والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام شرحه، وتخريجه في - ٥٠/ ٢٧٣٢ - . ورواه في «الكبرى» عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سألت ابن عمر عن معتمر قدم، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة أياتي أهله؟ قال: «قدم رسول اللَّه - ﷺ - …» فذكره. وقوله هنا: «قال: يعني ابن عمر» فاعل «قال» ضمير عمرو، والعناية من سفيان، ويحتمل أن يكون ممن دونه. واللَّه تعالى أعلم.
والحديث دليل على أن مقام إبراهيم - ﵇ - هو موضع صلاة ركعتي الطواف. وفي حديث جابر - ﵁ - الطويل في صفة حجة الوداع عند مسلم : «طاف، ثم تلا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فصلّى عند المقام ركعتين». قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: احتملت قراءته أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضًا، لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه رَكْعَتَا الطواف حيث شاء، إلا شيئًا ذُكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يُعيد. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٦٣ - (الْقَوْلُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ)
٢٩٦٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَمَلَ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ»، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهَا، حَتَّى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، فَكَبَّرَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا، حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَسَعَى حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ، ثُمَّ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَصَعِدَ فِيهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ الْبَيْتُ، فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا
شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»، قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهَ، وَسَبَّحَهُ، وَحَمِدَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ، فَعَلَ هَذَا حَتَّى فَرَغَ مِنَ الطَّوَافِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) بن أعين المصريّ، ثقة فقيه [١١] ١٢٠/ ١٦٦.
٢ - (شُعيب) بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقة فقيه نبيل، من كبار [١٠] ١٢٠/ ١٦٦.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبت فقيه حجة [٧] ٣١/ ٣٥.
٤ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ المدنيّ، ثقة مكثر [٥] ٧٣/ ٩٠.
٥ - (جعفر بن محمد) بن عليّ الهاشميّ المعروف بالصادق، أبو عبد اللَّه المدنيّ، صدوقٌ فقيه إمام [٦] ١٢٣/ ١٨٢.
٦ - (أبوه) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المعروف بالباقر، أبو جعفر المدنيّ، ثقة فاضل [٤] ١٢٣/ ١٨٢.
٧ - (جابر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٣١/ ٣٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من ابن الهاد، والباقون مصريّون. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية يزيد عن جعفر من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن يزيد من الطبقة الخامسة، وجعفر من السادسة، وفيه جابر - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَن جَابِرٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْبَيْتِ سَبعًا، رَمَلَ مِنْهَا) أي مشى بسرعة مع تقارب الخطا، وهزّ كتفيه (ثَلَاَثًا) أي ثلاث مرّات من الأشواط السبعة، زاد في رواية لأحمد: «حتى عاد إليه» (وَمَشَى) أي على السكون والهيئة (أَرْبَعًا) وكان - ﷺ - مضطبعًا في جميعها، والاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن منكشفًا، والأيسر مستورًا.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات، يسنّ له طواف القدوم، وهو مجمع عليه. وفيه أن الطواف سبعة أشواط. وفيه أن السنة الرمل في الثلاث الأول، ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة انتهى .
(ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ) أي مقام إبراهيم - ﵇ - (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) ظاهر هذه الرواية أن قراءته - ﷺ - للآية بعد الصلاة، وظاهر الرواية التالية أن قراءته كان قبل الصلاة، وهو ظاهر رواية مسلم. ويمكن أن يُجمَع بينهما بأن المراد بقوله: «فصلى» أي أراد الصلاة، ثم قرأ عند ذلك، فصلّى الركعتين. ويحتمل أنه قرأ الآية مرتين، مرّة قبل الصلاة، إشارة إلى أنَّ فعله هذا تفسير للآية، ومرّة بعد الصلاة، تنبيهًا للناس حتى يمتثلوا الأمر، ويقتدوا به، ويؤيّد هذا قوله: «ورفع صوته يسمع الناس». واللَّه تعالى أعلم.
(وَرَفَعَ صَوْتَهُ، يُسْمِعُ النَّاسَ) جملة في مَحَلّ نصب على الحال: أي حال كونه مسمعًا الناس قراءته (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي عن محلّ صلاته (فَاسْتَلَمَ) أي الحجر الأسود. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لما قاله الشافعيّ وغيره من العلماء: إنه يستحبّ للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه لم يلزمه دم انتهى .
(ثُمَّ ذَهَبَ) وفي رواية: «ثم خرج من الباب إلى الصفا» (فَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»، فّبَدَأَ بِالصَّفَا) أي لأن اللَّه تعالى بدأ بذكره في كتابه، فالترتيب الذكريّ له اعتبار في الأمور الشرعية، إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية.
قال السنديّ: هذا يفيد أن بداءة اللَّه تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملًا، لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الوجوب يستفاد من صيغة الأمر في قوله - ﷺ - في الحديث التالي: «فابدءوا بما بدأ اللَّه به». واللَّه تعالى أعلم.
(فَرَقِيَ) بكسر القاف، من باب تعب: أي صعد (عَلَيْهَا) أي على الصفا، وأنثها باعتبار البقعة، وقد ذكر الفيوميّ أنه يذكر، ويؤنث، باعتبار المكان، والبقعة (حَتَى بَدَا لَهُ الْبَيْتُ) أي حتى ظهرت له الكعبة. زاد في رواية: «فاستقبل القبلة» (فَقَالَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: «لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ») أي لا معبود بحقّ إلا اللَّه (وَحْدَهُ) حال مؤكدة، أي منفردًا بالألوهية، أو متوحدًا بالذات (لَا
شَرِيكَ لَهُ) في الألوهية، فيكون تأكيدًا، أو في الصفات، فيكون تأسيسًا، وهو الأولى (لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْييِ وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ«) زاد في رواية مسلم:»أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده«(فَكَبَّرَ اللَّهَ) أي قال: اللَّه أكبر (وَحَمِدَهُ) أي قال: الحمد للَّه (ثُمَّ دَعَا بمَا قُدِّرَ لَهُ) ولفظ مسلم:»ثم دعا بين ذلك، فقال: مثل هذا ثلاث مرات«. وفيه أنه يقول الَذكر ثلاث مرات، ويدعو بعد كلّ مرّة.
قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: في هذا أنواع من المناسك: منها أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعيّ، ومالك، والجمهور. ومنها: أن ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقيّ خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة، ليس بشرط، ولا واجب، فلو تركه صحّ سعيه، لكن فاتته الفضيلة. قال أصحابنا: يستحبّ أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسنّ أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة، ويذكر اللَّه تعالى بهذا الذكر، ويدعو، ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات. هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثًا، والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول. انتهى .
(ثُمَّ نَزَلَ مَاشِيًا) أي إلى المروة (حَتَّى تَصَوَّبَتْ قَدَمَاهُ) ولفظ مسلم: «حتى انصبّت قدماه» أي انحدرتا بسهولة، ومنه: «إذا مشى كأنه ينحطّ في صبب» أي موضع منحدر، وهو مجاز من قولهم: صببت الماء، فانصبّ، أي سكبته، فانسكب (فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ) وفي رواية مسلم: «في بطن الوادي» والمعنى واحد، وأراد بذلك المنخفض من الوادي (فَسَعَى) أي أسرع في المشي مع تقارب خطاه (حَتَّى صَعِدَتْ قَدَمَاهُ) أي ارتفعتا عن بطن الوادي، وخرجتا منه إلى الطرف الأعلى (ثُمَّ مَشَى) أي سار على السكون، يعني أنه إذا بلغ المرتفع من الوادي مشى باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه.
قال النوويّ: فيه استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه. وهذا السعي مستحبّ في كلّ مرّة من المرّات السبع في هذا الموضمع، والمشي مستحبّ فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع أجزأه، وفاتته الفضيلة. هذا مذهب الشافعيّ، وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان: إحداهما كما ذُكر. والثانية تجب عليه إعادته انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الشافعيّ، وموافقوه هو الحقّ؛ إذ لا دليل على الوجوب. واللَّه تعالى أعلم.