HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٧٦٣

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ. قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: الْحِلُّ كُلُّهُ، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أُحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ، فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص276
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ١٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٤٢
أعمال الحجّ كلها، إلا الطواف بالبيت، فإنها تؤخره حتى تطهر، كما فعلت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - عام حجة الوداع؛ لأمر النبيّ - ﷺ - لها بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلِّينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّةً بِعُمْرَةٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ عَرَكَتْ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟، قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ»، فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ، وَتَطَيَّبْنَا بِالطِّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا، وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلاَّ أَرْبَعُ لَيَالٍ، ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ، فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟»، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ، وَلَمْ أُحْلِلْ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوِاقِفَ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ، طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا»، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي، أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ، قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ»، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي المصريّ الإمام الحافظ الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] ٣١/ ٣٥. ٤ - (جابر بن عبد اللَّه) بن عمرو بن حَرَام السِّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه مصريين، ومكيّين. (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الفَه - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: أَقْبَلْنَا مُهِلَّينَ، مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، بِحَجَّ مُفْرَدٍ) هذا باعتبار أغلبهم، وإلا فبعضهم قرن، كالنبيّ - ﷺ - (وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ مُهِلَّة بعُمْرَةٍ) أي باعتبار آخر أمرها، وإلا فإنما أهلوا في الميقات بالحجّ، لكن لما أمر خيرهم النبيّ - ﷺ - في الطريق أن يجعلوها عمرة، فمنهم من جعلها عمرة، ومنهم من استمرّ على حجه حتى عزم الأمر عند المروة، ففرض عليهم أن يتحللوا بالعمرة، فصاروا كلهم معتمرين (حَتَّى إِذَا كنَّا بِسَرِفَ) بفتح المهملة، وكسر الراء، بعدها فاء: موضع قريبٌ من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وهو ممنوع من الصرف، وقد يصرف. قاله في «الفتح» (عَرَكَتْ) أي حاضت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. يقال: عَرَكت تعرُك عُرُوكًا، من باب قعد: إذا حاضت (حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا، طُفْنَا بالْكَعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي وسعينا بينهما (فَأمَرَنَا رَسُولُ اللَّه - ﷺ -، أَنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟) أي أيّ نوع من الحلّ؟، فإن الإحرام يحصل به حُرُم متعدّدة (قَالَ) - ﷺ - («الْحِلُّ كُلُّهُ») مبتدأ خبره محذوف، أي جائز، أو فاعل لفعل مقدّر، أي يجوز الحلّ، و«كله» توكيد. يعني أن كلّ الأشياء التي منعت بسبب الإحرام تحل (فَوَاقَعْنَا النَّسَاءَ) أي جامعناهنّ (وَتَطَيَّبْنَا بِالطَّيبِ، وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا) أي الثياب الممنوع لبسها في الإحرام (وَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ، إِلاَّ أَرْبَعُ لَيَالٍ) يعني أنه لم يبق للوقوف بعرفة إلا أربع ليال، وذلك لأنهم دخلوا مكة لأربع ليال مضين من ذي الحجة، فطافوا، وتحللوا، فلم يبق بينهم وبين عرفة إلا ليلة الخامس، والسادس، والسابع، والثامن (ثُمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ الترْوِيَةِ) أي أحرمنا بالحجّ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك؛ لأن الماء كان قليلًا بمنى، فكانوا يرتوون من الماء لما بَعْدُ. قاله الفيّوميّ. قال النوويّ: وفيه دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن من كان بمكة، وأراد الإحرام بالحجّ استُحبّ له أن يُحرم يوم التروية، ولا يقدّمه عليه انتهى (ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (فَوَجَدَهَا تَبْكِي، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكِ؟»، فَقَالَتْ: شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ) أي من إحرامهم بالحجّ بعمل العمرة (وَلَمْ أُحْلِلْ) بضم أوله، وفتحه كما مرّ غير مرّة، ثم ذكرت سبب عدم إحلالها بقولها (وَلَمْ أطُفْ بِالْبَيْتِ) أي لكونها حائضًا (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الآنَ، فَقَالَ) - ﷺ - (إِنَّ هَذَا) إشارة إلى الحيض الذي حلّ بها، فمنعها من الطواف بالبيت (أَمْرٌ، كَتَبَهُ اللَّهُ) أي قدّره من غير اختيار العبد فيه، فلا عتب على العبد به (عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) قال النوويّ: هذا تسلية لها، وتخفيف لهمها، ومعناه أنك لست مختصّة به، بل كلّ بنات آدم يكون منهنّ هذا، كما يكون منهنّ، ومن الرجال البول والغائط، وغيرهما. وقد استدلّ البخاريّ في «صحيحه» في «كتاب الحيض» بعموم هذا الحديث على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال: إن الحيض أول ما أرسل، ووقع في بني إسرائيل انتهى. ولفظ البخاريّ: «باب كيف كان بدء الحيض، وقول النبيّ:«هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم». وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قال أبو عبد اللَّه: وحديث النبيّ - ﷺ - أكثر انتهى. والذي أشار إليه البخاريّ هو ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح، قال:«كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشرّف للرجل، فألقى اللَّه عليهنّ الحيض، ومنعهنّ المساجد». وعنده عن عائشة نحوه. قال الداوديّ ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا فقوله:«بنات آدم عام أريد به الخصوص. قال الحافظ: ويمكن أن يجمع بينهما مع القول بتعميمه بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكثه بهنّ عقوبة لهنّ، لا ابتداء وجوده. وقد روى الطبريّ، وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصّة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ الآية [هود: ١٧] أي حاضت، والقصّة متقدّمة على بني إسرائيل بلا ريب. وروى الحاكم، وابن المنذر بإسناد صحيح، عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «أن ابتداء الحيض كان على حواء بعد أن أُهبطت من الجنّة». وإذا كان كذلك، فبنات آدم بناتها. واللَّه أعلم . (فَاغتَسِلي) قال النووي: هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق بيانه، وأنه يستحبّ لكلّ من أراد الإحرام بحجّ، أو عمرة، سواء الحائض، وغيرها انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد سبق أن الراجح وجوبه على الحائض والنفساء؛ لظاهر الأمر. واللَّه تعالى أعلم. (ثُمَّ أَهِلَّي بِالْحَجِّ»، فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ) أي عرفة، ومزدلفة، ومنى (حَتَّى إِذَا طَهَرَت) بفتح الطاء، وضمها، والفتح أفصح. واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر. ذكره أبو محمد ابن حزم في«كتاب حجة الوداع». (طَافَتْ بِالْكعْبَةِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعت بينهما (ثُمَّ قَالَ:«قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل، ولم تخرج منها، وأن قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى: «ارفضي عمرتك»، و«دعي عمرتك» ليس معناه إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة، والحجّ لا يصحّ الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يُخرج منهما بالتحلل بعد فراغهما، فيكون معناه: ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف، والسعي، وتقصير شعر الرأس، فأمرها - ﷺ - بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحجّ، فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فتؤخّره حتى تطهر، وكذلك فعلت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -. فقوله - ﷺ - هنا: «قد حللت من حجتك، وعمرتك جميعًا» يوضح هذا التأويل. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: يستنبط منه -أي من قوله: «قد حللت من حجتك، وعمرتك جميعا» - ثلاث مسائل: [إحداها]: أن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - كانت قارنة، ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور متأول كما سبق. [والثانية]: أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وهو مذهب الشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة، وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان. [والثالثة]: أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول اللَّه - ﷺ - أمرها أن تصنع ما يصنع الحاجّ، غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقّفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الاستدلال نظر لا يخفى، فإن حديث «سعيت قبل أن أطوف، قال: طف ولا حرج» يردّ عليه فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِني أَجِدُ فِي نَفْسِي) أي حيث لم أعتمر عمرة مستقلّة، كسائر أمهات المؤمنين (أنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى حَجَجْتُ) أي انتهيت من الحجّ (قَالَ: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ»، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ) بفتح الحاء، وسكون الصاد المهملتين: أي ليلة المبيت بالمحصّب بعد النفر من منى. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهي الليلة التي ينزل الناس فيها المحصّب عند انصرافهم من مني إلى مكة. والتحصيب: إقامتهم بالمحصّب، وهو الشِّعْب الذي مخرجه إلى الأبطح، وهو منزل النبيّ - ﷺ - حين انصرف من حجته، وهو خيف بني كنانة الذي تقاسمت فيه في الصحيفة التي كتبوها بمقاطعة بني هاشم، وهو بين مكة ومنى، وربما يُسمّى الأبطح، والبطحاء؛ لقربه منه، ونُزُولُهُ بعد النفر من منى، والإقامة به إلى أن يصلي الظهر، والعصر، والعشاءين، ويخرج منه ليلًا سنةٌ عند مالك، والشافعيٌ، وبعض السلف؛ اقتداء بالنبيّ - ﷺ -، ولم يره بعضهم. انتهى كلام القرطبيّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم، وقد تقدّم في -٤٦/ ٢٧١٢ - وتقدم شرحه، وبيان مسائله هناك -وللَّه الحمد والمنة- فلم يبق هنا إلا إيضاح بعض مسائله التي لم تذكر هناك: (المسألة الأولى): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للطواف بالبيت: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- عند قوله: «غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»: فيه نهي الحائض عن الطواف حتى ينقطع دمها، وتغتسل، والنهي في العبادات يقتضي الفساد، وذلك يقتضي بطلان الطواف لو فعلته، وفي معناه الجنابة، وكذا سائر الأحداث، وهذا يدلّ على اشتراط الطهارة في صحّة الطواف. وقد ذكر هذا الاستدلال ابن المنذر، وغيره. ويدلّ له أيضًا ما رواه البيهقيّ وغيره من حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن النبيّ - ﷺ - قال: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام». لكن الصحيح وقفه على ابن عبّاس، كما ذكره البيهقيّ وغيره. وقد يقال: إنه مرفوع حكمًا، وإن لم يكن مرفوعًا لفظًا؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي. ويدلّ له أيضًا ما رواه البخاريّ، ومسلم عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: «أن النبيّ - ﷺ - أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ، ثم طاف بالبيت»، مع قوله - ﷺ -: «خذوا عني مناسككم». وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأكثر العلماء من السلف والخلف. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، وأبي العالية، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الخطابيّ عن عامة أهل العلم، وحكاه النوويّ في «شرح المهذّب» عن عامة العلماء، قال: وانفرد أبو حنيفة، فقال: الطهارة ليست بشرط للطواف، فلو طاف، وعليه نجاسة، أو محدثًا، أو جنبًا صحّ طوافه، واختلف أصحابه في كون الطهارة واجبة مع اتفاقهم على أنها ليست شرطًا، فمن أوجبها منهم قال: إن طاف محدثًا لزمه شاة، وإن طاف جنبًا لزمه بدنة، قالوا: ويعيد ما دام بمكة. وعن أحمد روايتان: إحداهما: كمذهبنا -يعني الشافعيّة-. والثانية: إن أقام بمكة أعاده، وإن رجع إلى بلده جبره بدم. وقال داود: الطهارة للطواف واجبة، فإن طاف محدثًا أجزأه، إلا الحائض. وقال المنصوريّ من أصحاب داود: الطهارة شرط كمذهبنا انتهى. قال وليّ الدين: وفيما ذكره من انفراد أبي حنيفة بذلك نظر، فقد روى ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن غندر، عن شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادًا، ومنصورًا، وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسًا. وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن عطاء، قال: إذا طافت المرأة ثلاثة أطواف، فصاعدًا، ثم حاضت أجزأ عنها. وذكر ابن حزم في «المحلّى» عن عطاء، قال: حاضت امرأة، وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمّت بها عائشة بقية طوافها، قال ابن حزم: فهذه أم المؤمنين لم تر الطهارة من شروط الطواف انتهى. وفي تقييد هذه الرواية عن أحمد بالعود إلى بلده نظر، فقد حكى المجد ابن تيمية في «المحرّر» رواية عن أحمد أن الطهارة واجبة تُجبر بالدم، ولم يقيّد ذلك بشيء. وعند المالكية قول يوافق هذا فحكى ابن شاس في «الجواهر» عن المغيرة أنه إن طاف غير متطهّر أعاد ما دام بمكة، فإن أصاب النساء، وخرج إلى بلده أجزأه. وقال ابن حزم من أهل الظاهر: الطواف بالبيت على غير طهارة جائز للننفساء، ولا يحرم إلا على الحائض فقط؛ للنهي فيه. وهذا جمود عجيب، وقد تقدّم في حديث ابن عباس ذكر النفساء مع الحائض، وسكت عليه أبو داود، وحسّنه الترمذيّ انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول الجمهور من أن الطهارة واجبة للطواف؛ لظاهر قوله - ﷺ - «حتى تطهري»، فعلق حلّ الطواف بالطهارة، فلولا أنها شرط فيه لما علق حله بها، ولحديث: «الطواف بالبيت صلاة …» الحديث، فإنه وإن قيل بوقفه، إلا أن له حكم الرفع، كما تقدّم، وسيأتي أنه صحيح مرفوعًا في -١٣٦/ ٢٩٢٢ - فيفيد وجوب الطهارة مثل الصلاة، وبأنه - ﷺ - توضأ، ثم طاف بالبيت، وقد قال: «خذوا عني مناسككم»، فهذه الأدلة يستفاد منها وجوب الطهارة للطواف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): الظاهر أن اشتراط الطهارة في الطواف يعم البدن والثوب، والمكان الذي يطؤه في الطواف، وبهذا قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وغيرهم، لكن اغتفر المالكية ذلك مع النسيان . قال النووي في «شرح المهذّب»: والذي أطلقه الأصحاب أنه لو لاقى النجاسة ببدنه، أو ثوبه، أو مشى عليها عمدًا، أو سهوًا لم يصحّ طوافه. قال: ومما عمّت به البلوى غلبة النجاسة في موضع الطواف من جهة الطير، وغيره، وقد اختار جماعة من أصحابنا المتأخرين المحققين العفو عنها، وينبغي أن يقال: يُعفى عما يشقّ الاحتراز عنه من ذلك، كنظائره انتهى كلام النوويّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي من نجاسة خرء الطير ونحوه مبنيّ على مذهبه، والراجح أن هذه الأشياء ليس بنجس؛ لعدم وجود دليل على ذلك، وقد تقدّم تحقيق ذلك في أوائل هذا الشرح في «أبواب الطهارة»، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة: ذهب إلى عدم اشتراطها جمهور العلماء من السلف والخلف، وحكاه ابن المنذر عن عطاء بن أبي رباح، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكان الحسن البصريّ يقول: إن ذكره قبل أن يحلّ، فليُعد الطواف، وإن ذكره بعد ما حلّ فلا شيء عليه. وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا اشترط الطهارة فيه إلا الحسن، فإنه قال: إن سعى على غير طهارة، فإن ذكر قبل أن يحلّ فليُعد، وإن ذكر بعد ما حلّ فلا شيء عليه انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه كلام متهافت، فإن اشتراط الطهارة ينافي الإجزاء مع فقدها، وما علمت أحدًا نقل عنه الاشتراط، ولعله يقول بالوجوب فقط، بل في «مصنف ابن أبي شيبة» عن الحسن، وابن سيرين أنهما لم يريا بأسًا أن يطوف الرجل بين الصفا والمروة على غير وضوء، وكان الوضوء أحبّ إليهما، وهذا يقتضي أن الحسن إنما يقول باستحباب الطهارة له، كما يقوله غيره من العلماء.
مصادر المؤلف (٨)

١. - «فتح» ١/ ٥٣٣ في «كتاب الحيض».

٢. -«فتح»١/ ٥٣٢«كتاب الحيض».

٣. -«شرح مسلم» ٨/ ٣٩٤.

٤. -«شرح مسلم» ٨/ ٣٩٣ - ٣٩٤.

٥. - «المفهم» ٣/ ٣٠٧.

٦. - «طرح التثريب» ٥/ ١١٩ - ١٢١.

٧. - «طرح التثريب» ٥/ ١٢١ - ١٢٢.

٨. -«المجموع» ٨/ ٢٠.