اللَّه -﷿-، وهو الجنّة. (ومنها): بيان عظم شأن الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، حيث إن جزاءه الجنّة. (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵁ - من حبّ نصر الإسلام، والرغبة في الشهادة. (ومنها): المبادرة بالخير، وأنه لا ينبغي الاشتغال عنه بحظوظ الدنيا. (ومنها): الانغماس في صفوف الكفّار، والتعرّض للشهادة، وهو جائزٌ، لا كراهة فيه عند جمهور العلماء . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٣٢ - (مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ)
٣١٥٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟، قَالَ: «نَعَمْ»، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: «مَا قُلْتَ؟»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا، مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا، غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟، قَالَ: «نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ، سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن بشّار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠].
٢ - (أبو عاصم) الضحاك بن مَخلَد بن مسلم الشيبانيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٩/ ٤٢٤.
٣ - (محمد بن عجلان) المدني، صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة [٥] ٣٦/ ٤٠.
٤ - (سعيد المقبريّ) ابن أبي سعيد كيسان المدنيّ، ثقة [٣] ٩٥/ ١١٧.
٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن عجلان، عن المقبريّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حالية من «النبيّ»، (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ«يخطُبُ» قيّده به؛ لبيان مكان خطبته، إذ يحتمل أن يكون قائمًا على الأرض (فَقَالَ: أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِرًا) أي غير جَزع، وانتصابه وما بعده على الحال المترادف، أو المتداخل (مُحْتَسِبًا) قال النوويّ: والمحستب: هو المخلص للَّه تعالى، فإن قاتل لعصبيّة، أو لغنيمة، أو لصيب، أو نحو ذلك، فليس له هذا الثواب، ولا غيره. انتهى (مُقْبِلًا) أي على العدوّ (غَيْرَ مُدْبِرٍ) أي عنه، وهو تأكيد لما قبله. قال النوويّ: لعله احتراز ممن يُقبل في وقت، ويُدبر في وقت (أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي سَيِّئَاتِي؟) أي كلّها (قَالَ) - ﷺ - (نَعَمْ) أي يكفّر اللَّه تعالى عنك سيّآتك (ثُمَّ سَكَت) - ﷺ - (سَاعَةً، قَالَ) وفي «الكبرى» «فقال» بالفاء (أَينَ السَّائِلُ آنِفًا؟) أي في الوقت القريب. قال المجد في «القاموس»: ﴿قال آنفًا﴾ كصاحب، وكَتِفٍ، وقُرىء بهما: أي مذ ساعة، أي في أول وقت يقرُبُ منّا انتهى (فَقَالَ الرَّجُلُ: هَا) وفي نسخة: «فها» (أَنَا ذَا) «ها» للتنبيه دخلت على «أنا»، وهو مبتدأ خبره اسم الإشارة، أي أنا الحاضر عندك (قَالَ: «مَا قُلْتَ؟) أي أيّ شيء قلت في سؤلك. قال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-:
[فإن قلت]: كيف قال - ﷺ -:«كيف قلت»: وقد أحاط بسؤاله علمًا، وأجابه بذلك الجواب؟.
[قلت]: ليسأل ثانيًا، ويجيبه بذلك الجواب، ويُعلّق به«إلا الدين»، استدراكًا بعد