HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٧٧٩

أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ، عَنْ عَبِيدَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ لِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص281
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ١٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٢٦٨
حَيْثُ تَحْبِسُنِي، فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ»). قال الجَامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «إبراهيم بن يعقوب»: هو الجوزجانيّ الحافظ. و«أبو النعمان»: هو محمد بن الفضل الملقّب بعارم. و«ثابت بن يزيد الأحول» أبو زيد البصريّ، ثقة ثبت [٧]. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو أبو زرعة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم الأحول. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال عفّان: دلّنا عليه شعبة. ووثقه أبو داود. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: كان عطارًا بالبصرة. قيل: مات سنة (١٦٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. و«هلال بن خبّاب» العبديّ مولاهم، أبو علاء البصريّ، نزيل المدائن، صدوق تغيّر بآخره [٥] ٨١/ ١٠١٣. وقوله: «الشرط بين الناس» هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: أن الشرط إنما يكون بين الناس، لا بين العبد وربه ﷾، فإنه لا يجوز، وعلى هذا فمراده بذكر الحديث أنه يعلم الحديث، ولكنه تأوله بأنه مخصوص بهذه المرأة، لا يتعداها إلى غيرها. [والثاني]: أنه مثل الشرط بين الناس، فيجوز. والأول هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. و«محلّي»: -بفتح الميم، وكسر الحاء، وتشديد اللام- أي مكان تحلّلي، أو وقت حلولي؛ لأن المحلّ يطلق على المكان، والزمان، لكن المناسب هنا المكان، بدليل قوله: «حيث حبستني من الأرض». واللَّه تعالى أعلم. وقوله: «حبستني» أي منعتني من السير بسبب ثقل المرض. وقوله: «فإن لك على ربك ما استثنيت» أي إن لك على اللَّه تعالى ما اشترطته من التحلّل عند الحبس بالمرض. والحديث صحيحٌ، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٩ - (أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا، وَعِكْرِمَةَ، يُخْبِرَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أُهِلَّ، قَالَ: «أَهِلِّي، وَاشْتَرِطِي، إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «عمران بن يزيد»: هو عمران بن خالد بن يزيد الطائيّ الدمشقيّ، صدوق، من أفراد المصنّف. و«شعيب»: هو ابن إسحاق بن عبد الرحمن الأمويّ الدمشقيّ الثقة. وقولها: «إني امرأة ثقيلة» أي أثقلني المرض، واشتدّ عليّ. وقوله: «إن محلي الخ» يجوز في «أن» فتح الهمزة، وهو الظاهر المرويّ، وكسرها على أن يكون المعنى: قولي: هذا اللفظ، وهو: «إن محلّي حيث حبستني». والحديث أخرجه مسلم، وزاد في آخره من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج: قال: «فأدركت». ومعناه أن ضباعة أدركت الحجّ، ولم تحلل حتى فرغت منه. قاله النوويّ . وتمام الكلام على الحديث تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٦٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى ضُبَاعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي شَاكِيَةٌ، وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُجِّي، وَاشْتَرِطِي، إِنَّ مَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي». قَالَ إِسْحَاقُ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ: هِشَامٌ، وَالزُّهْرِيُّ؟، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا، أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مَعْمَرٍ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«إسحاق»: هو ابن راهويه. وقوله: «دخل رسول اللَّه - ﷺ - الخ» تقدم الجمع بينه وبين الرواية السابقة أنها أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت الخ«في شرح الحديث، فلا تنس. واللَّه تعالى وليّ التوفيق. وقولها:«إني شاكية»-بالشين المعجمة-: أي مريضة، والشَّكوُ، كالدَّلْوِ، والشَّكْوَى -بالقصر-، والشَّكْواءُ -بالمدّ، والشَّكَاةُ -بالهاء-، والشَّكَاءُ -بالمدّ-: المرض. أفاده في«القاموس». وقوله:«قلت لعبد الرزاق الخ». يعني أن إسحاق بن راهويه تأكد عن عبد الرزاق كون رواية كلّ من هشام بن عروة، والزهريّ، من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، لا من حديث غيرها، كابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - مثلًا. وهذا قاله إسحاق من باب التأكّد، لا اتهاما لشيخه عبد الرزاق في روايته. والحديث أخرجه مسلم في«صحيحه»من الطريقين. وقوله:«لا أعلم أحدًا أسنده الخ»يعني أنه انفرد بإسناد هذا الحديث معمر عن الزهريّ. وعبارته في«الكبرى»:«لا أعلم أحدًا أسند هذا الحديث، حديثَ الزهريّ غير عبد الرزاق، عن معمر»انتهى . وهذا يفيد أيضًا أن عبد الرزاق انفرد عن معمر بإسناده، لكن مثل هذا الانفراد لا يؤثّر في صحة الحديث، فقد أخرجه الشيخان في«صحيحيهما». وقد تقدّم عن الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- أنه قال في«شرح الترمذيّ»: والنسائيّ لم يقل بانفراد معمر به مطلقًا، بل بانفراده به عن الزهريّ، ولا يلزم من الانفراد المقيّد الانفراد المطلق، فقد أسنده معمر، وأبو أسامة، وسفيان بن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وأسنده القاسم عنها. ولو انفرد به معمر مطلقًا لم يضره، وكم في«الصحيحين»من الانفراد. انتهى . وقال في«الفتح»: وقول النسائيّ هذا لا يلزم منه تضعيف طريق الزهريّ التي تفرّد بها معمر، فضلًا عن بقية الطرق؛ لأن معمرًا ثقة حافظ، فلا يضرّه التفرّد، كيف؟، وقد وُجد لما رواه شواهد كثيرة انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه المصنّف هنا -٦٠/ ٢٧٦٨ - وفي«الكبرى»٥٨/ ٣٧٤٨. وأخرجه (خ) في«النكاح»٥٠٨٩ (م) في«الحجّ»١٢٠٧ (أحمد) في«مسند الأنصار»٢٤٧٨٠ و٢٥١٣١. واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦١ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ حُبِسَ عَنِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَكُنْ اشْتَرَطَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله:«يَفعَل»بالبناء للفاعل، وقوله:«حُبس» بالبناء للمفعول، وأشار -رحمه اللَّه تعالى- بهذه الترجمة إلى بيان حكم من لم يشترط في الإحرام إذا حُبس عن المضيّ في إحرامه، فإنه يختلف عن حكم من اشترط الذي تقدّم في البابين الماضيين، حيث إنه إذا حُبس عن المضيّ يتحلّل بدون شيء من القضاء، والهدي، وأما من لم يشترط، فإنه يجب عليه أن يتحلل بالطواف والسعي، والحلق، أو التقصير، إن تمكن، ثم عليه القضاء من قابل، ويجب عليه الهدي أيضًا، أو الصوم إن لم يجد هديًا، وسيأتي بين اختلاف العلماء في ذلك في -١٠٢/ ٢٨٥٩ - «فيمن أحصر بعدو»، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٦٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ، وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، وَيُهْدِي، وَيَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصريّ، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩. ٢ - (الحارث بن مسكين) الأمويّ مولاهم، أبو عمرو المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة ثبت حافظ [٩] ٩/ ٩. ٤ - (يونس) بن يزيد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقة [٧] ٩/ ٩. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبت حجة [٤] ١/ ١. ٦ - (سالم) بن عبد اللَّه بن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت عابد [٣] ٢٣/ ٤٩٠. ٧ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه سالم من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال وفيه ابن عمر - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سالِمٍ) بن عبد اللَّه، أنه (قَالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (يُنْكِرُ الاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ) قال في «الفتح»: وأشار ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال البيهقيّ: لو بلغ ابن عمر حدثنا ضباعة في الاشتراط لقال به انتهى. ثم إن إنكار ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - يحتمل أن يكون لعدم اطلاعه على قصة ضباعة - رضي اللَّه تعالى عنها -، كما أشار إليه البيهقيّ في كلامه المذكور آنفًا، أو لتأويله بأنه مخصوص بها، كما أوله غيره، وأيا ما كان فالحجة في حديث رسول اللَّه - ﷺ -، لا في إنكاره. واللَّه تعالى أعلم. (وَيَقُولُ) وفي نسخة: «فيقول» بالفاء (أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ) أي يكفيكم؛ لأن معنى الحسب الكفاية، ومنه ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي كافينا (سُنَّةَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -) زاد في الرواية التالية: «إنه لم يشترط». فقوله: «حسبكم» مرفوع على أنه اسم «ليس»، و«سنةَ رسول اللَّه» بالنصب على أنه خبر «ليس»، والجملة الشرطية، وهي قوله: «إن حبس الخ» تفسير للسنة، فمحلها النصب بدلًا عن «سنةَ»، أو الرفع خبرًا لمحذوف، أي هي. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: ضبطنا «سنةَ» بالنصب على الاختصاص، أو على إضمار فعل: أي تمسّكوا، ونحوه. وقال السيهيليّ -رحمه اللَّه تعالى-: من نصب «سنة» فهو بإضمار الأمر، كأنه قال: الزموا سنة رسول اللَّه - ﷺ -. ويمكن أن يقال: خبر «ليس» على قول عياض، والسهيليّ جملة قوله: «طاف بالبيت الخ». قال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو أيضًا سدّ مسدّ جواب الشرط. قال الطبريّ: قوله: «حسبكم سنة رسول اللَّه - ﷺ -» فيه إشعار بالتسوية بين حصر العَدُوّ والمرض، فإن معنى قوله: «حسبكم سنة رسول اللَّه - ﷺ -» أي في التحلّل بهذا العذر، دون اشتراط . (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجَّ) ببناء الفعل للمفعول: أي مُنِعَ عن ركن الحجّ الأعظم، وهو الوقوف بعرفة بسبب من الأسباب، كالمرض، أو العدوّ (طَافَ بِالْبَيْتِ) أي إذا أمكنه ذلك، وفي رواية عبد الرزاق: إن حَبس أحدًا منكم حابس عن البيت، فإذا وصل إليه طاف به … الحديث (وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي سعى بينهما، زاد في الرواية التالية: «ثم ليحلق، أو يقصّر» (ثُمَّ حَلِّ) أي بالحلق والذبح (مِنْ كلِّ شَيءٍ) حرُم عليه بالإحرام (حَتَّى يَحُجِّ عَامًا) ظرف متعلّق بما قبله (قَابِلًا) صفة لـ«عاما» (وَيُهْدِي) بضم أوله، من الإهداء، أي يذبح شاة؛ إذ التحلّل لا يحصل إلا بنية التحلّل، والذبح، والحلق. قاله الكرمانيّ (وَيَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) أي حيث شاء. وفي قوله: «حتى يحجّ عامًا قابلًا» دلالة على وجوب الحجّ من القابل على من أحصر، وفيه اختلاف بين أهل العلم في ذلك، سيأتي بيانه في -١٠٢/ ٢٨٥٩ - إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦١/ ٢٧٦٩ و٢٧٧٠ - وفي «الكبرى» ٦٠/ ٣٧٥٠ و٣٧٥١. وأخرجه (خ) في «كتاب المحصر» ١٨١٠ (ت) في «الحجّ» ٩٤٢ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٦٦ و٤٥٨٢ و٥١٤٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يشترط في إحرامه، وهو أنه يتحلّل بالطواف، والسعي، والحلق، أو التقصير، ثم يقضى من قابل، وعليه الهدي في ذلك، أو الصوم. (ومنها): الحثّ على التأسى بسنة رسول اللَّه - ﷺ -. (ومنها): أن من حبسه حابس، وهو يقدر على الطواف بالبيت وبيت الصفا والمروة، لا يجوز له أن يتحلل بدون ذلك. (ومنها): وجوب القضاء على من حُصر بعدوّ، أو نحوه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٠ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ، وَيَقُولُ: مَا حَسْبُكُمْ، سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -، إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ، فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ، فَلْيَطُفْ بِهِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ لْيَحْلِقْ، أَوْ يُقَصِّرْ، ثُمَّ لْيُحْلِلْ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدّموا غير مرّة. وقوله: «ما حسبكم الخ» بتقدير همزة الاستفهام التقريريّ، فهو بمعنى قوله الماضي: «أليس حسبكم الخ». وقوله: «إنه لم يشترط» بكسر الهمزة، جملة مستأنفة، أو هو بدل من «سنة»، ويحتمل أن يكون بفتح الهمزة، ويكون بدلًا أيضًا، أو خبرًا لمحذوف، أي هي عدم اشراطه. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد مرّ الكلام عليه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٢ - (إِشْعَارُ الْهَدْيِ) وفي «الكبرى» «أبواب الهدي» - «إشعار الهدي». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الإشعار»: مصدر أشعر، يقال: أشعرت البدنةَ إشعارًا: حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ أنها هدي، فهي شعيرة. قاله الفيّوميّ. و«الهدي» -بفتح الهاء، وإسكان الدال، وكسرها، مع تشديد الياء، لغتان، والأول أفصح: اسم لما يهُدَى إلى الحرم من النعم، شاة كانت، أو بقرة، أو بعيرًا؛ ليُتقرّب بإراقة دمه في الحرم. قيل: والواحدة هديّة. قال الجوهريّ. الهديُ ما يُهدى إلى الحرم من النعم، والهديّ على فعيل مثله، وقرىء: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] بالتخفيف والتشديد، الواحدة هَدْية، وهَدِيّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب . ٢٧٧١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ح وَأَنْبَأَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ، مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ … مُخْتَصَرٌ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ، ثم البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن ثور) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه العابد الثقة [٩] ١٠٢/ ٢٠٣٥. ٣ - (يعقوب بن إبراهيم) الدَّوْرقيّ، أبو يوسف البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٢١/ ٢٢. ٤ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٥ - (عبد اللَّه بن المبارك) الحنظليّ المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٦ - (معمر) بن راشد البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٧ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا. ٨ - (عروة) بن الزبير المذكور قريبًا أيضًا. ٩ - (المسور بن مخرمة) نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٦٤)، تقدّم في ٣٧/ ٩٣٦. ١٠ - (مروان بن الحكم) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ليست له صحبة [٢] ١١٨/ ١٦٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سباعياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسدسل بالمدنيين من الزهريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَا) قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صحبة له، وأما المسور فهي بالنسبة إليه أيضًا مرسلة؛ لأنه لم يحضر القصّة. وقد ثبت في رواية البخاريّ من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سمع مروان، والمسور بن مخرمة - رضي اللَّه تعالى عنهما -، يُخبران عن أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - … «، فذكر بعض هذا الحديث، وقد سمع المسور، ومروان من جماعة من الصحابة، شهدوا هذه القصّة، كعمر، وعثمان، وعليّ، والمغيرة بن شعبة، وأم سلمة، وسهل بن حُنيف، وغيرهم. ووقع في نفس هذا الحديث شيء يدلّ على أنه عن عمر - ﵁ -. وقد روى أبو الأسود، عن عروة هذه القصّة، فلم يذكر المسور، ولا مروان، لكن أرسلها، وهي كذلك في»مغازي عروة بن الزبير«، أخرجها ابن عائذ في»المغازي«بطولها. وأخرجها الحاكم في»الإكليل«من طريق أبي الأسود، عن عروة أيضًا، مقطّعة انتهى كلام الحافظ . (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) تقدّم ضبط الحيبية، وهي بئر سمي المكان بها. وقيل: شجرة حدباء، صُغّرت، وسمي المكان بها. قال المحبّ الطبريّ: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم. ووقع في رواية ابن إسحاق في«المغازي»عن الزهريّ:«خرج عام الحديبية، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا». ووقع عند ابن سعد:«أنه خرج يوم الاثنين لهلال ذي القعدة»(فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، مِنْ أَصْحَابِهِ) ووقع عند البخاريّ في رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ -:«كنا أربع عشرة مائة»، وفي رواية زهير عنه:«أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، أو أكثر». ووقع في حديث جابر - ﵁ - من طريق سالم بن أبي الجعد عنه:«أنهم كانوا خمس عشرة مائة»، ومن طريق قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: بلغني عن جابر:«أنهم كانوا أربع عشرة مائة»، فقال سعيد: حدثني جابر:«أنهم كانوا خمس عشرة مائة»، ومن طريق عمرو بن دينار، عن جابر:«كانوا ألفًا وأربعمائة»، ومن طريق عبد اللَّه بن أبي أوفى:«كانوا ألفًا وثلاثمائة». ووقع عند ابن أبي شيبة من حديث مُجمِّع بن جارية:«كانوا ألفًا وخمسمائة». قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: ألفا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في حديث البراء:«ألفًا وأربعمائة، أو أكثر»، واعتمد على هذا الجمع النوويّ. وأما البيهقيّ، فمال إلى الترجيح، وقال: إن رواية من قال:«ألفا وأربعمائة»أصحّ، ثم ساقه من طريق أبي الزبير، ومن طريق أبي سفيان، كلاهما عن جابر كذلك، ومن رواية معقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع، والبراء بن عازب، ومن طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه. ومعظم هذه الطرق عند مسلم. ووقع عند ابن سعد في حديث معقل بن يسار:«زهاء ألف وأربعمائة»، وهو ظاهر في عدم التحديد. وأما قول عبد اللَّه أبي أوفى:«ألفًا وثلاثمائة»، فيمكن حمله على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة ناس، لم يطّلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة، أو العدد الذي ذكره جملة من ابتداء الخروج من المدينة، والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك، أو العدد الذي ذكره هو عدد المقاتلة، والزيادة عليها من الأتباع من الخدم، والنساء، والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم. وأما قول ابن إسحاق: إنهم كانوا سبعمائة، فلم يوافق عليه؛ لأنه قاله استنباطًا من قول جابر:«نحرنا البدنة عن عشرة»، وكانوا نحروا سبعين بدنة. وهذا لا يدلّ على أنهم لم ينحروا غير البدن، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أَصلًا. وجمع الحافظ أيضًا بين رواية الباب بأنهم كانو بضع عشرة مائة، وبين ما تقدّم بأن الذين بايعوا كانوا كما تقدم، وزاد على ذلك كانوا غائبين عنها، كمن توجه مع عثمان إلى مكة، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس، والأربع، فلا تخالف. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التوجيه الأخير هو الأقرب عندي. واللَّه تعالى أعلم قال: وجزم موسى بن عقبة بأنهم كانوا ألفًا وستمائة. وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفًا وسبعمائة. وحكى ابن سعد أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين. وهذا إن ثبت تحرير بالغ، ثم وجدته موصولًا عن ابن عباس عند ابن مردويه. وفيه ردّ على ابن دحية حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد، وإنما ذكره بالحدس والتخمين واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . (حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَ الْهَدْيَ) قال الفيّوميّ: تقليد الهدي: هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد ليُعلَم أنه هديٌ، فيكفّ الناس عنه انتهى. وسيأتي ما يقلّد به بعد باب (وَأَشْعَرَ) الهدي، وإشعار الهدي: هو أن يفعل فيه علامة يُعلَم بها أنه هدي. قال العينيّ: هو في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشعور، وهو العلم بالشيء، من شعر يشعُر، كنصر ينصر. وقال الراغب: الشعر معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠] ومنه استعيرت شعرت كذا: أي علمت علمًا في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي الشاعر شاعرًا لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢] أي ما يُهدى إلى بيت اللَّه، سمي بذلك لأنها تُشعر، أي تعلم بأن تُدمى بشعيرة، أي حديدة انتهى. وفي الشرع: هو أن يشقّ أحد سنامي البدن، وُيطعن فيه حتى يسيل دمها؛ ليُعرف أنها هديٌ، وتتميّز إن خُلطت، وتُعرف إن ضلّت، وَيرتدع عنها السرّاق، ويأكلها الفقراء، إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. (وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ) وقوله (مُخْتَصَرٌ) خبر لمحذوف: أي هذا الحديث مختصر من الحديث الطويل، وقد ساقه البخاريّ بطوله في «كتاب الشروط، وهو من أطول الأحاديث في البخاريّ، ونصّه: ٢٧٣٤ - حدثني عبد اللَّه بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، ومروان، يُصَدِّق كل واحد منهما، حديث صاحبه، قالا: خرج رسول اللَّه - ﷺ -، زَمَنَ الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي - ﷺ -:«إن خالد بن الوليد بالغميم، في خيل لقريش، طَليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد، حتى إذا هُمْ بِقَتَرَة الجيش، فانطلق يركُض، نذيرا لقريش، وسار النبي - ﷺ -، حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَط عليهم منها، بَرَكَت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألَحَّت، فقالوا: خَلأت القَصْوَاء، خَلأت القصواء، فقال النبيّ - ﷺ -: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بِخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطّة ، يُعَظِّمون فيها حرمات اللَّه، إلا أعطيتهم إياها»، ثم زجرها، فوثبت، قال: فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبية، على ثَمَد ، قليل الماء، يَتَبَرَّضُهُ الناس تَبَرُّضًا ، فلم يُلبثه الناس، حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول اللَّه - ﷺ - العطشُ، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجِيش لهم بالرَّيّ، حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك، إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي، في نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا عَيْبَة نصح رسول اللَّه - ﷺ - ، من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم الْعُوذُ المطافيل ، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكَتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فعلوا، وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي، وليُنفذن اللَّه أمره»، فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، قال: فانطلق، حتى أتى قريشا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نَعرِضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا، أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول: كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي - ﷺ -، فقام عروة بن مسعود، فقال: أي قوم، ألستم با لوالد، قالوا: بلى، قال: أولست بالولد، قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني، قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون، أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بَلّحوا عليّ، جئتكم بأهلي وولدي، ومن أطاعني، قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها، ودعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ - نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب، اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فإني واللَّه لأرى وجوها، وإني لأرى أوشابا من الناس، خليقا أن يفروا، ويدعوك، فقال له أبو بكر الصديق: امصص ببظر اللات، أنحن نفر عنه، وندعه، فقال: من ذا؟، قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي، لم أَجزِك بها، لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي - ﷺ -، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة، قائم على رأس النبي - ﷺ -، ومعه السيف، وعليه الْمِغفَر، فكلما أهوى عروة بيده، إلى لحية النبي - ﷺ -، ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول اللَّه - ﷺ -، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟، قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر، ألست، أسعى في غدرتك، وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي - ﷺ -: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء»، ثم إن عروة، جعل يَرمُقُ أصحاب النبي - ﷺ - بعينيه، قال: فواللَّه ما تنخم رسول اللَّه - ﷺ - نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر، تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم، واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، واللَّه إن رأيت ملكا قط، يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد - ﷺ - محمدا، واللَّه إن تنخم نخامة، إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدّون إليه النظر، تعظيما له، وإنه قد عَرَضَ عليكم خُطّة رُشد، فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي - ﷺ - وأصحابه، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له»، فبُعِثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان اللَّه، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البدن قد قُلَّدَت، وأُشعِرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت، فقام رجل منهم، يقال له: مِكْرَز بن حفص، فقال: دعوني آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم، قال النبيّ - ﷺ -: «»هذا مكرز، وهو رجل فاجر«، فجعل يكلم النبي - ﷺ -، فبينما هو يكلمه، إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة، أنه لما جاء سهيل بن عمرو، قال النبيّ - ﷺ -: »لقد سهل لكم من أمركم«، قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات، اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي - ﷺ - الكاتب، فقال النبي - ﷺ -: »بسم اللَّه الرحمن الرحيم«، قال سهيل: أما الرحمن فواللَّه، ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب، باسمك اللَّهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها، إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال النبي - ﷺ -: «اكتب باسمك اللَّهم»، ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه»، فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلمِ أنك رسول اللَّه، ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب، محمد بن عبد اللَّه، فقال النبي - ﷺ -: «واللَّه إني لرسول اللَّه، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد اللَّه»، قال الزهري: وذلك لقوله: «لا يسألوني خطة، يعظمون فيها حرمات اللَّه، إلا أعطيتهم إياها»، فقال له النبي - ﷺ -: «على أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به»، فقال سهيل: واللَّه لا تتحدث العرب، أنا أخذنا ضَغْطَةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك، إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان اللَّه، كيف يرد إلى المشركين، وقد جاء مسلما، فبينما هم كذلك، إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يَرْسُف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه، بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد، أول ما أقاضيك عليه، أن ترده إليّ، فقال النبي - ﷺ -: «إنا لم نقض الكتاب بعدُ»، قال: فواللَّه إذًا لم أصالحك على شيء أبدا، قال النبي - ﷺ -: «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشرٍ المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين، وقد جئت مسلما، ألا ترون ما قد لقيت، وكان قد عُذِّب عذابا شديدا في اللَّه، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي اللَّه - ﷺ -، فقلت: ألست نبي اللَّه حقا؟، قال: «بلى»، قلت: ألسنا على الحقّ، وعدونا على الباطل، قال: «بلى»، قلت: فَلِمَ نعطي الدنية في ديننا، إذًا؟، قال: «إني رسول اللَّه، ولست أَعصيه، وهو ناصري»، قلت: أوليس كنت تحدثنا، أنا سنأتي البيت، فنطوف به؟، قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟»، قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه، ومطوف به»، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي اللَّه حقا؟، قال: بدى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟، قال: أيها الرجل، إنه لرسول اللَّه - ﷺ -، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فواللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا، أنا سنأتي البيت، ونطوف به؟، قال: بلى، أفأخبرك، أنك تأتيه العام؟، قلت: لا، قال: فإنك آتيه، ومطوف به، قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول اللَّه - ﷺ - لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثم احلقوا»، قال: فواللَّه ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللَّه، أتحب ذلك، اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، فخرج، فلم يكلم أحدا منهم، حتى فعل ذلك، نحو بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا، فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان ابن أمية، ثم رجع النبي - ﷺ - إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إني لأرى سيفك هذا، يا فلان جيدا، فاستله الآخر، فقال: أجل واللَّه، إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منه، فضربه، حتى برد، وفَرّ الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول اللَّه - ﷺ - حين رآه: «لقد رأى هذا ذُعْرًا»، فلما انتهى إلى النبي - ﷺ - قال: قُتل واللَّه صاحبي، وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي اللَّه، قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك، قد رددتني إليهم، ثم أنجاني اللَّه منهم، قال النبي - ﷺ -: «ويلُ أمه مِسْعَر حرب، لو كان له أحد»، فلما سمع ذلك، عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل، قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فواللَّه ما يسمعون بعير، خرجت لقريش إلى الشأم، إلا اعترضوا لها، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي - ﷺ -، تناشده باللَّه والرحم، لَمّا أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي - ﷺ - إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦] وكانت حميتهم أنهم لم يُقِرّوا أنه نبي اللَّه، ولم يقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت، قال أبو عبد اللَّه: ﴿مَعَرَّةٌ﴾ العر الجرب ﴿تَزَيَّلُوا﴾ تميزوا، وحميت القوم: منعتهم حماية، وأحميت الحمى: جعلته حمى، لا يُدخل، وأحميت الحديد، وأحميت الرجل: إذا أغضبته إحماء، وقال عقيل، عن الزهري: قال عروة: فأخبرتني عائشة، أن رسول اللَّه - ﷺ -، كان يمتحنهن، وبلغنا أنه لما أنزل اللَّه تعالى أن يَرُدُّوا إلى المشركين ما أنفقوا، على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين، أن لا يمسكوا بعصم الكوافر، أن عمر طلق امرأتين: قُرَيبة بنت أبي أمية، وابنة جرول الخزاعي، فتزوج قريبة معاوية، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار، أن يُقرّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم، أنزل اللَّه تعالى ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] والعقب ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يعطى من ذهب له زوج، من المسلمين، ما أنفق من صداق نساء الكفار، اللائي هاجرن، وما نعلم أن أحدا من المهاجرات، ارتدت بعد إيمانها، وبلغنا أن أبا بصير بن أسيد الثقفي، قدم على النبي - ﷺ - مؤمنا، مهاجرا في المدة، فكتب الأخنس بن شَرِيق إلى النبي - ﷺ -، يسأله أبا بصير، فذكر الحديث. انتهى واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٢/ ٢٧٧١ - وفي «الكبرى» ٦١/ ٣٧٥٢. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٦٩٥ و١٨١١ و«الشروط» ٢٧١٣ و٣٧١٤ و«المغازي» ٥٨٤١ و٤١٨١ و٤١٨٢ (د) في «الجهاد» ٢٧٦٥ و٢٧٦٦ و«السنة» ٤٦٥٥ (أحمد) في «مسند الكوفيين» ١٨٤٣٠ و١٨٤٤١ و٨٤٤٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية استحباب إشعار الهدي. (ومنها): أن فائدة الإشعار الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت، أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة، فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله الحافظ. وقال الشاه وليّ اللَّه الدهلوي: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر اللَّه، وأحكام الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطًا بفعل ظاهر انتهى. (ومنها): استحباب تقديد الهدي. (ومنها): مشروعية الإحرام بالعمرة المفردة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): دل حديث الباب على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور، ومنهم الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة، وتعذيب للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبيّ - ﷺ - لأن المشركين لا يمتنعون عن التعرّض للَّهدي إلا بالإشعار. وردّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار، وليس هو مثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة، وأيضًا إن تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد لقوة الإسلام. وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو. كذا في «اللمعات» . قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف والخلف. وذكر الطحاويّ في «اختلاف العلماء» كراهته عن أبي حنيفة. وذهب غيره إلى استحبابه للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو حسن. قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام. قال الطحاويّ: ثبت عن عائشة، وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك، لكنه غير مكروه لثبوت فعله عن النبيّ - ﷺ -، قال الحافظ: وأبعد من منع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان. وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل هو باب آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغيرذلك من الوسم، وكالختان، والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةٌ، فلا يخشى ما توهّموه من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده الذي كرهه به، كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك البدنة مكروه، فكان قريبًا. وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار، وانتصر له الطحاويّ في «المعاني»، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار، وإنما كره ما يُفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن، كسراية الجرح، ولا سيما مع الطعن بالشفرة، فأراد سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في ذلك، وأما من كان عارفًا بالسنة في ذلك فلا. وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحدًا كره الإشعار إلا أبا حنيفة، وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة انتهى. وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضًا أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ، قال: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر رسول اللَّه - ﷺ -، وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقّك بأن تحبس انتهى. وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف. وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه أعلم من غيره بأقوال أصحابه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية الإشعار هو الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيعتذر عنه بأنه لم تبلغه السنة، أو بلغته عن طريق غير مرضيّ عنده، أو تأوله بتاويل أخطأ فيه. والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول اللَّه - ﷺ -، وعن أصحابه الكرام رضي اللَّه تعالى عنهم، وعمن تبعهم بإحسان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون صوفها، أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل عن مالك، فلكونها ليست من ذات أسنمة. واللَّه أعلم انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في ذكر باب جامع لمسائل الهدي: (اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» بابًا جامعًا لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده هنا؛ لكونه يجمع شتات الأقوال التي سأذكر كثيرًا منها في الأبواب الآتية، إن شاء اللَّه تعالى. قال -رحمه اللَّه تعالى-: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة جنسه، وعلى معرفة سِنَّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنتَهَى بسوقه؟ وهو موضع نحوه، وحكم لحمه بعد النحر. فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه واجب، ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب لأنه كفارة. فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع باتفاق، وهدي القارن باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بنسك نسك منها على المنصوص عليه. فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من الأزواج الثمانية التي نص اللَّه عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، ثم المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا. وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثني فما فوقه يجزي منها، وأنه لا يجزئ الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله - ﵊ - لأبي بردة: «تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك» ، واختلفوا في الجذع من الضأن، فأكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلا الثني من كلّ جنس، ولا خلاف في أن الأغلى ثمنا من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا بَنِيَّ لا يهُدينّ أحدكم للَّه من الهدي شيئا يستحي أن يهديه لكريمه، فإن اللَّه أكرم الكرماء، وأحق من اختير له، وقال رسول اللَّه - ﷺ - في الرقاب - وقد قيل له: أيها أفضل؟ - فقال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها» . وليس في عدد الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول اللَّه - ﷺ - مائة . وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن رسول اللَّه - ﷺ - خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلَّد الهدي، وأشعره وأحرم ، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلَّد نعلا أو نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النعال. واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ - ﷺ - أهدى إلى البيت مَرّةً غنما، فقلده . واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هديا من المدينة قلده، وأشعره بذي الحليفة، قلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجه للقبلة، يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قَدِم مني غداة النحر نحوه قبل أن يَحلِق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنّ قياما، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم. واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أن رسول اللَّه - ﷺ -، صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم عنها، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج . وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكا يرى أن من سنته أن يُساق من الحل، ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن لم يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل، فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال الشافعي، والثوري، وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لم يقفه كان داخلا من الحل أو لم يكن. وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي بعرفة من السنة. وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبي - ﵊ - كذلك فعل، وقال: «خذوا عني مناسككم». وقال الشافعي: التعريف سنة مثل التقليد. وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول اللَّه - ﷺ -؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو لا تعريفه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح قول من قال باستحباب التعريف؛ اتباعًا لفعل النبيّ - ﷺ -، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس حديث: «خذوا عنّي مناسككم» دليلًا على الوجوب؛ لأنهم متّفقون في أشياء على أنها مستحبّة مع أن الحديث يشملها. واللَّه تعالى أعلم. وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحسانا منه لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه. وقال الطبري: يجوز نحو الهدي حيث شاء المهدي، إلا هدي القران، وجزاء الصيد، فإنهما لا ينحران إلا بالحرم. وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله - ﷺ -: «وكل فجاج مكة وطرقها منحر» . واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه بغير مكة. وأما متى ينحر؟، فإن مالكا قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل يوم النحر لم يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة، وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنها لمساكين مكة والحرم؛ لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك: الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة. وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنها ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير. وشمتحب للمهدي أن يلي نحو هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك فعل رسول اللَّه - ﷺ - في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قياما؛ لقوله ﷾: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحجّ: ٣٦]. وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك مسائل مشهورة: (أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع، فذهب أهل الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور ما أخرجه أبو داود عن جابر - ﵁ -، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهرا»، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى اللَّه تعالى منعه مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه - ﷺ -، رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: «اركبها»، فقال: يا رسول اللَّه إنها هدي، فقال: «اركبها ويلك» في الثانية، أو الثالثة. وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلَّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه، وزاد داود: ولا يطعم منه شيئًا أهل رفقته؛ لما ثبت أن رسول اللَّه - ﷺ -، بعث بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ نعليه في دمه، وخل بينه وبين الناس«، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ، فزاد فيه:»ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك«، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو ثور. واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب عليه بدله، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعاما يتصدق به، ورُوي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟. وأما الهدي الواجب، إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِه ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلَّ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلد به، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي الواجب إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، وهدي القران. وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من فرق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبهه بالعبادة على شبهه بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لم يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي عنده هو فضيدة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبهه بالكفارة قال: لا يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الرأي الأول هو الأقرب؛ لظهور مُتمسّكه، واللَّه تعالى أعلم. قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما كفارة، لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من كلام العلامة ابن رُشد -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل العلم في موضع واحد بحيث يمكنني الإحالة عليه فيما بعدُ، إن شاء اللَّه تعالى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٢ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أَشْعَرَ بُدْنَهُ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«أفلح بن حُميد» بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقة [٦] ١٩/ ٢٦٥٣. وقولها: «أشعر بدنه» بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بدنة بفتحتين، سيأتي تفسيرها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه، وتخريجه بعد بابين، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٣ - (أَيُّ الشِّقَّيْنِ يُشْعَرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «أيّ» استفهامية مبتدأ، خبره جملة «يُشعَر»، وهو بالبناء للمفعول، والمعنى: أي جانب من جانبي الهدي يستحبّ إشعاره؟، وإنما أورد الترجمة بالاستفهام، للاختلاف في ذلك، وإن كان الظاهر أنه يرجّح قول من قال باستحباب اليمين، حيث أورد دليله، وهو حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وبه يقول جمهور العلماء، وهو الراجح، كما سيأتي في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٧٣ - (أَخْبَرَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَشْعَرَ بُدْنَهُ، مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَأَشْعَرَهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مجاهد بن موسى) الْخُوَارَزميّ الْخُتَّليّ، أبو عليّ، نزيل بغداد ثقة [١٠] ٨٥/ ١٠٢. ٢ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطيّ، ثقة ثبت، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. . ٤ - (قتادة) بن دِعامة السدودسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبت يُدلّس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (أبو حسّان الأعرج) مسلم بن عبد اللَّه البصريّ، مشهور بكنيته، صدوق رُمي برأي الخوارج [٤] ١٤/ ٤٧٣. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من شعبة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو من رواية الأقران أيضًا، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَشْعَرَ بُدْنَهُ) بضمتين، أو بضم، فسكون جمع بَدَنَة. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: البدَنَة قالوا: هي ناقة، أو بقرة. وزاد الأزهريّ: أو بعير ذَكَرٌ، قال: ولا تقع البدنة على الشاة. وقال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ الآية [الحجّ: ٣٦]. سميت بذلك لِعِظَم بدنها، وإنما أُلحقت البقرة بالإبل بالسنّة، وهو قوله - ﷺ -: «تجُزىء البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»، ففرّق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تُطلق على البقرة لما ساغ عطفها؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه. وفي الحديث ما يدلّ عليه، قال: «اشتركنا مع رسول اللَّه - ﷺ - في الحجّ، والعمرة، سبعة منا في بدنة، فقال رجل لجابر: أنشترك في البقرة ما نشترك في الجزور؟، فقال: ما هي إلا من البدن». والمعنى في الحكم، إذ لو كانت البقرة من جنس البدن لما جهلها أهل اللسان، ولَفُهِمَت عند الإطلاق أيضًا. والجمع بَدَنَات، مثل قَصَبَة وقصَبَات، وبُدُن، أيضًا بضمتين، وإسكانُ الدال تخفيفٌ، وكأن البُدُن جمع بَدِين تقديرًا، مثل نذير ونُذُر، قالوا: وإذا أُطلقت البدنة في الفروع، فالمراد البعير ذكرًا كان، أو أنثى انتهى كلام الفيّومي . (مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ) وفي الرواية الآتية في الباب التالي: فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن»، وفي -٦٧/ ٢٧٨٢ -:«أشعر الهدي في جانب السنام الأيمن». وفي رواية مسلم:«فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن». و«الصفحة»: الجانب، و«السنام»: أعلى ظهر البعير، و«الأيمن»صفة«صفحة»، وذكّره لمجاورته لـ«سنام»، وهو مذكّر، أو على تأويل«صفحة»بجانب. وبه جزم النوويّ، حيث قال: وصف لمعنى صفحة، لا للفظها. ثم قال: وأما محلّ الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك: في اليسرى. وهذا الحديث يردّ عليه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- . (وَسَلَتَ) بمهملة، ولام، ثم مثناة (الدَّمَ عَنْهَا) أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها. زاد في رواية أبي داود:«بيده». وفي أخرى عنده:«بأصبعه». قال الخطابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: سلت الدم بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السلت: القطع، يقال: سلت اللَّه أنف فلان -أي من باب قتل-: أي جدعه انتهى (وَأَشْعَرَهَا) هكذا نسخ المجتبى« »وأشعرها«، والذي في »الكبرى«: »وقلّدها«. والظاهر أن الذي في »المجتبى« خطأٌ، والصواب ما في »الكبرى«؛ لأمرين: [أحدهما]: أنه مكرّر مع قوله: «أشعر بدنه»، فلا فائدة فيه. [والثاني]: أن الذي في «الكبرى» موافق لما في الباب التالي، ولما يأتي في ٦٧/ ٢٧٨٢ -، وهو الموافق لما في «صحيح مسلم»، ففي كلها: «وقلّدها نعلين». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٣/ ٢٧٧٣ و٦٤/ ٢٧٧٤ و٦٧/ ٢٧٧٢ و٧٠/ ٢٧٩١ - وفي «الكبرى» ٦٢/ ٣٧٥٤ و٦٤/ ٣٧٥٥ و٦٦/ ٣٧٦٣. وأخرجه (م) في «الحجّ» ١٢٤٣ (د) في «المناسك» ١٧٥٢ (ت) ٩٠٦ (ق) في «المناسك» ٢٠٩٧ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ١٨٥٨ و٢٢٩٦ و٢٥٢٤ و٣١٣٩ و٣١٩٦ و٣٢٣٤ و٣٥١٥ (الدارميّ) ١٩١٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى. وقال مالك في اليسرى، وهذا الحديث يردّ عليه انتهى. وقال ابن قدامة: السنة الإشعار في صفحاتها اليمنى، وبهذا قال الشافعيّ، وأبو ثور، وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها اليسرى. وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، وأشعرها من صفحة سنامها الأيمن … الحديث. رواه مسلم. وأما ابن عمر فقد روى عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقًا، ثم فعل النبي - ﷺ - أولى من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيّ - ﷺ -: «كان يعجبه التيمن في شأنه كله». انتهى. وقال البخاريّ في صدر «باب من أشعر، وقلّد بذي الحليفة، ثم أحرم»: وقال نافع كان ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركةً. قال الحافظ: وصله مالك في «الموطإ»، قال: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان إذا أهدى هديًا من المدينة -على ساكنها الصلاة، والسلام - قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو موجّه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره، قال: «بسم اللَّه، واللَّه أكبر». وأخرج البيهقيّ - ٥/ ٢٣٢ - من طريق ابن وهب، عن مالك، وعبد اللَّه بن عمر، عن نافع، أن عبد اللَّه ابن عمر كان يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلا أن تكون صعابًا، فإذا لم يستطع أن يُدخل بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجهها إلى القبلة. وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى بحسب ما يتهيّأ له ذلك. انتهى كلام الحافظ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن الأرجح أن السنة الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولا حجة في فعل ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - مع صحة المرفوع. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بتقليد ذوي الاعتساف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٤ - (بَابُ سَلْتِ الدَّم عَنِ الْبُدْنِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «السَّلت» -بفتح السين المهملة، وسكون اللام، آخره تاء مثنّاة-: هو التنحية والإزالة، يقال: سَلَتت المرأةُ خِضَابها من يدها سَلْتًا من باب نصر: إذا نَحَّتهُ وأزالته. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٧٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، لَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، أَمَرَ بِبَدَنَتِهِ، فَأُشْعِرَ فِي سَنَامِهَا، مِنَ الشِّقِّ الأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ»). قال الَجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«عمرو بن عليّ»: هو الفلاّس. و«يحيى»: هو القطّان. وقوله: «ثم سَلَت» من باب نصر: أي أزاله بإصبعه. وقوله: «فلما استوت به» أي راحلته، وهي غير التي أشعرها. والحديث أخرجه مسلم، ودلالته على الترجمة واضحة، تقدّم تمام البحث فيه في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦٥ - (فَتْلُ الْقَلَائدِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الفتل» -بفتح، فسكون-: مصدر فَتَلَ الحبل وغيره، من باب ضرب: إذا لواه، فهو مفتول، وفَتِيل. أفاده في «القاموس». و«القلائد»: جمع قلادة، وهي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان، والفرس، والكلب، والبدنة التي تُهدَى، ونحوها. أفاده في «اللسان». واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٧٧٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يُهْدِى مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ تقدّم قريبًا. ٤ - (عروة) بن الزبير المتقدّم قريبًا. ٥ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصاريّ المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. ٦ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن شهاب. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وتابعية. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها - (أَنَّها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، يهُدِي) بضم أوله، من الإهداء رباعيّا، يقال: أهديت للرجل كذا بالألف: بعثتُ به إليه إكرامًا، فهو هديّة بالتثقيل، لا غير، وأهديت الهدي إلى الحرم: سقتُهُ. قاله الفيّوميّ (مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ) من باب ضرب، يقال: فَتَله: لواه، كفتّله بالتشديد (قَلَاِئدَ هَدْيِهِ) جمع قلادة: وهو ما يجعل في العنق (ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا، مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ) من محظورات الإحرام، تعني أنه - ﷺ - كان يبعث هديًا إلى مكة، مقلّدة، ثم يقيم بالمدينة حلالًا، لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم، وأرادت بذلك الردّ على ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وغيره حيث إنهم يرون ذلك، كما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسأله الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦٥/ ٢٧٧٥ و٢٧٧٦ و٢٧٧٧ و٢٧٧٨ و٢٧٧٩ و٦٦/ ٢٧٨٠ و٦٨/ ٢٧٨٤٢٧٨٣ و٦٩/ ٢٧٨٥ و٢٧٨٦ و٢٧٨٧ و٢٧٨٨ و٢٧٨٩ و٢٧٩٠ و٧٢/ ٢٧٩٣ و٢٧٩٤ و٢٧٩٥ و٢٧٩٦ و٢٧٩٧ - وفي «الكبرى» ٦٤/ ٣٧٥٦ و٣٧٥٧ و٣٧٥٨ و٣٧٥٩ و٣٧٦٠ و٦٥/ ٣٧٦١ و٦٧/ ٣٧٦٤ و٣٧٦٥ و٦٨/ ٣٧٦٦ و٣٧٦٧ و٣٧٦٨ و٣٧٦٩ و٣٧٧٠ و٣٧٧١ و٧١/ ٣٧٧٤ و٣٧٧٥ و٣٧٧٦ و٣٧٧٧ و٣٧٧٨ و٣٧٧٩. وأخرجه (خ) في «الحجّ» ١٦٩٦ و١٦٩٨ و١٦٩٩ و١٧٠٠ و١٧٠١ و١٧٠٢ و١٧٠٣ و١٧٠٤ و١٧٠٥ و«الوكالة» ٢٣١٧ و«الأضاحي» ٥٥٦٦ (م) في «الحج» ١٣٢١ (د) في «المناسك» ١٧٥٥ و١٧٥٧ و١٧٥٨ و١٧٥٩ (ت) في «الحجّ» ٩٠٩ (ق) في «المناسك» ٣٠٩٤ و٣٠٩٥ و٣٠٩٦ و٣٠٩٨ (أحمد) في «باقي مسند الأنصار» ٢٣٥٤ و٢٣٥٦٤ و٢٣٨٧١ و٢٤٠٠٣ و٢٤٠٣٦ و٢٤٠٨٢ و٢٤١٨٩ و٢٤٤٣٥ و٢٤٨٨٣ و٢٤٩٣٧ و٢٥٠٤٩ و٢٥١٣ و٢٥٢٠٨ و٢٥٢٤٧ و٢٥٢٨٩ و٢٥٣٠٤ و٢٥٣٤٤ و٢٥٣٤٦ و٢٥٣٥٩ و٢٥٤٦٠ (الدارميّ) في «المناسك» ١٩١١ و١٩٣٥ و١٩٣٦. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): مشروعيّة فتل القلائد (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ٦٩/ ٢٧٨٥ - إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وإن لم يسافر معه مرسله، ولا أحرم في تلك السنة. قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: [فإن قلت]: قولها - رضي اللَّه تعالى عنها -، من رواية مسروق، عنها: «فَتَلت لهدي النبيّ - ﷺيعني القلائد- قبل أن يحرم.، يقتضي أنه أحرم بعد ذلك، وهذا اللفظ في»صحيح البخاريّ«. [قلت]: يحتمل أن مرادها قبل السنة التي أحرم فيها. ويحتمل أنها أخبرت في هذه الرواية عن حاله في سنة إحرامه. وفي الرواية الأخرى عن حاله في سنة أخرى، ويصرّح بأنه فعل ذلك في السنة التي لم يحرم فيها قولها - رضي اللَّه تعالى عنها - من رواية عمرة، عنها«ثم بعث بها مع أبي »، وهو في«الصحيحين»، والمراد أنه بعث بها مع أبيها، أبي بكر الصدّيق - رضي اللَّه تعالى عنه - في حجته سنة تسع. وفي«الصحيح»أيضًا:«ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة»، وهي صريحة فيما ذكرناه. واللَّه أعلم. انتهى. (ومنها): جواز استخدام الإنسان زوجته في فتل القلائد، ونحوه من الخدمة التي تقوم بها المرأة. (ومنها): أنه يستحب إذا أرسل الهدي أن يشعره، ويقلّده من بيته، وأما إذا أخذه معه، فيستحبّ أن يؤخر ذلك إلى الميقات حين يُحرم، كما فعل النبيّ - ﷺ -، في عمرة الحدبية، وحجة الوداع. (ومنها): ما قاله وليّ الدين: هذا الذي ذكرناه من استحباب تقليد الهدي إنما رأيت أصحابنا -يعني الشافعيّة- ذكروه في الهدي المتطوع به، والمنذور. وقسم المالكية دماء الحجّ إلى هَدْي، ونسك، وقالوا: إن الهدي جزاء الصيد، وما وجب لنقص في حج، أو عمرة، كدم القران، والتمتع، والفساد، والفوات، وغيرها، وقالوا: إن النسك ما وجب لإلقاء التفث، وطلب الرفاهية من المحظور، المنجبر، وجعلوا التقليد من سنة الهدي. وقال الحنفية: إن التقليد إنما يكون في هدي المتعة، والتطوع، والقران، دون دم الإحصار، والجماع، والجنايات. وفرقوا بينها، بأن الأول دم نسك، وفي التقليد إظهاره، وتشهيره، فيليق به. والثاني فإن سببه الجناية، والستر أليق بها. قالوا: ودم الإحصار جائز، فألحق بها. وذكر ابن حزم هذا التفصيل عن أبي حنيفة، ثم قال: وقال مالك، والشافعيّ: يقلّد كلّ هدي، ويشعر. قال: وهذا هو الصواب؛ لعموم فعل النبيّ - ﷺ -، ونُقِلَ عن أبي حنيفة وتعقبه وليّ الدين، فقال: وفيما ذكره نظر؛ فإنه لا عموم في فعل النبيّ - ﷺ -، والهدي الذي ساقه إنما كان متطوعا به، ولم يكن عن شيء من الدماء الواجبة المذكورة، والدماءُ الواجبة لا تُساق مع الحاجُ من الأول؛ لأنه لا يدري هل يحصل له ما يوجبها، أم لا؟، ولم أر أصحابنا -يعني الشافعيّة- تعرّضوا لذلك كما تقدّم، فينبغي تحقيقه. واللَّه أعلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن التقليد والإشعار إنما نقلا في هدي التطوع، والقران، والتمتع، وأما الجنايات، فلم يُنقَلْ فيها ذلك، فما قاله الحنفيّة أظهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٦ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،، عَنْ عَائِشَةَ،، قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَأْتِي مَا يَأْتِي الْحَلَالُ، قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، وكلهم تقدّموا غير مرّة. و«يزيد»: هو ابن هارون. و«يحيى بن سعيد»: هو الأنصاريّ. وقولها: «قبل أن يبلغ الهدي محله» التقييد بذلك لكونه محلّ الخلاف، وأما بعد بلوغ الهدي محله، فلا يخالف ابن عباس، ولا غيره ببقاء الحرمة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدَّم تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَامِرٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنْ كُنْتُ لأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْىِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ يُقِيمُ، وَلَا يُحْرِمُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح، وقد تقدموا غير مرّة. «عمرو بن علي»: هو الفلاس. و«يحيى»: هو ابن سعيد القطان. و«إسماعيل»: هو ابن أبي خالد البجليّ الكوفيّ. و«عامر»: هو ابن شراحيل، أبو عمرو الشعبيّ. وقولها: «إن كنت الخ» «إن» مخففة من الثقيلة، أي إني كنت الخ. وقولها: «ولا يُحرم» بضم أوله، من الإحرام، أي لا يتّصف بصفة المحرم، من اجتناب محظورات الإحرام، بل يبقى حلالًا، كما هو، وهو بمعنى قولها التالي: «لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم». والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تخريجه، وتمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٨ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّعِيفُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ،، قَالَتْ: «كُنْتُ أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ، لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يُقِيمُ، لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال الإسناد رجال الصحيح، غير شيخه: عبد اللَّه ابن محمد بن يحيى الطرسوسيّ، أبي محمد المعروف بالضعيف؛ لكثرة عبادته، وقيل: لكونه نحيفًا. وقيل: لشدّة إتقانه، تسمية بالضدّ، وهو ثقة [١٠] ٤٣/ ٢٢٢، فإنه من أفراد المصنّف، وأبي داود. و«أبو معاوية»: هو محمد بن خازم الضرير. وقولها: «ثم يبعث بها» هكذا نسخ «المجتبى»، والذي في «الكبرى»: «ثم يبعث به» بتذكير الضمير، وهو الظاهر؛ لأنه للهدي، والأول أيضًا له وجه صحيح، وهو أن التأنيث باعتبار أنه هديّة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٧٧٩ - (أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَمِ، لِهَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح. و«عَبيدة»: -بفتح العين المهملة، وكسر الموحّدة- هو ابن حُميد- مُصَغّرًا- ابن صُهيب، أبو عبد الرحمن المعروف بالحذّاء التيميّ، أو الليثيّ، أو الضبيّ الكوفيّ النحويّ، صدوق، ربما أخطأ [٨] ١٣/ ١٣. و«منصور»: هو ابن المعتمر. وقولها: «قلائد الغنم» فيه أن الغنم تقلد كالإبل، والبقر، وهو قول جمهور العلماء، وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، فقالوا: لا تقلد الغنم، والحديث يردّ عليهم، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في -٦٩/ ٢٧٨٥ - إن شاء اللَّه تعالى. والحديث متّفق عليه، كما سبق بيانه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٤٣)

١. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٢. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٣. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٤. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٥. -«شرح مسلم» ٨/ ٣٧٠ - ٣٧١.

٦. - وفي نسخة: «أخبرني».

٧. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٨. - وفي نسخة: «أخبرني».

٩. - راجع«السنن الكبرى»للمصنف ٢/ ٣٥٨ رقم ٥٨/ ٣٧٤٨.

١٠. - راجع«طرح التثريب»٥/ ١٦٦ - ١٦٧.

١١. -«فتح»٤/ ٤٧٥.

١٢. - راجع «المرعاة» ٨/ ٤٣٧ - ٤٣٨.

١٣. - راجع «المرعاة» ٩/ ١٩١.

١٤. - وفي نسخة: «أخبرنا».

١٥. -«فتح»٨/ ٦٨٠. في«كتاب الشروط».

١٦. - «فتح» ٨/ ٢٠٧ - ٢٠٨. في «كتاب الشروط».

١٧. - أي خصلة.

١٨. - أي حفيرة فيها ماء مثمود، أي قليل.

١٩. - أي يأخذون منه قليلًا قليلًا.

٢٠. - أي يفور.

٢١. - أي موضع النصح له، والأمانة على سرّه.

٢٢. - العُوذ بالضم جم عائذ: وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل الأمهات التي معها أطفالها.

٢٣. -أي استراحوا.

٢٤. - راجع «المرعاة» ٩/ ١٩٢.

٢٥. - «فتح» ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥.

٢٦. - «فتح» ٤/ ٣٦٥.

٢٧. - متّفقٌ عليه من حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -.

٢٨. - متّفقٌ عليه.

٢٩. - متّفقٌ عليه.

٣٠. - حديث صحيح.

٣١. - متّفقٌ عليه، وسيأتي للمصنف برقم ٧٢/ ٢٧٩٧.

٣٢. - سيأتي في الباب التالي أن هذا المذهب هو الأصحّ؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، وأما أثر ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - فموقوف، لا يعارض المرفوع، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

٣٣. - حديث صحيح.

٣٤. - بل أخرجه مسلم، فكان الأولى أن يعزوه إليه، وسيأتي للمصنّف برقم ٧٦/ ٢٨٠٢.

٣٥. - حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره.

٣٦. - راجع «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد» ١/ ٣٧٦ - ٣٧٨٠.

٣٧. - راجع «المصباح المنير» في مادة بدن.

٣٨. - «شرح مسلم» ٨/ ٤٥٢.

٣٩. - «فتح» ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧.

٤٠. - سيأتي في رواية المصنف -رحمه اللَّه تعالى- في ٧٢/ ٢٧٩٣.

٤١. -«طرح التثريب»٥/ ١٥٢.

٤٢. - وفي نسخة:«أخبرنا».

٤٣. - وفي نسخة:«أخبرنا».