يتناول المسألة المتعلّقة بالدين، كأن يسأل ما يجهله من أمر دينه، فإنه واجب، فضلًا عن أن يكون مذمومًا، ولا يتناول أيضًا سؤال ما ثبت له من الحقوق عند الناس، كالودائع، وضمان المتلفات، وثمن المبيعات، ونحو ذلك، فإن هذا لا يدخل فيه قطعًا، للأدلّة الأخرى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٠ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟، وَلَهُ الْجَنَّةُ»، قَالَ يَحْيَى: هَاهُنَا كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: «أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عمرو بن علي) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٣ - (ابن أبي ذئب) هو: محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث.
٤ - (محمد بن قيس) القاصّ المدنيّ، [٦] ٥١/ ٩٦٢.
٥ - (عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية) بن أبي سُفيان، صدوق [٣].
قال مصعبٌ الزبيري: كان رجلًا صالحًا. وقال أبو زرعة: معاوية، وعبد الرحمن، وخالد، بنو يزيد بن معاوية كانوا صالحي القوم. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال البخاريّ: حديثه عن النبيّ - ﷺ - مرسل. وقال الوليد بن مسلم: قَدِم عبد الرحمن بن يزيد على عمر بن عبد العزيز يرفع إليه دينًا. روى له المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط.
٦ - (ثوبان) بن بُجْدُد مولى النبي - ﷺ - صحبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة (٥٤) ١١/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وأن رجاله رجال الصحيح، غير عبد الرحمن كما سبق آنفًا، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه ويحيى فبصريان، وأن شيخه أحد مشايخ الستة بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ ثَوْبَانَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ يَضْمَنْ لِي وَاحِدَةً؟) وفي نسخة»بواحدة«بالباء الموحّدة، وهو لغة، يقال: ضَمنتُ المالَ، وبه، ضَمَانًا، فأنا ضامن، وضَمينٌ: التزمتُهُ، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: ضَمَّنتُهُ المالَ: ألزمته إياه. قاله في»المصباح«.
والمعنى: من يلزم لي خصلة واحدةً، ويدوم على هذه الخصلة؟.
و«من»هنا استفهاميّة، وهي مبتدأ، خبرها جملة«يضمنُ الخ (وَلَهُ الْجَنَّةُ) أي مضمون له الجنّة في مقابلة ضمانه تلك الخصلة. وفي لفظ لأحمد: »من يضمنُ لي خَلَّةً، وأضمنُ له الجنة«.
(قَالَ: يَحْيىَ) بن سعيد القطّان الراوي عن ابن أبي ذئب (هَاهُنَا كَلِمَةٌ، مَعْنَاهَا: «أَنْ لَا يَسْألَ النَّاسَ شَيْئًا) يعني أن في هذا الموضع كلمة، وهي الكلمة التي طلب النبيّ - ﷺ - ضمانها حتى يضمن له الجنّة، ولكن يحيى لم يحفظ لفظها، وإنما حفظ معناها، وهو:»أن لا يسأل الناس شيئًا«.
وقد حفظ لفظها وكيع عند أحمد، وابن ماجه، ويزيد بن هارون، وأبو النضر عند أحمد.
قال الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في«مسنده»-٢١٩١٧ -: حدثنا يزيد بن هارون، وأبو النضر، قالا: حدثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن ثوبان مولى رسول اللَّه - ﷺ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«من يتقبلُ لي بواحدة، أتقبل له بالجنة»، قال: قلت: أنا يا رسول اللَّه، قال:«لا تسأل الناس شيئا». قال: فربما سقط سوط ثوبان، وهو على بعيره، فما يسأل أحدا، أن يناوله، حتى ينزل إليه، فيأخذه.
وقال الإمام ابن ماجه -رحمه اللَّه تعالى -١٨٣٧ -: حدثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«مَنْ يتقبلُ لي بواحدة، وأتقبل له بالجنة؟، قلت: أنا، قال: »لا تسأل الناس شيئا«.
قال: فكان ثوبان يقع سوطه، وهو راكب، فلا يقول لأحد: ناولنيه، حتى يَنزل، فيأخذه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ثوبان - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: