HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦١٨

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، وَيَزِيدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ أَنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:إسناده حسن
  • الألباني:حسن الإسناد : مرسلاصحيح سنن النسائي ج2 ص236
  • الألباني:إسناده حسن
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ٥ ص ١٠٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, سنن ابن ماجه
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٥٩
الفيّوميّ: والفَرَس يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر: فُرَيسٌ، والأنثى: فُرَيسة، على القياس، وجُمِعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ، والعربيّ. قال ابن الأنباريّ: وربّما بنوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ. وحكاه يونس سماعًا عن العرب. انتهى . والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الأول. وبقيّة مباحثه ستأتي مستوفاةً في المواضع المناسبة لها، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ وَيَزِيدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، أَنْ يَخْرِصَ الْعِنَبَ، فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحَديث لم أره في «الكبرى»، وكان حقّه أن يُذكر في باب «كم يترك الخارص؟»، ولا أدري لماذا أخّره ههنا. ورجال إسناده رجال الصحيح، و«عمرو بن عليّ»: هو الفلّاس. و«بِشْر»: هو ابن المفضّل. و«يزيد»: هو ابن زيع. وكلهم تقدّموا، غير: ١ - (عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد اللَّه بن كنانة العامريّ القرشيّ مولاهم، ويقال: الثقفيّ، المدنيّ، نزيل البصرة. ويقال له: عبّاد بن إسحاق، صدوق، رُمِي بالقدر [٦]. قال القطّان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يَحمدونه. وكذا قال عليّ بن المدينيّ. قال: وسمعت سفيان، سئل عنه، فقال: كان قدريًّا، فنفاه أهل المدينة. وقال يزيد بن زُريع: ما جاءنا أحفظ منه. وقال أبو بكر بن زنجويه: سمعت أحمد يقول: هو رجلٌ صالح، أو مقبول. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: صالح الحديث. وقال مرّة: ليس به بأس. وقال أبو طالب، عن أحمد: رَوَى عن أبي الزناد أحاديث منكرة. وكان يحيى لا يُعجبه، وهو صالح الحديث. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان إسماعيل ابن عُليّة يرضاه. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، هو أحبّ إليّ من صالح بن أبي الأخضر. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صُويلح. وقال مرّة: ثقة. وكذا قال الدُّوريّ عنه. وقال مرّةً: صالح الحديث. وقال ابن المدينيّ: كان يَرَى القدر، ولم يَحمِل عنه أهل المدينة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح. وقال يعقوب سفيان: ليس به بأس. وقال العجليّ: يُكتب حديثه، وليس بالقويّ. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وهو قريبٌ من ابن إسحاق صاحب «المغازي»، وهو حسن الحديث، وليس بثبت، وهو أصلح من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الواسطيّ. وقال البخاريّ: ليس ممن يُعتمد على حفظه إذا خالف من ليس دونه، وإن كان ممن يُحتمل في بعض. قال: وقال إسماعيل بن إبراهيم: سألت أهل المدينة عنه، فلم يَحمَدوه، مع أنه لا يُعرف له بالمدينة تلميذٌ إلا موسى الزَّمْعيّ، روى عنه أشياء فيها اضطراب. وقال الآجريّ، عن أبي داود: قدريّ إلا أنه ثقة، قال: هَرَبَ إلى البصرة لما طُلب القدريّة أيام مروان. وقال النسائيّ: ليس به بأس، ولم يكن ليحيى القطّان فيه رأي. وقال ابن خُزيمة: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال ابن عديّ: في حديثه بعض ما يُنكر، ولا يتابع عليه والأكثر منه صحاح، وهو صالح الحديث، كما قال أحمد. وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُرمَى بالقدر. وقال الساجيّ: صدوق يُرمى بالقدر. وقال ابن سعد: هو أثبت من الواسطيّ. وقال الحاكم: لا يَحتَجّان به -يعني الشيخين-، ولا واحد منهما، وإنما أخرجا له في الشواهد. وقال المرّوذيّ، عن أحمد: أما ما كتبنا من حديثه فصحيح. وقال السعديّ: كان غير محمود في الحديث. وحكى الترمذيّ في «العلل» عن البخاريّ أنه وثّقه. علّق له البخاريّ، وأخرج له في «الأدب المفرد»، والباقون. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم ٢٦١٨ و٣٠٩٩ و٣٧٦٢ و٣٩٢٧ و٤٠٠٨ و٥٠٤٣. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع منه علمًا، مات بعد (٩٠) وقد ناهز (٨٠) تقدّمت ترجمته في -٩/ ٩ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ) -بفتح الهمزة- ابن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المكيّ. روى عن النبيّ - ﷺ -. وعنه عمرو بن أبي عَقْرب، وابن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعبد اللَّه بن عُبيدة الرَّبَذيّ. قال ابن عبد البرّ: استعمله النبيّ - ﷺ - على مكّة عام الفتح في خروجه إلى حُنين، فحجّ بالناس سنة ثمان، وحج المشركون على ما كانوا عليه، ولم يزل على مكّة حتى قُبض رسول اللَّه - ﷺ -، وأقرّه أبو بكر، فلم يزل عليها واليًا إلى أن مات، فكانت وفاته فيما ذكر الواقديّ يوم مات أبو بكر الصدّيق. وقال محمد بن سلاّم الْجُمَحيّ وغيره: جاء نَعْي أبي بكر إلى مكة يوم دُفن عَتَّاب، وكان عتّاب رجلًا صالحًا خيّرًا فاضلًا. قال مصعب الزُّبَيريّ: خطب عليّ بن أبي طالب جُويرية بنت أبي جهل، فشقّ ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتّابٌ: أنا أريحك منها، فتزوّجها، فولدت له عبد الرحمن بن عتّاب. قال أبو داود: لم يسمع سعيد بن المسيّب من عتّاب شيئًا. وقال أيوب بن عبد اللَّه بن يسار، عن عمرو بن أبي عَقْرب: سمعت عتّاب بن أَسِيد، فذكر حديثًا. انتهى. أخرج له الأربعة، وله عندهم حديث في الخَرْص -يعني هذا الحديث- وعند ابن ماجه آخر في النهي عن شِفَ ما لم يُضْمَن. وقال الحافظ معلّقا على حكايته أيوب بن عبد اللَّه المذكورة-: ومقتضاه أن عتّابًا تأخّرت وفاته عما قال الواقديّ؛ لأن أيوب ثقة، وعمرو بن أبي عَقْرب ذكره البخاريّ في التابعين، وقال: سمع عتّابًا. وقد ذكر أبو جعفر الطبريّ عتابًا فيمن لا يُعرف تاريخ وفاته، وقال في «تاريخه»: إنه كان والي مكّة لعمر سنة عشرين. وذكره قبل ذلك في سنين عمر، ثمّ ذكره في سنة (٢١)، ثم في سنة (٢٢)، ثم قال في مقتل عمر سنة (٢٣): قُتل، وعاملُهُ على مكّة نافع ابن عبد الحارث انتهى. فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (٢٢)، أو أوائل سنة (٢٣)، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيّب منه. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة ما ذُكر أن الأرجح تأخّر وفات عتّاب، عما قاله الواقديّ؛ لأن الواقديّ ضعيف جدًّا، فلا تقبل روايته، ولا سيّما وقد خالفه ثقة؟، فسماع سعيد عن عتّاب هو الظاهر. وقد تقدم هذا البحث في -٢٦/ ٢٤٩١ - واللَّه تعالى أعلم. (أنْ يَخْرُصَ الْعِنَبَ) بضم الراء، يقال: خَرَصتُ العنب خَرْصًا، من باب قتل: قدّرتُ ثمره، والاسم الْخِرْص -بالكسر- (فَتُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا) ببناء الفعل للمفعول، أي تدفع زكاته إلى مستحقّيها صالحة للانتفاع (كمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا) أشار به إلى أن الزكاة لا تُخرج عقب الخرص، وإنما تُخرج إذا صار الرُّطَب تمرًا، والعنب زبييًا. وإنما جعل النبيّ - ﷺ - خرص العنب كخرص النخل؛ لأنه يُخرص من التمر ما يحيط به البصر ظاهرًا، ولا يحول دونه حائلٌ، ولا يخفى في ورق الشجر، والعنب في هذا المعنى، فلذا شُبّه بالنخل، بخلاف سائر الثمار، فإن هذا المعنى معدوم فيها. أو لأن خيبر فُتحت أوّلًا سنة سبع، وبها نخلٌ، وبَعث إليهم - ﷺ - عبد اللَّه بن رواحة، فخَرَصَها، فلما فتح الطائف، وبها عنب كثير، أمر بخرصه، كخرص النخل المعروف عندهم. وحكمة الخرص أن الفقراء شركاء أرباب الأموال في الثمر، فلو مُنع أرباب الأموال من الانتفاع بثمارهم إلى أن تبلغ غايتها في الصلاح، لأضرّ ذلك بهم، ولو انبسطت أيديهم فيها لأخلّ ذلك بحقّ الفقراء منها، ولَمّا كانت الأمانة غير متحقّقة عند كلّ واحد من أرباب الأموال، وعُمّالهم، وَضَعَت الشريعة هذا الضابط؛ ليَتَوصّل به أرباب الأموال إلى الانتفاع بها، ويُحفَظ للمساكين حقوقهم . واللَّه تعالى أعلم. وقد تقدّم تمام البحث في مسألة الخرص، واختلاف العلماء فيه، وأن الحقّ مشروعيته في -٢٦/ ٢٤٩١ فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سعيد بن المسيّب أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر عَتّاب بن أسيد الخ صحيح؛ لأن الظاهر -كما أسلفته قريبًا- سماع سعيد من عتّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فهو متّصلٌ، ولو قلنا بعدم سماعه منه، فإنه صحيح أيضًا، لأن جلّ الأئمّة على تصحيح مراسيل سعيد -رحمه اللَّه تعالى-، قال النوويّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلًا لكن اعتضد بقول الأئمة انتهى. وأيضًا، فله شواهد، قد تقدّم بيانها في -٢٦/ ٢٤٩١ مستوفًى. والحاصل أن حديث عتاب هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: روى الدارقطنيّ هذا الحديث من طريق الواقديّ، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز الأُماميّ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، عن المسور بن مخرمة، عن عتّاب بن أَسِيد، قال أمر رسول اللَّه - ﷺ - أن نخرُص أعناب ثقيف، كخرص النخل، ثم تؤدّى زبيبًا كما تؤدّى زكاة النخل تمرًا». قال أبو حاتم: الصحيح: عن سعيد بن المسيّب أن النبيّ - ﷺ - أمر عتّابًا، مرسل انتهى. على أن الواقديّ ضعيف جدًّا . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٠٠/ ٢٦١٨ - فقط، وليس له ذكر في«الكبرى». وأخرجه (د) في«الزكاة»١٦٠٣ (ت) في«الزكاة»٦٤٤ (ق) في«الزكاة»١٨١٩. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [خاتمة]: نختم بها«كتاب الزكاة»، وهي من مهمات المسائل، ذكرها الإمام أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه«المحلّى»، قال -رحمه اللَّه تعالى-: [مسألة]: وفرضٌ على الأغنياء من أهل كلّ بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بدّ منه، ومن اللباس للشتاء، والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكنّهم من المطر، والصيف، والشمس، وعيون المارّة. برهان ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. فأوجب اللَّهَ تعالى حقّ المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين، مع حقّ ذي القربي، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربي، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسانُ يقتضي كلّ ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شكّ. وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤]، فقرن اللَّه تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول اللَّه - ﷺ - من طرق كثيرة في غاية الصحّة أنه قال: «من لا يرحَم الناس، لا يرحمه اللَّه». قال أبو محمد: ومن كان على فضل، ورأى أخاه المسلم جائعًا عريان ضائعًا، فلم يُغِثْه، فما رحمه بلا شكّ. وهذا خبر رواه نافع بن جبير بن مطعم، وقيس بن أبي حازم، وأبو ظبيان، وزيد بن وهب، كلهم عن جرير بن عبد اللَّه، عن رسول اللَّه - ﷺ - . وروَى أيضًا معناه الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه - ﷺ - . ثم أخرج بسنده إلى أبي عثمان النهديّ: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق حدّثه: «أنّ أصحاب الصفّة كانوا فقراء، وأن رسول اللَّه - ﷺ - قال:»من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامس، أو سادس«. فهذا هو نفس قولنا. ثم أورد حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:«المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه». قال: من تركه يجوع، وَيعْرَى، وهو قادرٌ على إطعامه، وكسوته، فقد أسلمه. ثم أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -: أن رسول اللَّه - ﷺ -، قال: من كان عنده فضل ظهر، فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ مِن زاد، فليعد به على من لا زاد له»، قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقّ لأحد منا في فضل. قال أبو محمد: وهذا إجماع الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - يخبر بذلك أبو سعيد، وبكلّ ما في هذا الخبر نقول. وعن النبيّ - ﷺ -، قال: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني» . والنصوص من القرآن والأحاديث الصحاح في هذا تكثر جدًّا. ثم أورد عن أبي وائل، قال: قال عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين. قال: وهذا إسناد في غاية الصحّة والجلالة. وعن محمد بن عليّ بن أبي طالب، أنه سمع علي بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - يقول: إن اللَّه تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا، أو عَرُوا، وجَهِدُوا، فبمنع الأغنياء، وحقُّ على اللَّه تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذّبهم عليه. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: في مَالِكَ حقٌ سوى الزكاة. وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن عليّ، وابن عمر أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: إن كنت تسأل في دم موجع، أو غُرْم مفظع ، أو فقر مُدقع ، فقد وجب حقّك. وصحّ عن أبي عبيدة بن الجراح، وثلاثمائة من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم - أن زادهم فَنِيَ، فأمرهم أبو عبيدة، فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء. فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة - رضي اللَّه تعالى عنهم -، لا مخالف لهم منهم. وصحّ عن الشعبيّ، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم كلهم يقول: في المال حقّ سوى الزكاة. قال أبو محمد: وما نعلم عن أحد منهم خلاف هذا، إلا عن الضحّاك بن مزاحم، فإنه قال: نسخت الزكاة كلّ حقّ في المال. قال أبو محمد: وما روايةُ الضحاك بحجة، فكيف برأيه. والعجب أن المحتجّ بهذا أول مخالف له، فيرى في المال حقوقًا سوى الزكاة، منها النفقات على الأبوين المحتاجين، وعلى الزوجة، وعلى الرقيق، وعلى الحيوان، والديون، والأُرُوش، فظهر بهذا تناقضهم. [فإن قيل]: فقد رويتم من طريق ابن أبي شيبة: ثنا أبو الأحوص، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من أدّى زكاة ماله، فليس عليه جُناحٌ أن لا يتصدّق. ومن طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] نسخها العشر، ونصف العشر. [فالجواب]: أن رواية عكرمة، فإنما هي أن لا يتصدّق تطوّعًا، وهذا صحيح، وأما القيام بالمجهود، ففرض ودَين، وليس صدقة تطوّع. وأما رواية مقسم فساقطة؛ لضفها ، وليس فيها لو صحّت خلاف لقولنا. ويقولون: من عطش، فخاف على الموت، ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده، وأن يقاتل عليه. قال: فأيّ فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش، وبين ما منعوه منه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعري؟ وهذا خلاف للإجماع، وللقرآن، وللسنن، وللقياس. قال: ولا يحلّ لمسلم اضطرّ أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير، وهو يجد طعامًا فيه فضلٌ عن صاحبه، لمسلم، أو ذمّيّ؛ لأن فرضًا على صاحب الطعام إطعام الجائع، فإذا كان ذلك كذلك، فليس بمضطرّ إلى الميتة، ولا إلى لحم الخنزير. وله أن يقاتل عن ذلك. انتهى المقصود من كلام ابن حزم بتصرّف، وهو كلام حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. وكتب العلاّمة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى- تحت كلام ابن حزم هذا: ما نصّه: مِن هذا، ومن أمثاله في الشريعة الإسلامية يرى المنصف أن التشريع الإسلاميّ في الذروة العليا من الحكمة والعدل، وليت إخواننا الذين غرّتهم القوانين الوضعيّة، وأُشرِبتها نفوسُهم يطّلعون على هذه الدقائق، ويتفقّهونها؛ ليروا أن دينهم جاءهم بأعلى أنواع التشريع في الأرض، تشريع يُشبع القلب والروح، ويطبّق في كلّ مكان، وكلّ زمان، و﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. ولو فقه المسلمون أحكام دينهم، ورجعوا إلى استنباطها من المنبع الصافي، والمورد العذب -الكتاب والسنّة- وعملوا بما يأمرهم به ربّهم في خاصّة أنفسهم، وفي أمورهم العامّة، وفي أحوال اجتماعهم، لو علموا هذا، لكانوا سادة الأمم. وهل قامت الثورات المخرّبة الهادمة، والفتن المهلكة، إلا من ظلم الغنيّ للفقير، ومن استئثاره بخير الدنيا، وبجواره أخوه يموت جوعًا وعريًا، والْمُثُلُ كثيرة. ولو فقه الأغنياء لعلموا أن أول ما يَحفَظ عليهم أموالهم إسداءُ المعروف للفقراء، بل القيام نحوهم بما أوجبه اللَّه على الأغنياء، فليفقهوا، وليعلموا، ويعملوا، فقد جاءتهم النذُر، هدانا اللَّه جميعًا انتهى كلام العلامة أحمد محمد شاكر -رحمه اللَّه تعالى-، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، ينبغي الاهتمام بفهمه، والعناية بالعمل به، وتطبيق الأمة الإِسلاميّة له على أنفسها، وأموالها، حتى تكون لها العاقبة المحمودة، فمن تفقّه في دينه، وعمل بمقتضى علمه في أمر دينه ودنياه، فإنه من المتّقين، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٢٣ - (كِتَابُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث المتعلقة ببيان مناسك الحجّ. وفيه مسائل: (المسألة الأولى): ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا بـ «كتاب مناسك الحجّ»، ومثله الطحاويّ في «شرح معاني الآثار»، وترجم في «الكبرى» بـ «كتاب الحجّ»، كالإمام البخاريّ في «صحيحه»، وترجم الترمذيّ بـ «أبواب الحجّ»، وأبو داود، وابن ماجه بـ «كتاب المناسك». ولكلّ وجهة هو مولّيها. ثم إنّ المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- قدّم ذكر «كتاب الصلاة»، ثم أتبعه بذكر «كتاب الصوم»، ثم بذكر «كتاب الزكاة»، ثم بذكر «كتاب مناسك الحجّ»، وذلك لأنه وقع تقديم الصوم على الزكاة في حديث طلحة بن عبيد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنه -، الذي تقدّم له في أول «كتاب الصوم». وأيضًا للمناسبة من حيث المعنى، وذلك لأن الصلاة لَمّا كانت عبادة بدنية محضة ناسب تقديمها، ولَمّا كان الصوم مثلها، ناسب ذكره بعدها، ولَمّا كانت الزكاة عبادة ماليّة محضة، ناسب تأخيرها عنهما، ولَمّا كان الحجّ مركّبًا منهما ناسب أن يكون خاتمة الجميع، هذا بالنسبة لصنيعه في «المجتبى». وأما صنيعه في «الكبرى»، فقد خالف هذا الترتيب، فذكر الزكاة بعد الصلاة، ثم أتبعها الصوم، ثم المناسك، لكنه أدخل بين الصوم والمناسك «كتاب المحاربين». والمناسبة فيه واضحة، من حيث إن الزكاة قرينة الصلاة، في كتاب اللَّه تعالى، حيث يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وكذلك ترتيبها في حديث «بُني الإسلام على خمس …»، وغيره من الأحاديث، ولما اختلفت الروايات في تقديم الصوم على الحجّ، وتأخيره عنه، اختلف صنيع المصنّفين، فمنهم من قدّم الصوم، كالمصنّف هنا، ومنهم من آخره كالإمام البخاريّ. ولكلّ وجهة كما أسلفناه. لكن لا يظهر وجه إدخال المصنّف «كتاب المحاربين» بين الصوم والمناسك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): «الكتاب» يجوز أن يكون بمعنى المكتوب، كالحساب بمعنى المحسوب، وهو في الأصل مصدر كَتَبَ يكتُب كَتْبًا، وكِتابة، وكِتابًا، وهو يَجمَع الأبواب؛ إذ هو من الكَتْب، وهو الجمع، والباب هو النوع، وأصله المدخل، ثم استعمل في المعاني مجازًا. أفاده العينيّ . وهو خبر مبتدإ محذوف، أي هذا كتاب مناسك الحجّ، ويجوز العكس. ويجوز نصبه على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي خذ كتاب مناسك الحجّ. وإضافة «الكتاب» إلى «مناسك» بمنى اللام، وأما إضافة «مناسك للـ»حج«، فمن باب إضافة الأعم إلى الأخصّ؛ لأن المناسك هي العبادات، والطاعات، فتكون الإضافة كشجر أراك، وعلم الحديث، وعلم الفقه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة):«المناسك» جمع مَنسك -بفتح السين، وكسرها-: وهي العبادة، أو مكانها، أو زمانها، فهو صالح للزمان، والمكان، والحدث، وجميعها مراد هنا، إذ الكتاب مسوق لبيان أعمال الحجّ، وأزمنته، وأمكنته، ثمّ سميّت أمور الحجّ كلّها مناسك. قال الفيّوميّ: نَسَكَ للَّه يَنسُك نَسْكًا، من باب قتل: تطوّع بقربة، والنسك -بضمّتين-: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، والمنسك -بفتح السين، وكسرها: يكون زمانًا، ومصدرًا، ويكون اسم المكان الذي تُذبح فيه النَسِيكة، وهي الذبيحة، وزنًا ومعنًى، وفي التنزل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ -بالفتح، والكسر في السبعة. ومناسك الحجّ: عباداته. وقيل: مواضع العبادات، ومن فَعَل كذا عليه نُسُكٌ: أي دمٌ يُريقه، ونَسَكَ: تزهّد، وتعبّد، فهو ناسك، والجمع نُسّاك، مثلُ عابد وعُبّاد انتهى . وقال العينيّ: والمنسك المذبح، وقد نَسَك ينسُك نسكًا: إذا ذبح، والنسيكة: الذبيحة، وجمعها نُسُك، والنُّسُكُ أيضًا: الطاعة، والعبادة، وكلّ ما يُتقرّب به إلى اللَّه -﷿-. والنسك: ما أَمَرت به الشريعة، والورع، وما نهت عنه. والناسك: العابد، وسئل ثعلبٌ عن الناسك ما هو؟، فقال: هو مأخوذ من النَّسِيكة، وهي سبيكة الفضّة، المصفاة، كأنّ الناسك صفّى نفسه للَّه تعالى. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ضبط «الحجّ»، ومعناه لغةً، وشرعًا: أما ضبطه، فإنه يقال: بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، قُرىء بهما في السبع، وأكثر السبعة على الفتح، وكذا الحجّة فيها لغتان، وأكثر المسموع الكسر، وهو القياس قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- انتهى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: «الحجّ» -بفتح الحاء المهملة، وكسرها- لغتان، نقل الطبريّ أن الكسر لغة أهل نجد، والفتح لغيرهم. ونقل عن حسين الْجُعْفيّ أن الفتح الاسمُ، والكسر المصدر، وعن غيره عكسه. قاله في «الفتح» . وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال الزّجّاج: يُقرأ بفتح الحاء، وكسرها -أي في القرآن- والأصل الفتح. وقُرىء بهما في السبعة، وأكثرهم على الفتح. وفي أمالي الهجريّ: أكثر العرب يكسرون الحاء فقط. وقال ابن السّكّيت: بفتح الحاء القصد، وبالكسر القوم الْحُجّاج. والحجّة بالفتح الفَعْلة من الحجّ، وبكسر الحاء: التلبية والإجابة. وقال في «اللسان»: والحجّ بالكسر الاسم، والحجّة المرّة الواحدة، وهو من الشواذّ؛ لأن القياس بالفتح. والحاجّ: الذي يحجّ، وربما يُظهرون التضعيف في ضرورة الشعر، قال الراجز: بكُلَّ شَيْخٍ عَامِرِ أَوْ حَاجِجِ وُيجمع على حُجُج، بالضمّ، نحو بازل وبُزُل، وعائذ وعُوذ . وأما معناه لغةً: فهو القصد، وعن الخليل، قال: الحجّ كثرة القصد إلى من تُعظّمه . وقال الفيّوميّ: حَجّ حجًّا، من باب قتل: قصد، فهو حاجّ، هذا أصله، ثمّ قُصِرَ استعمالُهُ في الشرع على قصد الكعبة للحجّ، أو العمرة، ومنه يقال: ما حجَّ، ولكن دَجَّ، فالحجّ: القصد للنسك، والدَّجُّ: القصد للتجارة، والاسم الحجّ بالكسر، والحجّة: المرّة بالكسر على غير قياس، والجمع حِجَج، مثلُ سِدْرَة وسِدَر. قال ثعلب: قياسه الفتح، ولم يُسمع من العرب، وبها سمّي الشهر ذو الحجّة بالكسر، وبعضهم يفتح في الشهر، وجمعه ذوات الحجة، وجمع الحاجّ حُجّاجٌ، وحَجِيج. انتهى كلام الفيّوميّ . وقال الأزهريّ: وأصل الحجّ من قولك حَجَجت فلانًا أحُجّه حجّا: إذا عُدت إليه مرّة بعد أخرى، فقيل: حجّ البيت؛ لأن الناس يأتونه كلّ سنة. وفي «العباب»: رجلٌ محجوجٌ: أي مقصود، وقد حجّ بنو فلان فلانًا: إذا أطالوا الاختلاف إليه. ومنه قول المْخُبَّل السَّعديّ [من الطويل]: وَأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً … يَحُجُّونَ سِبَّ الزَّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا يقول: يأتونه مرّة بعد أخرى؛ لسؤدده، والْحُلُول بضمّ الحاء المهملة، يقال: قوم حُلُول: أي نُزُولٌ، وكذلك حلالٌ بالكسر. والسِّبُّ بكسر السين المهملة، وتشديد الباء الموحّدة: العمامة. والزِّبْرِقَان -بكسر الزاي، وسكون الباء الموحّدة، وكسر الراء، وبالقاف المخفّفة، وفي آخره نون- وهو في الأصل اسم القمر، وهو لقبُ، واسمه الحصين. قال ابن السّكّيت: لُقّب الزبرقان؛ لصفرة عمامته . وأما معناه شرعًا: فالحجّ قصدٌ إلى زيارة البيت الحرام على وجه التعظيم بأفعال مخصوصة. وسببه البيت؛ لأنه يضاف إليه، ولهذا لا يجب في العُمْرِ إلا مرّة واحدة؛ لعدم تكرار السبب. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحجّ: قال العلاّمة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «المفهم»: واختُلف في زمان فرض الحجّ، فقيل: سنة خمس من الهجرة. وقيل: سنة تسع، وهو الصحيح؛ لأن فتح مكّة كان في التاسع عشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحجّ بالناس في تلك السنة عَتّاب بن أَسيد - رضي اللَّه تعالى عنه -، ووقف بالمسلمين، ووقف المشركون على ما كانوا عليه في الجاهليّة، فلما كانت سنة تسع فُرض الحجّ، ثم إن النبيّ - ﷺ - أَمَرَ أبا بكر، فحجّ بالناس تلك السنة، ثم أتبعه عليّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - بسورة براءة، فقرأها على الناس في الموسم، ونبذ للناس عهدهم، ونادى في الناس أن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان. ووافقت حجة أبي بكر في تلك السنة أن كانت في شهر ذي القعدة، على ما كانوا يديرون الحجّ في كلّ شهر من شهور السنة، فلما كانت سنة عشر حج رسول اللَّه - ﷺ - حجته المسمّاة بحجة الوداع، على ما يأتي بيانها في حديث جابر وغيره، ووافق النبيّ تلك السنة أن وقع الحجّ في ذي الحجة في زمانه، ووقته الأصليّ، الذي فرضه اللَّه فيه، ولذلك قال - ﷺ -: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض …» الحديث . انتهى كلام القرطبيّ . وقال في «الفتح»: واختُلف في وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذّ. وقيل: بعدها، ثم اختلف في سَنَته، فالجمهور على أنها سنة ستّ؛ لأنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وهذا ينبني على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض، ويؤيّده قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ بلفظ: «وأقيموا». أخرجه الطبريّ بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدّم فرضه قبل ذلك. وقد وقع في قصّة ضمام بن ثعلبة ذكر الأمر بالحجّ، وكان قدومه على ما ذكر الواقديّ سنة خمس، وهذا يدلّ -إن ثبت- على تقدّمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في كون الحجّ على الفور، أم على التراخي؟: قال الإمام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح المهذّب»: ما حاصله: ذهب إلى أن الحجّ على التراخي الشافعيُّ، والأوزاعيّ، والثوريّ، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوَرْدِيُّ عن ابن عبّاس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس، - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وذهب إلى أنه على الفور مالك، وأبو يوسف، والمزنيّ، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نصّ لأبي حنيفة في ذلك. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا أمر، والأمر يقتضي الفور، وبحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «من أراد الحجّ فليعجل»، وبالحديث الآخر: «من لم يمنعه من الحجّ حاجة، أو مرضٌ حابسٌ، أو سلطان جائرٌ، فليمت إن شاء يهوديًّا، أو نصرانيًّا». ولأنها عبادة تجب الكفّارة بإفسادها، فوجبت على الفور كالصوم، ولأنها عبادة تتعلّق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد، ولأنه إذا لزمه الحجّ، وأخّره، إما أن تقولوا: يموت عاصيًا، وإما غير عاص، فإن قلتم: ليس بعاص خرج الحجّ عن كونه واجبًا، وإن قلتم: عاصٍ، فإن ما أن تقولوا: عصى بالموت، أو بالتأخير، ولا يجوز أن يعصي بالموت؛ إذ لا صنع له فيه، فثبت أنه بالتأخير، فدلّ على وجوبه على الفور. واحتجّ الأولون القائلون بالتراخي بأن فريضة الحجّ نزلت بعد الهجرة، وفتح رسول اللَّه - ﷺ - مكّة في رمضان سنة ثمان، وانصرف عنها في شوّال من سنته، واستخلف عتّاب بن أَسِيد، فأقام للناس الحجّ سنة ثمان، بأمر رسول اللَّه - ﷺ -، وكان رسول اللَّه - ﷺ - مقيمًا بالمدينة هو، وأزواجه، وعامّة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع، وانصرف عنها قبل الحجّ، فبعث أبا بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فأقام للناس الحجّ سنة تسع، ورسول اللَّه - ﷺ -، وأزواجه، وعامّة أصحابه قادرون على الحجّ، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ثمّ حجّ النبيّ - ﷺ - بأزواجه، وأصحابه كلّهم سنة عشر، فدلّ على جواز تأخيره. هذا دليل الشافعيّ، وجمهور أصحابه. قال البيهقيّ: وهذا الذي ذكره الشافعيّ مأخوذ من الأخبار، قال: فأما نزول فرض الحجّ بعد الهجرة، فكما قال. واستدلّ أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: وقف عليّ رسول اللَّه - ﷺ - بالحُدَيبية، ورأسي يَتَهافَت قملًا، فقال: «يؤذيك هوامّك؟»، قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال أبو داود: فقال: «قد آذاك هوامّ رأسك؟»، قال: نعم، قال: «فاحلق رأسك»، قال: ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. رواه الشيخان. فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية نزلت سنة ستّ من الهجرة، وهذه الآية دالّة على وجوب الحجّ. وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ستّ من الهجرة في ذي القعدة، وثبت بالأحاديث «الصحيحة» واتفاق العلماء أن النبيّ - ﷺ - وغزا حُنينًا بعد فتح مكّة، وقسم غنائمها، واعتمر من سنته في ذي القعدة، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة، ولم يبق بينه وبين الحجّ إلا أيامٌ يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكّة حتى يحجّ مع أنه هو، وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة، ولا عذر لهم، ولا قتال، ولا شغل آخر، وإنما آخّره - ﷺ - عن سنة ثمان بيانًا لجواز التأخير، وليتكامل الإسلام، والمسلمون، فيحجّ بهم حجّةً الوداع، ويحضرها الخلق، فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال في حجة الوداع: «ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، ولتأخذوا عني مناسككم»، ونزل فيها قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. قال أبو زرعة الرازيّ، فيما رويناه عنه: حضر مع رسول اللَّه - ﷺ - حجة الوداع بمائة ألف، وأربعة عشر ألفًا، كلّهم قد رآه، وسمع منه. فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحدٌ من حديث رسول اللَّه - ﷺ - كحفظه، ولا ما يقاربه. [فإن قيل]: إنما آخره إلى سنة عشر؛ لتعذّر الاستطاعة؛ لعدم الزاد والراحلة، أو الخوف على المدينة، والاشتغال بالجهاد. [فجوابه]: ما سبق قريبًا. واحتجّ أصحابنا أيضًا بحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: نُهينا أن نسأل رسول اللَّه - ﷺ - عن شيء، فكان يُعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله، ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم، أن اللَّه أرسلك، قال: «صدق»، قال: فمن خلق السماء؟، قال: «اللَّه»، قال: فمن خلق الأرض؟، قال: «اللَّه»، قال: فمن نصب هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟، قال: «اللَّه»، قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آللَّه أرسلك؟، قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا خمس صلوات، في يومنا وليلتنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا زكاة في أموالنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا صوم شهر رمضان، في سنتنا، قال: «صدق»، قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟، قال: «نعم»، قال: وزعم رسولك، أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا، قال: «صدق»، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعثك بالحق، لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبيّ - ﷺ -: «لئن صدق ليدخلن الجنّة». رواه مسلم بهذا اللفظ، وروى البخاريّ أصله. وفي راوية للبخاريّ أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة، وقدوم ضمام على النبيّ - ﷺ - كان سنة خمس من الهجرة. قاله محمد بن حبيب، وآخرون، وقال غيرهم: سنة سبع. وقال أبو عبيد: سنة تسع. وقد صرّح في الحديث بوجوب الحجّ. وأما الجواب عن احتجاج الحنفيّة بالآية الكريمة، وأن الأمر يقتضي الوجوب، فجوابه نعم يقتضي الفور، لكن إذا لم تقم قرينة تصرفه إلى التراخي، وقد قامت هنا، وهي ما قدمناه من فعل رسول اللَّه - ﷺ -، وأكثر أصحابه. وأما الحديث: «من أراد الحجّ فليعجل»، فإنه ضعيف، وأيضًا أنه حجة لنا لأنه فوّض فعله إلى إرادته، واختياره، ولو كان على الفور لم يفوضه إلى اختياره. وأما حديث: «فليمت إن شاء يهوديا» فجوابه أنه ضعيف، وأيضًا الذمّ لمن أخّره إلى الموت، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يُفعل قبل الموت. أو أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافرٌ، ويؤيّد هذا قوله: «فليمت، إن شاء يهوديا، أو نصرنيًّا». وظاهره أنه يموت كافرًا، ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكّن من الحجّ، فلم يحجّ، ومات، لا يحكم بكفره، بل عاص، فوجب تأويل الحديث لو صحّ. والجواب عن قياسهم على الصوم أنه مُضيَّق، فكان فعله مُضَيَّقًا بخلاف الحجّ. والجواب عن قياسهم على الجهاد أنه لا نسلّم وجوب الجهاد على الفور، بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي. وأيضًا في تأخير الجهاد ضَرَرًا على المسلمين، بخلاف الحجّ. والجواب عن قولهم: إذا أخّره، ومات هل يموت عاصيًا؟، الصحيح عندنا موته عاصيًا، وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة، كما إذا ضرب ولده، أو زوجته، أو ضرب المعلّم الصبيّ، أو عزّر السلطان إنسانًا، فمات، فإنه يجب الضمان؛ لأنه مشروط بسلامة العاقبة. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ باختصار، وتصرّف . وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: ومن الدليل على أن الحجّ على التراخي إجماع العلماء على ترك تفسيق القادر على الحجّ إذا أخّره العامَ والعامين، ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض، أو سفر، فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه، فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحجّ موسّع فيه، وأنه على التراخي، لا على الفور انتهى كلام ابن عبد البرّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال: إن وجوب الحجّ على التراخي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في فوائد الحجّ: لقد قد اعتنى العلماء بذكر فوائد الحجّ، ومنهم الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ -﵀- تعالى، فقد أفاد، وأجاد في كتابه «حجة البالغة» جـ ٢ ص ٤٢ فلنقتصر على ما ذكره، قال -رحمه اللَّه تعالى-: المصالح المرعيّة في الحجّ أمور: (منها): تعظيم بيت اللَّه تعالى، فإنه من شعائر اللَّه، وتعظيمه تعظيم للَّه تعالى. (ومنها): تحقيق معنى العرضة، فإن لكلّ دولة، أو ملّة اجتماعًا، يتوارده الأقاصي والأداني، ليعرف بعضهم بعضًا، ويستفيدوا أحكام الملّة، ويعظّموا شعائرها، والحجّ عرضة المسلمين، وظهور شوكتهم، واجتماع جنودهم، وتنويه ملّتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية [البقرة: ١٢٥]. (ومنها): موافقة ما توارث الناس عن سيّدنا إبراهيم، وإسماعيل، - ﵉ -، فإنهما إماما الملّة الحنيفية، ومُشَرّعاها للعرب، والنبيّ - ﷺ - بُعث لتظهر به الملّة الحنيفيّة، وتعلو به كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية [الحجّ: ٧٨].، فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها، كخصال الفطرة، ومناسك الحجّ، وهو قوله - ﷺ -: «قِفُوا على مشاعركم، فإنكم على إرث، من إرث أبيكم إبراهيم» . (ومنها): الاصطلاح على حال يتحقّق بها الرفق لعامّتهم، وخاصّتهم، كنزول منى، والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يُصطَلَح على مثل هذا لشقّ عليهم، ولو لم يسجّل عليه، لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم، وانتشارهم. (ومنها): الأعمال التي تُعلِنُ بأن صاحبها موحّد، تابعٌ للحقّ، متديّنٌ بالملّة الحنيفيّة، شاكرٌ للَّه تعالى على ما أنعم على أوائل هذه الملّة، كالسعي بين الصفا والمروة. (ومنها): أن أهل الجاهليّة كانوا يحجّون، وكان الحجّ أصل دينهم، ولكنّهم خلطوا أعمالًا ما هي مأثورة عن إبراهيم - ﵇ -، وإنما هي اختلاقٌ منهم، وفيها إشراك لغير اللَّه باللَّه تعالى، كتعظيم إساف، ونائلة، وكالإهلال لمناة الطاغية، وكقولهم في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه، وما ملك، ومن حقّ هذه الأعمال أن يُنهى عنها، ويؤكّد ذلك، وأعمالًا انتحلوها، فخرًا، وعجبًا، كقول الحُمْس: نحن قُطّان بيت اللَّه، فلا نخرج من حرم اللَّه، فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩]. (ومنها): أنهم ابتدعوا قياسات فاسدة، هي من باب التعمّق في الدين، وفيها حرجٌ للناس، ومن حقّها أن تُنسخ، وتُهجَر، كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسوّرون من ظهورها، ظنًّا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية [البقرة: ١٨٩]، وككراهيتهم التجارة في موسم الحجّ، ظنًّا منهم أنها تُخِلّ بإخلاص العمل للَّه تعالى، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]، وكاستحبابهم أن يحجّوا بلا زاد، ويقولون: نحن المتوكّلون، وكانوا يضيّقون على الناس، ويعتدون، فنزل قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ الآية [البقرة: ١٩٧] انتهى كلام وليّ اللَّه ببعض تصرّف . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». …
مصادر المؤلف (٢٧)

١. - «المصباح المنير» في مادة فرس.

٢. - راجع«المنهل العذب المورود»ج ٩ ص ٢١٠.

٣. - راجع«سنن الدارقطنيّ»و«التعليق المغني»ج ٢ ص ١٣٢ - ١٣٤.

٤. - حديث جرير أخرجه مسلم من هذه الطرق ج ٢ ص ٢١٣ - ٢١٤. ورواه البخاريّ مختصرًا من طريق زيد بن وهب ج ٨ ص ١٧.

٥. - رواه البخاريّ ج ٨ ص ١٢.

٦. - رواه البخاريّ.

٧. - متفق عليه.

٨. - راوه البخاريّ ج ٧ ص ١٢٠ و٢١٠.

٩. - المفظع: الدين الشنيع.

١٠. - المدقع: الفقر الشديد الملصق بالدقعاء، وهو التراب.

١١. - في «المحلّى»: لضعفه. فجعل الضعف لمقسم، لا لروايته، والحقّ أن مقسمًا، وإن ضعّفه بعضهم، كابن حزم، فالأكثرون على توثيقه، وإنما الضعف هنا لروايته، فقط، حيث إن الحكم لم يسمع من مقسم إلا أربعة أحاديث، أو خمسة، وليس هذا منها، انظر في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحكم بن عتيبة، وترجمة مقسم. فتكون الرواية فيها انقطاع، ولذا قلت: لضعفها، ليكون الضمير للرواية، لا لمقسم، فتنبّه.

١٢. -«عمدة القاري»ج١ ص ١١٥.

١٣. - «المصباح المنير» في مادة نسك.

١٤. - «عمدة القاري» ج ٧ ص ٣٨٦.

١٥. - «المجموع» ج ٧ ص ٧.

١٦. - «فتح» ج ٤ ص ١٥٢.

١٧. - «عمدة القاري» ج ٧ ص ٣٨٦. بزيادة من «اللسان».

١٨. - «المغني» لابن قدامة ج ٥ ص ٥.

١٩. - «المصباح» في مادة حج.

٢٠. - «عمدة القاري» ج ١ ص ٢١٤ وج ٧/ ٣٨٦.

٢١. - الحديث متّفق عليه.

٢٢. - «المفهم» ج ٣ ص ٢٥٥ - ٢٥٦.

٢٣. - «فتح» ج ٤ ص ١٥٢ - ١٥٣.

٢٤. - راجع «المجموع شرح المهذّب» ج ٧ ص ٨٦ - ٩٢.

٢٥. - راجع «تفسير القرطبي» ج ٤ ص ١٤٤.

٢٦. - حديث صحيح، سيأتي للمصنّف إن شاء اللَّه تعالى برقم ٣٠١٤.

٢٧. - راجع «المرعاة» ج ٨ ص ٢٩٣ - ٢٩٤.