أخرجه هنا -٩٠/ ٢٥٩٧ - وفي «الكبرى» ٩٢/ ٢٣٧٨. وأخرجه (ق) في «الزكاة» ١٨٣٩ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٨٨١٨.
[تنبيه]: إيراد هذا الحديث في هذا الباب فيه بعدٌ، والظاهر أنه من جملة أحاديث الباب التالي؛ إذ هو المناسب له، لكن قد تقدّم في غير موضع، ويأتي أيضًا أن المصنّف جرت له عادة غريبة، وهي أنه يورد في آخر باب مّا حديثًا يتعلق بالباب الذي يليه، ولعله للربط بينهما. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب».
…
٩١ - (مَسْأَلَةُ الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم سؤال القويّ المكتسب للصدقة، وهو التحريم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٥٩٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: بَصَرَهُ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنْ شِئْتُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِىٍّ مُكْتَسِبٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاس الصيرفي، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزيُّ البصري، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠.
٣ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤.
٤ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه ربما دلس [٥] ٤٩/ ٦١.
٥ - (أبوه) عروة بن الزبير بن العوّام المدني ثقة ثبت فقيه [٣] ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار) -بكسر المعجمة، وتخفيف التحتانيّة- ابن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النوفليّ المدنيّ ثقة [٢].
قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه وُلد في عهد رسول اللَّه - ﷺ -. وذكره ابن سعد في
الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: أمه أم قتال بنت أسيد بن أبي العيص، ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة قليل الحديث. وقال خليفة: مات في آخر خلافة الوليد. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان. وذكره ابن حبّان في الصحابة، وقال: ولد في زمن النبيّ - ﷺ -، ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال: مات سنة (٩٥). وقال ابن ماكولا: قُتل أبوه يوم بدر كافرًا. وذكر ابن سعد أباه في مُسلمة الفتح. وقال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار، وكان من فقهاء قريش، وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبيّ - ﷺ - متوافرين.
روى له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٧ - (رجلان) هما: صحابيان - ﵄ -، فلا يضر إبهامهما. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنّف -﵀-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخيه من مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وأن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قَالَ) عروة ابن الزبير (حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَنَّ رَجُلَينِ) لم يُسَمّيا، وقد تقدّم قريبًا أن جهالة الصحابيّ لا تضرّ؛ لكون كلهم عدولًا (حَدَّثَاهُ، أَنَّهمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) ولفظ أبي داود: «أنهما أتيا النبيّ - ﷺ - في حجّة الوداع، وهو يَقسِم الصدقة، فسألاه منها …» (يَسْأَلَانهِ مِنَ الصَّدقَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَلَّبَ فِيهِمَا الْبَصَرَ) بتشديد اللام، من التقليب، وفي بعض النسخ: «النظر» بدل «البصر». أي أجال فيهما نظره، ليتعرّف هل هما مستحقان للصدقة، أم لا؟. ولفظ أبي داود: «فرفع فينا البصر، وخفَضَه» (وَقَالَ مُحَمَّدٌ بَصَرَهُ) يعني أن محمد بن المثنّى قال في روايته: «بصره» بالإضافة، بدل قول عمرو بن عليّ: «البصر» بأداة التعريف، وهذا من ورع المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وشدّة احتياطه في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وأدائها على وجهها، وإن لم تختلف المعاني (فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ) تثنية جَلْد -بفتح الجيم، وسكون اللام -وهو القويّ، مأخوذ من الْجَلَد -بفتح الجيم، والسلام -وهو القوّة، تقول منه: جَلُد الرجلُ، من باب كرم جَلَدًا -بفتح اللام- وجَلادةً، وجُلُودةً، فهو جَلْدٌ- بسكونها- وجَلِيدٌ: بَيِّنُ القوّة.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنْ شِئْتُمَا) هكذا نسخ»المجتبى«بحذف الجواب، أي أعطيتكما من الصدقة. وقد صرّح به في»الكبرى«ولفظه:»إن شئتما أعطيتكما«، ومثله في رواية أبي داود (وَلَا حَظَّ فِيهَا) أي لا نصيب في الصدقة، أو في سؤالها (لِغَنِيٍّ) أي لصاحب مالٍ يُعدّ به غنيًّا (وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِب) أي لقادر على كسب كفايته، وإن لم يكن له مالٌ يعدّ به غنيًّا.
وفيه أن الصدقة لا تحلّ للقادر على اكتساب كفايته، إذ هو مَكْفِيٌّ بالاكتساب، ككفاية الغني بالمال. وإليه ذهب الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وابن المنذر. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يجوز للقويّ المكتسب الأخذ من الزكاة ما لم يملك نصابًا فاضلًا عن حوائجه الأصليّة. وقال مالك، وأصحابه: يجوز دفع الزكاة للقادر على الكسب، إذا كان فقيرًا، لا يملك قوت عامه، ولو ترك التكسّب اختيارًا.
قالوا: ومن كانت له صنعة تكفيه وعيالَهُ، لم يُعطَ، وإن لم تكفه أعطي تمام كفايته. وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بقوله: «ولا لقويّ مكتسب» أنه لا يحلّ له أن يسألها مع قدرته على اكتساب قوته؛ لقوله - ﷺ -: «وإن شئتما أعطيتكما»، فلو كان الأخذ محرّمًا غير مسقط للزكاة لم يعلّق الإعطاء على اختيارهما، أما إذا أُعطي من غير سؤال، فلا يحرم عليه أخذها؛ لدخوله في الفقراء، وقد قال النبي - ﷺ - لمعاذ: «أَعْلِمْهُم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتردّ في فقرائهم»، فجعل الأغنياء من تجب عليهم الزكاة، ومن يأخذها فقيرًا، وإن كان قادرًا على الكسب.
وتُعُقّب بأن هذا صرف للحديث عن ظاهره بدون مقتضٍ، فإنه صريحٌ في تحريم الزكاة على القادر المكتسب، سواء أسألها، أم لم يسألها. وقوله: «إن شئتما أعطيتكما» تفويض لهما في أنهما هل يستحقّانها لفقرهما، أم لا؛ لاستغنائهما بمال، أو كسب.
وقال الطيبيّ: معناه: لا أعطيكما؛ لأنها حرام على القويّ المكتسب، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما، قاله توبيخا انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عبيد اللَّه بن عديّ بن الخيار، عن رجدين من أصحاب النبيّ - ﷺ - صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: