«إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٧ - (مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -﷿-)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «يعدل» بكسر الدال، من باب ضرب: أي يماثله، يقال: عَدَلتُ هذا بهذا عَدلًا، من باب ضَرَبَ: إذا جعلته مثله، قائمًا مَقَامه، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وعِدْلُ الشيء بالكسر مثله من جنسه، أو مِقْدارِهِ، وبالفتح ما يقوم مقامه من غير جنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية [المائدة: ٩٥]. أفاده الفيّوميّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٣١٢٩ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ، أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: «لَا أَجِدُهُ، هَلْ تَسْتَطِيعُ، إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ لَا تَفْتُرُ، وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟»، قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدَمة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت سني [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧.
[تنبيه]: وقع في النسخ المطبوعة من «المجتبى»: «حماد» بدل «عفّان»، وهو غلط فاحش، والصواب ما هنا، وهو الذي في النسخة «الهندية»، و«تحفة الأشراف» ٩/ ٤٣٦. فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (همّام) بن يحيى العَوْذيّ البصريّ، ثقة ربما وهم [٧] ٥/ ٤٦٥.
٤ - (محمد بن جُحَادة) -بضم الجيم، وتخفيف المهملة-: هو الأوديّ، أو الإياديّ الكوفيّ، ثقة [٥] ٤٨/ ١٧٣٦.
٥ - (أبو حَصِين) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: هو عثمان بن عاصم بن
حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة ثبت سنّيّ، ربما دلّس [٤] ١٠٢/ ١٥٢.
[تنبيه]: هذا الضبط الذي ذكرته في «أبي حَصِين» هو الصواب، فما وقع في نسخ «المجتبى المطبوعة من ضبطه بالقلم بضم الحاء، وفتح الصاد، مصغّرًا، فغلطٌ، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ذكوان) أبو صالح السمّان الزيات المدني، ثقة ثبت [٣] ٣٦/ ٤٠.
٧ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه كما مرّ آنفًا. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض. وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه قال (جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، يَعْدِلُ) بكسر الدال، كما تقدّم تحقيقه في شرح الترجمة (الْجِهَادَ) بالنصب مفعول به لما قبله (قَالَ: «لَا أَجِدُهُ) هذا جواب من النبيّ - ﷺ -، أي لا أجده مع أنك تستطيعه. وقوله (هَلْ تَسْتَطِيعُ) كلام مستأنف، ولمسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه بلفظ:»قيل: ما يعدِلُ الجهاد؟، قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرّتين، أو ثلاثة، كلّ ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال في الثالثة: مثلُ المجاهد في سبيل اللَّه … «الحديث. وأخرج الطبرانيّ نحو هذا الحديث من حديث سَهْل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، وقال في آخره:»لم يبلغ العشر من عمله«(إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ، تَدْخُلُ مَسْجِدًا، فَتَقُومُ) أي بالصلاة (لَا تَفْتُرُ) من باب نصر: أي تديم القيامَ من غير فُتُور، والجملة فى محلّ نصب على الحال.
يعني لا تنقطع عن الصلاة، بل تصلّي بالاستمرار ليلًا ونهارًا، والمراد الأوقات التي تجوز فيها الصلاة، فلا يشمل أوقات النهي، فتنبّه (وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ؟») أي في وقت الإفطار، وهو الليل، وليس المراد أن يواصل الصوم ليلًا ونهارًا، بل المراد وقت الصوم، وهو النهار، وكذا لا يشمل الأو قات التي نُهي الصوم فيها، كأيام العيد، واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) ذلك السائل (مَن يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟) «من» استفهاميّة، والاستفهام إنكاريّ، أي لا أحد يستيطع ما ذكرته، من مواصلة القيام، والصيام دائمًا. وفي رواية
أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان: «قال: لا أستطيع ذلك».
وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل اللَّه، تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال.
لكن يعارضه ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «ما العمل في أيام، أفضلَ منها في هذه» -يعني أيام عشر ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد؟، قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج، يخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشيء».
ويمكن أن يجاب بأن عموم حديث الباب خُصّ بما دلّ عليه حديث ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -. أو يكون الفضل الذي في حديث الباب مخصوصًا بمن خرج قاصدًا المخاطرة بنفسه وماله، فأصيب، كما بينه قوله: «خرج يُخاطر بنفسه وماله، فلم يرجع بشي»، فمفهومه أن من رجع بذلك لا ينال الفضيلة المذكورة.
لكن يُشكل عليه ما تقدّم في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «وتوكّل اللَّه للمجاهد …» الحديث.
ويمكن أن يجاب بأن الفضل المذكور أولًا خاص بمن لم يرجع، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون لمن يرجع أجرٌ في الجملة، كما تقدّم تحقيقه في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور.
وأشدّ مما تقدّم في الإشكال ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وأحمد، وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء - ﵁ -، مرفوعًا: «ألا أنبّئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب، والورِقِ، وخير لكم من أن تلقَوا عدوّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟»، قالو ا: بلى، قال: «ذكر اللَّه».
فإنه ظاهرٌ في أن الذكر بمجرّده أفضل، من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق، مع ما في الجهاد، والنفقة من النفع المتعدّي. ذكره في «الفتح» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا ذكر هذا الاستشكال الحافظ في «الفتح»، ولم يُجب عنه.
والذي يظهر لي أن حديث الجهاد يرجح على حديث الذكر؛ لأنه متّفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر حديث الباب: ما نصّه: قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد لَيَستنّ في طِوَله، فيُكتب له حسنات». وقوله:«يستنّ»أي يَمْرَح بنشاط،
وقال الجوهريّ: هو أن يرفع يديه، ويطرحهما معًا، وقال غيره: أن يلج في عَدْوه، مقبلًا، أو مدبرًا، وفي المثَلِ:«استنّت الفصال حتى القَرْعَى»، يُضرب لمن يتشبّه بمن فوقه. وقوله:«في طوله»بكسر المهملة، وفتح الواو: هو الحبل الذي تُشدّ به الدّابّة، ويُمسَك طرفه، وتُرسل في المرعى. وقوله:«فيُكتبُ له حسناتٍ»بنصب«حسنات»على أنه مفعول ثان، أي يكتب له الاستنان حسنات. قاله في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-١٧/ ٣١٢٩ - وفي«الكبرى»١٤/ ٤٣٣٦. وأخرجه (خ) في«الجهاد والسير»٢٧٨٥ (م) في«الجهاد»١٨٧٨ (ت) في«فضائل الجهاد»١٦١٩ (أحمد) في باقي مسند المكثرين« ٨٣٣٥ و٩١٩٧ و٢٧٢٠٨ و٩٦٠٤ و٩٦٧٤ (الموطأ) في »الجهاد« ٩٧٣. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان ما يَعدِل الجهاد في سبيل اللَّه -﷿-، ووجه ذلك أن الحديث فيه بيان أن الجهاد لا يعادله شيء من الأعمال، وهو مقيّد بما بعد الإيمان باللَّه ورسوله - ﷺ -، بدليل حديث أبي ذر، وأبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتيين بعد هذا. (ومنها): ما قال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: إن حديث الباب اشتمل على تعظيم أمر الجهاد؛ لأن الصيام وغيره مما ذكر من فضائل الأعمال، قد عدلها كلها الجهاد، حتى صارت جميع حالات المجاهد، وتصرّفاته المباحة معادلة لأجر المواظب على الصلاة، وغيرها، ولهذا قال - ﷺ -: «لا تستطيع ذلك». (ومنها): أن الفضائل لا تدرك بالقياس، وإنما هي إحسانٌ من اللَّه تعالى لمن شاء. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الجهاد أفضل الأعمال مطلقًا؛ لما تقدّم تقريره. وقال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: القياس يقتضي أن يكون الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر