HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٧٦٥

أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَعِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : «أَنَّ ضُبَاعَةَ أَرَادَتِ الْحَجَّ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَشْتَرِطَ، فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص277
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ١٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٥٨
٥٩ - (الاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد اشتراط التحلل عن الإحرام عند حصول ما يمنع من المضي في النسك، وقد اختلف فيه العلماء، والراجح مشروعيته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٥ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ضُبَاعَةَ أَرَادَتِ الْحَجَّ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تَشْتَرِطَ، فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٣ - (حبيب) بن أبي حبيب الجرميّ، واسم أبيه يزيد البصريّ الأنماطيّ، صدوق يخطئ [٧] ٤٤/ ٥٩٠. ٤ - (عمرو بن هَرِم) الأزديّ البصريّ، ثقة [٦] ٤٤/ ٥٩٠. ٥ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٦ - (عكرمة) مولى ابن عباس المدنيّ بربريّ الأصل، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢١/ ٣٢٥. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، فقد أخرجه مسلم بهذا السند في «صحيحه». (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وسعيد، فكوفيّ، وعكرمة، فمدنيّ كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ ضُبَاعَةَ) -بضم الضاد المعجمة، بعدها باء موحّدة، مخفّفة، وبعد الألف عين مهملة- بنت الزبير بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّ النبيّ - ﷺ -، تزوّجها المقداد بن عمرو، فولدت له عبد اللَّه، وكريمة، فقتل عبد اللَّه يوم الجمل مع عائشة. روت ضباعة عن النبيّ - ﷺ -، وعن زوجها المقداد. وعنها ابنتها كريمة بنت المقداد، وابن عباس، وعائشة، وابن المسيب، وعروة، وغيرهم. قال ابن عبد البرّ: لضباعة عن النبيّ - ﷺ - أحاديث: منها الاشتراط في الحجّ. قال الزبير بن بكّار: لم يكن للزبير بن عبد المطلب عقب إلا من بنتيه: ضباعة، وأختها أم الحكم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وأما قوله في رواية ابن ماجه من حديث أسماء، أو سعدى: «دخل على ضباعة بنت عبد المطلب»، فهو وَهَمٌ، لا يتأوّل بما قاله والدي -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح الترمذيّ» من أنه نسبة إلى جدّها كقوله - ﷺ -: «أنا ابن عبد المطّلب»، لأنه عَقَّبَ ذلك بقوله: فقال: «ما يمنعك يا عمّتاه من الحجّ»؛ فدلّ على أنه بني على أنها بنت عبد المطّلب حقيقة حتى تكون عمته - ﷺ -، وهو وَهَمٌ. قال الزبير بن بكار. وليس للزبير بقية إلا من بنتيه أم الحكم، وضباعة انتهى. وكانت تحت المقداد ابن الأسود، كما هو مصرّح به في رواية «الصحيحين» وبسبب ذلك أورد البخاريّ هذا الحديث في «كتاب النكاح» في «باب الأكفاء في الدين» يشير إلى تزوجها بالمقداد، وليس كفؤًا لها من حيث النسب، فإنه كنديّ، وليس كندة أكفاء لقريش، فضلًا عن بني هاشم، عند من يعتبر الكفاءة في النسب من العلماء، وإنما هو كفؤ لها في الدين فقط. ووقع في كلام إمام الحرمين، والغزاليّ أنها ضباعة الأسلمية، وهو غلط فاحش، كما قال النوويّ، وغيره، والصواب الهاشمية، وليس في الصحابة أخرى يقال لها: ضباعة الأسلميّة، ولكنهما وَهِما في نسبتها، نعم في الصحابة أخرى تسمى ضباعة بنت الحارث أنصارية، وهي أخت أم عطية انتهى كلام وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- . (أَرَادَتِ الْحَجَّ) وفي رواية هلال بن خبّاب، عن سعيد بن جبير الآتية: «أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول اللَّه، إني أريد الحجّ، فكيف أقول …؟». وفي رواية أبي الزبير، عن طاوس، وعكرمة: «فقالت: يا رسول اللَّه، إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني؟ …». وفي حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي: «دخل رسول اللَّه - ﷺ - على ضُباعة، فقالت: يا رسول اللَّه إني شاكية، وإني أريد الحجّ …». قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: قولها: «إني أريد الحجّ» قد يقتضي ظاهره أنها قالت له ذلك ابتداء، وفي «صحيح البخاريّ»: «لعلك أردت الحجّ»، وفي «صحيح مسلم» من ذلك الوجه: «أردت الحجّ». ولا منافاة، فقد تكون إنما قالت: إني أريد الحجّ في جواب استفهامه لها، وليس اللفظ صريحًا في أنها قالت ذلك ابتداء، وكذا قوله في رواية ابن ماجه من حديث ضباعة أنه - ﷺ - قال لها: «أما تريدين الحجّ العام؟»، ومن رواية أسماء، أو سعدى: «ما يمنعك من الحجّ؟»، كلّ ذلك يقتضي أن كلامها كان جوابًا لسؤاله، لكن في حديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة: «أن ضباعة أتت رسول اللَّه - ﷺ -، فقالت …»، وهذا قد ينافي قوله في حديث عائشة: «دخل على ضباعة …». وقد يُجمع بينهما بأنها أتت رسول اللَّه - ﷺ -، ولم يكن إذ ذاك في منزله، ثم جاء، فدخل عليها، وهي في منزله. وفي حديث ابن عباس عند أبي داود، والترمذيّ: أنها قالت له: إني أريد الحجّ، فأشترط؟، فقال لها: «نعم»، وهذا يقتضي أن أمره بالاشتراط ما كان إلا بعد استئذانها انتهىَ كلام وليّ الدين . (فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تَشْتَرِطَ) وفي رواية هلال، عن سعيد: «قال: قولي: لبيك اللَّهم لبيك، ومحلّي من الأرض حيث تحبسني، فإن لك على ربك ما استثنيت» (فَفَعَلَتْ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي فاشترطت من أجل أمر رسول اللَّه - ﷺ - لها بذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٩/ ٢٧٦٥ و٦٠/ ٢٧٦٦ و٢٧٦٧ - وفي «الكبرى» ٥٩/ ٥٨/ ٣٧٤٦ و٣٧٤٧ و٥٩/ ٣٧٣٩. وأخرجه (م) في «الحج» ١٢٠٨ (د) في «المناسك» ١٧٧٦ (ت) في «الحجّ» ٩٤١ (ق) في «المناسك» ٢٩٣٨ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ٣١٠٧ و٣٢٩٢ (الدارميّ) في «المناسك» ١٨١١. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: حديث قصّة ضُباعة - رضي اللَّه تعالى عنها - أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، وغيرهم، وروه الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى- عن ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، مرسلًا، وقال: لو ثبت حديث عروة، عن النبيّ - ﷺ - في الاستثناء لم أَعْدُهُ إلى غيره؛ لأنه لا يحلّ عندي خلاف ما ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ -. قال البيهقيّ: أما حديث ابن عيينة، فقد رواه عنه عبد الجبّار بن العلاء موصولًا بذكر عائشة فيه. وثبت وصله أيضًا من جهة أبي أسامة حماد بن أسامة، أخرجه البخاريّ، ومسلم. وثبت عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وعن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أخرجه مسلم. وعن عطاء، وسعيد بن جبير، وطاوس، وعكرمة، عن ابن عباس، عن النبيّ - ﷺ -، وهو مخرّج في «صحيح مسلم» انتهى. وأخرج حديث ابن عباس أيضًا أصحاب السنن الأربعة، ورواه ابن حبّان في «صحيحه»، والدارقطنيّ من رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة. وقال ابن حزم: وقال الشافعيّ: إن صحّ الخبر قلت به. قال: قد صحّ الخبر، وبالغ في الصحّة، فهو قوله، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي سليمان -يعني داود -. وفي الباب أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر، أو سعدى بنت عوف. رواه ابن ماجه على الشكّ هكذا، وجابر، رواه البيهقيّ. وقال ابن حزم في «المحلّى» بعد ذكر هذه الأحاديث سوى حديث أسماء، أو سعدى، فهذه آثار متظاهرة، متواترة، لا يسع أحدًا الخروج عنها. وقال النسائيّ: لا أعلم أحدًا أسنده عن الزهريّ، غير معمر. وقال في موضع آخر: لم يسنده عن معمر غير عبد الرزاق فيما أعلم. وأشار القاضي عياض إلى تضعيف الحديث، فانه قال: قال الأصيليّ: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح. وقال: قال النسائيّ: لا أعلم أسنده عن الزهريّ غير معمر. قال النوويّ في «شرح مسلم»: وهذا الذي عرّض به القاضي، وقاله الأصيليّ من تضعيف الحديث غلط فاحش جدًّا، نبهت عليه لئلا يغترّ به؛ لأن هذا الحديث مشهور في صحيحي البخاريّ، ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وسائر كتب الحديث المعتمدة من طُرُق متعدّدة بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، وفيما ذكره مسلم من تنويع طرقه أبلغ كفاية. وقال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»: والنسائيّ، لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد، الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأسنده القاسم عنها، ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في «الصحيحين» من الانفراد، ولا يضرّ إرسال الشافعيّ له، فالحكم لمن وصل. هذا معنى كلامه. ذكر الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى وهو بحث نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في الفوائد التي اشتمل عليها حديث ضباعة برواياته المختلفة : (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية الاشتراط في الحجّ. (ومنها): أن دخوله - ﷺ - على ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها - عيادة، أو زيارة، وصلة، فإنها قريبته، كما تقدّم، وفيه بيان تواضعه - ﷺ -، وصلته لرحمه، وتفقده، وهو محمول على أن الخلوة هناك كانت منتفية، فإنه - ﷺ - لم يكن يخلو بالأجنبيات، ولا يصافحهنّ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة؛ لعصمته، لكنهم لم يعدّوا ذلك من خصائصه - ﷺ -، فهو في ذلك كغيره في التحريم. ذكره وليّ الدين . (ومنها): أن الحديث ورد في الحجّ، ولكن العمرة في معناه، فلو أحرم بعمرة، فشرط التحلّل منها عند المرض كان كذلك. قال وليّ الدين: ولا خلاف في هذا بين المجوّزين للاشتراط فيما أعلم، ولعلّ العمرة داخلة في قوله في رواية النسائيّ من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتية: «فإن لكِ على ربّك ما استثنيت». وقد عزى ابن قدامة في «المغني» هذا الحديث لمسلم، وفيه هذه الزيادة، وليسست عند مسلم انتهى . (ومنها): أنه قد يستدلّ به على أن المشترط لذلك يحلّ بمجرّد المرض والعجز، ولا يحتاج إلى إحلال. وقد قال الشافعية: إن اشترط التحلّل بذلك، فلا يحلّ إلا بالتحلّل، وإن قال: إذا مرضت، فأنا حلال، فهل يحتاج في هذه الصورة إلى تحلل، أو يصير حلالًا بنفس المرض، فيه وجهان لهم، الذي نصّ عليه الشافعيّ أنه يصير حلالًا بنفس المرض. قال وليّ الدين: ودلالة الحديث محتملة، فإن قوله: «محلّي» يحتمل أن يكون معناه موضع حلي، ويحتمل أن يكون معناه موضع إحلالي. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الاحتمال الأول هو الظاهر، فما نصّ عليه الشافعي هو الأرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ومنها): أن المراد بالتحلل أن يصير نفسه حلالًا، فلو شرط أن ينقلب حجه عمرة عند المرض، فذكر الشافعيّة أنه أولى بالصحّة من شرط التحلل، ونصّ عليه الشافعي، وإذا أجاز إبطال العبادة للعجز، فنقلها إلى عبادة أخرى أولى بالجواز. وروى ابن خزيمة في «صحيحه»، والبيهقيّ في «سننه» من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن ضُباعة، قالت: قلت: يا رسول اللَّه، إني أريد الحجّ، فكيف أهلّ بالحجّ؟ قال: «قولي: اللَّهم إني أُهلّ بالحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسّرته لي، وإن حبستني فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا، فمجلّي حيث حبستني». قال الحافظ وليّ الدين: وهذه زيادة حسنة، يجب الأخذ بها، ويقال: ينبغي أن لا يجوز للحاجّ شرط التحلل منه مطلقًا، إلا مع العجز عنه، وعن العمرة، فمع القدرة على العمرة لا ينتقل للتحلّل المطلق انتهى . (ومنها): أنّ سبب الحديث إنما هو في التحلل بالمرض لكن قوله: «حبستني» يصدق بالحبس بالمرض، وبغيره من الأعذار كذهاب النفقة، وفراغها، وضلال الطريق، والخطإ في العدد. وقد صرّح الشافعيّة، والحنابلة بأن هذه الأعذار كالمرض في جواز شرط التحلّل بها، ومن الشافعية من خالف فيه. (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا يجب عليه عند التحلُّل بالشرط دم، إذ لو وجب لذكره - ﷺ -، فإنه وقت الاحتياج إليه، وبهذا صرّح الحنابلة، والظاهريّة، وهو الأصحّ عند الشافعيّة. ومحلّ الخلاف عندهم في حالة الإطلاق، فلو شرط التحلّل بالهدي لزمه قطعًا، وإن شرطه بلا هدي لم يلزمه قطعًا . واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن الحنابلة ذكروا أن هذا الشرط يؤثّر في إسقاط الدم فيما إذا حبسه عدوّ. وقالت الشافعية: لا يسقط دم الإحصار بهذا الشرط؛ لأن التحلل بالإحصار جائز بلا شرط، فشرطه لاغٍ. ومنهم من حكى فيه خلافًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه استَدلّ به الجمهور على أنه لا يجوز التحلل بالإحصار بالمرض من غير شرط، إذ لو جاز التحلل به لم يكن لاشتراطه معنى. (ومنها): أنه لا يجب القضاء عند التحلل بشرط، وبه صرّح الشافعية، وغيرهم. (ومنها): أن المفهوم من لفظ الشرط أنه لا بدّ من مقارنته للإحرام، فإنه متى سبقه، أو تأخر عنه لم يكن شرطًا، وقد صرّح بذلك في قوله في حديث ابن عباس: «اشترطي عند إحرامك»، وهو بهذا اللفظ في «مصنّف ابن أبي شيبة». (ومنها): أن ظاهر الحديث أنه لا بدّ من التلفظ بهذا الشرط كغيره من الشروط، وهو ظاهر كلام الشافعية، وذكر فيه ابن قدامة احتمالين: أحدهما: هذا، قال: ويدلّ عليه ظاهر قوله - ﷺ - في حديث ابن عباس: «قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني»، وكذا في حديث عائشة في «الصحيحين». و«قولي: اللَّهم محلي حيث حبستني». والثاني: أنه تكفي فيه النية، ووجهه بأنه تبع لعقد الإحرام، والإحرام ينعقد بالنيّة. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه لا يتعيّن في الاشتراط اللفظ المذكور في الحديث، بل كلّ ما يؤدّي معناه يقوم مقامه في ذلك. قال ابن قُدامة: وغير هذا اللفظ مما يؤدي معناه يقوم مقامه لأن المقصود المعنى، والعبارة إنما يعتبر لتأدية المعنى، ثم استشهد بقول علقمة: اللَّهم إني أريد العمرة إن تيسرت، وإلا فلا حرج عليّ. وبقول شريح: اللَّهم قد عرفت نيتي، وما أريد، فإن كان أمرا تتمه، فهو أحبّ إليّ، وإلا فلا حرج عليّ. ونحوه عن الأسود. وقالت عائشة لعروة: قل: اللَّهم إني أريد الحج، وإياه نويت، فإن تيسر، وإلا فعمرة. ونحوه عن عميرة بن زياد. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أن قوله: «محلّي حيث حبستني» يدلّ على أن المحصر يحلّ حيث يحبس، وهناك ينحر هديه، ولو كان في الحلّ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا ينحر هديه إلا في الحرم. والأول أصحّ. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه خرج بقوله: «حيث حبستي ما إذا شرط التحلّل بلا عذر، بأن قال في إحرامه: متى شئت، أو كسلت خرجت، فإن هذا لا يعتبر اتفاقًا . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاشتراط في الإحرام: اختلفوا في ذلك على مذاهب: (المذهب الأول): جوازه، وهو مذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، فإنه نصّ عليه في القديم، وعلّق القول به في الجديد على صحة الحديث، وقد صحّ، كما تقدم. وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن عليّ، وعلقمة، والأسود، وشُريح، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث. والأمر به عن عائشة، وعبد اللَّه بن مسعود. وعن عثمان أنه رأى رجلًا واقفا بعرفة، فقال له: أشارطت؟، فقال: نعم. وعن الحسن، وعطاء في المحرم قالا: له شرطه. وروى البيهقيّ الأمر به عن أم سلمة. وقال ابن المنذر: ممن روينا عنه أنه رأى الاشتراط عند الإحرام عمر بن الخطاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر، وهو مذهب عَبيدة السلمانيّ، والأسود بن يزيد، وعلقمة، وشُريح، وسعيد بن المسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وعطاء بن يسار، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وبه قال الشافعيّ إذ هو بالعراق، ثم وقف عنه بمصر، وبالأول أقول. وحكاه ابن حزم عن جمهور الصحابة. وحكاه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» عن جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. (المذهب الثاني): استحبابه، وهو مذهب الإمام أحمد، فإن ابن قدامة جزم به في «المغني»، وهو المفهوم من قول الخرقيّ، والمجد ابن تيمية في «مختصريهما» عند ذكر الإحرام. (المذهب الثالث): إيجابه، وإليه ذهب ابن حزم الظاهريّ، تمسّكًا بالأمر. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا عزا وليّ الدين الوجوب إلى الظاهرية، وكذا الحافظ في «الفتح» والذي ذكره ابن حزم في «المحلّى» ٧/ ٩٩ - الاستحباب، فليحرّر. واللَّه تعالى أعلم. (المذهب الرابع): إنكاره، وهذا مذهب الحنفية، والمالكيّة. وروى ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة، قال: كان أبي لا يرى الاشتراط في الحجّ شيئًا. وعن إبراهيم النخعيّ: كانوا لا يشترطون، ولا يرون الشرط شيئًا. وعن طاوس، والحكم، وحماد: الاشتراط في الحجّ ليس بشيء. وعن سعيد بن جبير: إنما الاشتراط في الحجّ فيما بين الناس، وعنه أيضًا: المستثني، وغير المستثني سواء. وعن إبراهيم التيميّ: كان علقمة يشترط في الحجّ، ولا يراه شيئًا. وروى الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحجّ، ويقول: أليس حسبكم سنة نبيّكم - ﷺ - »، زاد النسائيّ في روايته: أنه لم يشترط. أي النبيّ - ﷺ -، وهو في«صحيح البخاريّ»بدون أوله، ولفظه:«أليس حسبكم سنة رسول اللَّه - ﷺ -، إن حُبس أحدكم عن الحجّ طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلّ من كلّ شيء حتى يحج عامًا قابلا، فيهدي، أويُطعم، إن لم يجد هديًا». وحكى ابن المنذر إنكاره عن الزهريّ أيضًا. وحكاه ابن عبد البرّ عن سفيان الثوريّ. وحكاه المحبّ الطبريّ عن أحمد، وهو غلط، فالمعروف عنه ما قدمناه. قال ابن قدامة: وعن أبي حنيفة أن الاشتراط يفيد إسقاط الدم، فأما التحلل فهو ثابت عنده بكل إحصار. وقال ابن حزم: روينا عن إبراهيم: كانوا يستحبّون أن يشترطوا، وكانوا لا يرون الشرط شيئًا لو أن الرجل ابتلي. وروينا عنه: كانوا يكرهون أن يشترطوا في الحجّ. قال ابن حزم: هذا تناقض مرّة كانوا يستحبّون، ومرّة كانوا يكرهون، فأقل ما في هذا ترك رواية إبراهيم لاضطرابها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان مُتمسَّك كلّ مذهب من هذه المذاهب: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: من قال بالجواز تمسّك بهذا الحديث، ورأى أن الأمر به ترخيص، وتوسعة، وتخفيف، ورفق، وأنه يتعلّق بمصلحة دنيوية، وهي ما يحصل لها من المشقّة بمصابرة الإحرام مع المرض. ومن قال بالاستحباب رأى المصلحة فيه دينيّة، وهو الاحتياط للعبادة، فإنها بتقدير عدمه قد يعرض لها مرض يُشَعّث العبادة، ويوقع فيها الخلل، وهذا بعيد. ومن قال بالوجوب حمل الأمر على حقيقته، وهو أبعد من الذي قبله، ولو كان واجبًا لما أخلّ النبيّ - ﷺ - بفعله، ولا الصحابة - ﵃ -، ولو فعلوا ذلك في حجة النبيّ - ﷺ - لنقل، وقد صرّح ابن عمر بأنه لم يشترط، كما تقدّم ذكره، ولما لم يأمر به إلا هذه المرأة الواحدة بعد شكايتها له علمنا أن ذلك ترخيص حرّك ذكره هذا السبب، وهو شكواها. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالوجوب يحتاج إلى ثبوته، كما أسلفته. واللَّه تعالى أعلم. ومن قال بالإنكار منهم من ضعّف الحديث كما تقدّم ذكره، ورده. ومنهم من أوله، وفي تأويله أوجه: (أحدها): أنه خاصّ بضباعة، حكاه الخطّابيّ عن بعضهم، قال: وقال: يشبه أن يكون بها مرض، أو حال كان غالب ظنها أنه يعوقها عن إتمام الحجّ، وهذا كما أذن لأصحابه في رفض الحجّ، وليس ذلك لغيرهم. وقال النوويّ في «شرح مسلم» بعد ذكره هذا المذهب: وحملوا الحديث على أنها قضية عين، وأنه مخصوص بضباعة، وحكاه في «شرح المهذّب» عن الرويانيّ من الشافعيّة، ثمِ قال: وهذا تأويل باطلٌ، ومخالف لنصّ الشافعيّ، فإنه إنما قال: لو صحّ الحديث لم أعْدُهُ، ولم يتأوله، ولم يخصّه. (الثاني): أن معناه: محلي حيث حبستني بالموت، أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي. حكاه النوويّ في «شرح المهذّب» عن إمام الحرمين، ثم قال: وهذا تأويل ظاهر الفساد، وعجبت من جلالة الإمام كيف قاله؟. (الثالث): أن المراد التحلل بعمرة، لا مطلقًا، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعضهم. ويردّه حديث ضباعة المتقدّم، حيث قال لها: «قولي: اللَّهم إني أريد الحجّ إن أذنت لي به، وأعنتني عليه، ويسرته لي، وإن حبستني، فعمرة، وإن حبستني عنهما جميعًا،
مصادر المؤلف (١٠)

١. -«طرح التثريب»٥/ ١٦٧.

٢. - «طرح التثريب» ٥/ ١٦٨.

٣. - «طرح التثريب» ٥/ ١٦٥ - ١٦٧.

٤. - هذه الفوائد ليست قاصرة على السياق المتقدم للحديث، بل لما اشتمل عليه روايات حديثُ. قصةِ ضباعة كلها.

٥. - «طرح التثريب» ٥/ ١٧١.

٦. - المصدر السابق.

٧. - المصدر السابق ٥/ ١٧٢.

٨. - المصدر السابق.

٩. - راجع «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٧١ - ١٧٣.

١٠. - «فتح» ٤/ ٤٧٥.