HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣١١٠

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ اللَّجْلَاجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص373
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٦ ص ١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٦ ص١٠٢
أصحابكم أهون من أن تخُفِرُوا ذمةَ اللَّه، وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم اللَّه، فلا تنزلهم على حكم اللَّه، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه، فيهم أم لا؟ «. فهذا الحديث صريح في كونهم لا يقاتلون إذا بذلوا الجزية، وقد اختلف أهل العلم في جواز أخذ الجزية من الكفّار: فذهب مالك، والأوزاعيّ، وموافقوهما إلى جواز أخذها من كلّ كافر، عربيًا كان، أو عجميًا، كتابيًا كان، أو مجوسيًّا، أو غيرهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنها تؤخذ من جميع الكفّار إلا مشركي العرب، ومجوسهم. وذهب الشافعيّ إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب، والمجوس، عربًا كانوا، أو عجمًا، واحتجّ الشافعيّ بمفهوم آية الجزية، وبحديث: «سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب»، وتأول حديث بُريدة على أن المراد بأخذ الجزية من أهل الكتاب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك، من إطلاق جواز أخذ الجزية من جميع الكفّار، هو الأرجح؛ لإطلاق حديث بريدة - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو منطوق، فيقدّم على مفهوم الآية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢ - (التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ) ٣١١٠ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وُهَيْبٌ -يَعْنِي ابْنَ الْوَرْدِ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عبدة بن عبدالرحيم) أبو سعيد المروزيّ، نزيل دمشق، صدوق، من صغار [١٠] ٤٥/ ٥٩٧ من أفراد المصنّف. ٢ - (سلمة بن سليمان) المروزيّ، أبو سليمان، ويقال: أبو أيّوب المؤدّب، ثقة حافظ، كان يورّق لابن المبارك، من كبار [١٠]. قال أبو حاتم: من جلّة أصحاب ابن المبارك، وثقاتهم. وقال النسائيّ: ثقة. وقال أحمد بن منصور المروزيّ: حدثنا بنحو من عشرة آلاف حديث من حفظه، وقال: هل يمكن أحدًا منكم أن يقول: غلطت في شيء؟. وذكره ابن حبّان في «الثقات». مات سنة (١٩٦)، وقيل: (٢٠٣)، وقيل: (٢٠٤). أخرج له البخاريّ، ومسلم، والمصنّف، وله عند المصنّف في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٣ - (ابن المبارك) عبد اللَّه الإمام الحجة المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٤ - (وهيب بن الْوَرْد) -بفتح الواو، وسكون الراء- بن أبي الورد القرشيّ مولاهم المكيّ، أبو عثمان، أو أبو أميّة، يقال: اسمه عبد الوهاب، ووُهيب لَقَبه، ثقة عابد، من كبار [٧]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال النسائيّ أيضًا: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: كان من العبّاد، وله أحاديث، ومواعظ، وزهد. وقال إدريس بن محمد الرُّوذيّ: ما رأيت رجلًا أعبد منه. وقال قُتيبة، عن محمد بن يزيد بن خُنيس: كان الثوريّ إذا فرغ من الحديث قال: قوموا إلى الطبيب -يعني وُهيب بن الورد-. قال ابن المبارك: كان وُهيب يتكلّم، والدموع تقطر من عينيه. وقيل له: يجد طعم العبادة من يَعصي اللَّه تعالى؟ قال: لا، ولا من همّ بمعصية. وقال عبد اللَّه بن خُبيق، عن بشر بن الحارث: أربعة رفعهم اللَّه بطيب المطعم: وُهيب بن الورد، وإبراهيم بن أدهم، ويوسف بن أسباط، وسَلْم الْخَوَّاص. وقال العجليّ، ويعقوب بن سفيان: مكيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: وكان من العتاد المتجرّدين لترك الدنيا، مات سنة (١٥٣). روى له مسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. ٥ - (عُمَر بن محمد بن المنكدر) التيميّ المدنيّ، ثقة [٧]. قال النسائيّ: ثقة . وذكره ابن حبّان في «الثقات»، قال: إنه كان من العبّاد، وأنه مات من قرآن قُرىء عليه. وقال الأزديّ: في القلب منه شيء. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من «المجتبى»عَمْرو بن محمد بن المنكدر«بفتح العين، بدل«عُمر» بضمها، وهو تصحيف، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (سُميّ) مولى أبي بكر بن الحارث المدنيّ الثقة [٦] ٢٢/ ٥٤٠. ٧ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ الثقة الثبت [٣] ٣٦/ ٤٠. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «مَنْ مَاتَ، وَلَمْ يَغْزُ) أي لم يخرج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (وَلَمْ يُحَدِّث نَفْسَهُ بِغَزْوٍ) من التحديث، قيل: بأن يقول في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، أو المراد: ولم ينو الجهاد، وعلامته إعداد الآلات، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ الآية [التوبة: ٤٦] (مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ) -بضمّ الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: أي خلق من أخلاق المنافقين. قيل: أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد. وذكر مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه» بعد إخرج الحديث: ما نصّه: قال ابن سهم : قال عبد اللَّه بن المبارك: فنُرَى أن ذلك كان على عهد رسول اللَّه - ﷺ - انتهى . قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- مفسّرًا كلام ابن المبارك هذا: ما نصّه: يعني حيث كان الجهاد واجبًا، وحمله على النفاق الحقيقيّ. ويحتمل أن يحمل على جميع الأزمان، ويكون معناه: أن كلّ من كان كذلك أشبه المنافقين، وإن لم يكن كافرًا. واللَّه تعالى أعلم . وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «نُرى» -بضمّ النون- أي نظن. وهذا الذي قاله ابن المبارك محتملٌ. وقد قال غيره: إنه عامٌ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حمل الحديث على العموم هو الأولى؛ إذ لا دليل على تخصيصه. واللَّه تعالى أعلم. قال: والمراد أن من فعل هذا فقد أشبه المنافقين المتخلّفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شُعَب النفاق. انتهى كلام النوويّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٢/ ٣٠٩٨ - وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣٠٥. وأخرجه (م) في «الإمارة» ١٩١٠ (د) في «الجهاد» ٢٥٠٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تشديد الوعيد في ترك الجهاد في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها، لا يتوجّه عليه الذّم الذي يتوجّه على من مات، ولم ينوها. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكّن من الصلاة في أوّل وقتها، فأخّرها بنية أن يفعلها في أثنائه، فمات قبل فعلها، أو أخّر الحجّ بعد التمكّن إلى سنة أخرى، فمات قبل فعله، هل يأثم أم لا؟. والأصح عندهم أنه يأثم في الحجّ، دون الصلاة؛ لأن الصلاة قريبة، فلا تنسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحجّ. وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحجّ الشيخ دون الشابّ. واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عدم الإثم فيهما هو الظاهر؛ لأنه موسع عليه في ذلك شرعًا؛ إذ الراجح أن الحجَّ على التراخي، وكذلك وقت الصلاة موسع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣ - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ السَّرِيَّةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «السّرّيّة»: القطعة من الجيش، فَعِيلةٌ بمعنى فاعلة؛ لأنها تَسري في خُفية، والجمع سَرَايا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، وعَطِيّات. قاله الفيّوميّ. وفي «القاموس»: والسّريّة: من خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، أو أربعمائة انتهى. وفي «الفتح»: «السريّة» من مائة إلى خمسمائة، فما زاد فمَنْسِرٌ، كمجلِسٍ، فإن زاد على ثمانمائة، فجيش، فإن زاد على أربعة آلاف فجيش جَرّار. وفي «النهاية»: «السريّة»: طائفة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبعث إلى العدوّ، وجمعها السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارَهم، من الشيء السَّرِيّ، وهو النفيس. وقيل: سُمّوا بذلك؛ لأنهم يَنفُذون سرًّا وخُفْية، وليس بالوجه؛ لأن لام السريّ راء، وهذه ياء انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٠٩٩ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْوَزِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عُفَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أحمد بن يحيى بن الوزير بن سليمان) التجيبيّ، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقة [١١] ٤٢/ ٢٦٩٠. ٢ - (ابن عفير) هو سعيد بن كَثير بن عُفير -بالعين المهملة، والفاء، مصغّرًا- بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاريّ مولاهم، أبو عثمان المصريّ، نُسب لجدّه، صدوق عالم بالأنساب [١٠]. قال أبو حاتم: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق. وقال ابن عديّ: سعمت ابن حمّاد يقول: قال السعديّ: سعيد بن عُفير فيه غير لَوْن من البِدَع، وكان مُخَلِّطًا غير ثقة. قال أبو أحمد بن عديّ: وهذا الذي قاله السعديّ لا معنى له، ولم أسمع أحدًا، ولا بلغني عن أحد في سعيد بن كثير بن عُفير كلام، وهو عند الناس صدوق ثقة، ولا أعرف سعيد بن عُفير غير المصريّ، ولم يُنسَب المصريّ إلى بِدَع، ولا إلى كذب. ورَوى له حديثين من رواية ابنه عُبيد اللَّه عنه، ثم قال: ولعل البلاء من عبيد اللَّه لأن سعيد بن عُفير مستقيم الحديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، لا بأس به. وقال النسائيّ: سعيد بن عُفير صالح، وابن أبي مريم أحبّ إليّ منه. وقال الحاكم: يقال: إن مصر لم تُخرِجْ أجمع للعلوم منه. وقال ابن يونس: كان سعيد من أعلم الناس بالأنساب، والأخبار الماضية، وأيام العرب، ومآثرها، ووقائعها، والمناقب والمثالب، كان في ذلك كلّه شيئًا عجيبًا، وكان أديبًا فصيح اللسان، حسن البيان، لا تُملّ مجالسته، ولا يُنزَف علمه، وله أخبار مشهورة تركتها لشهرتها، وكان غير ظنين في جميع ذلك، ولد سنة (١٤٦)، وتوفّي سنة (٢٢٦). أخرج له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في «القدر»، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديثُ الباب، وحديث رقم ٣٣٧٧٤ و٣٣٨٨. ٣ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الحجة المشهور [٧] ٣١/ ٣٥. ٤ - (ابن مسافر) هو عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر، ويقال: غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الفَهْمِيّ، أمير مصر، صدوق [٧]. روى عن الزهريّ. وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مئتا حديث، أو ثلاثمائة، كان الليث يُحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر. وقال أبو حاتم: صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال العجليّ: مصريّ ثقة. وقال الذهليّ: ثبتٌ. وقال الدارقطنيّ: ثقة. وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق، وله مناكير. وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره. وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (١١٨) وعزل سنة (١٩) وكان ثبتًا في الحديث، يقال: توفّي سنة (١٢٧). روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود في «المراسيل»، والترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث الباب فقط. واستشهد به مسلم في حديث واحد: «أرأيتكم ليلتكم هذه …» الحديث. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين إلى ابن مسافر، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - رَأس المكثرين من الرواية روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه الثبت (وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ المدنيّ الفقيه الثبت الحجة (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) - رضي اَلله تعالى عنه - (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ) بفتح حرف المضارعة، من الطيب، و»أنفسهم« بالرفع على الفاعلية، أي لا تنشرح، ولا تنبسط، يقال: طابت نفسه تَطيب: انبسطت، وانشرحت (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي) أي يتأخروا عن الخروج معي (وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ) من الجِمَال، والدوابّ، أي وفي مشيهم مشقّةٌ بالغة عليهم (مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) أي ما تأخّرت، بل خرجت، ومشيت مع كلّ سرية (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، أي لأَحببتُ. والنكتة في إيراد هذه الجملة عقب الجملة السابقة إرادة تسلية الخارجين في الجهاد على مرافقته لهم، وكأنه قال: الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنّى لأجله أني أُقتل مرّات، فمهما فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج النبيّ - ﷺ - في بعض المغازي، وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. أفاده في «الفتح» . (أَنِّي أُقْتَلُ) بالبناء للمفعول في الأفعال السبعة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: كيف ذلك مع أن الصحيح أن الكفار مخاطبون بالفروع، وقتل النبيّ كفر، فكيف يتمنّى وقوع الكفر في الوجود؟. قال: والجواب أن قتله - ﷺ - له اعتباران كونه كفرًا، واعتبار كونه سببًا لثواب الشهداء، وإنما تمنّاه من هذه انتهى . وقال في «الفتح»: استشكل بعض الشّرّاح صدور هذا التمنّي من النبيّ - ﷺ - مع علمه بأنه لا يقتل. وأجاب ابن التين بأن ذلك لعلّه كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية. وهو متعقّبٌ، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينةَ، وهذا الحديث صرّح أبو هريرة - ﵁ - بأنه سمعه من النبيّ - ﷺ -، وإنما قَدِمَ أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة. والذي يظهر في الجواب أن تمنّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال - ﷺ -: «وددت لو أن موسى صبر …»، ونظائر ذلك، وكأنه - ﷺ - أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه. قال ابن التين: وهذا أشبه. قال الحافظ: وحكى شيخنا ابن الملقّن أن بعض الناس زعم أن قوله: «لوددت» مدرج من كلام أبي هريرة. قال: وهو بعيد. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٣٠٩٩ و٣٠/ ٣١٥٢ و٣١٥٣ - وفي «الكبرى» ٣/ ٤٣٠٦ و٢٦/ ٤٣٥٩ و٤٣٦٠. وأخرجه (خ) في «الإيمان» ٣٦ و«الجهاد» ٢٧٩٧ و٢٨٠٣ «التمنّي» ٧٢٢٦ و٧٢٢٧ (م) «الإمارة» ١٨٧٦ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٢٩٨ و٢٧٣٤٧ و٢٧٥٤٨ و٩١٩٢ و١٠١٦٥ (الموطأ) في «الجهاد» ٩٩٩ و١٠١٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن السريّة بسبب العذر. (ومنها): الحضّ على حسن النيّة. (ومنها): بيان شفقة النبيّ - ﷺ - على أمته، وشدّة رأفته بهم، كما وصفه اللَّه تعالى بذلك في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. [التوبة:١٢٨]. (ومنها): استحباب طلب القتل في سبيل اللَّه تعالى. (ومنها): جواز قول: ودِدتُ حصول كذا من الخير، وإن علم أنه لا يحصل. (ومنها): ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة، أو أرجح، أو لدفع مفسدة. (ومنها): جواز تمنّي ما يمتنع في العادة. (ومنها): السعي في إزالة المكروه عن المسلمين. (ومنها): ما قيل: فيه أن الجهاد فرض كفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلّف عنه أحد. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن الخطاب إنما يتوجّه للقادر، وأما العاجز فمعذور، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الآية [النساء: ٩٥]، وأدلّة كون الجهاد فرض كفاية تؤخذ من غير هذا انتهى. وقد سبق تمام البحث فيه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤ - (فَضْلُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ) ٣١٠٠ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ- قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا، فَجِئْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ، لَجَاهَدْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ سَتُرَضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا، لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، يَرْوِى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ، لَيْسَ بِثِقَةٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن بَزِيع) -بفتح الموحّدة، وكسر الزاي- البصريّ، ثقة [١٠] ٤٣/ ٥٨٨. ٢ - (بشر بن المفضّل) الرقاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت عابد [٢] ٦٦/ ٨٢. ٣ - (عبد الرحمن بن إسحاق) القرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل البصرة، ويقال له: عَبّاد، صدوق رُمي بالقدر [٦] ١٠٠/ ٢٦١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المذكور قريبًا. ٥ - (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس، له، ولأبيه صحبة مشهور - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة، تقدّم في ٤٠/ ٧٣٤. ٦ - (مَرْوَانَ بْنُ الحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ أمير المدينة الذي صار بعد ذلك خليفة في آخر سنة (٦٤) ومات سنة (٦٥) في رمضان، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنة، ولا يثبت له صحبة، تقدّم في ١١٨/ ١٦٣. ٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحّاك بن لَوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كاتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم - ﵁ - مات سنة خمس، أو ثمان وأربعين. وقيل: بعد الخمسين، تقدّم في ١٢٢/ ١٧٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى عبد الرحمن، وبالمدنيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن تابعي، فإن سهلًا - رضي اللَّه تعالى عنه - صحابى، ومروان تابعيّ وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) كذا قال عبد الرحمن بن إسحاق، وتابعه صالح بن كيسان، كما يأتي في الرواية التالية، وخالفهما معمر، فقال: «عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت»، أخرجه أحمد. ولا يضرّ مثل هذا الاختلاف؛ لإمكان حمله على أن للزهريّ طريقين في هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبى العاص (جَالِسًا، فَجئْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ، فحَدَّثَنَا) قال الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في هذا الحديث رواية رجل من الصحابة، وهو سهل بن سعد، عن رجل من التابعين، وهو مروان بن الحكم، ولم يسمع من رسول اللَّه - ﷺ -، فهو من التابعين انتهى. قال الحافظ: لا يلزم من عدم السماع عدم الصحبة، والأولى ما قاله فيه البخاريّ: لم ير النبيّ - ﷺ -، وقد ذكره ابن عبد البر في «الصحابة»؛ لأنه وُلد في عهد النبيّ - ﷺ - قبل عام أحد. وقيل: عام الخندق، وثبت عن مروان أنه قال لما طلب الخلافة، فذكروا له ابن عمر، فقال: ليس ابن عمر بأفقه منّي، ولكنه أسنّ منّي، وكانت له صحبة. فهذا اعتراف منه بعدم صحبته، وإنما لم يسمع من النبيّ - ﷺ -، وإن كان سماعه منه ممكنًا؛ لأن النبيّ - ﷺ - نفى أباه إلى الطائف، فلم يردّه إلا عثمان - ﷺ - لمّا استُخلف. وقد تقدّمت روايته عن النبيّ - ﷺ - في «كتاب الحجّ» في باب «إشعار الهدي» -٦٢/ ٢٧٧١ - وتقدّم هناك التنبيه على أن روايته تلك مرسلة، وباللَّه تعالى التوفيق. (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي رواية قَبيصة بن ذؤيب المذكورة: «كنت أكتب لرسول اللَّه - ﷺ -، وفي رواية خارجة بن زيد، عن أبيه:»إني لقاعد إلى جنب النبيّ - ﷺ -، إذ أوحي إليه، وغشِيَته السكينة، فوضع فخذه على فخذي، قال زيد: فلا واللَّه ما وجدت شيئًا قط أثقل منها«. وفي حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند البخاريّ:»لما نزلت قال النبيّ - ﷺ -: ادع لي فلانًا، فجاءه، ومعه الدواة، واللوح، والكتف«، وفي رواية أخرى عنه:»دعا زيدًا، فكتبها«. قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن المراد بقوله:«نزلت»كادت تنزل؛ لتصريح رواية خارجة بأن نزولها كان بحضرة زيد انتهى . (فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ) وفي رواية قبيصة:«فجاء عبد اللَّه ابن أمّ مكتوم»، وعند الترمذيّ، من طريق الثوريّ، وسليمان التيميّ، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء:« جاء عمرو ابن أم مكتوم»، وقد نبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد اللَّه، وعمرو، وأن اسم أبيه زائدة، وأم مكتوم أمه انتهى. واسم أمه عاتكة. وفي«التقريب»: عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة، ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الأعمى الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: الحصين، كان النبيّ - ﷺ - استخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وقد تقدّمت ترجته في«كتاب الأذان»باب-٩/ ٦٣٧ -«المؤذنان للمسجد الواحد»(وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ) من أملّ عليه الكتاب، أي ألقى عليه ليكتب،«يقال: أمللتُ الكتابَ على الكاتب إملالًا: ألقيته عليه، وأمليته عليه -بالياء- إملاءً، والأولى لغة الحجاز، وبني أسد، والثانية لغة بني تميم، وقيس، وجاء الكتاب العزيز بهما، ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قاله الفيّوميّ. والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه - ﷺ - يقرءها علي؛ لأكتبها (فَقَالَ) أي ابن أمّ مكتوم (يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجهَادَ) أي لو استطعت، وعبّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال. زاد في الرواية التالية: «وكان رجلًا أعمى»، وفي رواية خارجة: «فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك»، وفي رواية قبيصة: «فقال: إني أحبّ الجهاد في سبيل اللَّه، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري» (لَجَاهَدْتُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ -﷿-، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي) جملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أن فخذه - ﷺ - موضوعة على فخذي (فَثَقُلَتْ عَلَيَّ) يعني أنه حدث في أعضائه ثقلٌ محسوسٌ، من ثقل الوحي النازل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزّمّل:٥] (حَتَّى ظَنَنْتُ أَنْ ستُرَضُّ فَخِذِي) «أن» هنا مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والفعل بعدها مرفوع، أي أنه سترضُّ فخذي، وهو بتشديد الضاد المعجمة، أي ستُدقّ، وستكسر (ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) -بضمّ المهملة، وتشديد الراء، مبنيًّا للمفعول، أي كُشف، وأزيل عنه - ﷺ -، ما حلّ به من غشيان الوحي ﴿لَّا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) مفعول «فأنزل اللَّه -﷿-»، فهو منصوب محلًّا، محكيّ لفظًا. وفي رواية قبيصة: (ثمّ قال: اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وزاد في رواية خارجة بن زيد: «قال زيدٌ بن ثابت: فواللَّه لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صَدْعٍ كان في الكتف» . وقوله: ﴿غير﴾ قرىء بالنصب، والرفع، وهما قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائيّ بنصبها، والباقون برفعها. وقُرىء في الشواذّ بجرّها، فمن نصب فعلى الاستثناء، ومن رفع، فعلى أنه وصفٌ لـ ﴿لقاعدين﴾، أو بدلٌ منهم، ومن جرّه، فعلى أنه وصف لـ ﴿لمؤمنين﴾، أو بدل منهم. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- . (قَالَ أَبو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى- (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ هَذَا) أي الذي ذُكر في هذا السند، راويًا عن الزهريّ، فـ«عبد الرحمن» مبتدأ، خبره قوله (لَيْسَ بهِ بَأْسٌ، وَعَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن الحارث، أبو شيبة الواسطيّ الأنصاريّ، ويقال: الكوفيّ، ابن أخت النعمان بن سعد، ضعيف من الطبقة السادسة (يَرْوِي عَنْهُ عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) بضم الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعد ما أضرّ [٨] ٥٢/ ٦٦ (وَأَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] ٢٦/ ٣٠ (وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقة في حديثه عن الأعمش وحده مقال [٨] ٣/ ١٤٤٨ (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ) بن حَبْتة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة، ثمّ مثنّاة، ويقال: آخره راء- أنصاريّ كوفيّ مقبول [٣] تفرّد به الترمذيّ (لَيْسَ بِثِقَةٍ) فقوله: «وعبد الرحمن الخ» مبتدأ خبره جملة «يروي الخ»، وجملة «ليس بثقة» خبر بعد الخبر، أو هي الخبر، وجملة «يروي» حال من المبتدا على رأي بعض النحاة. وقوله: «عن النعمان ابن سعد» متعلّق بمحذوف، حال من فاعل «يروي»، وهو ضمير «عبد الرحمن»، أي يروي هؤلاء عنه، حال كونه راويًا عن خاله النعمان بن سعد. [تنبيه]: غرض المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا الكلام التمييز بين المتشابِهَينِ في الاسم، واسم الأب، حتى لا يوقع اشتباههما في الخطأ، فَيُردّ حديث صحيح، أو يُقبَل حديث ضعيف، إذ أحدهما ثقة، والآخر ضعيف، كما بينه هنا، وهذا هو النوع المسمّى في مصطلح الحديث بـ«المتفق والمفترق»، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في «ألفية الحديث»، حيث قال: وَاعْنَ بِمَا لَفْظَا وَخَطًّا يَتَّفِقْ … لَكِنْ مُسَمَّيَاتُهُ قَدْ تَفْتَرِقْ لَا سِيَّمَا إِنْ يُوجَدَا فِي الْعَصْرِ … وَاشْتَرَكَا شَيْخًا وَرَاوٍ فَادْرِ ثمّ إن هذا الذي قاله المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هنا، من تقويته عبد الرحمن بن إسحاق الأول، وتضعيفه الثاني، قاله غيره، من أئمة الجرح والتعديل أيضًا، فأما الأول فقد وثّقه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقد تقدّم نقل أقوالهم في - ١٠٠/ ٢٦١٨ - . وأما الثاني، فإنه من رجال أبي داود، والترمذيّ، وليس له عند المصنّف شيء، وقد ضعّفه أحمد، وقال: ليس بشيء، منكر الحديث. وقال أيضًا: ليس بذاك، وهو الذي يُحدّث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير، والمدنيّ أعجب إليّ من الواسطيّ. وقال ابن معين: ضعيف ليس بشيء.، وقال ابن سعد، ويعقوب بن سفيان، وأبو داود، وابن حبّان: ضعيف. وقال البخاريّ: فيه نظر. وقال أبو زرعة: ليس بقويّ. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث، يكتب حديثه، ولا يُحتجّ به. وقال ابن خزيمة: لا يُحتجّ بحديثه. وقال البزّار: ليس حديثه حديث حافظ. وذكره يعقوب ابن سفيان في «باب من يُرغب عن الرواية عنهم». وقال ابن عديّ: وفي بعض ما يرويه لا يُتابعه الثقات عليه. وقال العقيليّ: ضعيف الحديث. وقال الساجيّ: كوفيّ أصله واسطيّ، أحاديثه مناكير. وقال العجليّ: ضعيف، جائز الحديث، يُكتب حديثه . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث سهل بن سعد - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٤/ ٣١٠٠ و٣١٠١ و٣١٠٢ و٣١٠٣ - وفي «الكبرى» ٤/ ٤٣٠٧ و٤٣٠٨ و٤٣٠٩ و٤٣١٠. وأخرجه (خ) في «الجهاد» ٢٨٣٢ و«التفسير» ٤٥٩٢ (م) في «الإمارة» ١٨٩٨ (ت) في «التفسير» ٣٠٣٣ (أحمد) في «مسند الأنصار» ٢١٠٩١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها) ة ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل المجاهدين في سبيل اللَّه تعالى على القاعدين منه. (ومنها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة صالحة، كما قال - ﷺ -: «ولكن جهاد ونيّة». (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ - ﷺ - فرض عين، وبعده فرض كفاية. والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] انتهى . (ومنها): بيان سبب نزول الآية. (ومنها): جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازمه جواز الاستثناء المتأخّر، والجمهور على خلافه. (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه. (ومنها): جواز تقييد العلم بالكتابة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،، قَالَ: حَدَّثَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ، جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمْلَى عَلَيْهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ -، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، حَتَّى هَمَّتْ تَرُضُّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّىَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح. و«محمد بن يحيى بن عبد اللَّه»: هو الحافظ الثقة الثبت الذُّهْليّ النيسابوريّ [١١] ١٩٦/ ٣١٤. و«يعقوب بن إبراهيم بن سعد»: الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد الثقة الفاضل، من صغار [٩] ١٩٦/ ٣١٤. و«أبوه»: هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] ١٩٦/ ٣١٤. و«صالح»: هو ابن كيسان، أبو محمد، أو أبو الحارث، مؤدّب أولاد عمر بن عبد العزيز، الثقة الثبت الفقيه [٤] ١٩٦/ ٣١٤. وقوله: «فأنزل اللَّه» مفعوله محذوف، أي الوحي. وقوله: «حتّى همّت»، أي قصدت، والفاعل ضمير «فخذه»، و«أن تُرضّ» -بضم الراء، والبناء للفاعل، وفاعله أيضًا ضمير «فخذه»، و«فخذي» مفعوله، والمراد كادت تكسرها من ثقلها. وقوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾ مفعول به لـ«أنزل» محكيّ لقصد لفظه. والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستَوفًى في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠٢ - (أَخْبَرَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، ثُمَّ ذَكَرَ كَلِمَةً، مَعْنَاهَا: قَالَ: «ائْتُونِى بِالْكَتِفِ، وَاللَّوْحِ»، فَكَتَبَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ خَلْفَهُ، فَقَالَ: هَلْ لِي رُخْصَةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (نصر بن عليّ) الجهضميّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٢٠/ ٣٨٦. ٢ - (معتمر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالطُّفيل، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٣ - (أبوه) سليمان بن طرخان التيميّ البصريّ، ثقة عابد [٤] ٨٧/ ١٠٧. ٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السبيعيّ الثقة العابد الكوفيّ [٣] ٣٨/ ٤٢. ٥ - (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، المتوفّى سنة (٧٢هـ) تقدّمت ترجمته في ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى أبي المعتمر، والباقيان كوفيان. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة دون واسطة، كما تقدّم غير مرّة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «عن البراء» وفي رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق: أنه سمع البراء. أخرجه أحمد عنه. ووقع في رواية الطبرانيّ من طريق أبي سنان الشيبانيّ، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه ضِرَار بن مُرّة، وهو ثقة، إلا أن المحفوظ «عن أبي إسحاق، عن البراء»، كذا اتفق الشيخان عليه من طريق شعبة، ومن طريق إسرائيل. وأخرجه الترمذيّ، وأحمد من رواية سفيان الثوريّ، والترمذيُّ أيضًا، والنسائيُّ، وابن حبّان من رواية سليمان التيميّ، وأحمدُ أيضًا من رواية زُهير، والنسائيُّ من رواية أبي بكر بن عيّاش، وأبو عوانة من طريق زكريا بن أبي زائدة، ومسعير، ثمانيتهم عن أبي إسحاق، عن البراء. انتهى (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، ثُمَّ ذَكَرَ) الظاهر أن الذاكر هو البراء - ﵁ - (كَلِمَةً مَعْنَاهَا) مبتدأ، وخبره قوله (قَالَ: «ائتُونِي) فيه أنه لم يحفظ لفظ الكلمة، وإنما حفظ معناها، ومثل هذا لا يضرّ في صحّة الرواية. وفيه أيضًا إطلاق الكلمة على الكلام، وهو جائز في الاستعمال، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ الآية، إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾، ومثل:«لا إله إلا اللَّه كلمة الإخلاص»، قال ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في«الخلاصة»: .................... وَكِلْمَةٌ بهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمُّ (بالكَتِفِ) متعلّق بـ«ائتوني»، وهي بفتح الكاف، وكسر المثنّاة الفوقيّة، ويجوز تسكيَنها، مع فتح الكاف، وكسرها تخفيفًا: عظم عَرِيضٌ، خلف المنكب، وهي مؤنّثةٌ، وتكون للناس، وغيرهم، كانوا يكتبون فيها لقلّة القراطيس عندهم. أفاده في«اللسان»(وَاللَّوْحِ) بفتح اللام، وسكون الواو: كلُّ صفيحة من خشب، وكتف، إذا كتب عليه، سمّي لَوحًا، والجمع ألواح. أفاده في«المصباح». وقوله:«إذا كُتب عليها»أي إذا استعملت للكتابة، وهُيئت له، فليس المراد أنها كتب عليها بالفعل؛ لأنه لا تقبل الكتابة مرّة أخرى، إلا إذا محيت، فتنبّه (فَكَتَبَ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) أي أمر - ﷺ - بالكتابة، وفي رواية البخاريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق:«لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النبيّ - ﷺ -: »ادعوا لي فلانًا«، فجاءه، ومعه الدواة، واللوح، أو الكتف، فقال: »اكتب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ … وقد بين فلان في رواية شعبة، عن أبي إسحاق، ولفظها:«لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول اللَّه - ﷺ - زيدًا، فكتبها … ». فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفعول به لـ«اكتب»محكيّ. (وَعَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) - ﵁ - تقدمت ترجمته في حديث زيد بن ثابت - ﵁ - الماضي (خَلْفَهُ) أي خلف النبيّ - ﷺ -، وفي الرواية التالية:«جاء ابن أم مكتوم»، فيجمع بأن معنى قوله:«جاء»، أنه قام من مقامه خلف النبيّ - ﷺ - حتى جاء مواجهه، فخاطبه. قاله في«الفتح»(فَقَالَ: هَلْ لِي رُخْصَةٌ) وفي الرواية التالية:«فكيف فيّ، وأنا أعمى»، وفي رواية شعبة المذكورة:«فشكا ضرارته»، وفي رواية إسرائيل:«فقال: يا رسول اللَّه أنا ضرير»(فَنَزَلَت ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾) وفي الرواية التالية:«فما برح، حتى نزلت ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾، وفي رواية إسرائيل المذكورة: »فنزلت مكانها ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال ابن التين: يقال: إن جبريل هبط، ورجع قبل أن يجفّ القلم. وقال ابن المنيّر: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذكر الكلمة الزائدة، وهي: ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾ فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتّصل المستثنى بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حكى الراوي صورة الحال. قال الحافظ: الأول أظهر، فإن في رواية سهل بن سعد : «فأنزل اللَّه ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾. وأوضح من ذلك رواية خارجة بن زيد عن أبيه، ففيها:»ثمّ سُرِّيَ عنه، فقال: اقرأ، فقرأت عليه ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال النبيّ - ﷺ -: ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾). وفي حديث الْفَلَتَان -بفتح الفاء، واللام، وبمثنّاة فوقانيّة- ابن عاصم في هذه القصّة: «قال: فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فانزل اللَّه، فقلنا له: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى اللَّه، فقال النبيّ - ﷺ -: اكتب ﴿غَيرُ أُوْلِى اْلضَّرَرِ﴾»، أخرجه البزّار، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان. ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيّد الثاني، وهو في حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «فأُنزلت هذه الآية: حافظوا على الصلوات، وصلاة العصر، فقرأناها ما شاء اللَّه، ثم نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. انتهى. [تنبيه]: أخرج البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في«صحيحه»، والمصنّف في«التفسير»من«الكبرى»من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم الجزريّ، عن مقسم مولى عبد اللَّه ابن الحارث، أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر إلى بدر انتهى. قال في«الفتح»: كذا أورده مختصرًا، وظنّ ابن التين أنه مغاير لحديثي سهل والبراء، فقال: القرآن ينزل في الشيء على ما في معناه. وقد أخرجه الترمذيّ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد:«لما نزلت غزوة بدر، قال عبد اللَّه بن جحش، وابن أم مكتوم الأعميان: يا رسول اللَّه، هل لنا رخصة؟، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فهولاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر. هكذا أورده سياقًا واحدًا، ومن قوله: »درجة الخ« مدرج في الخبر من كلام ابن جريج، بيّنه الطبريّ، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذيّ إلى قوله: »درجة«، ووقع عنده: »فقال عبد اللَّه ابن أم مكتوم، وأبو أحمد بن جحش«، وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد اللَّه أخوه، وأما هو فاسمه عبد بغير إضافة، وهو مشهور بكنيته. ثم أخرج بالسند المذكور عن ابن جريج، قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال: على القاعدين من المؤمنين، غير أولي الضرر. وحاصل تفسير ابن جريج أن المفضّل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر، فملحقون في الفضل بأهل الجهاد إذا صدقت نياتهم، كما ثبت في حديث أنس - ﵁ - مرفوعًا: «إن بالمدينة لأقوامًا ما سرتم من مسيرٍ، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم، حبسهم العذر». ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾، أي من أولي الضرر، وغيرهم، وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ أي على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس، ولا ما دلّت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم في الاستواء، إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن المراد منه استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلّق بالفعل. ويحتمل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤/ ٣١٢٠ و٣١٠٣ - وفي «الكبرى» ٤/ ٤٣٠٩ و٤٣١٠ و«التفسير» ١١١١٨. وأخرجه (خ) في «الجهاد» ٢٨٣١ وفي «التفسير» ٤٥٩٣ و٤٥٩٤ و«فضائل القرآن» ٤٩٩١ (م) في «الإمارة» ١٨٩٨ (ت) في «الجهاد» ١٦٧٠ (أحمد) في «مسند الكوفيين» ١٨٠١٦ و١٨٠٣٧ و١٨٠٣٤ (الدارميّ) في «الجهاد»٢٤٢٠. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ فِيَّ ، وَأَنَا أَعْمَى، قَالَ: فَمَا بَرِحَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ﴾). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير شيخه، فقد تفرد به هو وأبو داود، والترمذيّ، و«محمد بن عُبيد»: هو أبو جعفر، أو أبو يعلى النحّاس الكوفيّ، صدوق [١٠] ١٤٤/ ٢٢٦. و«أبو بكر بن عيّاش»: الأسديّ الكوفيّ المقرىء الحنّاط، والأصح أن اسمه كنيته، وقيل: محمد، وعبد اللَّه، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح [٧] ٩٨/ ١٢٧. وهذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٥٦) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى سند وقع له، كما تقدّم غير مرّة. وقوله: «فكيف في» أي فكيف تقول في شأني. وفي نسخة: «فكيف بي». وقوله: «فما برح» بكسر الراء، من باب تَعِب: أي ما زال من مكانه. والحديث متّفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥ - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَانِ) ٣١٠٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَىٌّ وَالِدَاكَ»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصريّ المعروف بالزمن، ثقة ثبت [١٠] ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٣٣/ ٣٧. ٤ - (شعبة) بن الحجاج البصريّ الإمام الحجة الثبت [٧] ٢٤/ ٢٧. [تنبيه]: وقع في بعض نسخ «المجتبى» في هذا السند: «سعيد» بدل «شعبة»، والظاهر أنه غلطٌ، راجع «تحفة الأشراف» ٦/ ٢٩٥. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (حبيب بن أبي ثابت) أبو يحعص الأسديّ مولاهم الكوفيّ، واسم أبيه قيس، ويقال: هند بن دينار، ثقة فقيه جليل، كثير الإرسال والتدليس [٣] ١٢١/ ١٧٠. ٦ - (أبو العبّاس) السائب بن فرّوخ المكيّ الشاعر الأعمى، ثقة [٣] ٧١/ ٢٣٨٨. ٧ - (عبد اللَّه بن عمرو) بن العاص الصحابي ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى - عنهما ٨٩/ ١١١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. (ومنها): أن شيخه، ويحيى، وشعبة بصريون، وسفيان، وحبيب كوفيان، وأبو العباس مكي، والصحابي مدني، ثم مصري، ثم طائفي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) وفي رواية البخاريّ: «سمعت أبا العبّاس الشاعر، وكان لا يُتّهم في حديثه»، فصرّح حبيب بالسماع من أبي العبّاس، فزال تهمة التدليس. وقوله: «وكان لا يُتّهم» فيه إشارة إلى أن الشاعر بصدد أن يُتّهم في حديثه لما تقتضيه صناعته من سلوك المبالغة في الإطراء وغيره، فأخبر الراوي عنه أنه مع كونه شاعرًا كان غير متّهم في حديثه. وقوله: «في حديثه» يحتمل مرويّه من الحديث النبويّ. ويحتمل فيما هو أَعَمُّ من ذلك، والثاني أليق، وإلا لكان مرغوبًا عنه، والواقع أنه حجة عند كلّ من أخرج الصحيح، وأفصح بتوثيقه أحمد، وابن معين، وآخرون. قاله في «الفتح» . [تنبيه]: خالف الأعمش سفيان، وشعبة في هذا الحديث، فقد رواه ابن ماجه من طريق اْبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عبد اللَّه بن باباه، عن عبد اللَّه بن عمرو. فلعلّ لحبيب فيه إسنادين. ويؤيّده أن بكر بن بكّار رواه عن شعبة، عن حبيب، عن عبد اللَّه باباه كذلك . (عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو جاهمة بن العبّاس بن مِرداس الآتي في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -،يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ) أي يطلب منه الإذن في الخروج للجهاد في سبيل اللَّه تعالى (فَقَالَ) - ﷺ - (أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟) يحتمل أن يكون «حيٌّ» مبتدأٌ، و«والداك» فاعل أغنى عن الخبر، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون «حيٌّ» خبرًا مقدّمًا، و«والداك»مبتدأ مؤخّرٌ (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ) أي هما حيان (قَالَ) - ﷺ - (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي ابلُغ جهدك في برّهما، والإحسان إليهما، فإن ذلك يقوم لك مقام قتال العدو. أو خصّصهما بجهاد النفس في رضاهما. قاله في «الفتح». وقال السنديّ: أي جاهد نفسك، أو الشيطان في تحصيل رضاهما، وإيثار هواهما على هواك. وقيل: المعنى: فاجتهد في خدمتهما، وإطلاق الجهاد للمشاكلة، والفاء الأولى فصيحة، والثانية زائدة، وزيادتها في مثل هذا شائع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ٣١٠٤ - وفي «الكبرى» ٥/ ٤٣١١. وأخرجه (خ) في «الجهاد» ٣٠٠٤ و«الأدب» ٥٩٧٢ (م) في «البرّ والصلة» ٢٥٤٩ (د) في «الجهاد» ٢٥٢٩ (ت) في «الجهاد» ١٦٧١ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٦٥٠٨ و٦٧٢٦ و٦٧٧٢ و٦٨١٩ و٧٠٢٢. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان الرخصة في التخلّف عن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى لمن له والدان. (ومنها): فضل برّ الوالدين، وتعظيم حقّهما، وكثرة الثواب على برّهما. (ومنها): تحريم السفر بغير إذن الوالدين؛ لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته، فالسفر المباح أولى، نعم إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعيّن السفر طريقًا إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف. (ومنها): أن برّ الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد. (ومنها): أن المستشار يشير بالنصيحة المحضة. (ومنها): أنه يستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضدّه إذا فُهم المعنى؛ لأن صيغة الأمر في قوله: «فجاهد» ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مرادًا قطعًا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد، وهو تعب البدن والمال. (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كلّ شيء يتعب النفس يسمّى جهادًا. (ومنها): أن المكلّف يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ لأنه سمع فضل الجهاد، فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى استأذن فيه، فَدُلَّ على ما هو أفضل منه في حقّه، ولولا السؤال ما حصل له العلم بذلك. وفي رواية مسلم، وسعيد بن منصور من طريق ناعم مولى أم سلمة، عن عبد اللَّه بن عمرو في نحو هذه القصّة، قال: «ارجع إلى والديك، فأحسِنْ صحبتهما». ولأبي داود، وابن حبّان من وجه آخر، عن عبد اللَّه بن عمرو: «ارجع، فأضحكهما كما أبكيتهما»، وأصرح من ذلك حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ: «ارجع، فأستأذنهما، فإن أذنا لك، فجاهد، وإلا فبرّهما»، وصحّحه ابن حبّان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في حكم الجهاد إذا منع الوالدان: قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان، أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برّهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد، فلا إذن. ويشهد له ما أخرجه ابن حبّان من طريق أخرى، عن عبد اللَّه بن عمرو: «جاء رجلٌ إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فسأله عن أفضل الأعمال؟، قال:»الصلاة«، قال: ثمّ مه؟ قال:»الجهاد«، قال: فإن لي والدين، فقال:»آمرُك بوالديك خيرًا«، فقال: والذي بعثك بالحقّ نبيًّا لأجاهدنّ، ولأتركنهما، قال:»فأنت أعلم«. وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقًا بين الحديثين، وهل يُلحق الجدّ والجدّة بالأبوين في ذلك؟ الأصحّ عند الشافعيّة نعم، والأصحّ أيضًا لا يفرّق بين الحرّ والرقيق في ذلك لشمول طلب البرّ، فلو كان الولد رقيقًا، فأذن له سيده لم يعتبر إذن أبويه. ولهما الرجوع في الإذن إلا إن حضر الصفّ، وكذا لو شرطا أن لا يقاتل، فحضر الصفّ، فلا أثر للشرط. قاله في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦ - (الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ لِمَنْ لَهُ وَالِدَةٌ) ٣١٠٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْوَرَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ، وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبد الوهّاب بن عبد الحكم الورّاق) الغداديّ الثقة [١١] ٤٢/ ١٢٨٢ تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ. ٢ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصّيصيّ، ترمذي الأصل، نزل بغداد، ثم المصّيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدِم بغداد، وهو أثبت الناس في ابن جُريج [٩] ٢٨/ ٣٢. ٣ - (محمد بن طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، صدوق [٦]. روى عن أبيه، ومعاويّة بن جاهمة. وقيل: عن أبيه، عن معاوية. وعنه ابن إسحاق، وابن جريج، وعبد الرحمن بن أبي بكر الْمُلَيكيّ، وداود بن عبد الرحمن العطّار. ذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: كان عاملًا لعمر بن عبد العزيز على مكّة. وزاد البخاريّ في «تاريخه» عن عليّ، عن سفيان: فكان يستشير ابن أبي نَجيح وغيره. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما حديث الباب فقط. ٤ - (أبوه) طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، وأمه عائشة بنت طلحة بن عُبيد اللَّه. مقبول [٣]. ذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال يعقوب بن شيبة: لا علم لي به. له عند أبي داود في «القدر» حديث: «فيم العمل»، وعند المصنّف، وابن ماجه حديث الباب فقط. ٥ - (معاوية بن جاهمة) - بالجيم- ابن العبّاس بن مِرْداس السلميّ، لأبيه وجدّه صحبة، وقيل: إن له صحبة، تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عندهما هذا الحديث فقط. ٦ - (جاهمة) ابن العباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لم أجد له ترجمة، سوى الكلام الآتي قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله موثقون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَق مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ) بن العباس بن مِرْداس السلميّ - رضي اللَّه تعالى عنه -. هكذا نسبه ابن ماجه في «سننه»، وقال: الذي عاتب النبي - ﷺ - يوم حنين. وذكره ابن سعد في طبقة من شهد الخندق، وقال: أسلم، وصحب. [تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- ظاهرة في أن الصحبة لجاهمة، لا لمعاوية، وهي الأصح، كما يأتي عن البيهقيّ. وقد اختُلف في هذا السند اختلافًا كثيرًا بيّنها الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «الإصابة»، فقال: وروى البغويّ، وابن أبي خيثمة، والطبرانيّ، من طريق سفيان بن حبيب، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن معاوية بن جاهمة السلميّ، عن أبيه، قال: أتيت النبيّ - ﷺ - أستشيره في الجهاد، فقال: «هل لك أمّ؟» قلت: نعم، قال: «الزمها». وقد اختُلف فيه على ابن جُريج، وقد جوّده سفيان بن حبيب، لكن أسقط من النسب طلحة، قاله البغويّ، ويقال عن يحيى بن سعيد القطّان عن ابن جريج مثله. ورواه يحيى ابن سعيد الأمويّ، عن ابن جُريج، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ - ﷺ -. أخرجه البغويّ عن شُريح بن يونس، عن الأمويّ، وقال: وَهِمَ فيه الأمويّ. ثم رواه من طريق حجّاج بن محمد، عن ابن جُريج، فخالف في نسب محمد بن طلحة، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، عن أبيه طلحة، عن معاوية بن جاهمة، أن جاهمة جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فذكر الحديث، وكذا أخرجه النسائيّ، وابن ماجه، من طريق حجاج. قال البيهقيّ: رواية الحجاج أصحّ، وتابعه أبو عاصم، وهي عند ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة. ورواه أحمد بن حنبل كرواية حجاج، وأخرجه ابن ماجه من رواية محمد بن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر وافق حجاجًا، لكن حذف عبد اللَّه بن طلحة. وأخرجه ابن شاهين في ترجمة معاوية بن جاهمة من رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، فأثبته، وتابعه محمد بن سلمة الخزاعيّ ، عن محمد بن إسحاق، هذا هو المشهور عنه، وقيل: عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن ابن طلحة، عن معاوية السلميّ، قال ابن لهيعة عن يونس بن يزيد، عن ابن إسحاق بهذا الإسناد، لكن حرّف اسم الصحابيّ، ونسبته، قال: عن جهم الأسلميّ، ورواه عبد الرحيم بن سليمان، عن ابن إسحاق، فقال: عن محمد بن طلحة، عن أبيه طلحة ابن معاوية بن جاهمة، قال: أتيت النبيّ - ﷺ -، وهو غلطٌ نشأ عن تصحيف وقلب، والصواب عن محمد بن طلحة، عن معاوية بن جاهمة، عن أبيه، فصحّف «عن» فصارت «ابن»، وقدّم قوله: «عن أبيه»، فخرج منه أن لطلحة صحبة، وليس كذلك، بل ليس بينه وبين معاوية بن جاهمة نسبٌ، ولو كان الأمر على ظاهر الإسناد لكان هؤلاء أربعة في نسق صحبوا النبيّ - ﷺ -: طلحة بن معاوية بن جاهمة بن العبّاس بن مرداس. وقد أخرج الطبرانيّ من طريق سليمان بن حرب، عن محمد بن طلحة بن مصرّف، عن معاوية بن درهم، أن درهمًا جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: جئتك أستشيرك في الغزو، قال: «ألك أمّ؟»، قال: نعم، قال: «فالزمها». وهذه قصّة جاهمة بعينها، فإن كان جاهمة تحرّف بدرهم، ووقع في نسبه محمد بن طلحة، فوهم في اسم جدّه، وإلا فهي قصّة أخرى وقعت لآخر. انتهى ما في «الإصابة» . وقال في «تهذيب التهذيب» بعد أن ذكر الاختلاف: ما نصّه: قلت: تلخّص من ذلك أن الصحبة لجاهمة، وأنه هو السائل، وأن معاوية ابنه عنه صواب، وروايته الأخرى مرسلة، وقول ابن إسحاق في روايته: عن معاوية: «أتيت النبيّ - ﷺ -» وهم منه؛ لأن ابن جُريج أحفظ من ابن إسحاق، وأتقنُ، على أن يحيى بن سعيد الأمويّ قد روى عن ابن جُريج مثل رواية ابن إسحاق، فوَهِمَ، وقد نبّه على غلطه في ذلك أبو القاسم البغويّ في «معجم الصحابة». واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تلخّص مما تقدّم أن رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- أصحّ الروايات. واللَّه تعالى أعلم. (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ) أي أخرج لمقاتلة العدوّ (وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ) أي أطلب منك الْمَشُورَة. يقال: استشرته في كذا، وشاورته: راجعته لأَرَى رَأْيَه فيه، فأشار عليّ بكذا أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارةً حسنةً، والاسم الْمَشُورة، وفيها لغتان: سكون الشين، وفتح الواو، والثانية: ضمّ الشين، وسكون الواو، وزانُ مَعُونةٍ، ويقال: هي من شار الدّابّة: إذا عرضها في الْمِشْوَار . ويقال: من شَرْتُ العسل : شُبِّهَ حسنُ النصيحة بشرب العسل. قاله الفيّوميّ. وقد بُيِّنَ كيفية الاستشارة في رواية ابن ماجه، فقد أخرجه من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن معاوية بن جاهمة السلمي، قال: أتيت رسول اللَّه - ﷺ -، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟»، قلت: نعم، قال: «ارجع فَبِرَّها»، ثم أتيته من الجانب الآخر، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال: «ويحك أحية أمك؟»، قلت: نعم، يا رسول اللَّه، قال: «فارجع إليها، فَبِرَّها»، ثم أتيته من أمامه، فقلت: يا رسول اللَّه، إني كنت أردت الجهاد معك، أبتغي بذلك وجه اللَّه، والدار الآخرة، قال: «ويحك، أحية أمك؟»، قلت: نعم يا رسول اللَّه، قال: «ويحك، الزم رجلها، فَثَمَّ الجنة». ثم أخرجه من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بسند المصنّف، عن معاوية ابن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي - ﷺ - فذكر نحوه. قال أبو عبد اللَّه ابن ماجه: هذا جاهمة بن عباس بن مرداس السلمي الذي عاتب النبيّ - ﷺ - يوم حنين انتهى. (فَقَالَ) - ﷺ - (هَلْ لَكَ مِن أُمٍّ؟) «من» زائدة، و«أم» فاعل بالجارّ والمجرور، لاعتماده على الاستفهام. ويحتمل أن يكون مبتدأٌ مؤخرًا، والجارّ والمجرور خبرًا مقدّمًا (قَالَ) جاهمة - رضي اللَّه تعالى عنه - (نَعَمْ، قَالَ) - ﷺ - (فَالْزَمْهَا) بفتح الزاي أمر من لزِمَ، كسمع، أي الزم خدمتها. وفي رواية ابن ماجه المذكورة: «ويحك الزم رجلها». وهو كناية عن لزوم خدمتها، والتواضع، وحسن الطاعة لها. واللَّه تعالى أعلم (فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا) أي نصيبك من الجنة لا يصل إليك إلا برضاها، بحيث صارت الجنة كشيء مملوك لها، وهي قاعدة عليه، تتصرّف فيه كيف تشاء، فإن الشيء إذا صار تحت رِجلِ أحد، فقد تمكّن منه، واستولى عليه، بحيث لا يصل إلى آخر منه شيء، إلا برضاه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جاهمة بن العباس السلميّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. [فإن قلت]: في سنده معاوية بن جاهمة، والصحيح أنه ليس صحابيًّا، ولم يوثّقه أحد، فكيف يصحّ حديثه؟. [قلت]: معاوية، إن كان صحابيًّا، كما ادعاه بعضهم، فذاك، وإلا فهو تابعيّ معروف، روى عنه عكرمة بن رَوح، ومحمد بن طلحة، كما قاله في «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٦٢، فزال عنه جهالة العين، وقد صحح حديث مثله بعض أهل العلم، كما هو مشهور في كتب المصطلح، ولحديثه هذا شواهد، كحديث الباب المتقدّم، وغيره، فيصحّ. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٦/ ٣١٠٥ - وفي «الكبرى» ٦/ ٤٣١٢. وأخرجه (ق) في «الجهاد» ٢٧٨١. وفوائد الحديث تعلم مما سبق في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٧ - (فَضْلُ مَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) ٣١٠٦ - (أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «ثُمَّ مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَتَّقِى اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (كثير بن عُبيد) الْمَذْحِجِيّ، أبو الحصن الحمصيّ الحذّاء المقرىء، ثقة [١٠] ٥/ ٤٨٦. ٢ - (بقيّة) بن الوليد، أبو يُحْمِد الكلاعيّ الحمصيّ، صدوق، كثر التدليس عن الضعفاء [٨] ٤٥/ ٥٥. ٣ - (الزُّبيديّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الحمصيّ القاضي الثقة الثبت، من أثبت أصحاب الزهريّ [٧] ٤٥/ ٥٥. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم تقدّم قريبًا. ٥ - (عطاء بن يزيد) الليثيّ الْجُنْدَعيّ المدنيّ، نزيل الشام الثقة [٣] ٢٠/ ٢١. ٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٦٩/ ٢٦٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وبقية. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين إلى عطاء، والزهريّ وإن كان مدنيًا، إلا أنه قد سكن الشام أيضًا. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. (ومنها): أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَجُلًا) لم يعرف اسمه. وفي رواية البخاريّ: «قيل: يا رسول اللَّه الخ» قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد تقدّم أن أبا ذرّ سأله عن نحوه انتهى (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية مالك من طريق عطاء بن يسار مرسلًا، ووصله الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: «خير الناس منزلًا». وفي رواية للحاكم: «أيّ الناس أكمل إيمانًا». وكأن المراد بالمؤمن من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصّل هذه الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؟ لما فيه من بذل نفسه، وماله للَّه تعالى، ولما فيه من النفع المتعدّي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن من يخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن (قَالَ) - ﷺ - (مَنْ يُجَاهِدُ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال، أي أفضل الناس مؤمن يجاهد، وفي نسخة: «من جاهد» (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: هذا عامّ مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث انتهى (قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) أي من هو الذي يليه في الأفضلية؟ (قَالَ) - ﷺ - (ثُمَّ مُؤْمِنٌ) وفي نسخة: «ثم من في شعب من الشعاب». وفي رواية مسلم، من طريق معمر، عن الزهريّ: «رجلٌ معتزلٌ» (فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) -بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو ما انفرج بين جبلين. وليس المراد نفس الشعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالًا لأنه خال عن الناس غالبًا. وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل - ﷺ - عن النجاة، فقال: «امْلِك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» . قاله النوويّ (يَتَّقِي اللَّهَ) وفي رواية مسلم من طريق الزبيديّ، عن الزهريّ: «يعبد اللَّه». وفي حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «معتزل في شعب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس». وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي هريرة: «أن رجلًا مرّ بشِعْب فيه عينٌ عذبة، فأعجبه، فقال: لو اعتزلت، ثم استأذن النبيّ - ﷺ -، فقال:»لا تفعل، فإن مُقام أحدهم في سبيل اللَّه أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا«. (وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) فيه إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شرّه، لا إلى خلاصه عن شرّهم، ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم. قاله السنديّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا ٧/ ٣١٠٦ - وفي «الكبرى» ٧/ ٤٣١٣. وأخرجه (خ) في «الجهاد» ٢٧٨٦ و«الرقاق» ٦٤٩٤ (م) في «الإمارة» ١٨٨٨ (د) في «الجهاد» ٢٤٨٥ (ت) في «الجهاد» ١٦٦٠ (ق) في «الفتن» ٣٩٧٨ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٠٧٤١ و١٠٩٢٩ و١١١٤١ و١١٤٢٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من يُجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله. (ومنها): تفضيل العزلة على الاجتماع؛ لما فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلًا، فقال الجمهور: محلّ ذلك عند وقوع الفتن، كما سيأتي في المسألة التالية. (ومنها): بيان فائدة العزلة، وهو السلامة من الشرور التي تشمل الدينية، والدنيويّة. (ومنها): أن من أدب من يريد العزلة أن يقصد إبعاد شره عن المسلمين، لا إبعاد شرورهم عنه، وإن كان حاصلًا ضمنًا، وذلك هضمًا لنفسه؛ كيلا يرى الفضل له عليهم، وامتثالًا للأمر بالتواضع الذي أمر اللَّه تعالى به، كما قال النبيّ - ﷺ -: «أوحى اللَّه إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد». أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في العزلة، والْخُلطة أيهما أفضل: (اعلم): أنه اختلف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أولى؛ لما فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك. وقال قوم: العزلة أولى؛ لتحقق السلامة، بشرط معرفة ما يتعيّن. وقال الخطّابيّ في «كتاب العزلة»: إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلّقهما، فتحمل الأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عَرَف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دينه، فالأولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والردّ، وحقوق المسلمين، من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لما في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيقتصر منه على ما لا بدّ له منه، فهو أروح للبدن والقلب. واللَّه أعلم انتهى . وقال النوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أشكل فالعزلة أولى. وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتّم عليه أحد الأمرين، ومنهم: من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عينًا، وإما كفايةً، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجّح عليه من يغلب على ظنّه أنه يسلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكن لا يتحقّق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة؛ لما ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة باصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن التفصيل المذكور هو الأرجح؛ لأنه يؤيّده حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - المذكور في الباب، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أخرجه مسلم من طريق بَعْجة بن عبد اللَّه الجهنيّ، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه - ﷺ -، أنه قال: «من خير معاشِ الناس لهم رجل، ممسك عِنَان فرسه، في سبيل اللَّه، يطير على مَتْنِه، كلما سَمِع هَيْعَةً، أو فزعة، طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانه، أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفَة، من هذه الشَّعَفِ، أو بطن واد، من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير». والحاصل أن العزلة، والْخُلطة من الأمور النسبيّة التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما بُيِّن في التفصيل المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٨ - (فَضْلُ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه عَلَى قَدَمِهِ) ٣١٠٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، عَامَ تَبُوكَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرِّ النَّاسِ؟، إِنَّ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ رَجُلًا عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، أَوْ عَلَى قَدَمِهِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، وَإِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، رَجُلًا فَاجِرًا، يَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرْعَوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُويد، أبو رجاء المصريّ الثقة الفقيه [٥] ١٣٤/ ٢٠٧. ٤ - (أبو الخير) مرثد بن عبد اللَّه الْيَزَنيّ المصريّ الثقة الفقيه [٣] ٣٨/ ٥٨٢. ٥ - (أبو الخطّاب) المصريّ، مجهول [٣]. قال النسائيّ: لا أعرفه. وسئل ابن المدينيّ عنه؟ فقال: لا أعرفه، ولم يرو عنه غير أبي الخير. تفرّد به المصنّف، روى له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (أبو سعيد الخدري) المذكور في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخطابن فمجهول. (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: حبيب، وأبو الخير، وأبو الخطاب، وفيه أبو سعيد، كما سبق قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -، عَامَ تَبُوكَ) أي سنة غزوة تبوك، وهو اسم موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه إليهم شعيبًا. وهو مشتقّ من باكت الناقة تبوك بَوْكًا، من باب قال: إذا سَمِنت، فهي بائك، بغير هاء، سمّيت الغزوة بذلك؛ لأن النبيّ - ﷺ - غزاها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية عن البؤْس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ. أفاده الفيّوميّ. وقال في «الفتح»: و«تبوك» مكان معرف، هو نصف طريق المدينة إلى دمشق. ويقال: بين المدينة، وبينه أربع عشرة مرحلة. وذكرها في «المحكم» في الثلاثيّ الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتلّ، فإنه قال: جاءها النبيّ - ﷺ -، وهم يبوكون مكان مائها بِقِدْحٍ، فقال: «ما زلتم تبوكونها»، فسمّيت حينئذ تبوك انتهى . فقوله: «عام» منصوب على الظرفية متعلّقٌ بقوله (يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ) جملة حالية من الفاعل (فَقَالَ) - ﷺ - (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (أُخْبِرُكُم بِخَيْرِ النَّاسِ، وَشَرِّ النَّاسِ؟) أي بمن هو من خير الناس، فالكلام على تقدير «من»، بدليل قوله (إِنَّ مِنْ خَيرِ النَّاسِ رَجُلًا) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: بالألف في بعض النسخ، وفي بعضها بدون الألف، فهو إما منصوب، وتَرْكُ الألف كتابةً في المنصوب عندهم كثيرٌ، أو مرفوع، والتقدير: إن الشأنَ من خير الناس انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: النسخ التي بين يديّ كلها، سواء نسخ «المجتبى»، أو نسخة «السنن الكبرى» «رجلًا» بالألف، ولعل السنديّ وجد بعض النسخ «رجل» بدون ألف، وقوله: «إن الشأن الخ» كان الأولى له أن يقول: اسم «إنّ» محذوف، وهو ضمير الشأن، والتقدير: «إنه» أي الشأن الخ. واللَّه تعالى أعلم. (عَمِلَ فِي سَبيلِ اللَّهِ) أي لأجل إعلاء كلمة تعالى (عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ) أي حال كونه راكبًا فرسه (أَؤ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ) «أو» في الموضعين للتويع، لا للشكّ (أَو عَلَى قَدَمِهِ) هذا محلّ الترجمة، فإنه صريح فى أن من غزا في سبيل اللَّه تعالى على قدميه من خير الناس، وهو فضل عظيم (حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ) أي واصل عمله إلى أن وافاه أجله، وهو كذلك (وَإنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ، رَجُلًا فَاجِرًا) أي فاسقًا، يقال: فجر العبدُ من باب قعد: فسق، وزنى، وفجَرَ الحالف فجُورًا: كذب. قاله الفيّوميّ (يَقرَأُ كِتَابَ اللَّهِ، لَا يَرعَوِي) أي لا ينكفّ، ولا ينزجر، من رعا يَرْعُو إذا كفّ عن الأمور، وقد ارعوَى عن القبيح يَرْعَوِي ارعوَاءً، والاسم الرَّعْيَا بالفتح والضمّ. وقيل: الارعواء: الندم على الشيء، والانصراف عنه وتركه . قاله ابن الأثير (إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ) الظاهر أن «إلى» بمعنى كما في قول الشاعر [من الكامل]: أَمْ لَا سَبِيلَ إِلَى الشَّبَابِ وَذِكْرُهُ … أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ أي عندي، والمعنى هنا: لا ينكفّ، ولا ينزجر عن المعاصي عند قراءة شيء من وعيده. ويحتمل أن تكون بمعنى «من»، كما في قوله [من الطويل]: تَقُولُ وَقَدْ عَالَيْتُ بِالْكُورِ فَوْقَهَا … أَيَسْقَى فَلَا يَرْوَى إِلَيَّ ابْنُ أَحْمَرَا أي منّي، والمعنى هنا: أنه لا ينزجر عن المعاصي من أجل آيات الوعيد التي يقرؤها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي سعيد الخدريّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف؛ لجهالة أبي الخطاب المصريّ. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، لم يخرجه أحد من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد في «باقي مسند المكثرين» ١٠٩٢٦ و١٠٩٨١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠٨ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ، حَتَّى يُرَدَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ، فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِمٍ أَبَدًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ الثقة الحافظ [١١] ٣٨/ ٤٢ من أفراد المصنف. ٢ - (جعفر بن عون) أبو عون المخزوميّ الكوفيّ، صدوق [٩] ٤٠/ ٦٨٤. ٣ - (مسعر) بن كِدَام بن ظُهير، أبو سلمة الكوفيّ، الثقة الثبت الفاضل [٧] ٨/ ٨. ٤ - (محمد بن عبد الرحمن) بن عُبيد القرشيّ، مولى طلحة الكوفيّ، ثقة [٦] ٩٤/ ١٣٥٢. ٥ - (عيسى بن طلحة) بن عُبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقة فاضل، من كبار [٣] ٧٣/ ٩٠. ٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين إلى عيسى، وهو وأبو هريرة مدنيان. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن أَبِيِ هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: «لَا يَبْكِي أَحَدٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَطْعَمَهُ النَّارُ) بفتح حرف المضارعة، من طَعِم بكسر العين، من باب تَعِب: أي فتأكله النار، والفعل منصوب بـ»أن«مضمرةً بعد الفاء السببيّة. وفي»شرح السنديّ«: قوله:»فتطعمه النار«من طَعِم، أي فتأكله النار، أو من أطعم على بناء الفاعل، والضمير للَّه، أو على بناء المفعول، ونائب الفاعل»النار«انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله:«والضمير للَّه» هذا الوجه غير صحيح إلا إذا كان حرف المضارعة ياء تحتانيّة، فتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى يُرَدَّ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ) ببناء الفعل للمفعول، وهذا من التعليق بالمحال عادةً، إذ عودة اللبن في الضرع بعد احتلابه مستحيل عادة، وفائدة تعليقه به التاكيد في عدم دخول الباكي من خشية النار أبدًا، وهو كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]. والظاهر من هذا أن اللَّه تعالى لا يوفق عبدًا للبكاء من خشيته إلا إذا أراد له النجاة من النار أبدًا (وَلَا يَجتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ) فكأنهما ضدّان لا يجتمعان، كالأشياء المتضادّة التي لا يمكن الجمع بينها (فِي مَنْخَرَيْ مُسْلِم أَبَدًا) تثنية «منخر» بفتح الميم والخاء، وبكسرهما، وبضمّهما، وكمَجْلِسٍ: خرق الأنف، وحقيقته موضع النخر، وهو صوت الأنف. والمراد عدم دخوله النار أبدًا. [فإن قلت]: كيف تجمع بين هذا الحديث الدالّ على عدم دخول مسلم قاتَلَ في سبيل اللَّه تعالى النار أبدًا، إذ أن خطاياه تكفّر كلها، وبين ما أخرجه مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»، عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبي قتادة، أنه سمعه يحدث عن رسول اللَّه - ﷺ -، أنه قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل اللَّه، والإيمان باللَّه أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت إن قتلت في سبيل اللَّه تكفر عني خطاياي، فقال له رسول اللَّه - ﷺ -: «نعم، إن قتلت في سبيل اللَّه، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر»، ثم قال رسول اللَّه - ﷺ -: «كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قُتِلتُ في سبيل اللَّه، أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول اللَّه - ﷺ -:»نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فان جبريل - ﵇ -، قال لي ذلك». وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أن النبيّ - ﷺ - قال:«يُغفر للشهيد كلّ ذنب إلا الدين». وفي لفظ:«القتل في سبيل اللَّه يُكفّر كلّ شيء إلا الدين». فإن هذه النصوص صريحة في أن الشهادة لا تكفّر جميع حقوق الآدميين، وإنما تكفر الحقوق المتعلّقة باللَّه ﷾ فقط؟. [قلت]: لا تعارض بين هذه الأحاديث، إذ أحاديث مسلم تدلّ على أن الدين لا تكفّرها الشهادة، وهذا لا يستلزم دخول الشهيد النار بسبب الدين، إذ معاقبة اللَّه تعالى لا تنحصر بدخول النار، فيحتمل أن يعاقبه بغير دخول النار، أو لا يعاقبه، بل يُرضي خصمه عنه بتعويضة بالجنة، فلا يعاقب أصلًا. ويحتمل أن يُخَصَّ عمومُ حديث الباب بأحاديث مسلم، فنقول: لا يدخل الشهيد النار أبدًا إلا إذا كان عليه دين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو وإن كان موقوفًا من هذا الوجه، فهو، مرفوعٌ من الطرق الآتية. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٨/ ٣١٠٨ و٣١٠٩ و٣١١٠ و٣١١١ و٣١١٢ و٣١١٣ و٣١١٤ و٣١١٥ - وفي «الكبرى» ٨/ ٤٣١٥ و٤٣١٦ و٤٣١٧ و٤٣١٨ و٤٣١٩ و٤٣٢٠ و٤٣٢١ و٤٣٢٢ و٤٣٢٣. وأخرجه (ت) في «الجهاد» ١٦٣٢ و«الزهد» ٢٣١١ (ق) في «الجهاد» ٢٧٧٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل من عمل على قدميه في سبيل اللَّه تعالى، ووجه الدلالة أن الغبار الذي لا يجتمع مع دخان جهنّم في منخري مسلم إنما يثيره القدمان، ولا سيّما لمن لا يجد مركوبًا. واللَّه تعالى أعلم. (ومنها): فضل البكاء من خشية اللَّه تعالى. (ومنها): أن المسلم الحقيقيّ إذا جاهد في سبيل اللَّه، مخلصًا له لا يدخل النار أبدًا، فمن لم يُخلص فليس له من هذا الحظّ شيء، بل يكون سببًا لدخوله النار، بل هو من أول من يؤمر به إلى النار، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» والمصنف كما سيأتي برقم (٣١٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: «إن أول الناس يُقضَى يوم القيامة عليه، رجل استُشهِد، فأُتِي به، فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلت فيك، حتى استُشهِدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم، وعلمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وَسَّع اللَّه عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل، تُحِبْ أن ينفق فيها، إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحب على وجهه، ثم ألقي في النار». اللهم ارزقنا الإخلاص في الأعمال كلها، وطهر قلوبنا من الرياء والسمعة، وجميع ما ينافي العبودية برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١٠٩ - (أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى، مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ نَارِ جَهَنَّمَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«المسعوديّ»: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الكوفيّ، صدوق اختلط قبل موته، فمن سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط [٧] ٥٠/ ٨٤٩. والحديث صحيح، وقد سبق تمام الكلام فيه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣١١٠ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ: مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ، وَقَارَبَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوْفِ مُؤْمِنٍ، غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَيْحُ جَهَنَّمَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ، الإِيمَانُ وَالْحَسَدُ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح، و«عيسى ابن حمّاد»: هو أبو موسى المصريّ المقّلب بزُغْبَة، ثقة [١٠] ١٣٥/ ٢١١. و«الليث»: هو ابن سعد الإمام المصريّ الفقيه المجتهد. و«ابن عجلان»: هو محمد
مصادر المؤلف (٤٧)

١. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٢. - وفي نسخة: «ثنا».

٣. - نقل محقق«تهذيب الكمال»٢١ في ترجمة عمر بن محمد بن المنكدر هذا القول عن النسائيّ، وعزاه إلى«السنن الكبرى»برقم ٣٣٧. واللَّه تعالى أعلم.

٤. - هو شيخ مسلم محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطائيّ راوي الحديث عن ابن المبارك.

٥. - «صحيح مسلم» رقم ٤٩٠٨.

٦. - «المفهم» ٤/ ٧٥٠.

٧. - «شرح مسلم» ١٣/ ٥٨.

٨. - «شرح مسلم» ١٣/ ٥٨.

٩. - «النهابة في غريب الحديث» ٢/ ٣٦٣.

١٠. - وفي نسخة: «نفوسهم».

١١. - «فتح» ٦/ ٩٤.

١٢. - «زهر الربى» ٦/ ٨ - ٩.

١٣. - «فتح» ٦/ ٩٥.

١٤. - وفي نسخة: «أخبرنا».

١٥. - «فتح» ٩/ ١٣٧ في «تفسير سورة النساء».

١٦. - «فتح» ٩/ ١٣٨ في «التفسير».

١٧. - «شرح مسلم» ١٣/ ٤٦.

١٨. - يعني عبد الرحمن بن إسحاق الذي في سند المصنف في حديث الباب.

١٩. - راجع «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧.

٢٠. - «شرح مسلم» ١٣/ ٤٥.

٢١. - وفي نسخة: «لو استطعت»، بصيغة الماضي.

٢٢. - «فتح» ٩/ ١٣٨. «التفسير».

٢٣. قلت: مثلها رواية البراء - ﵁ - الآتية بعد هذا.

٢٤. - «فتح» ٩/ ١٣٦ - ١٤٠ في «كتاب التفسير».

٢٥. - وفي نسخة: «فكيف بي».

٢٦. - «فتح» ٤/ ٧٤٦ «كتاب الصوم».

٢٧. - «فتح» ٦/ ٢٤٧ «كتاب الجهاد».

٢٨. - «شرح السنديّ» ٦/ ١٠ - ١١.

٢٩. -«فتح» ٦/ ٢٤٧/٢٤٨.

٣٠. - هكذا الخزاعيّ بالخاء والزاي المعجمتين، ولعله الحرّاني بالحاء والراء المهملتين، فليُحرّر.

٣١. - «الإصابة في تمييز الصحابة» ٢/ ٥٤ - ٥٥.

٣٢. - «تهذيب التهذيب» ٤/ ١٠٥.

٣٣. - شُرت الدابة شورًا، من باب قال: عرضته للبيع بالإجراء ونحوه، وذلك المكان الذي يُجرَى فيه مِشوَارٌ بكسر الميم. قاله في «المصباح».

٣٤. - شُرتُ العسل أَشُورُة شَوْرًا، من باب قال: جَنَيته، ويقال: شَرِبْتُه. قاله في «المصباح».

٣٥. - «فتح» ٦/ ٨١.

٣٦. - «شرح مسلم للنوويّ» ١٣/ ٣٦.

٣٧. - حديث صحح أخرجه الترمذيّ من حديث عفبة بن عامر - رضي اللَّه تعالى عنه -.

٣٨. - «شرح مسلم» ١٣/ ٣٧.

٣٩. - «شرح السنديّ» ٦/ ١١ - ١٢.

٤٠. - الْخُلْطَة بالضم: اسم من الاختلاط، مثلُ الفُرْقة من الافتراق، وهو المناسب هنا. وأما الْخُلْطَة بالكسر: فهو مثلُ العِشْرة وزنًا ومعنًى.

٤١. - أفاده في «المصباح».

٤٢. - راجع «الفتح» ١٣/ ١٣٢ «كتاب الفتن».

٤٣. يقال: باك العين اذا ثَوَّرَ ماءها بعود ونحوه ليخرج. قاله في «القاموس».

٤٤. - راجع الفتح في ١٤/ ٥٤١ - ٥٤٢ «كتاب الفتن».

٤٥. - «فتح» ٨/ ٤٤٩. «كتاب المغازي».

٤٦. - «النهاية» ٢/ ٢٣٦.

٤٧. - «شرح السنديّ» ٦/ ١٢.