HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٨٤

أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةَ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص224
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد, موطأ مالك
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٦١
هل هي تطوّع، أم واجبٌ، فكأنه قال: يجزي عنك فرضًا كان، أو تطوّعًا انتهى وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه عليه توكلت، وإليه أنيب». ٨٣ - (الْمَسْأَلَةُ) أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على ذمّ سؤال الناس أموالهم. ٢٥٨٤ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ، حُزْمَةَ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو داود) سليمان بن سيف الحرّاني، ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦. ٢ - (يعقوب بن إبراهيم) بن سعد الزهري، أبو يوسف المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. ٣ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجه [٨] ١٩٦/ ٣١٤. ٤ - (صالح) بن كيسان، أبو محمد الغفاري المدني، ثقة ثبت فقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر) هو سعد بن عبيد الزهري مولاهم المدني، ثقة [٢] ١/ ١٨١٩. ٧ - (أبو هريرة) - ﵁١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين. غير شيخه فحرّاني. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: صالح عن الزهريّ عن أبي عبيد، وكلهم مدنيون. ومنها: أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم (أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ) سَعْدَ بن عُبيد (مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ) ويقال له: مولى عبد الرحمن بن عوت (أَخْبَرَهُ) أي أخبر ابنَ شهاب (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ) بفتح اللام، قال الكرمانيّ: هي إما ابتدائيّة، أو جواب قسمِ محذوف انتهى. و«يحتزم»: أي يشدّ بالحبل، يقال: حَزَمتُ الدّابّةَ حَزْمًا، من باب ضرب: شددتها بالْحِزَام. قاله في «المصباح». واحتزم الرجلُ، وتحزم بمعنًى، وذلك إذا شد وسطه بحبل. أفاده في «اللسان» (حُزْمَةَ حَطَبٍ) بالنصب مفعول «يحتزم». وفي نسخة: «بحزمة حطب» بزيادة الباء. و«الْحُزْمة» بضمّ، فسكون، وجمعه حُزَم، كغرفة، وغُرَف، ما يشدّ به الشيء. و«الحطب» بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار. قاله في «اللسان» (عَلَى ظَهْرِهِ) ولفظ «الكبرى»: «فيحملها على ظهره»، فالجارّ والمجرور هنا يتعلق بـ «يحملها» مقدّرًا (فَيَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على «يحتزم» (خَيْرٌ) خبر قوله: «أن يحتزم»؛ لأنه في تأويل المصدر مبتدأ، أي احتزامُه خيرٌ له. وقال في «الفتح»: ليست «خير» هنا بمعنى أفعل التفضيل؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، والأصحّ عند الشافعيّة أن سؤال مَن هذا حاله حرام. ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل، وتسميتِهِ الذي يُعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شرّ انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: لا خير في السؤال، فما وجه هذا الترجيح؟. [قلت]: يحتمل وجهين: [أحدهما]: أن ذلك حيث اضطرّ إلى السؤال بحيث لا يصير فيه ذمّ أصلًا، فتَرْكُه مع ذلك خير من فعله، وفي هذا الجواب نظرٌ؛ لأن من أمكنه الاحتطاب لم يضطرّ إلى السؤال. [ثانيهما]: أن هذه الصيغة، وهي «خيرٌ» قد تستعمل في غير الترجيح، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية انتهى . وقال السنديّ في شرحه: «الكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، والمراد أن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من التعب الدنيويّ خيرٌ له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخرويّ، فعند الحاجة ينبغي أن يختار الأول، ويترك الثاني انتهى . وقال في حاشية مسلم: قوله:«خير له الخ». أي لو فُرض في السؤال خيريّة لكان هذا خيرًا منه، وإلا فمعلومٌ أنه لا خيريّة في السؤال انتهى . (مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا) أي من سؤاله رجلًا، والمراد بالرجل الشخص، فسؤال المرأة مثل سؤال الرجل (فَيُعْطِيَهُ) بالنصب عطفًا على ما قبله، أي فيعطيه ذلك الرجل مسؤوله، فيُحَمّله ثقل المنّة، ومذلّة المسألة («أَوْ يَمْنَعَهُ») بالنصب أيضًا: أي يمعنه مسؤوله، فيكتسب الذلّ والهوان، والخيبة، والحرمان. يعني أن الإعطاء، والمنع سيّان في كون الاحتزام خيرًا له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٣/ ٢٥٨٤ و٢٥٨٩ - وفي «الكبرى» ٨٥/ ٢٣٦٥. (خ) في «الزكاة» ١٤٧٠ (م) في «الزكاة» ١٠٤٢ (ت) في «الزكاة» ٦٨٠ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٢٧٥ و٧٤٣٩ و٧٩٢٧ و٨٨٨٩ و٩١٤٠ و٩٥٥٨ و٩٧٩٢ و٩٧٩٦ و١٠٠٦٠ (الموطأ) ١٨٨٣ - واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ذمّ السؤال، وأنه من أقبح الخصال، ولولا قبحه في نظر الشرع لم يفضل عليه امتهان المرء نفسه في طلب الرزق، وذلك لما يدخل على السائل من ذلّ السؤال، ومن ذلّ الردّ، إذا لم يُعط، ولِمَا يدخل على المسؤول من الضيق في ماله، إن أَعطَى كلّ سائل (ومنها): جواز الحلف لتقوية الأمر، وتأكيده (ومنها): الحثّ على طلب الرزق، وارتكاب المشقّة في ذلك، ولو أدّى ذلك إلى امتهان المرء نفسه (ومنها): ترجيح الاكتساب على السؤال، ولو كان بعمل شاقّ كالاحتطاب، ولو لم يَقدِر على بهيمة يحمل الحطب عليها، بل حمله على ظهره. وذكر ابن عبد البرّ، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: مكسبة فيها بعض الدناءة خيرٌ من مسألة الناس. (ومنها): الحضّ على التعفّف عن المسألة، والتنزّه عنها. قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وما زال ذوو الهمم والأخطار من الرجال، يتنزّهون عن السؤال، ولقد أحسن أبو الفضل أحمد بن المعذل بن غيلان العبديّ الفقيه المالكي حيث يقول: الْتَمِسِ الأَرْزَاقَ عِنْدَ الَّذِي … مَا دُونَهُ إِنْ سِيلَ مِنْ حَاجِبِ مَنْ يُبْغِضُ التَّارِكَ عَنْ سُؤْلِهِ … جُودًا وَمَنْ يَرْضَى عَنِ الطَّالِبِ وَمَنْ إِذَا قَالَ: جَرَى قَوْلُهُ … بِغَيرِ تَوْقِيعٍ إِلَى كَاتِبِ ومن أحسن ما قيل نظمًا في الرضى والقناعة، وذم السؤال قولُ بعض الأعراب [من الطويل]: عَلَامَ سُؤَالُ النَّاسِ وَالرِّزْقُ وَاسِعُ … وَأَنْتَ صَحِيحٌ لَمْ تَخُنْكَ الأَصَابِعُ وَلِلْعَيشِ أَوْكَارٌ وَفِي الأَرْضِ مَذهَبُ … عَرِيضٌ وَبَابُ الرزْقِ فِي الأَرْضِ وَاسِعُ فَكُنْ طَالِبًا لِلرِّزْقِ مِنْ رَازِقِ الغِنَى … وَخَلِّ سُؤَالَ النَّاسِ فَاللهُ صَانِعُ وقال مسلم بن الوليد [من الطويل أيضًا]: أَقُولُ لِمَأْفُونِ الْبَدِيَهةِ طَائِرٍ … مَعَ الْحِرْصِ لَمْ يَغْنَنم وَلَمْ يَتَمَوَّلِ سَلِ النَّاسَ إِنِّي سَائِلُ اللَّهِ وَحْدَهُ … وَصَائِنٌ عِرْضِي عَنْ فُلَانٍ وَعَنْ فُلِ وقال عُبيد بن الأبرص: مَنْ يَسَلِ النَّاسَ يَحْرِمُوهُ … وَسَائِلُ اللَّهِ لَا يَخِيبُ ومن قصيدة للحسين بن حميد [من البسيط]: وَسَائِلُ النَّاسِ إِنْ جَادُوا وَإِنْ بَخِلُوا … فَإنهُ بِرِدَاءِ الذُّلِّ مُشْتَمِلُ وقال أبو العتاهية، فأحسن [من الوافر]: أَتَدْرِي أَيُّ ذُلٍّ فِي السُّؤَالِ … وَفِي بَذْلِ الْوُجُوهِ إِلَى الرِّجَالِ يَعِزُّ عَلَى التَّنَزُّهِ مَنْ رَعَاهُ … وَيَسْتَغْنِي الْعَفِيفُ بِغَيْرِ مَالِ تَعَالَى اللَّهُ يَا سَلْمُ بْنَ عَمْرٍ … أَذَلَّ الْحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ وَمَا دُنْيَاكَ إِلَّا مِثْلُ فَيْءٍ … أَظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِالزَّوَالِ إِذَا كَانَ النَّوَالُ بِبَذْلِ وَجْهِي … فَلَا قَرُبْتُ مِنْ ذَاكَ النَّوَالِ مَعَاذَ اللَّه مِنْ خُلُقٍ دَنِيءٍ … يَكُونُ الْفَضلُ فِيهِ عَلَي لَالِي تَوَقَّ يَدَا تَكُونُ عَلَيْكَ فَضلًا … فَصَانِعُهَا إِلَيكَ عَلَيْكَ عَالِي يَدٌ تَعْلُو بِجَمِيلِ فِعْلٍ … كَمَا عَلَتْ الْيَمِينُ عَلَى الشِّمَالِ وُجُوهُ الْعَيْشِ مِنْ سَعَةٍ وَضِيقٍ … وَحَسْبُكَ وَالتَّوَسُّعُ فِي الْحَلَالِ وَتُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ أَخَا نَعِيمٍ … وَأَنْتَ تُصِيفُ فِي فَيءِ الظِّلَالِ وَأَنْتَ تُصِيبُ قُوتَكَ فِي عَفَافٍ … وَرِيُّكَ إِنْ ظَمِئْتَ مِنَ الزُّلَالِ مَتَى تُمْسِي وَتُصْبِحُ مُسْتَرِيحًا … وَأَنْتَ الدَّهْرَ لَا تَرْضَى بِحَالِ تُكَابِدُ جَمْعَ شَيءٍ بَعْدَ شَيْءٍ … وَتَبغِي أَنْ تَكُونَ رَخِيَّ بَالِ وَقَدْ يَجْزِي قَلِيلُ الْمَالِ مَجْزَى … كَثِيرِ الْمَالِ فِي سَدِّ الْخِلَالِ إِذَا كَانَ الْقَلِيلُ يَسُدُّ فَقْرِي … وَلَمْ أَجِدِ الْكَثِيرَ فَلَا أُبَالِي هِيَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ الْحُبَّ فِيهَا … عَوَاقِبُهُ التَّفَرقُ عَنْ تَقَالِ تُسَرُّ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى هِلَالٍ … وَنَقْصُكَ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى الْهِلَالِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حديث الباب فضيلةُ الاكتساب بعمل اليد، وقد ذكر بعضهم أنه أفضل المكاسب. وقال الماورديّ: أصول المكاسب الزراعة، والتجارة، والصناعة، وأيها أطيب؟ فيه مذاهب للناس، أشبهها بمذهب الشافعيّ أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكّل. قال النوويّ في «شرح المهذّب»: في «صحيح البخاريّ»، عن المقدام بن معد يكرب - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «ما أكل أحد قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ داود - ﵇ - كان يأكل من عمل يده». قال النوويّ: فالصواب ما نصّ عليه رسول اللَّه - ﷺ -، وهو عمل اليد، فإن كان زراعةً، فهو أطيب المكاسب، وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكّلًا، كما ذكره الماورديّ؛ ولأن فيه نفغا عامًّا للمسلمين، والدوابّ، وأنه لا بدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره. وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه، فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لما ذكرناه. وقال في «الروضة» -بعد ذكره الحديث المتقدّم-: فهذا صريحٌ في ترجيح الزراعة، والصناعة؛ لكونهما من عمل يده، ولكن الزراعة أفضلهما؛ لعموم النفع بها للآدميّ وغيره، وعموم الحاجة إليها. واللَّه أعلم. قال وليّ الدين: وغاية ما في حديث الباب تفضيل الاحتطاب على السؤال، وليس فيه أنه أفضل المكاسب، فلعلّه ذكره لتيسّره، ولا سيّما في بلاد الحجاز؛ لكثرة ذلك فيها. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): حديث الباب يدلّ أيضًا على جواز الاكتساب بالمباحات، كالحطب، والحشيش النابتين في موات. واستدلّ به المهلّب على جواز الاحتطاب، والاحتشاش من الأرض المملوكة، حتى يمنع من ذلك مالك الأرض، فترفع حينئذ الإباحة. قال وليّ الدين: وهو مرود، فإن النبات في الأرض المملوكة ملك لمالكها، فلا يجوز التصرّف فيه بغير إذنه. ثم حكى المهلّب عن ابن الموّاز أنه حَكَى عن ابن القاسم، عن مالك، قال: كانت له أرض يملكها، ليست بأرض خربة، فإن أراد أن يبيع ما ينبت فيها من المراعي بعد طيبهن أنه لا بأس به. وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزقٌ مِن رزقِ اللَّه تعالى، ولا يحلّ لربّ الأرض أن يمنع منه أحدًا، لقولهﷺ -: «لا يُمنَع فضلُ الماء ليُمنَع به الكلأُ». ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلّ له أن يمنع منه أحدًا؛ لقوله - ﷺ -: «لا حمى إلا للَّه، ولرسوله». وقال الكوفيّون كقول أشهب. قاله في «طرح التثريب» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح؛ لأن معنى الحديث: أنه لا يجوز لصاحب الماء الفاضل عن حاجته منعه عن أصحاب المواشي، حتى لا يترتّب على منعه منع الكلأ المباح، لأنهم إذا لم يجدوا ماء لا يمكنهم رعي مواشيهم في ذلك الكلإ، وليس المراد منع الكلإ المملوك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في الاكتساب فائدتان: الاستغناء عن السؤال، والتصدّق على المحتاج، وقد ذكرهما النبيّ - ﷺ - في قوله في رواية مسلم: «فيتصدّق، ويستغني من الناس». كذا في أكثر نسخ «صحيح مسلم» بالميم، وفي بعضها «عن الناس» بالعين. قال النوويّ: وكلاهما صحيح، والأول محمول على الثاني. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أشار في رواية مسلم إلى العلّة في تفضيل الاكتساب على السؤال، وهي أن العيد العليا أفضل من اليد السفلى، والمكتسب يده عليا، إن تصدّق، وكذا إن لم يتصدّق، وفسّرنا العليا بالمتعفّفه عن السؤال، فقد يُستدل بهذا على ترجيح الرواية التي فيها «اليد العليا هي المتعفّفه»؛ لأنه لا يلزم من الاكتساب الصدقةُ، لكن تبيّن برواية مسلم أن تفضيل الاكتساب هو للصدقة والاستغناء عن الناس، وكما أنه لا يلزم من الاكتساب الصدقة، لا يلزم من الاكتساب التعفّف عن السؤال، فربّ مكتسب مكتفِ، يسأل تكثّرًا. قاله وليّ الدين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): ذكر الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعيّة: التحريم، والكراهة، والوجوب، والندب، والإباحة. وقال أبو بكر ابن العربيّ: وبالجملة فإن السؤال واجبٌ في موضع، جائزٌ في آخر، حرامٌ في آخر، مندوب على طريق، فأما وجوبه، فللمريدين في ابتداء الأمر، وظاهر حالهم، وللأولياء للاقتداء، وجريًا على عادة اللَّه في خلقه، ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعامًا، وهما من اللَّه تعالى بالمنزلة المعلومة، فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج، وإذا ارتفعت الضرورة جاز أن يسأل في الزائد عليها، مهما يحتاج إليه، ولا يقدر عليه، ثم أنشد لبعضهم: لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي … مَفَاقِرَهُ أَعَفَّ مِنَ الْقُنُوعِ قال: وإذا كملت للمرء مفاقره، وارتفعت حاجاته، لم يجز له أن يسأل تكثّرًا. ثم قال: وقد يكون السؤال واجبًا، أو مندوبًا، أما وجوبه، فللمحتاج، وأما المندوب فلمن يُعينه، وُيبيّن حاجته، إن استحيى هو من ذلك، أو رجا أن يكون بيانه أنفع، وأنجح من بيان حال السائل، كما كان النبيّ - ﷺ - يسأل لغيره انتهى. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى-: فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعيّة في المسألة، دون الخامس، وهو قسم المكروه، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضحٌ، وأما قسم المكروه، فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه، وقد جمعهما النبيّ - ﷺ - في حديث سمرة - رضي اللَّه تعالى عنه - بقوله: «إلا أن يسأل الرجل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه»، فهذا الأخير هو السؤال الواجب، قال: وأما تمثيل القاضي أبي بكر السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر، وبسؤال الأولياء للاقتداء، وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعامًا من أهل القرية ففيه نظر، ولا يُطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب، وإنما جرت عادت المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم، فأما الوجوب الشرعيّ فلا، وأما سؤال الخضر وموسى، فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه اللَّه عليها ليبيّن لموسى - ﵇ - ما ينتهي الحال إليه في المرّات الثلاث انتهى كلام العراقيّ منقولًا من «طرح التثريب» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قول أبي بكر بن العربيّ: فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر الخ صدور مثل هذا الكلام من أمثاله عجيب، كيف يكون تهذيب الأخلاق بما هو من محظورات الشرع؟، فهل تهذب النفوس إلا بمتابعة الرسول - ﷺ -، ومخالفة الهوى المضادّة لسنته؟. وهل جاء عنه - ﷺ - أنه أمر بتهذيب الأخلاق بالسؤال؟ وهل الأولياء يكونون قدوة في الشيء المذموم شرعًا، وما كانوا أولياء إلا بالتقوى، واتباع السنة، ومجانبة البدع والهوى، إن هذا لهو العجب العجاب. ومن الغريب أن العراقيّ اعترض عليه في قوله بالوجوب، ولم يعترض عليه في دعواه مشروعية تهذيب الأخلاق بالسؤال، بل وافقه في أصل المشروعية، حيث قال: وإنما جرت عادت المشايخ الذين يهذّبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم. فهل هذا التهذيب من عمل الصحابة، والتابعين؟، لا، بل هذا مما ابتدعه الجهالة الذين لم يستضيئوا بنور الكتاب والسنّة، فالتهذيب الصحيح للأخلاق والنفوس، لا يكون إلا بما شرعه الشارع الحكيم على لسان من أرسله مهذبًا للأخلاق، وهاديًا إلى الخلّاق. وبالجملة فالنجاة كلّ النجاة في الدنيا والآخرة في اتباع من قال اللَّه تعالى في حقّه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح الترمذيّ»: ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن: وهي أن يسأل سلطانًا، أو في أمر لا بدّ منه، أو ذا رحم في حاجة، أو الصالحين. فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح، وأما الأمر الذي لا بدّ منه، فهو الحاجة
مصادر المؤلف (١٣)

١. - راجع «نيل الأوطار» ج ٤ ص ١٩٥ طبعة دار الكتب العلمية. تحقيق محمد سالم هاشم.

٢. - راجع«الفتح»ج ٤ ص ٩٨.

٣. -«طرح التثريب»ج ٤ ص ٨٣ - ٨٤.

٤. -«شرح السنديّ»ج ٥ ص ٩٤.

٥. - نقله في «المرعاة» ج ٦ ص ٢٥٧.

٦. - هذا على جعل اللام لام قسم، وقد تقدم أنها تحتمل أن تكون ابتدائيّة.

٧. - «المأفون»: الضعيف العقل والرأي. قاله في «القاموس».

٨. - راجع «التمهيد» ج ٤ ص ١١٠ - ١١٣.

٩. - «طرح التثريب» ج ٤ ص ٨٤.

١٠. - «طرح» ج ٤ ص ٨٤ - ٨٥.

١١. - «طرح» ج ٤ ص ٨٤.

١٢. - المفاقر: جمع فقر على غير قياس، أو جمع مُفْقِر مصدر أفقره. قاله في «اللسان».

١٣. - راجع «طرح التثريب» ج ٤ ص ٧٨ - ٧٩.