HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٨١

أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةٍ. وَذَكَرَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: أُشَاهِدُ السَّائِلَ، إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلْتَ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ ثُمَّ بَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٩٠

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٣٨
تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها»، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك في باب«إخرج الزكاة من بلد إلى بلد»-٤٦/ ٢٥٢٢ - وأن الأصحّ جواز نقلها، إذا كان هناك مصلحة راجحة (ومنها): أن الحدّ الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قِوام العيش، وسِداد الخلّة، وذلك يعتبر في كلّ إنسان بقدر حاله، ومعيشته، وليس فيه حدّ معلوم، يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٨١ - (الصَّدَقَةُ عَلَى الْيَتِيمِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان أن اليتيم من مصارف الزكاة، والمراد اليتيم الفقير، لا كلّ يتيم، ووجه استدلاله بحديث الباب أن قوله - ﷺ -:«ونعم صاحب المسلم هو، إن أَعطَى منه اليتيم الخ»، فإنه يعمّ الصدقة الواجبة، والتطوّع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٥٨١ - (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةٍ، وَذَكَرَ الدُّنْيَا، وَزِينَتَهَا، فَقَالَ: رَجُلٌ أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟، فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ، يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ »أُشَاهِدُ السَّائِلَ؟، إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ، أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةُ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ، ثُمَّ بَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ، حُلْوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ، إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ«). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زياد بن أيوب) البغدادي، أبو هاشم الطُّوسي الأصل الملّقَّب دَلُّويه، ولَقَّبه أحمدُ شعبةَ الصغير [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (إسماعيل ابن عُلَيّة) هو: ابن إبراهيم، أبو بشر البصريُّ، ثقة حافظ [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (هشام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصريُّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ٣٠/ ٣٤. ٤ - (يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل اليمامي، أبو نصر، ثقة ثبت يدلس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤. ٥ - (هلال) بن عليّ بن أسامة العامري المدني، وينسب إلى جده، ثقة [٥] ٥١/ ٦٥. ٦ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٧ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، فإنه وإن كان يماميًا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين، وشيخه بغدادي، والباقيان بصريان. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يحيى عن هلال، عن عطاء، ومنها: أن فيه أبا سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -. وعند البخاريّ في «الزكاة»: «حدّثنا عطاء بن يسار، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -» (قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ) و»إنما«أداة حصر. وفي نسخة:»إني«. وفي»الكبرى«:»إن مما أخاف عليكم«، وعليه فالجارّ والمجرور خبر مقدّم لـ»إن«(مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (مَا يُفْتَحُ لَكُمْ) بالبناء للمفعول، و»ما«اسم موصول مفعول»أخاف«، أو اسم»إنّ«مؤخّرًا على ما في»الكبرى«. وفي نسخة:»ما يفتح اللَّه لكم«. والمقصود أنه - ﷺ - ما يخاف على أمته الفقر، وإنما يخاف عليهم الغنى. ولفظ البخاريّ:«إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج اللَّه لكم من بركات الأرض»، قيل: وما بركات الأرض؟ قال:«زهرة الدنيا». (مِنْ زَهْرَةٍ) بيان لـ«ما». قال في«اللسان»: وزَهْرة الدنيا -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وفتحها-: حُسنها، وبَهْجتها، وغَضَارتها. وفي التنزيل العزيز: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قال أبو حاتم: زَهَرة الدنيا -بالفتح-، وهي قراءة العامّة بالبصرة، قال: وزَهْرة هي قراءة أهل الحرمين، وأكثر الآثار على ذلك انتهى . وقال في«الفتح»:«الزهرة» -بفتح الزاي، وسكون الهاء-، وقد قُرىء في الشاذّ عن الحسن وغيره بفتح الهاء، فقيل: هما بمعنى، مثلُ جَهْرَة، وجَهَرَة. وقيل: بالتحريك جمع زاهر، كفاجر وفَجَرَة. والمراد بالزهرة الزينة، والبهجة، كما في الحديث، والزهرة مأخوذة من زهرة الشجر، وهو نَوْرُها -بفتح النون- والمراد ما فيها من أنواع المتاع، والعين، والثياب، والزرع، وغيرهما مما يفتخر الناس بحسنه مع قلّة البقاء انتهى . (وَذَكَرَ الدُّنْيَا، وَزِينَتَهَا) الظاهر أن الفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -، أي ذكر لفظ «الدنيا، وزينتها» مع لفظة «زهرة»، ولكن الراوي لم يحفظ كيفية ذكر هذين اللفظين معها، مع أنه يحفظ ذكر الجميع. ولفظ البخاريّ: «زهرة الدنيا» بالإضافة، من دون تردّد (فَقَالَ: رَجُلٌ) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: لم أقف على اسمه (أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بالشَّرِّ؟) بفتح واو «أَو»، والهمزة للاستفهام، والوا عاطفة على مقدّر، أي أتصير النعَمة عقوبة؟؛ لأن زهرة الدنيا نعمة من اللَّه تعالى، فهل تعود هذه النعمة نقمةً؟، وهو استفهام استرشاد، لا إنكار. والباء في قوله: «بالشرّ» صلة ليأتي، أي هل يستجلب الخيرُ الشرّ . وقال القرطبيّ: قوله: «وهل يأتي الخير بالشرّ» سؤالُ مَنِ استبعد حصول شرّ من شيء سمّاه رسول اللَّه - ﷺ - «بركات»، وسمّاه خيرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وشِبْهِهِ مما سُمّي المال فيه خيرًا، فلما فَهِم - ﷺ - من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد أن الخير الذي هو المال قد يَعرِض له أن يحصل عنه شرّ، إذا تعدى به حده، وأسرف فيه، ومنع من حقّه، ولذلك قال: «أَوَ خيرٌ هو؟» -بهمزة الاستفهام، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحةِ على الرواية الصحيحة- مُنكِرًا على من توهّم أنه يحصل منه شرّ أصلًا، لا بالذات، ولا بالْعَرَض انتهى . (فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) ولفظ البخاريّ: «فصمت النبيّ - ﷺ -» (فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ) بضمّ حرف المضارعة، من التكليم (رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا يُكَلِّمُكَ، قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (وَرَأَيْنَا) بالبناء للفاعل: أي علمنا، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول: أي ظننّا، ويؤيده ما في البخاريّ: «حتى ظننت»، وفي رواية: «حتى ظننّا». وقال في «الفتح»: وفي رواية هلال: «فرُئينا» بضمّ الراء، وكسر الهمزة. وفي رواية الكشميهنيّ: «فأُرِينا» بضم الهمزة. (أَنَّهُ) - ﷺ - (يُنْزَلُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى الوحي المفهوم من المقام، والمعنى: ينزل اللَّه تعالى عليه الوحي. وكأنهم فهموا ذلك بالقرينة، من الكيفيّة التي جرت عادته - ﷺ - بها عند ما يوحى إليه (فَأَفَاقَ يَمْسَحُ الرُّحَضَاءَ) -بضمّ الراء، وفتح المهملة، ثم المعجمة والمدّ: هو الْعَرَق. وقيل: الكثير. وقيل: عرَقُ الحمّى. وأصل الرَّحْض -بفتح، ثم سكون: الغسل، ولهذا فسّره الخطّابيّ بأنه عَرَقٌ يَرْحَضُ الجلدَ لكثرته . (وَقَالَ) - ﷺ - («أَشَاهِدٌ السَّائِلُ؟) وفي نسخة:»أفشاهد السائل«. وفي نسخة:»أين هذا«. وفي رواية البخاريّ:»أين السائل؟ «. وفي رواية مسلم:»إن هذا السائلُ«. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا هو في بعض النسخ، وفي بعضها:»أين«، وفي بعضها:»أَنَّى«، وفي بعضها:»أَيُّ«، وكلُّهُ صحيح، فمن قال:»أنّى«، أو»أين«فهما بمعنى، ومن قال:»إنّ«فمعناه -واللَّه أعلم- إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفَطِنُ، ولهذا قال:»وكأنه حمله«، ومن قال:»أَيّ«، فمعناه: أيّكم، فحذف الكاف والميم. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ . وقال السنديّ: قوله:«أشاهد السائل»يريد التمهيد للجواب عن شاهد السائل، أي عما اعتمد السائل عليه في سؤاله بتقدير نفس الشاهد، حتى يُجيب عنه، أي أشاهدٌ السائل هذا، وهو أنه لا يأتي الخير بالشرّ انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا المعنى بعيدٌ، تبعده الرواية الأُخرى:«أين السائل»، ونحوها، بل الصواب أن المعنى: أحاضرٌ السائل، يعني أن الشخص الذي سأل، فنزل بسببه الوحي حاضر في المجلس، لم يبرح مكانه؛ وإنما قال ذلك لاحتمال أن ينتقل بعد السؤال إلى محلّ آخر، فأراد - ﷺ - التثبّت من حضوره، حتى يسمع الجواب بنفسه. واللَّه تعالى أعلم. وزاد في رواية البخاريّ:«قال أبو سعيد: لقد حَمِدناه حين طلع ذلك». وفي رواية:«وكأنه حمده». قال في«الفتح»: والحاصل أنهم لامُوهُ أوّلًا حيث رأوا سكوت النبيّ - ﷺ -، فظنوا أنه أغضبه، ثم حَمِدوه آخرًا لَمّا رأوا مسألته سببًا لاستفاد ما قاله النبيّ - ﷺ -. وأما قوله:«وكأنه حمله»، فأخذه منه من قرينة الحال انتهى . (إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ) وفي رواية البخاريّ:«لا يأتي الخير إلا بالخير». زاد في رواية الدارقطنيّ تكرار ذلك ثلاث مرَّات. وفي رواية لمسلم:«إنّ الخير لا يأتي إلا بخير، أَوَ هو خيرٌ؟ ». قال في«الفتح»: ويؤخذ منه أن الرزق ولو كثر فهو من جملة الخير، وإنما يَعرِض له الشرِّ بعارض البخل به عمن يستحقّه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وأنّ كلّ شيء قَضَى اللَّه أن يكون خيرًا، فلا يكون شرًّا، وبالعكس، ولكن يُخشى على من رُزِق الخير أن يَعرِض له في تصرّفه فيه ما يجلب له الشرِّ. ووقع في مرسل سعيد المقبريّ عند سعيد بن منصور:«أو خيرٌ هو؟ ثلاث مرّات»، وهو استفهام إنكار، أي إن المال ليس خيرًا حقيقيًّا، وإن سُمّي خيرًا؛ لأن الخير الحقيقي هو ما يَعرض له من الإنفاق في الحقّ، كما أن الشرِّ الحقيقيّ فيه ما يَعرِض له من الإمساك عن الحقّ، والإخراج في الباطل، وما ذُكر في الحديث بعد ذلك من قوله:«وإن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوة»كضرب المثل بهذه الجملة. انتهى . [تنبيه]: زاد في«الكبرى»بعد قوله:«إنه»: ما نصّه:«ولم أفهم كما أردتّ»، والظاهر أن القائل المصنّف، ويحتمل أن يكون غيره. يعني أنه لم يفهم لفظة«إنه»من لفظ شيخه فهمًا جيّدًا. واللَّه تعالى أعلم. (وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) -بفتح الراء، وكسر الموحّدة-: قيل: هو الفصل المشهور بالإنبات. وقيل: النهر الصغير المنفجر عن النهر الكبير. وقال القرطبيّ. الْجَدْوَل الذي يُسقَى به، والجمع أربعاء. والجدول: النهر الصغير الذي ينفجر من النهر الكبير. وقال في«المصباح»: والربيع الجدولُ، وهو النهر الصغير. قال الجوهريّ: وجمع ربيع أربعاء، وأربعة، مثلُ نصيبِ، وأنصباءَ، وأنصبةٍ. وقال الفراء: يُجمع رَبيع الكلإِ، وربيع المشهور أربعةً، وربيع الجدول أربعاء، ويصغّر رَبيع على رُبَيِّعٍ، وبه سمّيت المرأة، ومنه الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ بن عَفْراء انتهى. ويحتمل أن يكون معنى الربيع المطر النازل في وقت الربيع، ففي«اللسان»: والرَّبيع أيضًا المطر الذي يكون في الربيع. انتهى. قال النوويّ: ووقع في الروايتين السابقتين:«إن كلّ ما يُنبت الربيع، أو أنبت الربيع»، ورواية كلّ محمولة على رواية«مما»وهو من باب: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] انتهى . وجعل في«الفتح» «من»في قوله:«مما ينبت»للتكثير، لا للتبعيض ليوافق رواية«كلّ ما أنبت». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذكره النوويّ من حمل رواية«كلّ»على رواية«مما»، من كون المقصود هنا التبعيض أوضح مما قاله في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم. وإسناد الإنبات إلى الربيع مجازيّ؛ إذ المنبت في الحقيقة هو اللَّه تعالى. وهذا الكلام كلّه وقع كالمثل للدنيا. وقد وقع التصريح بذلك في مرسل سعيد المقبريّ . (يَقْتُلُ) زاد في رواية الشيخين:«حَبَطًا». وهو بفتح الحاء المهملة، والموحّدة، والطاء المهملة أيضًا: هو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال: حَبِطَتِ الإبلُ تَحْبَطُ حَبَطًا، من باب تَعِبَ: إذا أصابت مرعًى طيْبًا، فأمعنت في الأكل، حتى تنتفخ، فتموت. وروي بالخاء المعجمة، من التخبّط، وهو الاضطراب، والأول المعتمد. قاله في«الفتح». (أَوْ يُلِمُّ) بضم أوله، وكسر ثانيه، من الإلمام، وهو القرب، أي يقارب القتل. [تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، وفي«الكبرى» «يقتُل، أو يُلمّ»بدون كلمة«ما»قبل«يقتل»، وهي ثابتة في«الصحيحين»، وهي واضحة. ورواية المصنّف لها وجه صحيح أيضًا، وهو إما أن تكون«من»في«مما ينبت»تبعيضيّة، وهي اسم عند بعض النحاة، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢] فأعربوا«من الثمرات»مفعولَ«أخرج»، ورزقًا مفعولًا لأجله . فتكون«من»هنا اسم«إنّ»، و«يَقتُل»خبرها. ويحتمل أن كلمة«ما»مقدّرة، والموصول مع صلته اسم«إنّ»، وحَذفُ الموصول، وإبقاء صلته جائز في كلام العرب، كقول حسّان - رضي اللَّه تعالى عنه -[من الطويل]: أَمَنْ يهجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَوَاءُ إذ تقديره: ومن يمدحه الخ . والجارّ والمجرور في قوله:«مما يُنبت»خبر مقدّم. واللَّه تعالى أعلم. (إِلَّا) بكسر الهمزة، تشديد اللام، على الاستثناء، وهذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، من أهل الحديث، واللغة، وغيرهم. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم«أَلَا»بفتح الهمزة، وتخفيف اللام، على الاستفتاح . (آكِلَةُ الْخَضِرِ) بالمدّ، وكسر الكاف، بصيغة اسم الفاعل. و«الخَضِرُ»بفتح الخاء، والضاد المعجمتين، وكذا لأكثر رواة البخاريّ، وهو ضرب من الكلأ، يُعجب الماشية، وواحده خَضِرَة. وفي رواية الكشميهني:«خُضْرَة»بضمّ الخاء، وسكون الضاد، وزيادة الهاء في آخره. وفي رواية السرخسيّ:«الخَضْرَاء»بفتح أوّله، وسكون ثانيه، وبالمدّ. ولغيرهم:«خُضَر»بضمّ أوله، وفتح ثانيه، جمع خُضْرَة. أفاده في«الفتح». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاستثناء هنا منقطع بمعنى«لكن»، و«آكلة»مبتدأ محذوف الخبر، أي لكن آكلة الخضر تنتفع بأكلها، فإنها تأخذ الكلأ على الوجه الذي ينبغي. ويحتمل أن يكون متصلًا، والمستثنى منه محذوف، أي يقتل كلّ آكلة، إلا آكلة الخضر. وأما ما قاله بعضهم من أن الاستثناء مفرّغ في الإثبات، فضعيف؛ لأن الاستثناء المفرّغ لا يقع في الإثبات، إلا على رأي ضعيف. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ) وفي نسخة:«إذا امتلأت»(خَاصِرَتَاهَا) تثنية خاصرة، بخاء معجمة، وصاد مهملة: وهما جانبا البطن، من الحيوان. وفي رواية الكشميهني:«خاصرتها»بالإفراد، والمعنى حتى إذا شبعت (اسْتَقْبَلَتْ) وفي رواية للبخاريّ:«أتت»(عَينَ الشَّمْسِ) تستمرىء بذلك. زاد في رواية البخاريّ:«فاجترّت»، ولمسلم: ثم اجترّت«، وهو بالجيم، أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فأعادت مَضْغَه. قال النوويّ: قال أهل اللغة: الجِرَّة بكسر الجيم: ما يُخرجه البعير من بطنه ليمضعه، ثمّ يبلعه، والقصع: شدّة المضغ انتهى. (فَثَلَطَتْ) بمثلّثة، ولام مفتوحتين، ثم طاء. وضبطها ابن التين: بكسر اللام: أي ألقت ما في بطنها رقيقًا. وقال النوويّ: الثَّلْط ، وهو الرجيع الرقيق، وأكثر ما يقال للإبل، والبقر، والفيلة انتهى (ثُمَّ بَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ) يقال: رَتَعت الماشيةُ، من باب نفع، ورُتُوعًا: رَعَت كيف شاءت. قاله في «المصباح». والمعنى أنها إذا شبعت، فثقل عليها ما أكلت، تحيّلت في دفعه، بأن تجترّ، فيزاد نُعُومةً، ثم تستقبل الشمس، فتحمى بها، فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ، فسلمت، وهذا بخلاف من لم تتمكّن من ذلك، فإن الانتفاخ يقتلها سريعًا. قال الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قول النبيّ - ﷺ -: «وإن مما ينبت الربيع ما يَقتُلُ حَبَطًا، أو يُلمّ»، فإن أبا عُبيد فَسّر الْحَبَط، وترك من تفسير هذا الحديث أشياء، لا يستغني أهل العلم عن معرفتها، فذكرتُ الحديث على وجهه لأفسّر منه كلّ ما يُحتاج من تفسيره، ثمّ أورد الحديث بتمامه، ثم قال: وإنما تقصّيت رواية هذا الخبر؛ لأنه إذا بُتِرَ استَغْلَق معناه، وفيه مثلان: ضَرَب أحدَهما للْمُفْرِطِ في جمع الدنيا، مع منع ما جمَع من حقّه. والمثل الآخر ضربه للمقتصد في جمع المال، وبذله في حقّه. فأما قوله - ﷺ -: «وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حَبَطًا، فهو مثل الحريص، والمفرط في الجمع والمنع، وذلك أن الربيع يُنبت أحرار العُشْب التي تَحْلَوْلِيها الماشيةُ فتستكثر منها، حتى تَنتَفِخ بطونها، وتَهْلِكَ، كذلك الذي يجمع الدنيا، ويَحْرِص عليها، ويَشِحّ على ما جمع حتى يمنع ذا الحقّ حقّه منها يَهلِكُ في الآخرة بدخول النار، واستيجاب العذاب. وأما مثلُ المقتَصِدِ المحمود، فقوله - ﷺ -:«إلا آكلة الْخَضِرِ، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأ خَواصرها استقبلت عين الشمس، فثَلَطت، وبالت، ثم رتعت». وذلك أن الْخَضِرَ ليس من أحرار البقول التي تستكثر منها الماشيةُ، فتُهلكه أكلًا، ولكنّه من الْجَنْبَة التي تَرعاها بعد هَيْجِ العُشْب ، وُيبْسه. قال: وأكثر ما رأيت العرب يجعلون الْخَضِرَ ما كان أخضر من الْحَلِيّ الذي لم يَصفرّ، والماشيةُ ترتع منه شيئًا، فشيئًا، ولا تستكثر منه، فلا تَحْبَط بطونها عنه، قال: وقد ذكره طَرَفَة، فبيّن أنه من نبات الصيف في قوله: كَبَنَاتِ الْمَخْرِ يَمْأَدْنَ إِذَا … أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخَضِرْ فالْخَضِر من كلأ الصيف في القَيْظِ، وليس من أحرار بُقول الربيع، والنَّعَمُ لا تَسْتَوبله ، ولا تحبط بُطونها عنه، قال: وبنات مَخْرٍ أيضًا، وهي سحائبُ يأتين قُبُلَ الصيف. قال: وأما الْخُضَارةُ، فهي من البقول الشِّتَويّة، وليست من الْجَنْبَة، فضرب النبيّ - ﷺ - آكلة الخضر مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا، وجَمْعِها، ولا يُسرف في قَمّها والحرص عليها، وأنه ينجو من وَبَالها، كما نَجَت آكلة الْخَضِر، ألا تراه قال: فإنها إذا أصابت من الخضر، استقبلت عين الشمس، فثلطت، وبالت، وإذا ثلطت، فقد ذهب حَبَطُها، وإنما تَحْبَط الماشية إذا لم تَثلِطْ، ولم تَبُل، وأْتُطِمت عليها بطونها. وقوله: «إلا آكلة الخضر» معناه لكن آكلة الخضر. وأما قوله - ﷺ -: إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَة» ههنا الناعمة الْغَضّة، وحَثَّ على إعطاء المسكين، واليتيم منه، مع حلاوته، ورغبة الناس فيه؛ ليقيه اللَّه ﵎ وَبَالَ نَعْمَتِها في دنياه وآخرته انتهى كلام الأزهريّ -رحمه اللَّه تعالى- . (وَإنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح، فكسر: أي كبقلة خَضِرة في المنظر (حُلْوَةٌ) بضمّ، فسكون: أي كفاكهة حُلْوة في الذوق، فلكثرة ميل الطبع يأخذ الإنسان بكلّ وجه، فيؤدّيه ذلك إلى الوجه الذي لا ينبغي، فيهلك (وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ) وفي رواية البخاريّ: «فنعم المعونة هو» قال في «الفتح»: هو كالتذييل للكلام المتقدِّم. (إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ) أي بعد أن يأخذه بوجهه، وإلى هذا القيد أشار بذكر ما يقتضيه في المقابل، فلا بدّ في الخبر من أمرين: أحدهما: تحصيله بوجهه. والثاني: صرفه في مصارفه، وعند انتفاء أحدهما يصير ضررًا، وعلى هذا فقد ترك مقابل المذكور ههنا في قوله الآتي: «والذي يأخذه بغير حقّه الخ»، أي أو لا يستعمله بعد أخذه بحقّه في مصارفه، ففي الكلام الاحتباك . وقد يقال: فيه الإشارة إلى الملازمة بين القيدين، فلا يُوَفّق المرء للصرف في المصارف، إلا إذا أخذه بوجهه. أفاده السنديّ . وفيه إشارة إلى عكسه، وهو: بئس صاحب المسلم هو لمن لم يعط اليتيم، والمسكين، وابن السبيل. (وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ) أي المال (بِغَيرِ حَقِّهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ، وَلَا يَشْبَعُ) هذا ذُكر في مقابَلة قوله: «ونعم صاحب المسلم هو» (وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي يشهد عليه بحرصه، واسرافه، وإنفاقه فيما لا يُرضي اللَّه -﷿-. قال في «الفتح»: يحتمل أن يشهد عليه حقيقة، بأن ينطقه اللَّه تعالى ويجوز أن يكون مجازًا، والمراد شهادة الملك الموكّل به انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني احتمالٌ ضعيف؛ لأنه لا داعي إلى المجاز مع إمكان الحقيقة، ومما يُبعده ما تقدّم في «باب مانع الزكاة» -٢٠/ ٢٤٨١ - من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، مرفوعًا: «من آتاه اللَّه -﷿- مالًا، فلم يؤدّ زكاته، مُثل له ماله يوم القيامة شُجاعًا، أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلِهْزمتيه، يوم القيامة، فيقول: أنا مالك، أنا كنزك …» الحديث. فإنه نَصٌّ في أن المال يكلّمه، ويوبّخه حقيقة، فدلّ على أن المراد بالشهادة هنا الشهادة الحقيقيّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٨١/ ٢٥٨١ - وفي «الكبرى» ٨٣/ ٢٣٦٢. وأخرجه (خ) في «الجمعة» ٩٢٢ و«الزكاة» ١٤٦٥ و«الجهاد» ٢٨٤٢ و«الرقاق» ٦٤٢٧ (م) في «الزكاة» ١٠٥٢ (ق) في «الفتن» ٣٩٩٥ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٠٦٥١ و١١٤٥٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو جواز الصدقة على اليتيم؛ إذ لم يفرّق في الإعطاء بين الواجب وغيره، فدلّ على أن اليتيم من مصارف الزكاة، لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وإلا فلا يجوز دفع الزكاة إليه، للنصوص الدالة على أن الأغنياء ليسوا مصارف لها. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة في غير خطبة الجمعة، ونحوها (ومنها): جلوس الناس حول الإمام ليمكنهم السماع لموعظته (ومنها): التحذير من المنافسة في الدنيا (ومنها): استفهام العالم عمّا يُشكل، وطلب الدليل لدفع المعارضة (ومنها): تسمية المال خيرًا، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (ومنها): ضرب المثل بالحكمة، وإن وقع في اللفظ ذكر ما يُستهجن، كالبول والغائط، فإن ذلك يُغتفر لما يترتّب على ذكره من المعاني اللائقة بالمقام (ومنها): أنه - ﷺ - كان ينتظر الوحي عند إرادة الجواب عما يُسأل عنه، وهذا على ما ظنّه الصحابة، ويحتمل أن يكون سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة. وقد عدّ ابن دُريد هذا الحديث، وهو قوله: «إن مما يُنبت الربيع يقتل حبطًا، أو يُلمّ» من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يُسبق - ﷺ - إلى معناه، وكلّ من وقع شيء منه في كلامه، فإنما أخذه منه. قاله في «الفتح» (ومنها): ما كان النبيّ - ﷺ - يلقاه من شدّة الوحي من العناء، حتى يتصبّب منه العرق، وقد ثبت في «الصحيحين» من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها قالت: «أن الحارث بن هشام - رضي اللَّه تعالى عنه - سأل رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه كيف يأتيك الوحي، فقال رسول اللَّه - ﷺ -:»أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الْجَرَس، وهو أشدّه عليّ، فيُفْصَم عنّي، وقد وَعَيتُ منه ما قال، وأحيانًا يمثّل لي الملك رجلًا، فيكلّمني، فأعي ما يقول، قالت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيُفصَم عنه، وإن جبينه، ليتفصّد عَرَقًا«(ومنها): أنه يستفاد منه ترك الْعَجَلة في الجواب، إذا كان يحتاج إلى التأمّل (ومنها): لوم من ظُنّ به تعنّتٌ في السؤال، وحَمْدُ من أجاد فيه (ومنها): ما قيل: إن فيه تفضيلَ الغنيّ على الفقير. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولا حجة فيه لأنه لا يمكن التمسّك به لمن لم يرجّح أحدهما على الآخر، والعجب أنّ النوويّ قال: فيه حجة لمن رجّح الغنيّ على الفقير، وكان قبل ذلك شرح قوله:«لا يأتي الخير إلا بالخير» على أن المراد أن الخير الحقيقيّ لا يأتي إلا بالخير، لكن هذه الزهرة ليست خيرًا حقيقيًّا؛ لما فيها من الفتنة، والمنافسة، والاشتغال عن كمال الإقبال على الآخرة. قال الحافظ: فعلى هذا يكون حجّة لمن يفضّل الفقر على الغنى، والتحقيق أن لا حجّة فيه لأحد القولين انتهى . (ومنها): الحضّ على إعطاء المسكين، واليتيم، وابن السبيل (ومنها): أن المكتسب للمال من غير حلّه لا يُبارَك له فيه؛ لتشبيهه بالذي يأكل، ولا يشبع (ومنها): ذمّ الإسراف، وكثرة الأكل، والنَّهَم فيه (ومنها): أن اكتساب المال من غير حلّه، وكذا إمساكه عن إخراج الحقّ منه سبب لمحقه، فيصير غير مبارك، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): فيما قاله العلماء في بيان التمثيل الذي ورد في هذا الحديث: قال في «الفتح»: يؤخذ من الحديث التمثيل لثلاثة أصناف؛ لأن الماشية إذا رَعَت الخَضِر للتغذية، إما أن تقتصر منه على الكفاية، وإما أن تستكثر، الأول الزهّاد، والثاني، إما أن يحتال على إخراج ما لو بقي لضرّ، فإذا أخرجه زال الضرّ، واستمرّ النفع، وإما أن يهُمل ذلك، الأول العاملون في جمع الدنيا بما يجب من إمساك وبذل، والثاني العاملون في ذلك بخلاف ذلك. وقال الطيبيّ: يؤخذ منه أربعة أصناف: فمن أكل منه أَكْلَ مُستَلِذّ، مُفرِط، منهمك، حتى تنتفخ أضلاعه، ولا يُقلع، فيسرع إليه الهلاك. ومن أكل كذلك، لكنه أخذ في الاحتيال لدفع الداء بعد أن استحكم، فغلبه، فأهلكه. ومن أكل كذلك، لكنه بادر إلى إزالة ما يضره، وتحيّل في دفعه، حتى انهضم، فيسلم. ومن أكل غير مفرط، ولا منهمك، وإنما اقتصر على ما يسدّ جوعته، ويُمسك رَمَقَه. فالأول: مثال الكافر، والثاني: مثال العاصي الغافل عن الإقلاع، والتوبة، إلا عند فواتها. والثالث: مثل للمخلّط المبادر للتوبة، حيث تكون مقبولة. والرابع: مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة. وبعضها لم يُصرَّح به في الحديث، وأخذُهُ منه محتمل. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا الحديث وجوه من التشبيه بديعة: (أولها): تشبيه المال، ونموّه بالنبات وظهوره. (ثانيها): تشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب، بالبهائم المنهمكة في الأعشاب (ثالثها): تشبيه الاستكثار منه، والادّخار به
مصادر المؤلف (٢٨)

١. - راجع «معالم السنن» للخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى- ج ٢ ص ٢٣٧ - ٢٣٩.

٢. - «لسان العرب» في مادّة زهر.

٣. - «فتح» ج ١٣ ص ٢٣ - ٢٤.

٤. - «فتح» ج ١٣ ص ٢٤.

٥. -«المفهم»ج ٣ ص ٩٦.

٦. -«فتح»ج ١٣ ص ٢٤.

٧. -«شرح صحيح مسلم»ج ٧ ص ١٤٤.

٨. -«فتح»ج ١٣ ص ٢٤.

٩. -«فتح»ج ١٣ ص ٢٤.

١٠. -«شرح مسلم»ج ٧ ص ١٤٥.

١١. - راجع«الفتح»ج ١٣ ص ٢٥.

١٢. - راجع«همع الهوامع»للسيوطي في النحو في«باب المجرورات»ج ٢ ص ٣٨٢.

١٣. - راجع «حاشية الخضري على ابن عقيل» في «باب الموصول» ج ١ ص ١٠٤.

١٤. - «شرح مسلم» للنوويّ ج ٧ ص ١٤٣.

١٥. - الثّلْطُ -بفتح، فسكون: رقيق سَلْح الفيل ونحوه. قاله في«القاموس».

١٦. - أي تجده حلوًا.

١٧. - الْجَنْبةُ: عامّة الشجر التي تتربّلُ في الصيف. قاله في«القاموس». ومعنى تربّل: أي تنبت.

١٨. -أي يبسه، فـ «يبسه» عطف تفسير له.

١٩. - الْحَلِيّ كغَنيّ: نبات بعينه، وهو من خير مراتع أهل البادية للنعم، والخيل، وإذا ظهرت ثمرته، أشبه الزرع، إذا أسبل. أفاده في «اللسان».

٢٠. - مأد النبات، كمنع: اهتزّ، وتروّى، وجرى فيه الماء. «قاموس».

٢١. - جمع عُسْلُوج، قال في «القاموس»: الْعُسْلُجُ، والْعُسْلُوج: ما لان، واخضرّ من الْقُضْبان. انتهى.

٢٢. -أي لا تشتهيه.

٢٣. -أي جمعها.

٢٤. -بالبناء للمفعول: أي انتفخت بطونها.

٢٥. - راجع «لسان العرب» في دادّة (حبط).

٢٦. - الاحتباك نوع لطيف من أنواع البديع، وهو الحذف من الأول لدلالة ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآية [البقرة: ١٧١] التقدير -واللَّه أعلم-: ومثل الأنبياء والكفار، كمثل الذي يَنعِق، والذي يُنعَق به، فحذف من الأول الأنبياء، لدلالة ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ عليه، ومن الثاني: الذي يُنعَق به، لدلالة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عليه. أفاده في «كشّاف اصطلاحات الفنون» ج ١ ص ٤٦١.

٢٧. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٩١ - ٩٢.

٢٨. - «فتح» ج ١٣ ص ٢٧.