HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٩٦٨

أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ ﷿: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فَوَاللهِ! مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بِهِمَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص332
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٥ ص ٢٣٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٥ ص٢٧٣
كَأَنَّ مَتْنَيهِ مِنَ النَّفِيِّ … مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ وقيل: من شروط الصفا البياض، والصلابة، واشتقاقه من صفا يصفو: أي خَلَص من التراب والطين. والمروة: واحدة المرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقد قيل: إنها الصلاب، والصحيح أن المرو الحجارة صليبها، ورخوها الذي يتشظّى، وترقّ حاشيته، وفي هذا يقال: المرو أكثر، ويقال في الصليب، قال الشاعر [من الرمل]: وَتَوَلَّى الأَرْضَ خُفَّا ذَابِلًا … فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَخْ وقال أبو ذُؤيب [من الكامل]: حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا الْمُشَقِّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وقد قيل: إنها الحجارة السُّودُ. وقيل: حجارة بيضٌ برّاقة تكون فيها النار. انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٩٦٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتْ: بِئْسَمَا قُلْتَ: إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨]، فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن منصور) بن ثابت بن خالد الْخُزَاعيّ الجوّاز المكيّ، ثقة [١٠] ٢٠/ ٢١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد المكيّ الإمام الثقة الثبت الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحافظ الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (عروة) بن الزبير بن العوّام الأسديّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن عروة من الفقهاء السبعة. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى عَائِشَةَ) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى - عنها، وهي خالته، وقوله (﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]) مفعول قرأت؛ لقصد لفظه، أي قرأت عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] (قُلْتُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَهُمَا) أي لا أهتمّ، ولا أكترث في عدم الطواف بين الصفا والمروة؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (فَقَالَتْ) عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (بئْسَمَا قُلْتَ) أي بئس القول قولك هذا؛ حيث لم تفهم مدلول الآية، واحتججت بها على ما لا تكون دليلا عليه، وخالفت سنة رسول اللَّه - ﷺ - من الطواف بهما. زاد في الرواية التالية: «يا ابن أختي إن هذه الآية، لو كانت كما أولتها، كانت: فلا حناح عليه أن لا يطّوّف بهما». ومحصل كلام عروة -رحمه اللَّه تعالى- أنه احتجّ للإباحة باقتصار الآية على رفع الجناح، فلو كان واجبًا لما اكتفى بذلك؛ لأن رفع الإثم علامة المباح، ويزداد المستحبّ بإثبات الأجر، ويزداد الوجوب عليهما بعقاب التارك. وحاصل جواب عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - أن الآية ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرّحة برفع الإثم عن الفاعل، وأما المباح فيحتاج إلى رفع الإثم عن التارك، والحكمة في التعبير بذلك مطابقة جواب السائلين؛ لأنهم توهّموا من كونهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية أنه لا يستمرّ في الإسلام، فخرج الجواب مطابقًا لسؤالهم، وأما الوجوب فيستفاد من دليل آخر. ولا مانع أن يكون الفعل واجبًا، ويعتقد إنسان امتناع إيقاعه على صفة مخصوصة، فيقال له: لا جناح عليك في ذلك، ولا يستلزم ذلك نفي الوجوب، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الإباحة لنفي الإثم عن التارك. وقد وقع في بعض الشواذّ باللفظ الذي قالت عائشة أنها لو كانت للإباحة لكانت كذلك. حكاه الطبريّ، وابن أبي داود في «المصاحف»، وابن المنذر، وغيرهم عن أبيّ ابن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. وأجاب الطبريّ بأنها محمولة على القراءة المشهورة. وقال الطحاويّ أيضًا: لا حجة لمن قال: إن السعي مستحبّ بقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨]؛ لأنه راجع إلى أصل الحجّ والعمرة، لا إلى خصوص السعي؛ لإجماع المسلمين على أن التطوّع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. واللَّه أعلم. قاله في «الفتح» . (إِنَّمَا كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ) سيأتي في الرواية التالية أنهم الأنصار قبل أن يسلموا، كانوا يهلّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند الْمُشَلْل (لَا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا) لأنهم يتحرجون عن الطواف لغير آلهتم (فَلَمَّا كَانَ) أي جاء، فـ«كان» تامّة، وقوله (الْإسْلَامُ) فاعلها (وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) أي جوابًا عن سؤالهم النبيّ - ﷺ -، حيث قالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا نتحرّج أن نطوف بين الصفا والمروة؟، فأنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة وقوله (﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ بدل من «القرآن؛ لقصد لفظه. وقوله ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي من معالم دينه، ومواضع عباداته. قال الأزهريّ: الشعائر: المعالم التي ندب اللَّه إليها، وأمر بالقيام عليها. وقال في»النهاية«: شعائر الحج آثاره، وعلاماته، جمع شعيرة. وقيل: هو كلّ ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي، والذبح، وغير ذلك. وقال في»الصحاح«: الشعائر أعمال الحجّ، وكل ما جعل علمًا لطاعة اللَّه. قال الأصمعيّ: الواحدة شعيرة، قال: وقال بعضهم: شعارة، والمشاعر مواضع النسك . وقال الحافظ، ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: قد بين اللَّه تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر اللَّه، أي مما شرع اللَّه تعالى لإبراهيم في مناسك الحج، وقد ثبت في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم - ﵇ - هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من اللَّه -﷿-، فدم تزل تتردّد في هذه البقعة المشرّفة بين الصفا والمروة متذلّلة خائفة وجلة مضطربة فقيرة إلى اللَّه -﷿- حتى كشف اللَّه كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها «طعام طعم، وشفاء سقم»، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذُلّه، وحاجته إلى اللَّه في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجىء إلى اللَّه -﷿- لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبّته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر - ﵍ - انتهى . وقوله (الْآيَةَ) يجوز رفعه، ونصبه، وجرّه، فالرفع على أنه مبتدأ، حذف خبره، أي الآية مقروءة إلى آخرها، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي اقرإ الآية بتمامها، والجرّ -وهو قليل- على أنه مجرور بحرف مقدّر، أي اقرأ إلى آخر الآية. (فَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَطُفْنَا مَعَهُ، فَكَانَتْ سُنَّةً) أي كان الطواف بينهما سنة، والتأنيث باعتبار الخبر، وأرادت بذلك ثبوته بالسنة، وأنه مطلوب في الشرع، فليس مما لا مبالاة بتركه، كما بينته في الرواية التالية، حيث قالت: «ثم قد سنّ رسول اللَّه - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما». والحاصل أنها أرادت بالسنة الفرض، أي هي فرض من فرائض الحج، وليس المراد السنة التي هي خلاف الفرض، بدديل قولها: «فليس لأحد الخ»، وقولها: «لم يتم اللَّه حجّ أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٦٨/ ٢٩٦٨ و٢٩٦٩ - وفي «الكبرى» ١٦٦/ ٣٩٦٠ و٣٩٦١. وأخرجه (خ) في «الحج» ١٦٤٣ و١٧٩٠ و«التفسير» ٤٤٩٥و ٤٨٦١ (م) في «الحج» ١٢٧٧ (د) في «المناسك» ١٩٠١ (ت) في «التفسير» ٢٩٦٥ (ق) في «المناسك» ٢٩٨٦ (أحمد) في «باقي مسند الأنصار» ٢٤٥٨٨و ٢٤٧٧٠و٢٥٣٧٧ (الموطأ) في «الحج» ٨٣٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم السعي بين الصفا والمروة: اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب: (المذهب الأول): أنه ركن في الحجّ، لا يصحّ إلا به، وكذلك في العمرة، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه. وحكاه النوويّ عن جماهير العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وعن مجاهد، وابراهيم النخعيّ أنهما قالا: إذا نسي الطواف بين الصفا والمروة، وهو حاج، فعليه الحجّ، فإن كان معتمرًا، فعليه العمرة، ولا يجزيه إلا الطواف بينهما. وحكاه ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه، وأبي ثور. وبه قال ابن حزم. واستدل هؤلاء على الوجوب بأمور: (أحدها): ما رواه الشافعيّ، وأحمد في «مسنده»، والدارقطنيّ، والبيهقيّ، وغيرهم من رواية صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني ابنة أبي تَجْرَاة ، أنها سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: «يا أيها الناس، اسعَوْا، فإن السعي قد كُتب عليكم» . قال الحافظ وليّ الدين: وذكر النوويّ في «شرح المهذب» في أول كلامه الطريقَ الأول، وقال: ليس بقويّ، واسناده ضعيف، قال ابن عبد البرّ في «الاستيعاب»: فيه اضطراب. ثم ذكر الطريق الثاني في آخر كلامه، وقال: إسناده حسن. فعدّ ذلك شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ في «المهمات» تناقضًا، وقال: اختلف فيه كلام النوويّ. وجوابه أن ذلك باعتبار طريقين، فإن في الأول عبد اللَّه بن المؤمّل، وليس في الثاني، فلذلك ضعّف الأول، وحسّن الثاني. قال ابن المنذر في «الإشراف»: إن ثبت حديث بنت أبي تجراة وجب فرض السعي، وإن لم يثبت فلا أعلم دلالة توجبه، والذي رواه عبد اللَّه بن المؤمّل، وقد تكلّموا في حديثه انتهى. وقد أشار الإسنويّ في بقية كلامه لذلك، فقال: وحسّنه أيضًا الشيخ زكيّ الدين في كلامه على أحاديث «المهذّب»، إلا أن الحديث المذكور روي بإسنادين انتهى. ومع ذلك ففي جعلهما طريقين، وتضعيف الأول، وتحسين الثاني نظر، فهو حديث واحد مداره على صفية بنت شيبة ٢٦٨٢٢ - حدثنا سريج، قال: حدثنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عطاء ابن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول اللَّه - ﷺ -، يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول: «اسعوا فإن اللَّه كتب عليكم السعي»* وقع الاختلاف فيه، وقد سلك ذلك البيهقيّ وغيره، وتقدّم قول ابن عبد البرّ: إن فيه اضطرابًا، لكنه قال في «الاستذكار»: اضطرب فيه غير الشافعيّ، وأبي نعيم الفضل بن دكين على عبد اللَّه بن المؤمل، وجوّدوا إسناده ومعناه، وقد رواه مع ابن المؤمّل غيره، وابن المؤمّل لم يطعن عليه أحد إلا من سوء حفظه، ولم يخالفه فيه غيره، فيتبيّنَ فيه سوء حفظه. وقال الحافظ في «الفتح»: قلت: له طريق أخرى في «صحيح ابن خزيمة» مختصرة. وعند الطبرانيّ عن ابن عباس كالأولى، واذا انضمّت إلى الأولى قويت، واختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها به، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الطبرانيّ عنها: «أخبرتني نسوة من بني عبد الدار»، فلا يضرّ الاختلاف. انتهى . قال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا عندنا -واللَّه أعلم- على إيجاب السعي بين الصفا والمروة من قبل أن هذا الحديث لا يحتمل إلا السعي بينهما، أو السعي في بطن الوادي، فإذا وجب السعي في بطن الوادي، وهو بعض العمل وجب في كلّه. انتهى. (الثاني): استدلّ البيهقيّ على ذلك بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب، وقولها فيه: «ثم قد سن رسول اللَّه - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما». وبقولها أيضًا في «صحيح مسلم»: «ولعمري ما أتمّ اللَّه حجّ من لم يطف بين الصفا والمروة». (الثالث): استدلّ البيهقيّ، وابن عبد البرّ، والنوويّ، وغيرهم على ذلك أيضًا بكونه - ﷺ - كان يسعى بينهما في حجه، وعمرته، وقال: «خذوا عني مناسككم». (الرابع): استدلّ البيهقيّ على ذلك أيضًا بما في «صحيح البخاري» عن عمرو بن دينار، قال: سألنا ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عن رجل قدم بعمرة، فطاف بالبيت، ولم يطف بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبيّ - ﷺ -، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بالصفا والمروة سبعًا، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. وقال عمرو: سألنا جابرًا؟ فقال: لا يقربها حتى يطوف بين الصفا والمروة. (الخامس): استدلّ ابن حزم على ذلك بما في «الصحيحين» عن أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، قال: قدمت على رسول اللَّه - ﷺ -، وهو مُنيخٌ بالبطحاء، فقال: «أحججت؟، فقلت: نعم، فقال:»بم أهللت؟ «، فقلت: لبيك بإهلال، كإهلال رسول اللَّه - ﷺ -، فقال:»قد أحسنت، طف بالبيت، وبالصفا والمروة، وأحلّ«. قال ابن حزم: بهذا صار السعي بين الصفا والمروة في العمرة فرضًا انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الدليل الذي استدلّ به ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- أقوى دليل للمسألة، فلو لم يكن من الأدلة غيره، مع قوله - ﷺ -:«خذوا عني مناسككم»لكفى في وجوب السعي بين الصفا والمروة، فكيف، وقد انضمّ إليه ما تقدم من الأدلة التي ذكرت قبله. واللَّه تعالى أعلم. (المذهب الثاني): أنه واجب، ويجبر تركه بالدم، ويصحّ الحجّ بدونه. وهذا مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وذكر النوويّ أنه الأصحّ عنه. ورواه ابن أبي شيبة في«مصنّفه»عن الحسن البصريّ، وعطاء بن أبي رباح. وحكاه ابن المنذر عن قتادة، وسفيان الثوريّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الثوريّ أنه إن نسيه حتى رجع إلى بلده أجزأه دم. وعن أبي حنيفة، وصاحبيه إن تركه عمدًا، أو نسيانًا، فعليه دم. وذكر صاحب«الهداية» من الحنفيّة أن قوله تعالى: ﴿لا جناح﴾ يستعمل مثله للإباحة، فينفي الركنيّة، والإيجاب، ولأن الركنيّة لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد. ثم معنى ما روي كتب استحبابًا، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٠]. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: [فإن قلت]: قد قال أوّلًا بالوجوب، فكيف قال آخرًا بالاستحباب؟ [قلت]: لم يقل آخرًا بالاستحباب، وإنما قال: إن مثل هذه الصيغة، وهي «كُتب» تستعمل في الاستحباب، كما في الآية التي استشهد بها، ثم هو منازع فيما ذكره في هذه الآية، بل هي على بابها من الوجوب، وكانت قبل نزول آية المواريث، ثم نسخت بها، كما هو مقرر في التفسير. واللَّه أعلم انتهى. (المذهب الثالث): أنه سنة، ليس بركن، ولا واجب، وهو رواية عن أحمد. ورواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه قال: إن شاء سعى، وإن شاء لم يسع. وعن عطاء أنه كان لا يرى على من لم يسع شيئًا، قيل له: قد ترك شيئًا من سنة رسول اللَّه - ﷺ -، قال: ليس عليه، وكان يفتي في العلانية بدم. وقال ابن المنذر: كان أنس بن مالك، وعبد اللَّه بن الزبير، وابن سيرين - ﵃ - يقولون: هو تطوع. وقد روينا أن في مصحف أُبيّ بن كعب، وابن مسعود: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما». وحكى ابن حزم أن ابن عباس كان يقرأ: «فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، ثم قال: هذا قول من ابن عباس، لا إدخال منه في القرآن، ثم حكى ابن حزم هذه القراءة عن
مصادر المؤلف (٨)

١. - حصن بالبحرين عظيم لعبد القيس.

٢. - «تفسير القرطبيّ» ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.

٣. - «فتح» ٤/ ٣٠٦.

٤. - «طرح التثريب» ٥/ ١٠٤.

٥. - «تفسير ابن كثير» ١/ ٢٠٥.

٦. -بكسر المثناة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف، ساكنة، ثم هاء، وهي حبيبة بنت تجراة، وهي إحدى نساء بني عبد الدار. اهـ «فتح» ٤/ ٣٠٥.

٧. - ونصّه في «مسنده»: ٢٦٨٢١ حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد اللَّه بن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عطاء، عن حبيبة بنت أبي تِجْراة، قالت: دخلنا دار أبي حسين، في نسوة من قريش، والنبي - ﷺ -، يطوف بين الصفا والمروة، قالت: وهو يسعى يدور به إزاره، من شدة السعي، وهو يقول لأصحابه: «اسعوا، فان اللَّه كتب عليكم السعي».

٨. - «فتح» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.