HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦٢٢

أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّفَّارِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ - وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ - ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص238
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ١١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٩٨
بها الإتمام بعد الشروع يردّه قراءة علقمة، ومسروق، وإبراهيم النخعيّ -كما أخرجه الطبريّ عنهم بأسانيد صحيحة- بلفظ: «وأقيموا»، فإن هذه القراءة صحيحة الأسانيد، وإن كانت آحادًا، فتبيّنُ المراد من القراءة المشهورة. وقد ردّ ابن حزم على من قال: إن الآية لا تدلّ على كونها فرضًا، وإنما تدلّ على وجوب إتمامها على من دخل فيها، وكذا على بقية حججهم بأبلغ ردّ لا تجده في غير كتابه، راجع «المحلّى» ٧/ ٣٦ - ٤٢. ومن أقوى الأدلّة أيضًا على وجوبها ما أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسناد صحيح، من حديث عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - في قصّة سؤال جبريل للنبيّ - ﷺ - المشهور، وفيه: فقال: يا محمد ما الإسلام؟ قال: «أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحجّ البيت، وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتمّ الوضوء، وتصوم رمضان …» الحديث. قال البيهقيّ: رواه مسلم في «الصحيح» عن حجاج بن الشاعر، عن يونس، إلا أنه لم يسق متنه . وأخرجه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبَّان، والدارقطنيّ. والحاصل أن الحقّ وجوب العمرة كالحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أُنيب». … ٣ - (فَضْلُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ) وفي نسخة: «فضل الحجة المبرورة». ٢٦٢٢ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ -وَهُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ- عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ، لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ، إِلاَّ الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبدة بن عبد اللَّه الصفّار) أبو سهل البصريّ، كوفيّ الأصل، ثقة [١١] ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (سُويد بن عمرو الكلبيّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، من كبار [١٠] ٦٧/ ١٨٠٩. ٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو معاوية الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢. ٤ - (سهيل) بن أبي صالح السمّان المدنيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٦] ٣٢/ ٨٢٠. ٥ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، المدنيّ، ثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠. ٦ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزّيات المدنيّ، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات «المصنف -﵀-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمدنيين من سهيل والباقون كوفيون، وأن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سُمَيٍّ) قال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: تفرّد سميّ بهذا الحديث، واحتاج إليه الناس فيه، فرواه عنه مالك، والسفيانان، وغيرهما، حتى إن سهيل بن أبي صالح حدّث به عن سُميّ، عن أبي صالح، فكأن سهيلًا لم يسمعه من أبيه، وتحقّق بذلك تفرّد سميّ به، فهو من غرائب الصحيح. انتهى. (عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «الْحَجَّةُ الْمَبْرُورَةُ) قال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: هو الذي لا يخالطه شيء من المآثم. وقيل: هو المقبول الْمُقَابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرّ حجّه -بالبناء للفاعل- وبُرَّ حجّه -بالبناء للمفعول- وبرّ اللَّهُ حجّه وأبرّه بِرًّا بالكسر، وإبرارًا انتهى . وقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-:»الحجّ المبرور«: هو المتقبّل. وقيل: الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رفث، ولا فسوق، وكانت النفقة فيه من المال الطيّب. وعن ابن عمر، قال: الحجّ المبرور إطعام الطعام، وحسن الصحبة. وروى ضمرة بن ربيعة، عن ثور بن يزيد، قال: من أم هذا البيت، ولم يكن فيه ثلاث خصال، لم يَسلَم له حجه، من لم يكن له حلم يضبط به جهله، ووَرَعٌ عما حرّم اللَّه عليه، وحسن الصحبة لمن صحبه. ثم أخرج بسنده عن جابر - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: سئل رسول اللَّه - ﷺ -: ما برّ الحجّ؟، قال:»إطعام الطعام، وطيب الكلام« . قال: وذكر ابن شاهين بسنده، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد ما الحجّ المبرور؟، قال: أن يدفع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار . وقال النوويّ: الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة. وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما انتهى . وقال الحافظ في «الفتح»: قال ابن خالويه: المبرور المقبول. وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم. ورجّحه النوويّ. وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وُفِّيَت أحكامه، ووقع موقعًا لما طُلب من المكلف على الوجه الأكمل. وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن رجع خيرًا مما كان عُرف أنه مبرور. ولأحمد، والحاكم من حديث جابر: قالوا: يا رسول اللَّه ما برّ الحجّ؟ قال: «إطعام الطعام، وإفشاء السلام». وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعيّن، دون غيره انتهى كلام الحافظ بتصرّف يسير . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحديث المذكور قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الذهبيّ: صحيح. وحسّن سنده المنذريّ في «الترغيب» والهيثميّ في «مجمع الزوائد». لكن الحقّ تضعيفه كما قال الحافظ؛ لأن في سند أحمد محمد بن ثابت مجمع على ضعفه ، وفي سند الحاكم أيوب بن سويد، ضعّفه الجمهور، بل قال ابن معين: يسرق الأحاديث . واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن العربيّ: الحجّ المبرور هو الذي لا معصية بعده. قال الأبيّ: وهو الظاهر؛ لقوله في الحديث الآخر: «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق …» الحديث، إذ المعنى: ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسّر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا ذنب كناية عن دخول الجنّة مع السابقين انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن العربي، واستظهره الأبيّ هو الأرجح عندي، لكن بإبدال قوله: «بعده» بلفظ «فيه»، يعني أن الحجّ المبرور هو الذي ليس فيه رفثٌ، ولا فسوقٌ، بمعنى أنه لا معصية في حال إيقاعه، بل اجتنب فيه المحظورات الشرعية حال أدائه. والحاصل أن معنى الحديثين واحدٌ، فيكون حديث «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» تفسيرًا لمعنى قوله: «الحجّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة»، فإنه إذا رجع كيوم ولدته أمّه، أي ليس عليه شيء من الذنوب كان من أهل الجنّة السابقين إليها. واللَّه تعالى أعلم. (لَيْسَ لَهَا جَزَاءٌ) أي ثوابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ) بالرفع، أو النصب، وهو نحو «ليس الطيب إلا المسك» بالرفع، فإن بني تميم يرفعونه حملًا لها على «ما» في الإهمال عند انتقاض النفي، كما حمل أهلُ الحجاز «ما» على «ليس» في الإعمال عند استيفاء شروطها، كذا قاله ابن هشام الأنصاريّ في «مغني اللبيب» . قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: «ليس له جزاء إلا الجنّة» معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة انتهى . وقال السنديّ: «ليس له جزاء إلا الجنّة»: أي دخولُها أوّلًا، وإلا فمطلق الدخول يكفي فيه الإيمان، وعلى هذا فهذا الحديث من أدلّة أن الحجّ تغفر به الكبائر أيضًا؛ لحديث: «رجع كيوم ولدته أمه»، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما تقدّم من الذنوب، وما تأخّر. واللَّه تعالى أعلم انتهى . (وَالْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) أي منتهية إلى العمرة. قال القاري: أي العمرة المنضمّة إلى العمرة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة. وقال المناويّ: أي العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، فـ «إلى» للانتهاء على أصلها. وقال الباجيّ، وتبعه ابن التين: إن «إلى» يحتمل أن تكون بمعنى «مع»، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [الصفّ: ١٤]، فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفّرة لما بينهما، فإذا كانت للغاية كان المكفّر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى «مع» كان المكفّر العمرتين. ويدلّ للثاني حديث: «العمرتان تكفّران ما بينهما». أخرجه البيهقيّ في «شعب الإيمان» من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى - عنه. قال المناويّ: فيه من لم أعرفهم، ولم أرهم في كتب الرجال. وقال السنديّ: قيل: يحتمل أن تكون «إلى» بمعنى «مع»، أي العمرة مع العمرة. أو بمعناها متعلّقة بـ «كفّارة»، أي تكفّر إلى العمرة، ولازمه أنها تكفّر الذنوب المتأخّرة. انتهى. (كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفّرة للخطايا الواقعة بين العمرتين. قال الحافظ ابن العبد البرّ: «كفّارة لما بينهما» من الذنوب الصغائر، دون الكبائر، قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه. قال الزرقاني: وكأنه يعني الباجيّ، فإنه قال: «ما» من ألفاظ العموم، فتقتضي من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصّه الدليل. واستشكل بعضهم كون العمرة كفّارة مع أن اجتناب الكبائر يكفّر، فماذا تكفّره العمرة. وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عمر العبد، فتغايرا من هذه الحيثيّة. ذكره الزرقانيّ . وقال العينيّ: ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفّرة؛ لأنها التي وقع الخبر عنها أنها تكفّر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي تكفّر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر انتهى . وقال الأبيّ: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحثّ على تكرير العمرة والإكثار منها؛ لأنه إذا حُمل على غير ذلك يُشكل بما إذا اعتمر مرّة واحدة، فإنه يلزم عليه أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها، وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية؛ إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيّئات، بل يكون فيها، وفي ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا كتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورفعت له كذا كذا درجة، فتكون فائدتها إذا لم تكرّر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات. وقال شيخنا أبو عبد اللَّه -يعني ابن عرفة-: إذا لم تكرّر كفّر بعض ما وقع بعدها، لا كلّه -واللَّه أعلم- بقدر ذلك البعض . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ٢٦٢٢ و٢٦٢٣ و٥/ ٢٦٢٩ - وفي «الكبرى» ٣/ ٣٦٠١ و٣٦٠٢ و٥/ ٣٦٠٨. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٧٧٣ (م) في «الحجّ» ١٣٤٩ (ت) في «الحج» ٩٣٣ (ق) في «المناسك» ٢٨٨٨ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٣٠٧ و٩٦٢٥ و٩٦٣٢ و(الموطأ) في «الحجّ» ٧٧٦ (الدارمي) في «المناسك» ١٧٩٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الحجّ المبرور (ومنها): بيان فضل المتابعة بين العمرتين (ومنها): مشروعية الاستكثار من الاعتمار؛ خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرّة، كالمالكيّة، ولمن قال: مرّة في الشهر، من غيرهم، وسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن قضية جعل العمرة مكفّرة، والحجّ جزاءه الجنّة أن الحجّ أكمل (ومنها): ما قاله الإمام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث دليل على التفريق بين الحجّ والعمرة في التكرار، إذ لو كانت العمرة كالحجّ لا يُفعَل في السنة إلا مرّة لسوّى بينهما، ولم يفرّق. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة تكرار العمرة: ذهب الجمهور إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مرارًا، وهو المذهب الصحيح؛ للأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في الاستكثار منها، كحديث الباب. وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة. وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة . قال الحافظ: واستدلّ لهم بأنه - ﷺ - لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب. وتُعُّقّب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء، وهو يستحبّ فعله لرفع المشقّة عن أمّته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد انتهى . وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- ورد على القائلين بكراهة التكرار في كتابه «المحلّى»، ودونك عبارته: [مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنحبّ الإكثار منها؛ لما ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا روينا من طريق مجاهد، قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة. وعن القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد. وعن سعيد بن جبير، والحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة أكثر من مرّة في السنة، وهو قول مالك. وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق، فاعتَمِر متى شئت. وعن عكرمة اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى. وعن عطاء إجازة العمرة مرَّتين في الشهر. وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في شوّال. وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه خرج فاعتمر. وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان -يعني داود الظاهريّ- وبه نأخذ؛ لأن رسول اللَّه - ﷺ - قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم يكره - ﵇ - ذلك، بل حضّ عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية فالإكثار منها أفضل، وباللَّه تعالى التوفيق. واحتجّ من كره ذلك بأن رسول اللَّه - ﷺ - لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة. قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُكره ما حَضَّ على تركه، وهو - ﵇ - لم يحجّ مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم أن تكرهوا الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العمر إلا ثلاث مرّات في الدهر، وهذا خلاف قولكم. وقد صحّ أنه كان - ﵇ - يترك العمل، وهو يحبّ أن يعمل به، مخافة أن يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم. والعجب أنهم يستحبون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم أكثر من ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول اللَّه - ﷺ - لم يصم قط شهرًا كاملا، ولا أكثر من نصف الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث الليل، فلم يروا فعله ﵇ ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا فعله - ﵇ - في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة مع حضّه على العمرة، والإكثار منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا عجبٌ جدًّا انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- . وهو بَحْثٌ نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسٌ بالحج، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من الحجّ، ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق، وسائر السنة، وبهذا قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام التشريق. وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق انتهى كلام النوويّ . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبّسًا بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق. ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتمر فلا بدّ أن يحلق، أو يقصّر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها. قال ابن قُدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن العمرة تكره فيها نظر، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ، ولا إجماع في استثناء بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٣)

١. - «السنن الكبرى» ج ٤ ص ٣٤٩ - ٣٥٠.

٢. - وفي نسخة: «أنا».

٣. -»النهاية«ج ١ ص ١١٧.

٤. - قال الحافظ الهيثميّ في «مجمع الزوائد» ج ٣ ص ٢٠٧: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، بإسناده حسن، وسيأتي تعقبه قريبًا.

٥. - راجع «الاستذكار» ج ١١ ص ٢٣٠ - ٢٣٥.

٦. - «شرح مسلم» ج ٩ ص ١٢٢.

٧. - «فتح» ج ٤ ص ١٥٧.

٨. - راجع ترجمته في «تهذيب التهذيب» ج ٣ ص ٥٢٤ - ٥٢٥.

٩. - انظر ترجمته في «تهذيب التهذيب» ج ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.

١٠. - شرح الأبيّ ج ٣ ص ٤٤٥.

١١. - راجع «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ج ١ ص ٢٩٤، وذكر فيه قصّة جرت بين أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفيّ.

١٢. - «شرح مسلم» ج ٩ ص ١٢٢.

١٣. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ١١٢.

١٤. - «شرح الزرقاني على الموطّأ» ج ٢ ص ٢٦٨.

١٥. - «عمدة القاري» ج ١٠ ص ١٠٨ - ١٠٩.

١٦. - شرح الأبيّ ج ٣ ص ٤٤٤.

١٧. - نقله في «المرعاة» ج ٩ ص ٣٠٦.

١٨. - راجع «شرح صحيح مسلم» للنوويّ ج ٩ ص ١٢٢.

١٩. - «فتح» ج ٤ ص ٤٣٣.

٢٠. -أي طال شعر رأسه، وتجمّع.

٢١. «المحلّى» جـ ٧ ص ٦٨ - ٦٩.

٢٢. - «شرح صحيح مسلم» ج ٩ ص ١٢٢.

٢٣. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٤٣٣.