HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٧٦٤

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ. فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، قَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٥ ص ١٦٥

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٤٩
[ثانيهما]: أن الحسن لم ينفرد بذلك، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي العالية أنه قال: لا تقرأ الحائض القرآن، ولا تصلي، ولا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، وقال: الطواف بين الصفا والمروة عدل الطواف بالبيت. وعن ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة». وهو في «الموطإ» عن ابن عمر أيضًا: «لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى تطهر». وهو رواية عن أحمد بن حنبل أنه تجب له الطهارة كالطواف، حكاها عن ابن تيمية في «المحرّر». انتهى كلام وليّ الدين . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: جاء في رواية يحيى بن يحيى في «الموطإ» في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: «غير أن لا تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري». قال ابن عبد البرّ: لم يقله من رواة «الموطإ»، ولا غيرهم إلا يحيى انتهى. وأشار بهذا إلى أنها شاذّة، فإن صحّت هذه الرواية دلّت على وجوب الطهارة للسعي، وإلا فالأصل البقاء على جواز السعي بلا طهارة، لعدم دليل الوجوب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في جواز السعي قبل الطواف، فذهب الجمهور -كما قاله في «الفتح» - إلى أنه لا يجوز، وحكي ابن المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجّ بحديث أسامة بن شريك: «أن رجلًا سأل النبيّ - ﷺ -، فقال: سعيت قبل أن أطوف؟، قال: طف، ولا حرج» وهو حديث صحيح. وتأوله الجمهور على من سعى بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإفاضة. قاله في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه القائلون بجوزا تقديم السعي على الطواف هو الأرجح عندي؛ لحديث أسامة - ﵁ - المذكور، وما أول به الجمهور فيه نظر؛ إذ لو كان كذلك لاستفصله النبيّ - ﷺ - هل سعى بعد طواف القدوم أم لا؟، فلما لم يستفصله عُلم أنه على عمومه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا»، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ»، فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، قَالَ: «هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ»، فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المراديّ الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، صاحب مالك، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس، أبو عبد اللَّه المدنيّ الإمام الحجة المشهور [٧] ٧/ ٧. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٦ - (عروة بن الزبير) بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -) أي من المدينة (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) بفتح الواو، وكسرها، أي في عام حجة الوداع، وهو السنة العاشرة، أو بسبب أداء حجة الوداع، وقد تقدم سبب تسميته بهذا الاسم (فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) أي أحرم بعضنا بعمرة، ومنهم عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -كما تقدم في حديث جابر - ﵁ - المتقدم. قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفت الروايات عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - فيما أحرمت به، اختلافا كثيرًا، فذكر مسلم من ذلك ما قدّمناه -يعني قولها: «ولم أهلّ إلا بعمرة»- وفي رواية لمسلم أيضًا عنها «خرجنا لا نرى إلا الحجّ»، وفي رواية القاسم عنها: «خرجنا مهلّين بالحجّ»، وفي رواية: «لا نذكر إلا الحجّ»، وكلّ هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحجّ، وفي رواية الأسود عنها: «نلبّي لا نذكر حجًا، ولا عمرة». قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة، عن عائشة عندنا قديمًا، ولا حديثًا. وقال بعضهم: يترجّح أنها كانت محرمة بحجّ؛ لأنها رواية عمرة، والأسود، والقاسم، وغلّطوا عروة في العمرة. وممن ذهب إلى هذا القاضي إسماعيل، ورجّحوا رواية غير عروة على روايته؛ لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد، عن هشام، عنه: حدّثني غير واحد أن النبيّ - ﵁ - قال لها: «دعي عمرتك»، فقد بان أنه لم يسمع الحديث منها. قال القاضي -رحمه اللَّه تعالى-: وليس هذا بواضح؛ لأنه يحتمل أنها ممن حدّثه ذلك. قالوا أيضًا: ولأن رواية عمرة، والقاسم نسّقت عمل عائشة في الحجّ من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه. قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن إحرام عائشة، والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أوّلًا بالحجّ كما صحّ عنها في رواية الأكثرين، وكما هو الأصحّ من فعل النبيّ - ﷺ -، وأكثر أصحابِهِ، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبيّ كتَ أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، وهكذا فسّره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر، ولم يذكر أول أمرها. قال القاضي: وقد تعارض هذا بما صحّ عنها في إخبارها عن فعل الصحابة، واختلافهم في الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحجّ، ثم فسخته إلى عمرة حين أُمر الناس بالفسخ، فلما حاضت، وتعذّر عليها إتمام العمرة، والتحلّل منها، وإدراك الإحرام بالحجّ، أمرها النبيّ - ﷺ - بالإحرام بالحجّ، فأحرمت، فصار مُدخلة للحجّ على العمرة، وقارنة. انتهى كلام القاضي -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى- تحقيق نفيسٌ جدًّا. وحاصله أن رواية عروة أنها أهلّت بالعمرة صحيحة، لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبيّ - ﷺ - بفسخ الحجّ إلى العمرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَن كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهْلِلْ بالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) أي ليصير قارنًا (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعَا) لأنه ممنوع التحَلل حتى يبلغ الهدي محله. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجّ بها أبو حنيفة، وأحمد، وموافقوهما -يعني قوله:«ومن أحرم بعمرة، وأهدى فلا يحلّ حتى ينحر هديه» على أن المعتمر، والمتمتّع إذا كان معه هدي، لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك، والشافعيّ، وموافقيهما أنه إذا طاف، وسعى، وحلق، حلّ من عمرته، وحلّ له كلّ شيء فيِ الحال، سواء ساق الهدي، أم لا، واحتجّوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تَحلَّلَ من نسكه، فوجب أن يحلّ له كل شيء، كما لو تحلّل المحرم بالحجّ. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة، قالت خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من كان معه هدي، فليُهلّ بالحجّ مع العمرة، ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعًا». فهذه الرواية مفسّرة للمحذوف من الرواية التي احتجوا بها، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة، وأهدى، فليهلّ بالحج، ولا يحلّ حتى ينحر هديه، ولا بدّ من هذا التأويل؛ لأن القضيّة واحدة، والراوي واحد، فيتعيّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرنا انتهى كلام النوويّ بتصرّف . وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد أن ذكر نحو ما ذكره النوويّ من التأويل: ولا يخفى ما فيه من التعسّف انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أنّ ما ذهب إليه الحنفية، والحنابلة من أن المعتمر إذا ساق الهدي لا يتحلّل حتى ينحر هديه هو الحقّ؛ لصحة الحديث بذلك، وتأويله على خلاف ظاهره تعسّف ظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ) تقدّم أنها حاضت بسرف، وتمادى بها الحيض إلى يوم النحر (فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لقوله - ﷺ - لها: «افعلي ما يفعل الحاجّ، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي) أي سرّحي شعرك بالمشط. ذهب الجمهور إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها أن تترك أعمال العمرة، من الطواف، والسعي، والتقصير، وأن تُدخل الحجّ على العمرة، فتكون قارنة، وليس المراد بترك العمرة إبطالها جملة، وإنما المراد ترك أعمالها، وإرادف الحجّ عليها، حتى تصير قارنة، وتندرج أفعال العمرة في أفعال الحجّ. وذهب الحنفية إلى أن معنى الحديث: أنه أمرها بأن تخرج من إحرام العمرة، وتتركها باستباحة المحظورات من التمشيط، وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ إذ لا يلزم من التمشيط وغيره الخروج من الإحرام، وإبطال العمرة. قال النوويّ: ولا يلزم منه إبطال العمرة؛ لأن نقض الشعر، والامتشاط جائزان في الإحرام على الراجح، بحيث لا ينتف شعرًا. ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذروة بأن كان في رأسها أذى، فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذي. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون امتشاط عائشة للعذر يحتاج إلى دليل، والظاهر أنه يجوز بدون عذر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحجّ، لا سيما إن كانت لبّدت رأسها كما هو السنّة، وكما فعله النبيّ - ﷺ -، فلا يصحّ غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه انتهى . وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أما قوله: «وانقضي رأسك، وامتشطي» فهذا مما أعضل على الناس، ولهم فيها أربعة مسالك: [أحدها]: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية. [المسلك الثاني]: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشي رأسه، ولا دليل من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع على منعه من ذلك، ولا تحريمه. وهذا قول ابن حزم وغيره. [المسلك الثالث]: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس، والقاسم، والأسود، وغيرهم، فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. [المسلك الرابع]: أن قوله: «دعي العمرة» أي دعيها بحالها، لا تخرجي منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدلّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: «يسعك طوافك لحجك، وعمرتك». الثاني: قوله: «كوني في عمرتك»، قالوا: وهذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض انتهى. (وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعيِ الْعُمْرَةَ») أي اتركي أعمالها؛ لدخولها في عمل الحجّ، حيث كانت قارنة. وقال القرطبيّ: هذا محمول على ترك عملها، لا على رفضها، والخروج منها؛ بدليل قوله في الرواية الأخرى:«وأمسكي»مكان«ودعي»وهو ظاهر في استدامتها حكم العمرة التي أحرمت بها، وبدليل قوله - ﷺ -:«يسعك طوافك لحجك، وعمرتك»، وهذا نصّ على أن حكم عمرتها باق عليها انتهى . (فَفَعَلْتُ، فَلَمِّا قَضَيتُ الْحَجَّ) أي أديته بإتمام أعماله (أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصديق القرشيّ التيميّ، يكنى أبا عبد اللَّه. وقيل: أبا محمد. وقيل: أبا عثمان، أمه أم رُومان والدة عائشة، فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة. وقيل: عبد العزّى، فغيّره النبيّ - ﷺ -، وتأخر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم، وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى البراز، فقام إليه أبوه ليبارزه، فذكر أن رسول اللَّه - ﷺ - قال له: متّعنا بنفسك، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وصحب النبيّ - ﷺ - في هدنة الحديبية، وكان أسنّ ولد أبي بكر. قال الزبير بن بكار: كان رجلًا صالحًا، وكانت فيه دُعابة. وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرّب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البرّ: كان من أشجع رجال قريش، وأرماهم بسهم، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد، فقتل سبعة من كبارهم، منهم مُحَكّمَ اليمامة ابن طفيل، رماه بسهم في نحوه، فقتله. وأخرج الزبير عن عبد اللَّه بن نافع، قال: خطب معاوية، فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين بن عليّ، وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أهرقلية، كلما مات قيصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل واللَّه أبدًا، وبعث إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم، فردّها، وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة، فمات بها قبل أن تتمّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشيّ، وهو على اثني عشر ميلًا من مكة، فحمل إلى مكة، فدفن بها، ولما بلغ عائشة خبره، خرجت حاجة، فوقفت على قبره، وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيه مالك: وَكنَّا كَنَدْمَانَي جُذَيمَةَ حِقْبَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنَّي وَمَالِكَا … بِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيلَةً مَعَا ثم قالت: لو حضرت دفنتك حيث متّ. روى عبد الرحمن عن النبيّ - ﷺ - أحاديث، منها في «الصحيح»، وعن أبيه، وروى عنه ابنه عبد اللَّه، وحفصة، وابن أخيه القاسم ابن محمد، وغيرهم. قال الخزرجيّ: له ثمانية أحاديث، اتفقا على ثلاثة. مات سنة (٥٣) قاله ابن سعد. وقيل: بعد ذلك . (إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ) أي أحرمت بها، وأديت أعمالها (قَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ) قال الزركشي: المشهور رفع «مكان» على الخبر: أي عوض عمرتك التي تركتها لأجل حيضك، ويجوز النصب على الظرف. وقال بعضهم: لا يجوز غيره، والعامل محذوف، تقديره: هذه كائنة مكانَ عمرتك، أو مجعولة مكانها انتهى . قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إنما قال لها هذا؛ لأنها لم تطب نفسًا بالعمرة التي أردفت عليها؛ لأنها طافت طوافًا واحدًا، وسعت سعيًا واحدًا، كما جاء عنها من حديث جابر: أنها قال: يا رسول اللَّه إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، فقال لعبد الرحمن: أعمرها من التنعيم، فلما فرغت منها، قال لها هذه المقالة تطييبًا لقلبها؛ ألا ترى أنه قد حكم بصحّة العمرة الْمُرْدَف عليها، وعلى هذا فلا يكون فيه حجة لمن يقول: إنها رفضت العمرة المتقدّمة، وهذه قضاء لتلك المرفوضة، لما قررناه، فتدبّره، وأنصّ ما يدلّ على صحة ما قلناه قولها: وأمرني أن أعتمر من التنعيم مكان عمرتي التي أدركني الحجّ، ولبم أحلل منها. انتهى . (فَطَافَ) أي طواف العمرة (الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها، تعني الذين أفردوا العمرة عن الحجّ (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ «طاف» (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعوا بينهما. قال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي، فصحّ العطف، ولم يحتج إلى تقدير عامل، وجعله نظير «علفتها تبنًا وماء باردا» (ثُمَّ حَلُّوا) أي خرجوا من العمرة بالحلق، أو التقصير، ثم أحرموا بالحج من مكة (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) أي للحج يوم النحر، وهو طواف الإفاضة (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى) أي إلى مكة، وقد سقط عنهم طواف القدوم إجماعًا لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكيّ لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حُكي عن الإمام أحمد أن المتمتع يطوف يوم النحر أولا للقدوم، ثم يطوف طوافًا آخر للحج، وخالفه الجمهور، وهو الصواب؛ إذ لم ينقل عن النبيّ - ﷺ -، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه - ﷺ - في حجة الوداع أنهم طافوا الطواف المذكور. واللَّه تعالى أعلم (لِحَجَّهِمْ) فيه أن المتمتّع عليه طواف لعمرته، وطواف لحجه بعد رجوعه من منى (وَأَمَّا الذينَ جمًعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) أي ابتداء، أو إدخالا لأحدهما على الآخر (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا) تعني أن الذين قرنوا بينهما اكتفوا بطواف واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحجّ، وبهذا قال الجمهور، وهو الحقّ، وقال الحنفيّة: إن القارن عليه طوافان، وسعيان، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في باب «طواف القارن» -١٤٤/ ٢٩٣٢ - إن شاء اللَّه تعالى. [تنبيه]: قيل: هذا الحديث بظاهره مشكل على الجميع؛ لأنه يدلّ على اكتفائهم بطواف واحد، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أنهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول طواف القدوم. والثاني: طواف الإفاضة. والثالث: طواف الوداع. وقد أجابوا عن ذلك، وأحسن ما رأيت في ذلك ما كتبه السنديّ في «حاشيته على البخاريّ»: حيث قال: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما، إما الأول، وإما الثاني، وليس الأمر كذلك، بل هم أيضًا طافوا الطوافين، الأول، والثاني جميعًا، وذلك مما لا خلاف فيه، وقد جاء صريحًا عن ابن عمر، ففي «صحيح مسلم» عنه، و«بدأ رسول اللَّه - ﷺ -، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحجّ»، إلى أن قال: «وطاف رسول اللَّه - ﷺ - حين قدم مكة»، إلى أن قال: «ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، وطاف بالبيت، وفعل مثل ما فعل رسول اللَّه - ﷺ - من أهدى، وساق الهدي من الناس». ثم ذكر حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أنها أخبرت بمثل ذلك، قال: فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا، والسابقون طافوا للركن طوافين. وقال أيضًا: قولها: «وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا»: أي ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا، هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولًا كان طواف القدوم الذي هو من السنن، لا من الفرائض، بخلاف الذين حلّوا، فإنهم طافوا أوّلًا فرض العمرة، ثم فرض الحجّ، فطافوا طوافين للفرض، ولم ترد أن الذين جمعوا ما طافوا أوّلًا حين القدوم، أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيده ظاهر الكلام، كيف والنبيّ - ﷺ - كان من الذين جمعوا على التحقيق، وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي البتّة، وقد ثبت أنه طاف أوّلًا حين قدم، وطاف ثانيًا طواف الافاضة، حين رجع من منى، بل لعله ما ثبت أن أحدًا ترك الطواف عند القدوم، ولا طواف الإفاضة، فلا فرق بين الطائفتين، إلا بصفة الافتراض، فطواف من حلّ كان مرَّتين فرضًا، وطواف من لم يحلّ كان مرّة فرضًا. واللَّه أعلم. والحاصل أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا التأويل الذي قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- في معنى حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور تأويل نفيسٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في -١٦/ ٢٦٥٠ - وتقدّم تخريجه هناك، فراجعه، تستفد، ونذكر هنا بعض الفوائد التي اشتمل عليها: (فمنها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان أن المرأة المعتمرة إذا حاضت، وخافت فوت الحجّ أدخلت الحج على عمرتها، فصارت قارنة. (ومنها): مشروعيّة حجّ الرجل مع زوجته. (ومنها): أن من ساق الهدي لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله. (ومنها): أن الحائض تنقض ضفر رأسها، وتمتشط، وتغتسل للإهلال بالحجّ. (ومنها): أن من كان بمكة، وأراد العمرة فلا بدّ من خروجه إلى الحلّ، وأدناه التنعيم. (ومنها): أن المتمتّع لا بدّ له من طوافين، وسعيين. (ومنها): أن القارن يطوف طوافًا واحدًا، وسعيًا واحدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (٩)

١. - «طرح التثريب» ٥/ ١٢٢ - ١٢٣.

٢. -«فتح» ٤/ ٣١٤.

٣. - «شرح صحيح مسلم» للنوويّ ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧.

٤. - «شرح مسلم» ٨/ ٣٧٩ - ٣٨٠.

٥. - «شرح مسلم» ٨/ ٣٧٨.

٦. -«المفهم» ٣/ ٣٠١.

٧. - «الإصابة» ٦/ ٢٩٥ - ٢٩٧. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٩٢. «مرعاة» ٩/ ٥٦.

٨. - «زهر الربى» ٥/ ١٦٧.

٩. - «المفهم» ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢.