HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٨٧٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللهُ ﷿ لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الْقِتَالُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُحِلَّ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ ﷿».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص306
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٥ ص ٢٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٥ ص٩٦
والجمع حُرُمات، مثلُ غُرْفة وغُرُفات. انتهى. والمعنى هنا: احترام مكة، وتعظيمها، يعني أن هذا الباب يُذكر فيه الحديث الدالّ على وجوب تعظيم مكّة شرّفها اللَّه تعالى، وحَرَسَها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٧٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ: «هَذَا الْبَلَدُ حَرَّمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ، إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ»، قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا، «إِلاَّ الإِذْخِرَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن قُدامة) بن أعين الهاشميّ مولاهم المصّيصيّ، هو ثقة [١٠] ١٣٧/ ٢١٤. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (مجاهد) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجّاج المكيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٥ - (طاوس) بن كيسان الحميريّ موهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ مُجَاهِدِ، عَنْ طَاوُسٍ) قال في «الفتح»: كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله انتهى . (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يَوْمَ الْفَتْحِ) الظرف متعَلّق بقال (هَذَا الْبَلَدُ) يعني مكة، أو أرض الحرم جميعها (حَرَّمَهُ اللَّهُ) أي حكم بتحريمه، وقضاه، وظاهره أن حكم اللَّه تعالى في مكة أن لا يقاتَلَ أهلها، ويؤمّن من استجار بها، ولا يتعرّض له، وهو أحد أقول المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧] ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يعني أن تحريمه أمر قديم، وشريعة سالفة مستمرّة، فليس تحريمه مما أحدثه الناس، أو اختصّ بشرعه، وهذا لا ينافي قوله - ﷺ - في حديث جابر عند مسلم، وحديث أنس عند البخاريّ: «إن إبراهيم حرّم مكة». لأن إسناد التحريم إليه من حيث إنه مبلّغه، فإن الحاكم بالشرائع والأحكام هو اللَّه تعالى، والأنبياء يبلّغونها، فكما تضاف إلى اللَّه تعالى من حيث إنه الحاكم بها تضاف إلى الرسل لأنها تسمع منهم، وتبيّن على ألسنتهم. والحاصل أنه أظهر تحريمها، مبلّغًا عن اللَّه تعالى بعد أن كان مهجورًا، لا أنه ابتدأه. وقيل: إنه حرّمها بإذن اللَّه تعالى. يعني أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السموات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة بأمر اللَّه تعالى. كذا في «إرشاد الساري». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأخير ضعيف، يضعفه قوله - ﷺ -: «ولم يحرمها الناس». واللَّه تعالى أعلم. وقال العينيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله: «إن إبراهيم حرّم مكة»: أعلن بتحريمها، وعرّف الناس بأنها حرام بتحريم اللَّه إياها، فلما لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه أضيف إليه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، فإنه أضاف إليه التوفّي، وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ الآية [السجدة: ١١]، فأضاف إلى الملك التوفّي، وقال في آية أخرى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية [النحل: ٣٢] فأضاف إليهم التوفّي، وفي الحقيقة المتوفّي هو اللَّه -﷿-، وأضافه إلى غيره لأنه ظهر على أيديهم انتهى. فلا معارضة بين الحديثين؛ لأن معنى قوله: «إِنّ إبراهيم حرّم مكة» أي بأمر اللَّه تعالى، لا باجتهاده، أو أن اللَّه قضى يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرّم مكة، أو المعنى أن إبراهيم أول من أظهر تحريمها بين الناس، وكانت قبل ذلك عند اللَّه حرامًا، أو أول من أظهره بعد الطوفان. وقال القرطبيّ: معناه إن اللَّه حرّم مكة ابتداء، من غير سبب ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل، قال: ولأجل هذا أكّد المعنى بقوله: «ولم يحرمها الناس»، والمراد بقوله: «ولم يحرّمها الناس» أن تحريمها ثابتٌ بالشرع، لا مدخل للعقل فيه، أو المراد أنها من محرّمات اللَّه، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرّمات الناس، يعني في الجاهلية، كما حرموا أشياء من عند أنفسهم، فلا يسوغ الاجتهاد في تركه. وقيل: معناه أن حرمتها مستمرّة من أول الخلق، وليس مما اختصّت به شريعة النبيّ - ﷺ - انتهى . (فَهُوَ) أي البلد (حَرَامٌ) أي محرّمٌ محترمٌ (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أي بسبب حرمة اللَّه تعالى، فالباء للسببية. ويجوز أن تكون للملابسة، فيكَون متعلّقًا بمحذوف، أي متلبّسًا بحرمة اللَّه، وهو تأكيد للتحريم (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة) متعلق بحرام، وفيه إيماء إلى أن النسخ لا يلحقه. وقال الحافظ: قوله: «بحرمة اللَّه» أي بتحريمه تعالى. وقيل: الحرمة الحقّ، أي حرامٌ بالحقّ المانع من تحليله. (لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يقطع. وفي حديث أبي شُرَيح: «ولا يعضدُ بها شجر» قال ابن الجوزيّ: أصحاب الحديث يقولون: «يعضد» بضم الضاد، وقال لنا ابن الخشّاب: هو بكسرها، والمعضد بكسر أوله: الآلة التي يقطع بها. قال الخليل: المعضد: الممتهن من السيوف في قطع الشجر. وقال الطبريّ: أصله من عَضَدَ الرجل: إذا أصابه بسوء في عضده. ووقع في رواية لعمر بن شبّة بلفظ: «لا يخضد» بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو راجع إلى معناه، فإن أصل الخضد الكسر، ويستعمل في القطع. (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) بضم أوله، وتشديد الفاء المفتوحة، مبنيًّا للمفعول، أي لا يصاح عليه، فينفر. وقال سفيان بن عيينة: معناه أن يكون في ظلّ الشجرة، فلا ينفّر ليجلس مكانه، ويستظلّ. قال الطبريّ: لا خلاف أنه لو نفّره، وسلم فلا جزاء عليه، لكنه يأثم بارتكابه النهي، فلو أتلفه، أو تلف بتنفيره وجب جزاؤه. وقال النوويّ: يحرم التنفير، وهو الإزعاج عن موضعه، فإن نفّره عصى، سواء تلف، أو لا، فإن تلف في نفاره قبل سكونه ضمن، وإلا فلا. قال العلماء: يستفاد من النهي عن التنفير تحريم الإتلاف بالأولى انتهى . وقال الحافظ: قيل: تنفير الصيد كناية عن الاصطياد. وقيل: هو على ظاهره. وفي «صحيح البخاريّ» عن خالد الحذّاء، عن عكرمة، قال: هل تدري «ما لا ينفّر صيدها؟» هو أن ينحّيه من الظلّ ينزل مكانه. قيل: نبه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف، وسائر أنواع الأذى، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى. وقد خالف عكرمةً عطاءٌ، ومجاهد، فقالا: لا بأس بطرده ما لم يُفض إلى قتله. أخرجه ابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة أيضًا من طريق الحكم، عن شيخ من أهل مكة أن حمامًا كان على البيت، فذرق على يد عمر، فأشار عمر بيده، فطار، فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حيّة، فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة. وروي من طريق أخرى عن عثمان نحوه . (وَلَا يَلْتَقِطُ) بالبناء للفاعل (لُقَطَتَهُ) بالنصب على أنه مفعول مقدّم، والفاعل قوله: «إلا من عرّفها». و«اللقطة» الشيء الذي يُلتقط، وهو بضم اللام، وفتح القاف على المشهور، عند أهل اللغة، والمحدّثين. وقال عياض: لا يجوز غيره. وقال الزمخشريّ في «الفائق»: اللقطة بفتح القاف، والعامة تسكّنها. كذا قال. وقد جزم الخليل بأنها بالسكون، قال: وأما بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهريّ: هذا الذي قاله هو القياس، ولكن الذي سُمع من العرب، وأجمع عليه أهل اللعْة، والحديث الفتح. وقال ابن برّيّ: التحريك للمفعول نادر، فاقتضى أن الذي قاله الخليل هو القياس. وفيها لغتان أيضًا: لُقَاطة بضم اللام، ولَقطة بفتحها، وقد نظم الأربعة ابن مالك حيث قال: لُقَاطَةٌ وَلَقْطَةٌ وَلُقَطَهْ … وَلُقْطَةٌ مَا لَاقِطٌ قَدْ لَقَطَهْ ووجّه بعض المتأخّرين فتح القاف في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصّت به، وهو أن كلّ من يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. قاله في «الفتح» . (إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) بتشديد الراء، من التعريف: أي من أراد تعريفها، وإشهارها، ثم يحفظها لمالكها، ولا يتملّكها، بخلاف لقطة غير الحرم، فإنه يلتقطها ليتصرّف فيها بعد التعريف سنة. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: قيل: أي إلا من عرّفها على الدوام ليحصل به الفرق بين الحرم وغيره، وإلا لا يحسن ذكره ههنا في محلّ ذكر الأحكام المخصوصة بالحرم الثابتة له بمقتضى التحريم. ومن لا يقول بوجوب التعريف على الدوام يرى أن تخصيصه كتخصيص الإحرام بالنهي عن الفسوق في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] مع أن النهي عامّ. وحاصله زيادة الاهتمام بأمر الإحرام، وبيان أن الاجتناب عن الفسوق في الإحرام آكد، فكذا التخصيص ههنا لزيادة الاهتمام بأمر الحرم، وأن التعريف في لقطته متأكد. . وقال في «الفتح»: والمعنى لا تحلّ لقطتها إلا لمن يريد أن يعرّفها فقط، فأما من أراد أن يعرّفها، ثم يتملّكها فلا. (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ) ببناء الفعل للمفعول. أي لا يُجزّ، ولا يُقطع نباته الرطب. و«الخلا» بالخاء المعجمة، والقصر، وحكي فيه المدَّ : النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش. واختلاؤه: قطعه. قاله ابن الأثير . وقال الفيوميّ: والخلا بالقصر: الرطب من النبات، الواحدة خلاة، مثل حصًى وحصاة. قال في «الكفاية»: الخلا: الرَّطْب، وهو ما كان غَضًّا من الكلأ، وأما الحشيش فهو اليابس. واختليتُ الخلاءَ اختلاء: قطعته، وخليته خَلْيًا، من باب رمى مثله، والفاعل مُخْتَلٍ، وخالٍ. وفي الحديث: «لا يُختلى خلاها»: أي لا يُجَزُّ انتهى. (قَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطلب عم رسول اللَّه - ﷺ -. زاد في الرواية الآتي-١٢٠/ ٢٨٩٣ -: «وكان رجلًا مجرْبًا» (يَا رَسُولَ اللَّه، إلاَّ الإذْخِرَ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع، فعلى البدل مما قبله، وأما النصب فلكونه استثناء واقعًا بعد النفي. قال ابن مالك: المختار النصب؛ لكون الاستثناء وقع متراخيًا عن المستثنى منه، فبعدت المشاكلة بالبدليّة، ولكون الاستثناء أيضًا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا. زاد في الرواية الآتية -١٢٠/ ٢٨٩٣ -: «فإنه لبيوتنا، وقبورنا». و«الإذخر»: بكسر الهمزة، والخاء المعجمة، بينهما ذال معجمة ساكنة: نبت معروف طيب الريح، له أصل مُنْدَفِنٌ، أي ماضِ في الأرض، وقضبان دقاق، ينبت في السهل والحزن، وبالمغرب صنف منه، فيما قاله ابن البيطار. قال: والذي بمكة اْجوده، وأهل مكة يسقّفون به البيوت بين الْخُشُب. يعني يجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب؛ ليسدّ الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور، يعني يسدون به الخلل بين اللبنات في القبور، وكانوا يستعملونه بدلًا من الحلفاء في الوقود، ولهذا قال العباس: «فإنه لقينهم». و«القين» بفتح القاف، وسكون التحتانيّة، بعدها نون: الحدَّاد، وحاجته إليه أنه يوقد به النار. وقال الطبريّ: القين عند العرب كلّ ذي صناعة يُعالجها بنفسه. ووقع في رواية للبخاريّ في «المغازي»: «فإنه لا بدّ منه للقين، والبيوت»، وفي رواية له: «فإنه لصاغتنا، وقبورنا». ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبّة الجمع بين الثلاثة، ووقع عنده أيضًا: «فقال العباس: يا رسول اللَّه إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر، لقينهم، وبيوتهم». وهذا يدلّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يرد به العباس أن يستثني هو، وإنما أراد أن يلقّن النبيّ - ﷺ - الاستثناء. أفاده في «الفتح» . (فَذَكَرَ كَلِمَةً) أي ذكر النبيّ - ﷺ - كلمة لم يحفظها الراوي، وإنما حفظ معناها، كما بينه بقوله (مَعْنَاهَا) أي معنى تلك الكلمة، وهو مبتدأ خبره قوله (إِلاَّ الْإذْخِرَ) حاصله أن الراوي شكّ في لفظ الاستثناء في كلام النبيّ - ﷺ -، مع أنه حفظ لفظ العباس، فبين أنه حفظ المعنى، لا اللفظ، وهو «إلا الإذخر». وهو استثناء بعض من كلّ؛ لدخول الإذخر في عموم ما يُختلى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلفوا هل كان قوله - ﷺ -: «إلا الإذخر» باجتهاد، أو وحي؟. وقيل: كَأَنَّ اللَّه تعالى فوّض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا. وقيل: أوحي إليه قبل ذلك أنه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك، فأجب سؤاله. وقال الطبريّ: ساغ للعباس أن يستثني الإذخر لأنه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكة تحريم القتال، دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنه من تحريم الرسول جميد باجتهاده، فساغ له أن يسأله استثناء الإذخر. وهذا مبنيّ على أن الرسول - ﷺ - كان له اجتهاد في الأحكام. وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره - ﷺ - للعباس على ذلك دليل على جواز تخصيص العامّ. وحكى ابن بطال عن المهلّب أن الاستثناء هنا للضرورة، كتحليل أكل الميتة عند الضرورة، وقد بين العباس ذلك بان الإذخر لا غنى لأهل مكة عنه. وتعقّبه ابن المنيّر بأن الذي يباح للضرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلا فيمن تحقّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنه مباح مطلقًا بغير قيد الضرورة انتهى. قال الحافظ: ويحتمل أن يكون مراد المهلّب بأن أصل إباحته كانت للضرورة، وسببها، لا أنه يريد أنه مقيّد بها. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي أجاب به الحافظ عن المهلّب فيه نظر، إذ يردّه ظاهر تشبيهه بأكل الميتة عند الضرورة. فتأمل. واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-: الحقّ أن سؤال العباس كان على معنى الضراعة، وترخيص النبيّ - ﷺ - كان تبليغًا عن اللَّه تعالى، إما بطريق الإلهام، أو بطريق الوحي، ومن ادّعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متّسع فقد وهم. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٠/ ٢٨٧٥ و١١١/ ٢٨٧٦ و١٢٠/ ٢٨٩٣ - وفي «الكبرى» ١١٠/ ٣٨٥٧ و١١١/ ٣٨٥٨ و١٢٠/ ٣٨٧٥. وأخرجه (خ) في «الجنائز» ١٣٤٩ وفي «الحجّ» ١٥٨٧ و١٨٣٣ و١٨٣٤ و«البيوع» ٢٠٩٠ و«الجهاد» ٢٧٨٣ و٢٨٢٥ و٣٠٧٧ و«الجزية والموادعة» ٣١٨٩ و«المغازي» ٤٣١٣ (م) في «الحج» ١٣٥٣ و«الإمارة» ١٣٥٣ (د) في «المناسك» ٢٠١٧ و«الجهاد» ٢٤٨٠ (ت) في «السير» ١٥٩٠ (ق) في «الجهاد» ٢٧٧٣ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ٢٢٧٩ و٢٣٤٩ و٢٨٩١ و٢٩١٦ و٣٢٤٣ (الدارميّ) في «السير» ٢٥١٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حرمة مكّة حرسها اللَّه تعالى. (ومنها): تحريم قطع شجر الحرم، وشوكه. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: خصّ الفقهاء الشجر المنهيّ عن قطعه بما يُنبته اللَّه تعالى من غير صنع آدميّ، فأما ما ينبت بمعالجة آدميّ، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعيّ: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة. واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم. وقال عطاء: يستغفر. وقال أبو حنيفة: يؤخذ بقيمته هدي. وقال الشافعيّ: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة. واحتجّ الطبريّ بالقياس على جزاء الصيد. وتعقّبه ابن القصّار بأنه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحلّ، ولا قائل به. وقال ابن العربيّ: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطع السواك من فروع الشجرة. كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرّها، ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء، ومجاهد، وغيرهما، وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور، لهذا الحديث، وصححه المتولي من الشافعيّة، وأجابوا بأن القياس المذكور في مقابلة النصّ، فلا يعتبر به، حتى ولو لم يرد النصّ على تحريم الشوك، لكان في تحريم قطع الشجر دليل على تحريم قطع الشوك لأن غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى، بخلاف الشجر، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر بغير صنع آدميّ، ولا بما يسقط من الورق نصّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا . (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن لقطة مكة لا تلتقط للتملّك، بل للتعريف خاصّة، وهو قول الجمهور، وإنما اختصَّ بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربّها؛ لأنها إن كانت للمكيّ فظاهر، وإن كانت للآفاقيّ، فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كلّ عام سهل التوصّل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال. وقال أكثر المالكية، وبعض الشافعيّة: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختصّ مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده، وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف . (ومنها): أن بعضهم استدلّ بهذا الحديث على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم. قال القرطبيّ: معنى قوله: «حرمه اللَّه» أي يحرم على غير المحرم دخوله حتى يُحرم، ويَجري هذا مجرى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أي وطؤهنّ، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أي أكلها، فعرف الاستعمال يدلّ على تعيين المحذوف. قال: وقد دلّ على صحة هذا المعنى اعتذاره - ﷺ - عن دخوله مكة غير محرم، مقاتلًا بقوله: «لم تحلّ لي إلا ساعة من نهار» الحديث. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهذا الاستدلال بعيد، وقد تقدم تحقيق المسألة، وأن الحقّ عدم وجوب الإحرام إلا لمن أراد الحجّ، أو العمرة، فلتُرَاجِعْ ما سبق في ١٠٧/ ٢٨٦٧. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): أنه استدلّ به على تحريم قطع حشيش الحرم، واختلف في رعيه، فقال مالك، والكوفيون، واختاره الطبريّ: هو أشدّ من الاحتشاش. وقال الشافعيّ: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس، بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهيّ عنه، فلا يتعدّى ذلك إلى غيره.
مصادر المؤلف (١٢)

١. - «فتح» ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢.

٢. - «المرعاة» ١٠/ ٤٦٣ - ٤٦٤.

٣. - «المرعاة» ١٠/ ٤٦٨ - ٤٦٩.

٤. - «فتح» ٤/ ٥٢٠ - ٥٢١.

٥. - «فتح» ٥/ ٣٦١ «كتاب اللقطة».

٦. - «شرح السنديّ» ٥/ ٢٠٤.

٧. - وحكاية المد ذكره السيوطيّ، والسنديّ في شرحيهما.

٨. - «النهاية» ٢/ ٧٥.

٩. - «فتح» ٤/ ٥٢٤.

١٠. - «فتح» ٤/ ٥٢٤ - ٥٢٥.

١١. - «فتح» ٤/ ٥١٧ - ٥١٨.

١٢. - «فتح» ٥/ ٣٧٤ «كتاب اللقطة».