HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٩٢

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟ أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟ قَالَ: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ». قَالَ يَحْيَى : قَالَ سُفْيَانُ : وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ .
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص226
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ٥ ص ٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص١٨٦
٨٧ - (حَدُّ الْغِنَى) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مقدار الغنى الذي يمنع السؤال من الناس. ٢٥٩٢ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ خُمُوشًا«، أَوْ»كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟، أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ». قَالَ: يَحْيَى قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا يُحَدِّثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهاويّ الحافظ الثبت [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنّف. ٢ - (يحيى بن آدم) أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت الفاضل [٩] ١/ ٤٥١. ٣ - (سفيان الثوري) ابن سعيد، أبو عبد اللَّه الكوفي الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (حكيم بن جُبير) الأسديّ الكوفيّ، ضعيف رمي بالتشيّع [٥] ٨٤/ ٢٤٢٦. ٥ - (محمد بن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعيّ، أبو جعفر الكوفيّ، ثقة [٦]. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: كان رَفيع القدر من الجلّة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال حسين بن عليّ الجعفيّ: كان يقال له: الكيِّس؛ لعبادته. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وذكر ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فذكره فيهم. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والأربعة، وله عند المصنّف حديث الباب فقط. ٦ - (أبوه) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو بكر الكوفيّ، ثقة، من كبار [٣] ٣٧/ ٤١. ٧ - (عبد اللَّه بن مسعود) الصحابي المشهور - رضي تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: (مَنْ سَأَلَ) أي من الناس أموالهم (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي والحال أن عنده ما يغنيه عن مسألة الناس (جَاءَتْ) الفاعل ضمير المسألة المفهومة من «سأل»، أي جاءت مسألته (خُمُوشًا) جمع خَمْش، كفَلْس وفُلُوس، وهو الأثر في الوجه، يقال: خَمَشت المرأةُ وجهها بظفرها خَمْشًا، من باب ضرب: جَرَحت ظاهر البشرة، ثمّ أطلق الخمش على الأثر. أفاده في «المصباح». وهو منصوب على الحال. ولفظ أبي داود: «جاء يوم القيامة، ومسألته خُموش، أو خُدُوش، أو كُدُوح» (أَوْ «كُدُوحًا») «أو» هنا للشكّ من بعض الرواة، و«الكُدوح» جمع كَدْح، كفلس وفلوس، وهو -كما في «القاموس» بمعنى الْخَدْش. وقال في مادّة خدش: خَدَشَهُ يخدِشُه -أي من باب ضرب-: خَمَشَه، والجلدَ مزّقه، قَلّ، أو كثُرَ، أو قَشَره بعُود ونحوه. والْخَدْشُ اسم لذلك الأثر أيضًا، وجمعه خُدُوش انتهى. وقال في «المرعاة»: «خُمُوش، أو خُدُوش، أو كُدوح» بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني، جمع خَمْش، وخَدْش، وكَدْح. فـ «أو» هنا لشكّ الراوي، إذ الكلّ يُعْرِب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم، من ملاقاة الجسد ما يقشر، أو يجرح، ولعلّ المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقةً، أو أمارات ليُعرَف، ويُشهَر بذلك بين أهل الموقف. أو لتقسيم منازل السائل، فإنه مقلّ، أو مكثر، أو مُفْرِطٌ في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح، إذ الخمشُ في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد. وقيل: الخدش قَشْرُ الجلد بعود، والخمش قشره بالأظفار، والكدحُ العضّ، وهي في أصلها مصادر، لكنّها لما جُعلت أسماء الآثار جمُعت. كذا في «المرقات» . (فِي وَجْهِهِ) متعلّق بمحذوف صفة لـ و«خموش»، أي كائنةً في وجهه (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ «جاءت» (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَاذَا يُغْنِيهِ؟) أي أيّ شيء يغنيه غنًى يمنعه عن السؤال، وليس المراد بيان الغنى الموجب للزكاة، أو المحرِّم لأخذها من غير سؤال (أَوْ مَاذَا أَغْنَاهُ؟) «أو» هنا للشكّ من الراوي (قَالَ) - ﷺ - (خَمْسُونَ دِرْهَمًا) خبر لمحذوف، أي هو خمسون درهمًا (أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ) «أو» هنا للتنويع. يعني أن الغنى المانع من السؤال أن يملك الشخص خمسين درهمًا، أو يملك قيمتها من الذهب. وفيه دليل على أن من ملك خمسين درهمًا، أو قيمتها من الذهب يحرم عليه السؤال، وهذا فرد من أفراد الغنى المانع عن السؤال، إذ لا عبرة للمفهوم، فلا دليل فيه على إباحة السؤال لمن كان عنده أقلّ من خمسين درهمًا مما بيّنه النبيّ - ﷺ - في أحاديث أُخَر. وقيل: هذا الحديث منسوخٌ بحديث الأُوقيّة، وهو منسوخ بـ «ما يُغدّيه، ويُعشّيه». وقيل: يُجمع بين هذه الأحاديث بأنّ القدر الذي يَحرُم السؤال عنده هو أكثرها، وهي الخمسون عملًا بالزيادة. وقال في «حُجّة اللَّه البالغة» جـ ٢ ص ٣٥: جاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية، أو خمسون درهمًا. وجاء أيضًا أنها ما يُغدّيه وُيعشّيه، وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا؛ لأن الناس على منازل شتًى، ولكلّ واحد كسبٌ، لا يمكن أن يتحوّل عنه، أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن سياسة المُدُن، لا المأخوذ في علم تهذيب النفوس. فمن كان كاسبًا بالحرفة، فهو معذورٌ حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعًا حتى يجد الزرع، ومن كان تاجرًا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقًا بما يروح ويغدو من الغنائم، كما كان أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -، فالضابط فيه أوقيّة، أو خمسون درهمًا، ومن كان كاسبًا يحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب وبيعه، وأمثال ذلك، فالضابط فيه ما يغدّيه، ويعشّيه. واللَّه تعالى أعلم انتهى. وقد استُدلّ بهذا الحديث لأحمد، وإسحاق، ومن وافقهما على أن الغنى المانع من أخذ الصدقة هو ملك خمسين درهمًا. وتُعقّب بأنه ليس في الحديث أن من ملك خمسين درهمًا لم تحلّ له الصدقة، وإنما فيه أنه كره المسألة فقط، فلا يحلّ له أخذ الزكاة بالسؤال، وأما الأخذ من غير سؤال فلا دليل فيه على منعه. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (قَالَ: يَحْيىَ) هو ابن سعيد القطّان (قَالَ: سُفْيَانُ) هو الثوريّ الراوي عن حكيم بن جُبير في السند السابق (وَسَمِعْتُ زُبَيْدًا) هو ابن الحارث اليماميّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، الثقة الثبت العابد، من الطبقة السادسة، تقدّمت ترجمته في ٣٧/ ١٤٢٠ (يُحَدِّثُ) جملة حالية من المفعول (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ) المذكور في السند السابق. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض سفيان بهذا الكلام بيان أن ضعف حكيم بن جبير لا يضرّ بصحة الحديث، إذ لم ينفرد به، بل تابعه عليه من الثقات زبيد بن الحارث الياميّ، فرواه عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. وسبب قوله هذا أن حكيم بن جُبير تكلموا فيه، قال الدارقطنيٌ: متروك. وقال الجوزجانيّ: كذاب. وقال ابن معين، وأبو داود: ليس بشيء. وقال أحمد، وأبو حاتم: ضعيف منكر الحديث. وقال البخاريّ في «التاريخ»: كان يحيى، وعبد الرحمن لا يحدّثان عنه، وتكلّم فيه شعبة، وتركه من أجل هذا الحديث. وقال النسائيّ: ليس بالقويّ. وقال أيضًا: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم بن جُبير، وحكيم ضعيف، وسئل شعبة عن حكيم بن جبير، فقال: أخاف النار، وقد روى عنه قديمًا انتهى . وما ذكره المصنّف هنا عن سفيان ذكره أيضًا غيره، فقد رواه أبو داود من طريق يحيى ابن آدم، عن سفيان، وفي آخره: قال يحيى -هو ابن آدم- فقال عبد اللَّه بن عثمان لسفيان حفظي أن شعبة لا يروي عن حكيم بن جبير؟، فقال سفيان: فقد حدّثناه زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى. وراه الترمذيّ من طريق شريك، عن حكيم بن جُبير، ثم قال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من اْجل هذا الحديث. ثم روى من طريق يحيى بن آدم: حدّثنا سفيان، عن حكيم بن جُبير بهذا الحديث، فقال له عبد اللَّه بن عثمان صاحب شعبة: لو غيرُ حكيم حدّث بهذا، فقال سفيان: وما لحكيم؟ لا يحدّث عنه شعبة؟، قال: نعم، قال سفيان: سمعت زبيدًا يُحدّث بهذا عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد انتهى. وظاهر ما أشار إليه سفيان -رحمه اللَّه تعالى- أن الحديث صحيح من رواية زُبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، فلا يضرّه رواية حكيم بن جبير. لكن مع ذلك فقد ضعّف الحديث جماعة من الحفاظ، فقد ذكر الحافظ في «الفتح» بعد ذكر رواية سفيان عن زبيد، نقلًا عن الترمذيّ: ما لفظه: ونصَّ أحمد في «علل الخلّال» وغيرها على أن رواية زبيد موقوفة انتهى. وقال ابن معين. يرويه سفيان، عن زُبيد، ولا أعلم أحدًا يرويه عنه غير يحيى بن آدم، وهذا وَهَمٌ، لو كان كذا لحدّث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر -يعني وإنما المعروف بروايته حكيم. ذكره الذهبيّ والمنذريّ. وذكر البيهقي عن يعقوب بن سفيان، قال: هذه حكايته بعمدة، لو كان حديث حكيم ابن جبير عند زبيد ما خفي على أهل العلم انتهى. لكن نقل الحافظ أبو عمر، عن أبي بكر الأثرم، عن الإمام أحمد أنه قوّى حديث ابن مسعود هذا، فقال في «التمهيد»: قال: حديث عبد اللَّه بن مسعود في هذا حسنٌ، وإليه نذهب في الصدقة. قلت له : ورواه زبيد، وهو لحكيم بن جبير فقط؟ فقال: رواه زبيد فيما قال يحيى بن آدم: سمعت سفيان يقول: فحدّثنا زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد. قلت لأبي عبد اللَّه: دم يخبر به محمد بن عبد الرحمن؟ فقال: لا. قال: وسمعته، وذكر حديث أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ -: «من سأل وله أوقيّة، أو قيمة أوقيّة، فهو مُلحِف». فقال: هذا يقوّي حديث عبد اللَّه بن مسعود انتهى. كلام ابن عبد البرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لضعف حكيم بن جبير، ولا يقال: رواه زبيد، وهو ثقة؛ لأنه رواه موقوفًا، كما قاله الإمام أحمد، فلا تقوي روايته روايته، والحاصل أن الحديث ضعيف؛ لضعف حكيم، ومخالفته لزبيد. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨٧/ ٢٥٩٢ - وفي «الكبرى» ٨٩/ ٢٣٧٣. وأخرجه (د) في «الزكاة» ١٦٢٦ (ت) في «الزكاة» ٦٥٠ (ق) في «الزكاة» ١٨٤٠ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٣٦٦٦ و٤١٩٥ و٤٢٤٩ و٤٤٢٦ (الدارمي) ١٦٤٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الغنى: قال الإمام الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن أخرج الحديثَ: ما نصُّهُ: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا، وبه يقول الثوريّ، وعبد اللَّه بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا كان عند الرجل خمسون درهمًا لم تحلّ له الصدقة. ولم يذهب بعض أهل العلم إلى حديث حكيم بن جُبير، ووسّعوا في هذا، وقالوا: إذا كان عنده خمسون درهمًا، أو أكثر، وهو محتاج، له أن يأخذ من الزكاة، وهو قول الشافعيّ، وغيره من أهل الفقه والعلم انتهى . وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا باب اختلف العلماء فيه، ونحن نذكره ههنا - وباللَّه توفيقنا - فأما مالك -رحمه اللَّه تعالى-، فروى عنه ابن القاسم أنه سئل هل يُعطَى من الزكاة من له أربعون درهمًا؟ فقال: نعم، وهو المشهور من مذهب مالك. وروى الواقديّ عن مالك أنه قال: لا يُعطى من الزكاة من له أربعون درهمًا. قال أبو عمر: هذا يحتمل أن يكون قويًّا مكتسبًا، حسن التصرّف في هذه المسألة، وفي الأولى ضعيفًا عن الاكتساب، أو من له عيال. واللَّه أعلم. وقد قال مالك في صاحب الدار التي ليس فيها فضلٌ عن سكناه، ولا في ثمنها فضلٌ إن بيعت فيه بعد دار تحمله: إنه يُعطى من الزكاة، قال: وإن كانت الدار في ثمنها ما يشترى له به مسكن، ويفضل له فضلٌ يعيش به: إنه لا يعطى من الزكاة، والخادمُ عنده كذلك. وقوله أيضًا هذا في الدار والخادم يحتمل التأويلين جميعًا، إلا أن المعروف من مذهبه أنه لا يحدّ في الغنى حدًّا لا يجاوزه إلا على قدر الاجتهاد، والمعروفِ من أحوال الناس، وكذلك يَرُدّ ما يعطى المسكين الواحد من الزكاة أيضًا إلى الاجتهاد من غير توقيف. فأما الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأبو ثور، وأبو عبيد، وأحمد بن حنبل، والطبريّ، فكلّهم يقولون فيمن له الدار، والخادم، وهو لا يستغني عنهما: إنه يأخذ من الزكاة، وتحلّ له، ولم يفسّروا هذا التفسير الذي فسّره مالك. إلا أن الشافعيّ قال في «كتاب الكفّارات»: من كان له مسكنٌ، لا يستغني عنه هو وأهله، وخادم، أعطي من كفّارة اليمين، والزكاةِ، وصدقة الفطر، قال: وإن كان مسكنه يفضل عن حاجته، وحاجة أهله الفضل الذي يكون بمثله غنيًّا، لم يُعطَ من ذلك شيئًا، فهذا القول ضارع قول مالك، إلا أن مالكًا قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يعيش به، ولم يقل: كم يعيش به، والشافعيّ قال: يفضل له من ذلك فضلٌ يكون به غنيًّا. وروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: يُعطَى من الزكاة من له المسكن والخادم، ورواه الربيع عن الحسن. وفسّره أبو عبيد على نحو ما قال الشافعيّ. وعن إبراهيم النخعيّ نحو قول الحسن في ذلك. وعن سعيد بن جبير مثله. واختلفوا في المقدار الذي تحرم به الصدقة لمن ملكه من الذهب، والفضّة، وسائر العروض. فأما مالك فقد ذكرنا قوله في الأربعين درهمًا، ولا اختلاف عنه في ذلك. وكان الحسن البصريّ يقول: من له أربعون درهمًا فهو غني، وحجة من ذهب إلى أن يُحدد في هذا في أربعين درهمًا حديث الأسديّ -يعني الحديث الآتي بعد بابين- وهو حديث ثابت، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه -يعني الآتي بعد باب-، وحديث أبي سعيد الخدريّ -يعني الآتي بعد باب أيضًا-. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تحلّ الصدقة لمن له مائتا درهم، ولا بأس أن يأخذ من له أقلّ منها، ويَكرهون أن يُعطَى إنسانٌ واحدٌ من الزكاة مائتي درهم، فإن أعطيها أجزأت عن المعطي عندهم، ولا بأس أن يُعطى أقلّ من مائتي درهم، وهو قول ابن شُبْرُمة. ورَوَى هشام عن أبي يوسف في رجل له على رجل مائة وتسعة وتسعون درهمًا، فيتصدّق عليه من الزكاة بدرهمين أنه يقبل واحدًا، ويردّ واحدًا، ففي هذا إجازة أن يقبل تمام المائتين، وكراهة أن يقبل ما فوقها. وحجّتهم في ذلك قول رسول اللَّه - ﷺ -: «أُمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردّها في فقرائكم». والغنيّ من له مائتا درهم؛ لوجوب الزكاة عليه فيها؛ لأنها لا تؤخذ إلا من غنيّ. وكان الثوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه يقولون: لا يُعطى من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها من الذهب. واحتجّوا في ذلك بحديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - في ذلك -يعني حديث الباب- قال: وهذا الحديث إنما يدور على حكيم بن جُبير، وهو متروك الحديث. هكذا رواه جماعة من أصحاب الثوريّ، منهم ابن المبارك، وغيره، عن الثوريّ، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -. إلا يحيى بن آدم، فإنه جعل فيه مع حكيم بن جبير زبيدًا الأياميّ. ولا يجوز عند الثوريّ، وأحمد بن حنبل، والحسن بن صالح، ومن قال بقولهم أن يُعطى أحدٌ من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا؛ لأنه الحدّ بين الغنيّ والفقير عندهم، والزكاة إنما جعلها اللَّه للفقراء، والمساكين، وحرّمها على الأغنياء، إلا الخمسة الذين ذكرهم رسول اللَّه - ﷺ - . وقال عبيد اللَّه بن الحسن: من لا يكون له ما يقيمه، ويكفيه سنةً، فإنه يُعطى من الزكاة، وما أعلم لهذا القول وجهًا، إلا أن يكون صاحبه عساه أخذه من حديث ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الْحَدَثَان، عن عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنّ رسول اللَّه - ﷺ - كان يدّخر مما أفاء اللَّه عليه قوت سنة، ثم يجعل ما سوى ذلك في الكُرَاع، والسلاح، مع قول اللَّه -﷿-: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾. وقال الشافعيّ: يعطى الرجل على قدر حاجته حتى يُخرجه ذلك من حدّ الفقر إلى حدّ الغنى، كان ذلك تجب فيه الزكاة، أو لا تجب فيه الزكاة، ولا أَحَدَ حَدّ في ذلك حدًّا. ذكره المزنيّ، والربيع جميعًا عنه، ولا خلاف عنه في ذلك. وكان الشافعيّ يقول أيضًا: قد يكون الرجل بالدرهم غنيًّا مع كسبه، ولا يُغنيه الألف مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله. وقال الطبريّ: لا يأخذ من الزكاة من له خمسون درهمًا، أو عدلها ذهبًا، إذا كان على التصرّف بها قادرًا، حتى يستغني عن الناس، فهذا كان كذلك حرُمت عليه الصدقة. وأما إذا صرف الخمسين درهمًا في مسكن، أو خادم، أو ما لا يجد منه بُدًّا، وليس له سواها، وكان على التصرّف بها غير قادر حلّت له الزكاة بحديث ابن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، عن النبيّ - ﷺ - في الخمسين درهمًا -يعني حديث الباب-. وذكر حديث قبيصة بن المخارق: لا تحلّ المسألة لمن له سداد من عيش، أو قوام من عيش. فكأنه جعل السداد الخمسين درهمًا المذكورة في حديث ابن مسعود. واللَّه تعالى أعلم بهذا الظاهر من معنى قوله هذا. قال أبو عمر: ليس عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أصحابه في هذا الباب شيء يرفع الإشكال، ولا ذكر أحدٌ عنه، ولا عنهم في ذلك نصًّا، غير ما جاء عن النبيّ - ﷺ - من كراهية السؤال، وتحريمه لمن ملك مقدارًا مّا، في آثار كثيرة، مختلفة الألفاظ والمعاني، فجعلها قومٌ من أهل العلم حدًّا بين الغنيّ والفقير. وأبى ذلك آخرون، وقالوا: إنما فيها تحريم السؤال، أو كراهيته، فأما من جاءه شيء من الصدقات عن غير مسألة، فجائزٌ له أخذه، وأكله، ما لم يكن غنيًّا الغنى المعروف عند الناس، فتحرم عليه حينئذ الزكاة، دون التطوّع. ولا خلاف بين علماء المسلمين أن الصدقة المفروضة لا تحلّ لغنيّ، إلا ما ذُكر في حديث أبي سعيد الخدريّ . واختلفوا في صدقة التطوّع، هل تحلّ للغنيّ؟، فمنهم من يرى التنزّه عنها، ومنهم من لم ير بها بأسًا، إذا جاءت من غير مسألة؛ لقوله - ﷺ - لعمر: «ما جاءك من غير مسألة، فكله، وتموّله، فإنما هو رزق ساقه اللَّه إليك». مع إجماعهم على أن السؤال لا يحلّ لغنيّ معروف الغنى. وأكثر من كره صدقة التطوّع إنما كرهها من أجل الامتنان، ورأوا التنزّه عن التطوّع من الصدقات؛ لما يلحق قابضها من ذلّ النفس، والخضوع لمعطيها، ونزعوا، أو بعضهم بالحديث: «إن الصدقة أوساخ الناس، يغسلونها عنهم»، فرأوا التنزّه عنها، ولم يُجيزوا أخذها لمن استغنى عنها بالكفاف، ما لم يضطرّ إليها، حتى قال سفيان - رحمه اللَّه تعالى -: جوائز السلطان أحبّ إليّ من صلات الإخوان؛ لأنهم يمنّون. قال أبو عمر: أما من حدّ في الغنى حدًّا خمسين درهمًا، أو أربعين درهمًا، أو مائتي درهم، وزعموا أن المرء غنيّ بملكه هذا المقدار، على اختلافهم فيه، ومن قال: لا يُعطى أحدٌ من الفقراء أكثر من مائتي درهم، أو أكثر من خمسين درهمًا من الزكاة، فإنه يدخل على كلّ واحد منهم ما يردّ قولَه من حديث سهل بن أبي حثْمَة أن رسول اللَّه - ﷺ - وَدَى الأنصاريّ المقتول بخيبر بمائة ناقة من إبل الصدقة، ودفعها إلى أخيه عبد اللَّه بن سهل، قد نزع لهذا بعض أصحابنا، وفي ذلك عندي نظر. فأما من جعل المرء بملكه ما تجب فيه الصدقة غنيًّا؛ لقوله - ﷺ -: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم»، فإنه يدخل عليه الإجماع على أن من ملك خمسة أوسق من شعير، قيمتها خمسة دراهم، أو نحوها، مما لا يكون غنى عند أحد، وكان ملكه إياها بزرعه لها في أرضه، ولم يملك من حصاده غيرها أن الصدقة عليه فيها، وإن لم يملك شيئًا سواها، وهذا عند جميعهم فقير مسكين، غير غنيّ، وقد وجبت عليه الصدقة، وهذا ينقض ما أصّلوه. وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ أولى بالصواب في هذا الباب، واللَّه أعلم انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ذهب إليه الحافظ أبو عمر -﵀- تعالى، من ترجيح مذهب الإمامين: مالك، والشافعيّ، وهي إحدى الروايتين عن
مصادر المؤلف (٧)

١. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ٢٦٧.

٢. - نقله عن المصنّف الحافظ المزيّ في «تحفة الأشراف» ج ٧ ص ٨٥ ولم أره لا في «المجتبى»، ولا في «الكبرى»، فاللَّه تعالى أعلم.

٣. - القائل هو أبو بكر الأثرم.

٤. - راجع «جامع الترمذيّ» ج ٣ ص ٣١٥ - ٣١٦. بنسخة «تحفة الأحوذيّ».

٥. -وهو الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، بإسناد صحيح، ولفظ أحمد: ١١١٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدٍ بْن أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِىِ سعيد الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لِغَنِيٍّ، إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِل عَلَيْهَا، أوْ رَجُلٍ اشتَرَاهَا بمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبيلِ اللَّهِ، أو مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيًّ».

٦. - هو الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، كما سبق قريبًا.

٧. - راجع «التمهيد» ج ٤ ص ٩٧ - ١١٩.