنها): ما قال ابن هبيرة: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى (ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار، والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ونَصَبَ الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد (ومنها): أن فيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر، وخالد - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لشدّتهما في الدين حيث أستاذنا بقتل ذلك الرجل (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ المشهود بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن حاله (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام البخاريّ في «صحيحه»، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ في شرح الترمذيّ، فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله - ﷺ -: «يمرقون من الإسلام»، ولقوله: «لأقتلنّهم قتل عاد»، وفي لفظ «ثمود»، وكلّ منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: «هم شرّ الخلق»، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله: «إنهم أبغض الخلق إلى اللَّه تعالى». وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرَي عليهم حكم الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام. قال القرطبيّ في «المفهم»: والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله القرطبيّ حسنٌ جدًّا، وحاصله أن التوقّف أسلم. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح الراجح بدليله في «كتاب تحريم الدم» -٢٦/ ٤١٠١ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم: قال العلامة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «تفسيره»: اختلف العلماء في بقائهم، فقال عمر، والحسن، والشعبيّ، وغيرهم: انقطع هذا الصنف بعز الإسلام، وظهوره، وهذا مشهور مذهب مالك، وأصحاب الرأي، قال بعض علماء الحنفيّة: لما أعزّ اللَّه الإسلام، وأهله، وقطع دابر الكافرين -لعنهم اللَّه- اجتمعت الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم أجمعين في خلافة أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه - على سقوط سهمهم. وقال جماعة من العلماء: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستألف على الإسلام. وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. قال يونس: سألت الزهريّ عنهم؟ فقال: لا أعلم نسخًا في ذلك. قال أبو جعفر النحّاس: فعلى هذا الحكمُ فيهم ثابتٌ، فإن كان أحد يُحتاج إلى تألّفه، وُيخاف أن تَلحَق المسلمين منه آفةٌ، أو يُرجى أن يحسن إسلامه بعدُ دُفع إليه. قال القاضي عبد الوهّاب: إن احتيج إليهم في بعض الأوقات أعطوا من الصدقة. وقال القاضي ابن العربيّ: الذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطُوا سهمهم، كما كان رسول اللَّه - ﷺ - يعطيهم، فإن في «الصحيح»: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ» انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن هذا الذي قاله ابن العربيّ -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح. وحاصله: أن نصيب المؤلّفة قلوبهم باق على حسب الحاجة، فحيث وُجدت حاجة
مصادر المؤلف (٢١)

١. - «الجامع لأحكام القرآن» ج ٨ ص ١٧٨ - ١٧٩.

٢. قلت: كونه يحرم من السنة إلى السنة، كيف يُعدّ في منقبة عبد الرحمن؟، فإن هذا مخالف للسنّة، فليتأمّل. واللَّه تعالى أعلم.

٣. - «لسان العرب» في مادة ذهب.

٤. - «المفهم» ج ٣ ص ١١١.

٥. - «فتح» ج ٨ ص ٣٩٥.

٦. - «فتح» ج ٨ ص ٣٧٩ طبعة دار الفكر.

٧. - نقله في«الفتح»ج ٨ ص ٣٩٥.

٨. -«فتح» ج ٨ ص ٣٩٥.

٩. - راجع «المفهم» ج ٣ ص ١١١ - ١١٢.

١٠. - المحجِر مثال مجلِس: ما ظهر من النقاب من الرجل والمرأة، من الْجَفْن الأسفل، وقد يكون من الأعلى. وقال بعض العرب: هو ما دار بالعين من جميع الجوانب، وبدا من البرقع، والجمع المحاجر. اهـ «المصباح».

١١. - راجع «الفتح» ج ١٥ ص ٥٢٠ - ٥٢١.

١٢. - «فتح» ج ٨ ص ٣٩٧.

١٣. - انظر «المفهم» ج ٣ ص ١١٤.

١٤. - الغَلْصَمَة: اللحم بين الرأس والعنق، أو الْعُجْرة على مُلتقى اللَّهاة والْمَريء، أو رأس الحلقوم بشواربه، وحَرْقَدَته، أو أصل اللسان انتهى «القاموس».

١٥. - «النهاية في غريب الحديث» ج ١ ص ٤٤٩.

١٦. - انظر «شرح مسلم للنوويّ» ج ٧ ص ١٦٠.

١٧. - انظر «المفهم» ج ٣ ص ١١٤ - ١١٥.

١٨. -«فتح»ج ٨ ص ٣٢٥.

١٩. - راجع «الفتح» ج ٨ ص ٣٢٤ - ٣٢٥.

٢٠. - «المفهم» ج ٣ ص ١١٣.

٢١. - راجع «جامع الأحكام» ج ٨ ص ١٨١.