HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣١٧٢

أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ قَالَتْ: «أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ عِنْدَنَا فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي وَأُمِّي مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ قَوْمًا مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، قُلْتُ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: فَإِنَّكِ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَامَ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: يَعْنِي مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قُلْتُ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ. فَتَزَوَّجَهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ وَرَكِبَتْ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُدِّمَتْ لَهَا بَغْلَةٌ، فَرَكِبَتْهَا فَصَرَعَتْهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص397
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٦ ص ٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٦ ص٢٧٨
و«عمرو بن عليّ»: هو الفلاّس. وقوله: «يوم في سبيل اللَّه»: هو بمعنى الرواية الماضية «رباط يوم الخ». والحديث صحيح، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٠ - (فَضْلُ الْجِهَادِ فِي الْبَحْرِ) ٣١٧٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ، يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»، -شَكَّ إِسْحَاقُ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ نَامَ، - وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، مُلُوكٌ عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»، كَمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ»، فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا، حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ الجَمَليّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقي المصري، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت المدني [٧] ٧/ ٧. ٥ - (إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة) المدنيّ، ثقة حجة [٤] ١٩/ ٢٠. ٦ - (أنس بن مالك) الصحابيّ الجليل - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخيه، وابن القاسم، فمصريون. (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبدِ اللَّه بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءَ) موضع بقرب مدينة النبيّ - ﷺ - من جهة الجنوب نحوَ ميلين، وهو بضمّ القاف، يُقصَر، ويُمَدّ، ويُصرَف؛ باعتبار المكان، ولا يُصرَف، باعتبار البقعة (يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ) -بفتح المهملتين، بلفظ ضدَ الحلال (بنْتِ مِلْحَانَ) بكسر اللام، وسكون اللام، وهي خالة أنس، وكان يقال لها: الرُّمَيصاء، ولأمّ سُلَيم الْغُمَيصاء -بالغين المعجمة- والباقي مثله. قال عياض: وقيل: بالعكس. وقال ابن عبد البرّ: الغُمَيصاء، والرُّمَيصاء هي أمّ سُليم. ويردّه ما أخرج أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء، أخت أمّ سُليم، فذكر نحو حديث الباب. ولأبي عوانة من طريق الدّراورديّ، عن أبي طُوَالة، عن أنس - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - وضع رأسه في بيت بنت مِلْحَان إحدى خالات أنس. ومعنى الرَّمَص، والْغَمَص متقارب، وهو اجتماع الْقَذَى في مؤخّر العين، وفي هَدَبها. وقيل: استرخاؤها، وانكسار الجفن. قال في «الفتح»: واختُلف فيه عن أنس: فمنهم من جعله من مسنده. ومنهم من جعله من مسند أمّ حرام، والتحقيق أنّ أوله من مسند أنس، وقصّة المنام من مسند أمّ حرام، فإن أنسًا إنما حمل قصّة المنام عنها، وقد وقع في أثناء هذه الرواية: «قالت: فقلت: يا رسول اللَّه ما يضحكك؟»، وفي الرواية التالية من طريق محمد بن يحيى بن حَبّان، عن أنس بن مالك، عن أم حرام بنت ملحان، وعند البخاريّ التصريح بالتحديث، ولفظه: «حدّثتني أم حرام بنت ملحان، أخت أمّ سُليم، أن النبيّ - ﷺ - قال يومًا في بيتها، فاستيقظ …» الحديث . (فَتُطعِمُهُ) بضم أوله، من الإطعام رباعيًّا (وَكَانَتْ أُمُّ حَرَام بِنْتُ مِلْحَان تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) ظاهر هذا أنها كانت حينئذ زوج عبادة. وفي الرواية التالية: «فتزوّجها عُبادة بن الصامت، فركب البحر، وركبت معه …». وفي رواية لمسلم: «فتزوّج بها عبادةُ بعدُ …». ويُجمع بأن المراد بقوله هنا: «وكانت تحت عبادة» الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك. وهو الذي اعتمده النوويّ وغيره، تبعًا للقاضي عياض. لكن وقع في ترجمة أمّ حرام من «طبقات ابن سعد» أنها كانت تحت عبادة، فولدت له محمدًا، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاريّ النّجّاريّ، فولدت له قيسًا، وعبد اللَّه، وعمرُو بنُ قيس هذا اتفق أهل المغازي أنه استُشهِد بأحد، وكذا ذكر ابن إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استُشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن سعد لكان محمد صحابيًّا؛ لكونه وُلد لعُبَادة قبل أن يفارق أمّ حرام، ثم اتصلت بمن ولدت قيسًا، فاستشهد بأحد، فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو، إلا أن يقال: إن عبادة سَمَّى ابنه محمدًا في الجاهلية، كما سُمّي بهذا الاسم غير واحد، ومات محمد قبل إسلام الأنصار، فلهذا لم يذكروه فى الصحابة، ويعكر عليه أنهم لم يَعُدّوا محمد بن عبادة فيمن سُمّي بهذا الاسم قبل الإسلام. قال الحافظ: ويمكن الجواب ، وعلى هذا فيكون عبادة تزوّجها أوّلًا، ثم فارقها، فتزوّجت عمرو بن قيس، ثم استُشهد، فرجعت إلى عبادة، والذي يظهر لي أن الأمر بعكس ما وقع في الطبقات، وأنّ عمرو بن قيس تزوّجها أوّلًا، فولدت له، ثم استُشهِد هو وولده قيس منها، وتزوّجت بعده بعبادة. (فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ) قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وَجَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ) -بفتح المثنّاة، وسكون الفاء، وسكون الفاء، وكسر اللام- أي تفرّق شعر رأسه، وتُفَتِّش ما فيه من القمل، فتخرجه (فَنَامَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -) وفي الرواية التالية: «وقال عندنا»، فدلّ على أن ذلك النوم كان وقت القائلة. وفي رواية للبخاريّ: «فنام قريبًا منّي»، وفي رواية: «فاتّكأ» (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ) بفتح أوله، من باب تَعِب، جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ) بضمّ أوله، من الإضحاك، أي ما الذي يَحمِلك على الضّحِكِ؟ (يَا رَسُولَ اللَّه) وفي الرواية التالية: «بأبي أنت وأمي ما أضحكك؟»، وفي رواية أبي طوالة: «لم تَضحَك؟»، ولأحمد من طريقه: «مِمَّ تضحك؟»، وفي رواية عطاء بن يسار، عن الرمصياء: (ثمّ استيقظ، وهو يضحك، وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول اللَّه أتضحك من رأسي؟، قال: لا». أخرجه أبو داود، ولم يسق المتن، بل أحال به على رواية حماد بن زيد، وقال: يزيد، وينقص. وقد أخرجه عبد الرزّاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار:«أن امرأة حدّثته … »، وساق المتن، ولفظه يدلّ على أنه في قصّة أخرى، غير قصّة أمّ حرام، فاللَّه أعلم. قاله في«الفتح». (قَالَ:«نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول، أي أَظهَر اللَّه تعالى لي صُوَرهم، وأحوالهم حال ركوبهم البحر، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (غُزَاةٌ) بضم العْين المعجمة، جمع غاز، أي حال كونهم غازين (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي لإعلاء كلمة اللَّه تعالى. وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ: »فقال: عجبت من قوم من أمّتي«. ولمسلم من هذا الوجه: »أُريت قومًا من أُمّتي«، وهذا يُشعر بأن ضحكه كان إعجابًا بهم، وفَرَحًا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) وفي الرواية التالية: »يركبون هذا البحر«. وفي رواية حماد بن زيد عند البخاريّ: »يركبون هذا البحر الأخضر«، ولمسلم من طريقه: »يركبون ظهر البحر«، وفي رواية أبي طوالة: »يركبون البحر الأخضر في سبيل اللَّه«. و«الثَّبَجُ» -بفتح المثلّثة، والموحّدة، ثم جيم-: ظَهْرُ الشيء. هكذا فسّره جماعة. وقال الخطّابيّ: متن البحر، وظهره. وقال الأصمعيّ: ثَبَجَ كلّ شيء وسطه. وقال أبو عليّ في «أماليه»: قيل: ظهره. وقيل: مُعظَمُهُ. وقيل: هو له. وقال أبو زيد في «نوادره»: ضرب ثَبَجَ الرجل بالسيف: أي وسطه. وقيل: ما بين كتفيه، والراجح أن المراد هنا ظهره، كما وقع التصريح به في بعض الرواية، والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره، ولما كان جري السفن غالبًا إنما يكون في وسطه، قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص لوسطه بالركوب. وأما قوله: «الأخضر»، فقال الكرمانيّ: هي صفة لازمة للبحر، لا مخصّصة انتهى. ويحتمل أن تكون مخصّصة لأن البحر يُطلَق على الملح والعذب، فجاء لفظ «الأخضر» لتخصيص الملح بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له، وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء، ومقابلاته إليه. وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليها الخضراء؛ لحديث: «ما أظلّت الخضراء، ولا أقلّت الغبراء»، والعرب تُطلق الأخضر على كلّ لون ليس بأبيض، ولا أحمر، قال الشاعر [من الرمل]: وَأَنَا الأَخْضَرُ مَنْ يَعْرِفُنِي … أَخْضَرَ الْجِلْدَةِ مِنْ نَسْلِ الْعَرَبْ يعني أنه ليس بأحمر كالعجم، والأحمر يُطلقونه على كلّ من ليس بعربيّ، ومنه: «بُعثتُ إلى الأسود والأحمر». (مُلُوكٌ) بالرفع خبر لمحذوف: أي هم ملوك، والجملة حال، وفي نسخة: «ملوكًا» بالنصب على الحال (عَلَى الأَسِرَّةِ) -بفتح، فكسر، فتشديد راء، جمع سرير كالأعزّة، جمع عَزيز، والأَذِلّة، جمع ذَليل: أي قاعدين على الأسرّة (أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ«، -شَكَّ إِسْحَاقُ-) يعني أن إسحاق بن عبد اللَّه بن طلحة شكّ في لفظ أنس في قوله:»ملوك على الأسرّة«، أو»مثلُ الملوك على الأسرة«. وقال في«الفتح»: قوله:«يشك إسحاق»، يعني روايةً عن أنس، ووقع في رواية الليث، وحمّاد:«كالملوك على الأسرّة»من غير شكّ. وفي رواية أبي طُوالة:«مثل الملوك على الأسرة»بغير شكّ أيضًا، ولأحمد من طريقه:«مَثَلُهُم كمَثَل الملوك على الأسرّة». قال الحافظ: وهذا الشكّ من إسحاق، وهو ابن عبد اللَّه بن أبي طلحة يُشعر بأنه يُحافظ على تأدية الحديث بلفظه، ولا يتوسّع في تأديته بالمعنى كما توسّع غيره كما وقع لهم في هذا الحديث في عدّة مواضع تظهر مما سقته وأسوقه. قال ابن عبد البرّ: أراد -واللَّه أعلم- أنه رأى الغُزَاة في البحر من أمته ملوكًا على الأسرّة في الجنّة، ورؤياه وحيٌ، وقد قال اللَّه تعالى في صفة أهل الجنّة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤]، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأرائك السُّرُر فى الْحِجَال. وقال عياض: هذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون خبرًا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم، وقَوَام أمرهم، وكثرة عَدَدهم، وجَوْدَة عُدَدِهم، فكأنهم الملوك على الأسرّة. قال الحافظ: وفي هذا الاحتمال بُعْدُ، والأولُ أظهر، لكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدلّ على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، أو مع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أُثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أَسِرَّتهم، والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية: «فقال: اللَّهم اجعلها منهم» (ثُمَّ نَامَ، وَقَالَ الْحَارِثُ: فَنَامَ) يعني أن شيخه محم ابن سلمة قال في روايته: «ثم نام»، وقال شيخه الحاث بن مسكين قال في روايته: «فنام» بالفاء، بدل «ثمّ»، وهذا من دقّة صناعة المصنّف الحدثيّة، وشدّة تحرّيه في أداء ما سمعه من شيوخه من الألفاظ المختلفة، وإن لم تخلف المعنى كثيرًا. وفي رواية البخاريّ: «ثم وضع رأسه، فنام»، قال في «الفتح»: وفي رواية الليث: «ثم قام ثانية، ففعل مثلها، فقالت مثل قولها، فأجابها مثلها»، وفي رواية حمّاد بن زيد: «فقال ذلك مرّتين، أو ثلاثة»، وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة من طريق الدراورديّ، عنه، وله من طريق إسماعيل بن جعفر، عنه «ففعل مثل ذلك مرّتين أُخريين». قال الحافظ: وكلّ ذلك شاذّ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقّت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرّتين مرّة بعد مرّة، وأنه قال لها في الأولى: «أنت منهم»، وفي الثانية: «لست منهم»، ويؤيّده ما في رواية عُمير بن الأسود حيث قال في الأولى: «يغزون هذا البحر»، وفي الثانية: «يغزون مدينة قيصر». (ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَضَحِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاة فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مُلُوكٌ عَلَى الْأَسِرَّةِ، أَوْ) للشكّ من الراوي (مِثلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، كَمَا قَالَ: فِي الأوَّلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ:»أَنْت) بكسر التاء على خطاب المرأة (مِنَ الْأَوَّلِينَ«) قال في»الفتح«: زاد في رواية الدراورديّ، عن أبي طُوالة:»ولست من الآخرين«. وفي رواية عُمير بن الأسود في الثانية:»فقلت: يا رسول اللَّه أنا منهم؟ قال: لا«. قال الحافظ: وظاهر قوله:«فقال مثلها»أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضًا، ولكن رواية عُمير بن الأسود تدلّ على أن الثانية إنما غزت في البرّ لقوله:«يغزون مدينة قيصر»، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البرّ، وأقرّه. وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثليّة في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان، لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر، ركبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى ابن التين، فتكون الأوليّة مع كونها في البرّ مقيّدة بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غزوا ذلك في البرّ مرارًا. وقال القرطبيّ: الأُولى في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية في أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ: بل كان في كلّ منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، والثانية بالعكس. وقال عياض، والقرطبيّ في السياق دليلٌ على أن رؤيا الثانية غير رؤيا الأولى، وأنّ في كلّ نومة عرضت طاثفة من الغزاة. وأما قول أمّ حرام: «ادع اللَّه أن يجعلني منهم» في الثانية، فلظنّها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة، فسألت ثانيًا ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكّت في إجابة دعاء النبيّ - ﷺ - لها في المرّة الأولى، وفي جزمه بذلك. قال الحافظ: لا تنافي بين إجابة دعائه، وجزمه بأنها من الأولين، وبين سؤالها أن تكون من الآخرين؛ لأنه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية، فجوّزت أنها تدركها، فتغزو معهم، ويحصل لها أجر الفريقين، فأعلمها أنها لا تدرك زمان الفترة الثانية، فكان كما قال - ﷺ - . (فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ) وفي رواية الليث: «فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيًا أوّل ما ركب المسلمون البحر مع معاوية»، وفي رواية حمّاد: «فتزوّج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو»، وفي رواية أبي طوالة: «فتزوّجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرظة»، وكانت تللث الغزوة في سنة ثمان وعشرين، وكان ذلك في خلافة عثمان ومعاوية يومئذ أمير الشام، وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك. قال الحافظ: وقد اغترّ بظاهره بعض الناس، فَوَهِمَ، فإن القصّة إنما وردت في حقّ أوّل من يغزو في البحر، وكان عمر ينهى عن ركوب البحر، فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر، فأذن له. ونقله أبو جعفر الطبريّ عن عبد الرحمن بن يزيد ابن أسلم، ويكفي في الردّ عليه التصريح في «الصحيح» بأن ذلك كان أوّل ما غزا المسلمون في البحر. ونقل أيضًا من طريق خالد بن معدان قال: «أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان، وكان استأذن عمر، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال: لا تنتخب أحدًا، بل من اختار الغزو فيه طائعًا، فأعنه، ففعل». وقال خليفة بن خياط في «تاريخه» في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة بن الصامت امرأته أمّ حرام. وأرّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم، وأرّخها يعقوب بن سفيان في المحرّم سنة سبع وعشرين، قال: كانت غَزَاة قبرس الأولى. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان، فصالح أهل قبرس، وسمّى امرأته كَبْرَةَ -بفتح الكاف، وسكون الموحّدة- وقيل: فاختة بنت قرظة، وهما أختان كان معاوية تزوّجهما واحدة بعد أخرى. ومن طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس في خلافة عثمان، فصالحهم. ومن طريق أبي معشر المدنيّ أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين. فتحصّلنا على ثلاثة أقوال، والأول أصحّ، وكلها في خلافة عثمان أيضًا؛ لأنه قتل في آخر سنة خمس وثلاثين انتهى . (فَصُرِعَتْ) على بناء المبنيّ للمفعول: أي أُسقطت حين خرجت إلى البرّ من البحر. وفي رواية الليث: «فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قُرّبت إليها دابّتها لتركبها، فصُرعت، فماتت». وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد: «فوقصتها بغلة لها شهباء، فوقعت، فماتت». وفي رواية عنه عند البخاريّ: «فوقعت، فاندقّت عنُقها». (عَنْ دَابَّتِهَا) ظاهره أنها سقطت عن ظهر الدابّة، ولا يعارض هذا رواية: «فقرّبت إليها دابّتها، فصرعتها، فماتت»، الدالّة على أن صرعها قبل ركوبها، لأنه يحمل على أن المعنى فقربت إليها دابتها لتركبها، فركبتها، فصُرعت، كما هو صريح الرواية التالية، ولفظها: قُدّمت لها بغلة، فركبتها، فصرعتها، فدقّت عنقها«. ويحتمل أن يكون معنى»فركبتها«، فشرعت في ركوبها، فسقطت، فماتت (حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ) قال في»الفتح«: وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام لَمّا خرجت من البحر بعد رجوعهم من غَزَاة قبرس. لكن أخرج ابن أبي عاصم في»كتاب الجهاد«عن هشام بن عمّار، عن يحيى بن حمزة، وفيه:»وعبادة نازل بساحل حمص«، قال هشام ابن عمّار: رأيت قبرها بساحل حمص. وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس، فقال ابن حبّان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده:»قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام«. وجزم ابن عبد البرّ بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قرّبت إليها دابّتها، فصرعتها. وأخرج الطبريّ من طريق الواقديّ أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كلّ سنة، فلما أرادوا الخروج منها قرّبت لأم حرام دابّة لتركبها، فسقطت، فماتت فقبرها هناك، يستسقون به ، ويقولون قبر المرأة الصالحة، فعلى هذا فلعلّ مراد هشام بن عمار بقوله:»رأيت قبرها بالساحل«، أي بساحل جزيرة قبرس، فكأنه توجّه إلى قبرس لَمّا غزاها الرشيد في خلافته. قال الحافظ: ويُجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء كالنساء، فلما غلب المسلمون، وصالحوهم طلعت أمّ حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها، وتعود راجعة للشام، فوقعت حينئذ، ويُحمل قول حمّاد بن زيد في روايته: «فلما رجعت»، وقول أبي طوالة: «فلما قفلت» أي أرادت الرجوع، وكذا قول الليث في روايته: «فلما انصرفوا من غزوهم قافلين»، أي أرادوا الانصراف. قال الحافظ: ثم وقفت على شيء يزول به الإشكال من أصله، وهو ما أخرجه عبد الرزّاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن امرأة حدّثته، قالت: «نام رسول اللَّه - ﷺ -، ثم استيقظ، وهو يضحك، فقلت: تضحك منّي يا رسول اللَّه؟ قال: لا ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر، مَثَلَهم كمثل الملوك على الأسرّة، ثم نام، ثم استيقظ، فقال مثل ذلك سواءً، لكن قال: فيرجعون قليلة غنائمهم، مغفورًا لهم، قالت: فادع اللَّه أن يجعلني منهم، فدعا لها»، قال عطاء: «فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم، فماتت بأرض الروم»، وهذا إسناد على شرط الصحيح. وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، فقال في روايته «عن عطاء بن يسار، عن الرميصاء أخت أم سُليم»، وأخرجه ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، فقال في روايته: «عن أمّ حرام»، وكذا قال زهير بن عباد، عن زيد بن أسلم. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا عن أمّ حرام وَهَم، وإنما هي الرُّمَيصاء، وليست أم سُليم، وإن كانت يقال لها أيضًا: الرميصاء، كما ثبت في حديث جابر - ﵁ - عند البخاريّ في «المناقب»؛ لأن أم سُليم لم تمت بأرض الروم، ولعلها أختها أم عبد اللَّه بن ملحان، فقد ذكرها ابن سعد في الصحابيّات، وقال: إنها أسلمت، وبايعت. ولم أقف على شيء من خبرها إلا ما ذكر ابن سعد، فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصّة التي ذكرها ابن عطاء بن يسار، وتكون تأخّرت حتى أدركها عطاء، وقصّتها مغايرة لقصّة أم حرام من أوجه: [الأول]: في حديث أمّ حرام أنه - ﷺ - لما نام كانت تَفلِي رأسه، وفي حديث الأخرى أنها كانت تغسل رأسها كما تقدّم ذكره من رواية أبي داود. [الثاني]: ظاهر رواية أمّ حرام أن الفِرْقة الثانية تغزو في البرّ، وظاهر رواية الأخرى أنها تغزو في البحر. [الثالث]: أن في رواية أمّ حرام أنها من أهل الفرقة الأولى، وفي رواية الأخرى أنها من أهل الفرقة الثانية. [الرابع]: أن في حديث أمّ حرام أنّ أمير الغزوة كان معاوية، وفي رواية الأخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير. [الخامس]: أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدّثته، وهو يصغر عن إدراك أمّ حرام، وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين، بل وفي سنة ستّ وثلاثين؛ لأن مولده على ما جزم به عمرو بن عليّ وغيره سنة تسع عشرة. وعلى هذا فقد تعددت القصّة لأمّ حرام، ولأختها أمّ عبد اللَّه، فلعلّ إحداهما دُفنت بساحل قبرس، والأخرى بساحل حمص، ولم أر من حرّر ذلك، وللَّه الحمد على جزيل نعمه انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٤٠/ ٣١٧٢ - وفي «الكبرى» ٣٦/ ٤٣٧٩. وأخرجه (خ) في «الجهاد والسير» ٢٧٨٩ و٢٨٧٨ و«الاستئذان» ٦٢٨٢ و«التعبير» ٧٠٠٢ (م) في «الإمارة» ١٩١٢ (د) في «الجهاد» ٢٤٩٠ (ت) في «فضائل الجهاد» ١٦٤٥ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٣١٠٨ و١٣٣٧٩ (الموطأ) في «الجهاد» ١٠١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الجهاد في البحر. (ومنها): الترغيب في الجهاد، والحضّ عليه، وبيان فضيلة المجاهد. (ومنها): جواز ركوب البحر الملح للغزو. (ومنها): جواز تمنّي الشهادة، وأن من يموت غازيًا يلحق بمن يقتل في الغزو. (ومنها): مشروعيّة القائلة لما فيه من الإعانة على قيام الليل. (ومنها): جواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل، ونحوه عنه. (ومنها): مشروعيّة الجهاد مع كلّ إمام لتضمّنه الثناء على من غزا مدينة قيصر، وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن معاوية، ويزيد يزيد. (ومنها): ثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيّته. (ومنها): ما قال بعضهم: فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه: «ولستِ من الآخرين»، ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة. لكن الظاهر -كما قال الحافظ- أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية، نعم يؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة، لا خصوص الفضل الوارد في حقّ المذكورين. (ومنها): أن فيه ضروبًا من إخبار النبيّ - ﷺ - بما سيقع، فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوّته: منها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوّة، وشوكة، ونكاية في العدو، وأنهم يتمكّنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأنّ أُمّ حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تُدرك زمان الغزوة الثانية. (ومنها): جواز الفرح بما يحدث من النعم. (ومنها): جواز الضحك عند حصول السرور؛ لضحكه - ﷺ - إعجابًا بما رأى من امتثال أمته أمره بجهاد العدوّ، وما أثابهم اللَّه تعالى على ذلك، وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجّب محمول على ذلك. (ومنها): جواز قائلة الضيف في عند مُضِيفه إذا علم برضاه، وليس هناك ضرر. (ومنها): جواز خدمة المرأة الأجنبيّة للضيف، بإطعامه، والتمهيد له، ونحو ذلك، إذا خلا من الموانع الشرعيّة، كالخلوة ونحوها. (ومنها): إباحة ما قدّمته المرأة للضيف من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن الذي في بيت المرأة من مال الرجل، كذا قال ابن بطّال، قال: وفيه أن الوكيل، والمؤتمن إذا علم أنه يسرّ صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله، ولا شكّ أن عبادة كان يسرّه أكل رسول اللَّه - ﷺ - مما قدّمته له امرأته، ولو كان بغير إذن خاصّ منه. وتعقبه القرطبيّ بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها، كما تقدّم. قال الحافظ: لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج، إلا أن في كلام ابن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عَزَبًا . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز ركوب البحر: اختلف السلف في ذلك، فجوّزه الجمهور. أخرج ابن أبي حاتم، من طريق عبد اللَّه بن شَوْذَب، عن مطر الورّاق، أنه كان لا يرى بركوب البحر بأسًا، ويقول: ما ذكره اللَّه تعالى في القرآن إلا بحقّ، ثم تلا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [النحل: ١٤] . ومنعت منه طائفة، واحتجّوا بحديث زهير بن عبد اللَّه يرفعه: «من ركب البحر إذا ارتجّ، فقد برئت منه الذمّة»، وفي رواية: «فلا يلومنّ إلا نفسه». أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث». لكن زهير مختلف في صحبته، وقد أخرج البخاريّ حديثه في «تاريخه»، فقال: عن زهير، عن رجل من الصحابة. وإسناده حسن. وفيه أيضًا تقييد المنع بالارتجاج، ومفهومه الجواز عند عدمه، وهو المشهور من أقوال العلماء، فإذا غلبت السلامة فالبرّ والبحر سواء. ومنهم من فرّق بين الرجل والمرأة، وهو عن مالك، فمنعه للمرأة مطلقًا. وحديث الباب حجة للجمهور. وقد تقدّم قريبًا أن أول من ركبه للغزو معاوية بن أبي سفيان في خلافة عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وذكر مالك أن عمر - ﵁ - كان يمنع الناس من ركوب البحر، حتى كان عثمان، فما زال معاوية يستأذنه حتى أذن له. أفاده في «الفتح» . وذكر في موضع آخر بعد أن ذكر نحو هذا: ما نصّه: قال أبو بكر بن العربيّ: ثم منع منه عمر بن عبد العزيز، ثم أذن فيه مَن بَعْدَه، واستقرّ الأمر عليه، ونقل عن عمر أنه إنما منع من ركوبه لغير الحجّ والعمرة، ونحو ذلك. ونقل ابن عبد البرّ أنه يَحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقًا. وكره مالك ركوب النساء مطلقًا البحر لما يخشى من اطلاعهنّ على عورات الرجال فيه، إذ يتعسّر الاحتراز من ذلك، وخصّ أصحابُهُ ذلك بالسفن الصغار، وأما الكبار التي يمكنهنّ فيهنّ الاستتار بأماكن تخصهّنّ، فلا حرج فيه انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تبيّن مما تقدّم أن الأرجح قول الجمهور، وهو جواز ركوب البحر للرجال والنساء، إذا غلب على الظنّ السلامة فيه؛ لظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استشكل جماعة من أهل العلم دخول النبيّ - ﷺ - على أمّ حرام - رضي اللَّه تعالى عنها -: فقال الحافظ أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-: أظنّ أنّ أم حرام أرضعت النبيّ - ﷺ -، أو أختها أمّ سُليم، فصارت كلّ منهما أمه، أو خالته من الرضاعة، فلذلك كان ينام عندها، وتَنَال منه ما يجوز للمَحْرَم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزيّن، قال: إنما استجاز رسول اللَّه - ﷺ - أن تَفْلِيَ أم حرام رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أمّ عبد المطّلب جدّه كانت من بني النجّار. ومن طريق يونس ابن عبد الأعلى، قال لنا ابن وهب: أمّ حرام إحدى خالات النبيّ - ﷺ - من الرضاعة، فلذلك كان يَقِيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه. قال ابن عبد البرّ: وأيهما كان فهي محرم له. وجزم أبو القاسم ابن الجوهريّ، والداوديّ، والمهلّب فيما حكاه ابن بطّال عنه بما قال ابن وهب، قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه، أو جدّه عبد المطّلب. وقال ابن الجوزيّ: سمعت بعض الحفّاظ يقول: كانت أمّ سُليم أخت آمنة بنت وهب، أمّ رسول اللَّه - ﷺ - من الرضاعة. وحكى ابن العربيّ ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبيّ - ﷺ - معصومًا يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها مما هو المنزّه عنه، وهو المبرّأ عن كلّ فعل قبيح، وقول رفث، فيكون ذلك من خصاصه. ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب. ورُدّ بأنّ ذلك بعد الحجاب جزمًا. قال الحافظ: وقد قدّمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع. ورَدّ عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مُسَلَّم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصيّة دليل. وبالغ الدمياطيّ في الردّ على من ادعَى المحرميّة، فقال: ذَهِلَ كلُّ من زعم أنّ أُمّ حرام إحدى خالات النبيّ - ﷺ - من الرضاعة، أو من النسب، وكلُّ من أثبت لها خؤولة تقتضي محرميّةً؛ لأن أمهاته من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهنّ أحد من الأنصار البتّة، سوى أمّ عبد المطّلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِرَاش ابن عامر بن غنم بن عديّ بن النّجّار، وأمّ حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أمّ حرام، وسلمى إلا في عامر بن غنم جدّهما الأعلى، وهذه خؤولة لا تثبت بها محرميّة؛ لأنها خؤولة مجازيّة، وهي كقوله - ﷺ - لسعد بن أبي وقّاص: «هذا خالي»؛ لكونه من بني زهرة، وهم أقارب أمّه آمنة، وليس سعدٌ أخًا لأمّه من النسب، ولا من الرضاعة. ثم قال: وإذا تقرّر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه - ﷺ - كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أمّ سُلَيم، فقيل له: فقال: «أرحمها قُتِل أخوها معي»، يعني حرام بن مِلْحَان، وكان قد قُتل يوم بئر معونة. وجمع الحافظ بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة، كلّ واحدة منهما في بيت من تلك الدار، وحرام بن ملحان أخوهما معًا، فالعلّة مشتركة فيهما. قال: وإن ثبتت قصّة أمّ عبد اللَّه بنت ملحان التي تقدّمت قريبًا، فالقول فيها كالقول في أُمّ حرام، وقد انضاف إلى العلّة المذكورة كون أنس خادم النبيّ - ﷺ -، وقد جرت العادة بمخالطة
مصادر المؤلف (١٣)

١. - «فتح» ١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥.

٢. - لم يذكر الجواب، والظاهر أن الجواب أن عدم ذكرهم له لا يستلزم عدم وجوده. واللَّه تعالى أعلم.

٣. - «فتح» ١٢/ ٣٤٦.

٤. - «فتح» ١٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.

٥. - قُبْرُس بضم القاف، وسكون الموحدة، وضم الراء، آخره سين مهملة: جزيرة عظيمة للروم، بها تُوُفّيت أم حرام بنت ملحان. أفاده في «القاموس».

٦. -«فتح» ١٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.

٧. - ليس الاستسقاء عند القبر مما أنزل اللَّه به من سلطان، بل هو من البدع المحدثة، أحدثه الناس الجاهلون بالسنة، والبعيدون عنها، فتنبّه.

٨. - هكذا نسخة «الفتح»، والظاهر أن لفظة «ابن» غلط، فتنبّه.

٩. - «فتح» ١٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠.

١٠. - العَزَبُ بفتحتين: من لا أهل له، ويطلق على الرجل، والمرأة، كما قاله في «المصباح».

١١. - «فتح» ٥/ ١٨ في «كتاب البيوع».

١٢. - «فتح» ٦/ ١٨٣ «كتاب الجهاد والسير».

١٣. - «فتح» ١٢/ ٣٥٠.