٢١١ - (فِيمَنْ لَمْ يُدْرِكْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ الإِمَام بِالْمُزْدَلِفَةِ)
٣٠٤٠ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَدَاوُدَ، وَزَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ، هَا هُنَا، ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسّان المخزوميّ المكيّ، ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧.
٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل بابين.
٣ - (إسماعيل) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت [٤] ١٣/ ٤٧١.
٤ - (داود) بن أبي هند القرشيّ مولاهم البصريّ، ثقة متقنٌ، كان يَهِم بآخره [٥] ٢١/ ٥٣٨.
٥ - (زكريا) بن أبي زائدة خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الهمدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقة يدلّس [٦] ٩٣/ ١١٥.
٦ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَاحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢.
٧ - (عروة بن مُضَرّس) -بمعجمة، ثم راء مشددة مكسورة، ثم مهملة- ابن أوس بن حارثة بن لام الطائيّ، شهد مع النبيّ - ﷺ - حجة الوداع. وروى عنه حديثَ الباب، رواه عنه الشعبيّ، وقال عليّ بن المدينيّ: لم يرو عنه غير الشعبيّ. وقد روى عنه أيضًا ابن عمه حُميد بن مُنْهِب بن حارثة بن حزم. قال الحافظ: لكن قال الأزديّ في «المخزون» لم يرو عنه الشعبيّ. قال: وروى عن حُميد بن مُنهِب عنه، ولا يقوم. وذكر أبو صالح المؤذّن أنه وقعت له رواية عبد اللَّه بن عباس عنه أيضًا. وروى الحاكم في «المستدرك» الحديث المذكور في الحجّ من رواية عروة بن الزبير، عن عروة بن مضرّس، لكن إسناده ضعيف. والحديث قد ذكره الدارقطنيّ في «الإلزامات» من طريق الشعبيّ حسبُ. وقال الدارقطنيّ أيضًا: لم يرو عن عروة بن مضرّس غير الشعبيّ، وكذا قال
مسلم في «الوُحْدان» وغيره. وقال ابن سعد: كان عروة بن مضرّس مع خالد بن الوليد حين بَعَثَه أبو بكر إلى أهل الردّة. وقال أيضًا: وهو الذي بعث معه خالد بن الوليد بعُيينة ابن حِصن الفزاريّ لما أسره يوم البطاح إلى أبي بكر - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأخرج له الأربعة هذا الحديث فقط، كرره خمس مرّات برقم ٣٠٤٠ و٣٠٤١ و٣٠٤٢ و٣٠٤٣ و٣٠٤٤. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، والصحابيّ، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيين عن تابعيّ، إسماعيل، وداود عن الشعبيّ. (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث عند الأربعة، راجع «تحفة الأشراف» ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، وَاقِفًا بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَقَالَ) وفي الرواية الآتية: «قال: أتيت النبيّ - ﷺ - بجمع، فقلت: يا رسول اللَّه، إني أقبلت من جبلي طيّء، لم أدع حَبْلًا إلا وقفت عليه، فهل لي من حجّ؟، فقال رسول اللَّه - ﷺ - (»مَنْ صَلَّى مَعَنَا صَلَاَتنَا هَذِهِ) أي صلاة الصبح (هَا هُنَا) أي في المزدلفة (ثُمَّ أَقَامَ مَعَنَا) أي وقف بالمشعر الحرام (وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ) جملة حاليّة في محلّ نصب من الفاعل (لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) فيه أن من وقف بعرفة في أي وقت من الأوقات، ليلًا، أو نهارًا أجزأ عنه ذلك،. وأن الجمع بين جزء من النهار، وجزء من الليل، -كما يقول به كثير من أهل العلم- ليس شرطًا، فمن أدرك جزءًا من النهار وحده لكفى في تمام الحجّ.
(فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي أمن من الفوات على أحسن وجه، وأكمله، وإلا فأصل التمام بهذا المعنى بوقوف عرفة فيما سبق، وأيضًا شهود الصلاة مع الإمام ليس بشرط للتمام عند أحد. انتهى .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «وأيضًا شهود الصلاة الخ» فيه نظرٌ، فإن النصّ الصريح جعله شرطًا للتمام، فكيف يستقيم القول بعدم شرطيته، ففي الرواية التالية: «من أدرك جمعًا مع الإمام، والناسِ، حتى يُفيض منها، فقد أدرك الحجّ، ومن لم يدرك
مع الناس، والإمام، فلم يدرك». فهذا نصّ صريحٌ في عدم الاعتداد بحج من لم يدرك الوقوف مع الإمام بالمزدلفة، فهل من المعقول أن يقال: إنه ليس بشرط، إن هذا لهو العجب العُجاب.
وأعجب منه قوله: «ليس بشرط عند أحد»، مع أن جماعة من السلف قالوا بذلك، كما سيأتي ذكرهم في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٢١١/ ٣٠٤٠ و٣٠٤١ و٣٠٤٢ و٣٠٤٣ و٣٠٤٤ - وفي «الكبرى» ٢١٢/ ٤٠٤٥ و٤٠٤٦ و٤٠٤٧ و٤٠٤٨ و٤٠٤٩. وأخرجه (د) في «المناسك» ١٩٥٠ (ت) في «الحج» ٨٩١ (ق) في «المناسك» ٣٠١٦ (أحمد) في «مسند المدنيين» ١٥٧٧٥ و«مسند الكوفيين» ١٧٨٣٦ و١٧٨٤٠ (الدراميّ) في «المناسك» ١٨٨٨. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، وهو عدم صحة حجّه، كما نصّ الحديث، إلا من استثناه الشارع، وهم أصحاب الأعذار، كالمرضى، والعجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإن حجهم صحيح، وإن يدركوا ذلك. (ومنها): كون الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجّ، لا يصحّ إلا به. (ومنها): أن الوقوف بعرفة يحصل بالوقوف في جزء من أرض عرفة، ولو لحظة لطيفةً، مطلقًا، سواء كان ليلًا، أو نهارًا، وبهذا قال الجمهور، وحكى النوويّ قولًا: إنه لا يكفي الوقوف ليلًا، ومن اقتصر عليه، فقد فاته الحجّ، وهذا قول باطلٌ، تردّه الأحاديث الصحيحة . (ومنها): أن الوقوف لا يختصّ بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة، وطلوعه يوم العيد، وبه قال أحمد بن حنبل؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان، وخالفه الجمهور، فقالوا: وقت الوقوف بعد الزوال، وأجابوا عن هذا الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال، بدليل أنه - ﷺ - والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا
إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيّدًا لذلك المطلق، ولا يخفى ما فيه. قاله الشوكانيّ .
قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، من أنّ وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزاول هو الحقّ؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوقوف بالمزدلفة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقوف بالمزدلفة سنة، وليس بواجب. وذهبت طائفة إلى أنه واجب، لا يصحّ الحجٌ إلا به، وقد ذكر الإمام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- القائلين بذلك، فقال: روينا من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، نا سفيان الثوريّ، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرنيّ، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: «من أفاض من عرفة، فلا حجّ له». وعن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، انه كان يقول في خطبته: «ألا لا صلاة إلا بجمع»، فإذا أبطل الصلاة إلا بمزدلفة، فقد جعلها من فرائض الحجّ. ومن طريق شعبة، عن المغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعيّ، قال: كان يقال: «من فاته جمعٌ، أو عرفة، فقد فاته الحجّ». ومن طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعيّ، قال: «من فاته عرفة، أو جمع، أو جامع قبل أن يزور، فقد فسد حجه». ومن طريق سفيان الثوريّ أيضا، عن عبد الله بن أبى السفر، عن الشعبيّ، أنه قال: «من فاته جمع جعلها عمرةً». وعن الحسن البصريّ: «من لم يقف بجمع، فلا حجّ له». وعن حمّاد بن سليمان، قال: «من فاته الإفاضة من جمع، فقد فاته الحجّ، فليتحلّل بعمرة، ثم ليحجّ من قابل» .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحق أنّ الوقوف بالمزدلفة من واجبات الحجّ، فلا يصحّ الحجّ إلا به، كالوقوف بعرفة؛ لحديث عروة بن مضرّس - رضي الله تعالى عنه - هذا، فإن قوله - ﷺ -: «ومن لم يدرك مع الإمام والناس، فلم يدرك» لا يكون أقلّ دلالة على الوجوب من قوله - ﷺ -: «الحجّ عرفة»، فكما أن من لم يقف بعرفة لم يدرك الحجّ، فكذلك من لم يقف بالمزدلفة، لم يدرك الحج بهذا النصّ.
وهذا كله في غير المرخّص لهم، من النساء، والأطفال، والعَجَزَة، ومن يقوم عليهم، فإنهم لا يجب عليهم الوقوف بالمزدلفة، بل يجوز لهم أن يتقدّموا إلى منى ليلًا، كما نصّ عليه النبي - ﷺ - بذلك، حيث أمر الضعفة أن يتقدّموا من جمع بليل. والله