على معاوية - ﵁ - في نهيه عن التمتع حيث خالف ما ثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه تمتّع.
ويحتمل أن يكون إنكارًا منه على معاوية - رضي اللَّه تعالى عنهما - في نهيه عن ذلك مع أنه أخبره أنه قصّر عنه - ﷺ -، وهذا محمول على أن ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حمل ذلك على حجة الوداع، ولكن الصواب ما تقدّم من أنه - ﷺ - يتحلّل في حجة الوداع إلا يوم النحر بمنى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث معاوية - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٥٠/ ٢٧٣٧ و١٨٣/ ٢٩٨٧ و٢٩٨٨ و١٨٤/ ٢٩٨٩ - وفي «الكبرى» ٥٠/ ٣٧١٧ و٣٩٨١/ ١٨١ و٣٩٨٢ و١٨٢/ ٣٩٨٣. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٧٣٠ (م) في «الحجّ» ١٢٤٦ (د) في «المناسك» ١٨٠٢ و١٨٠٣ (ت) في، «الحجّ» ٨٢٢ (أحمد) في «مسند الشاميين» ١٦٤٢٨ و١٦٤٤٢ و١٦٤٥٢. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة التمتّع (ومنها): مشروعيّة التقصير في العمرة. (ومنها): الإنكار على من خالف السنة، وإن كان كبير القوم؛ إذ الحقّ أكبر منه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٣٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسٍ -وَهُوَ ابْنُ مُسْلِمٍ- عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟»، قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟»، قُلْتُ: لَا،
قَالَ: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِلَّ»، فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ، فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَارَةِ عُمَرَ، وَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فِي شَأْنِ النُّسُكِ، قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنَّا أَفْتَيْنَاهُ بِشَيْءٍ، فَلْيَتَّئِدْ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَائْتَمُّوا بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ -﷿-، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا - ﷺ -، فَإِنَّ نَبِيَّنَا - ﷺ -، لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن المثنى) المذكور قريبًا.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي البصري الثقة الثبت [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي الحجة الثبت الإمام [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (قيس بن مسلم) الْجَدَليّ -بفتح الجيم- العدوانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة رمي
بالإرجاء [٦].
قال عليّ، عن يحيى: كان مرجئًا، وهو أثبت من أبي قيس. وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة في الحديث. وقال أحمد، عن سفيان: كانوا يقولون: ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا، تعظيمًا للَّه. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: كان مرجئًا. وقال النسائيّ: ثقة، وكان يرى الإرجاء. وعن أبي داود، عن شعبة أنه ذكره، فجعل يُثبّته. وقال العجليّ: كوفيّ ثقة. وقال يعقوب ابن سفيان: ثقة ثقة، وكان مرجئًا. وذكره ابن حبّان في «الثقات». قال أبو نعيم، والبخاريّ، ومطيّن: مات سنة (١٢٠) وكذا أرخه ابن سعد، وقال: كان ثقة ثبتًا، له حديث صالح. روى له الجماعة. أخرج له المصنّف في سبعة مواضع برقم ٢٧٣٨ و٢٧٤٢ و٣٠٠٢ و٤١٤٣ و٥٠٠٨ و٥٠٠٩ و٥٠١٢.
٥ - (طارق بن شهاب) بن عبد شمس البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، قال أبو داود: رأى النبيّ - ﷺ -، ولم يسمع منه، مات سنة (٢) أو (٨٣) تقدِم في ٢٠٤/ ٣٢٤.
٦ - (أبوموسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري الصحابي المشهور - ﵁ - تقدم في ٣/ ٣. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وأنه مسلسل بالكوفيين من سفيان، والباقيان بصريان، وأن فيه روايته صحابي عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي من اليمن، وفي رواية البخاريّ: «بعثني النبيّ - ﷺ - إلى قومي باليمن …». (وَهُوَ بالبَطْحَاءِ) وفي رواية شعبة، عن قيس الآتية -٥٢/ ٢٧٤٢ -: «والنبيّ - ﷺ - منيخ بالبطحاء»، مَن أناخ بعيره: إذا أبركه. أي وهو نازل بالبطحاء، وذلك في ابتداء قدومه إلى مكة.
(فَقَالَ) - ﷺ - (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) هكذا بإثبات ألف «ما» الاستفهامية وهي مجرورة، وهو قليل، وفي رواية البخاريّ: «بم أهللت»، بحذفها، وهو الأكثر في الاستعمال. وفي رواية شعبة الآتية: «أحججت؟»، قلت: نعم، قال: «كيف قلت؟» (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلالِ النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية شعبة: «قلت: لبيك بإهلال، كإهلال النبيّ - ﷺ -»، زاد في رواية للبخاريّ: «قال: أحسنت» (قَالَ: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْي؟»، قُلْتُ: لا، قَالَ: «فَطُفْ بالْبَيتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي اسعَ بينهما (ثُمَّ حِلَّ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، أمر من حلّ المحرم يحلّ، من باب ضرب: إذا خرج من إحرامه، وتقدّم أن فيه لغة أخرى، وهي أَحِلّ، من الإحلال رباعيًّا (فَطُفْتُ بالْبَيْتِ، وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةَ مِنْ قَوْمِي) وفي رواية شعبة عند البخاريّ:»امرأَة من قيس«. قال الحافظ: والمتبادر إلى الذهن من هذا الإطلاق أنها من قيس عيلان، وليس بينهم وبين الأشعريين نسبة، لكن في رواية أيوب بن عائذ:»امرأة من نساء بني قيس«، وظهر لي من ذلك أن المراد بقيس قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعريّ، وأن المرأة زوج بعض إخوته، وكان لأبي موسى من الإخوة أبو رُهْم، وأبو بردة، قيل: ومحمد. انتهى كلام الحافظ.
(فَمَشَطَتْنِي) بالتخفيف، ويحتمل التشديد، يقال: مشَطتُ الشَّعْرَ مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة. قاله الفيّوميّ. والمعنى أنها سرّحت شعر رأس أبي موسى - ﵁ -، وأصلحته (وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَلِكَ) أي بجواز التمتّع (فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (وَإِمَارَةِ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵁ - (وَإنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر السين المهملة: أي في مكان اجتماع الحجّاج. قال الليث: موسم الحجّ، سمي موسمًا لأنه مَعْلَمٌ يُجتمع إليه. وقال ابن السكّيت: كلّ مَجمَع من الناس كثيرٍ هو موسم، ومنه موسم مني. أفاده في «اللسان» (إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ) عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - (فِي شَأْنِ النُّسُكِ، قُلْتُ: يَا أَيُّها النَّاسُ مَنْ كنَّا أَفْتَينَاهُ بشَيءٍ) أي من جواز المتعة (فَلْيَتَّئِدْ) بمثناة فوقية مشدّدة، بعدها همزة، افتعال من التؤدة: أي ليتأنّ، ولا يتعجّل بالمضيّ على فتيانا (فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَادِمٌ عَلَيْكُمْ، فَأْتَمُّوا بِهِ) أي فاقتدوا به، وخذوا بقوله، واتركوا قولنا، إن خالفه (فَلَمَّا قَدِمَ) عمر - ﵁ - (قُلتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟، قَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ -﷿-، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- قَالَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ أي وإتمام كلّ بإتيانه بسفر جديد، أو بإحرام جديد، لا يجعل أحدهما تابعا للآخر.
(وَإِنْ نَأْخُذْ) وفي نسخة: «إن تأخذ» بالتاء المثناة في الموضعين (بِسُنَّةِ نَبِيَّنَا - ﷺ -، فَإنَّ نَبِينَا - ﷺ -، لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ) أي والمتمتّع يتحلّل إذا لم يسق الهدي. والحاصل
أن الجمع بين القرآن والسنة قد أداه إلى النهي عن التمتّع والقران جميعًا، فيحصل حينئذ الإتمام، والحلّ يوم النحر، لا قبله.
وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ومحصّل جواب عمر - ﵁ - في منعه الناس من التحلّل بالعمرة أن كتاب اللَّه تعالى دالٌ على منع التحلّل؛ لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، وأن سنة رسول اللَّه - ﷺ - أيضًا دالّة على ذلك؛ لأنه لم يحلّ حتى بلغ الهدي محلّه.
لكن الجواب عن ذلك ما أجاب به هو - ﷺ -، حيث قال: «ولولا أن معي الهدي لأحللت»، فدلّ على جواز الإحلال لمن لم يكن معه هدي.
وتبيّن من مجموع ما جاء عن عمر - ﵁ - في ذلك أنه منع منه سدًّا للذريعة. وقال المازريّ: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحجّ إلى العمرة. وقيل: العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليها، كما رواه مسلم، بناء على مُعتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.
قال النوويّ: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجّ من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد، كما يظهر من كلامه.
ثم انعقد الإجماع على جواز التمتّع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل.
قال الحافظ: ويمكن أن يتمسّك من يقول بأنه إنما نهى عن الفسخ بقوله في الحديث الذي أشرنا إليه قريبًا من مسلم: «إن اللَّه يُحلّ لرسوله ما شاء». واللَّه أعلم.
وفي قصّة أبي موسى، وعليّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - دلالة على جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير مع اختلاف آخر الحديثين في التحلل، وذلك أن أبا موسى لم يكن معه هديٌ، فصار له حكم النبيّ - ﷺ - لو لم يكن معه هديٌ، وقد قال: «لولا الهدي لأحللت»، أي وفسخت الحجّ إلى العمرة، كما فعله أصحابه بأمره. وأما عليّ، فكان معه هديٌ، فلذلك أمره بالبقاء على إحرامه، وصار مثله قارنًا.
قال النوويّ: هذا هو الصواب، وقد تأوله الخطابيّ، وعياض بتأويلين غير مرضيين انتهى.
قال الحافظ: فأما تأويل الخطابيّ، فإنه قال: فعل أبي موسى يخالف فعل عليّ، وكأنه أراد بقوله: أهللت كإهلال النبيّ - ﷺ -، أي كما يبيّنه لي، ويُعيّنه لي من أنواع ما يُحرِم به، فأمره أن يحلّ بعمل عمرة؛ لأنه لم يكن معه هديٌ. وأما تأويل عياض، فقال: المراد بقوله: «فكنت أفتي الناس بالمتعة» أي بفسخ الحجّ إلى العمرة. والحامل لهما على ذلك اعتقادهما أنه - ﷺ - كان مفردًا، مع قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت»،