الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، وُيردي من تعلّق بها. (ومنها): أنه لا يحرم على الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال أهمّ الصفات، وهو الدين. (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذمّ، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل «تربت يداك»، و«ثكلتك أمك»، و«ويل أمه»، ونحو ذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق.
وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ، فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك.
قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على امرأته في مالها. قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها تفويته عليه. ولا يخفى وجه الرّدّ. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٤ - (أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ)
٣٢٣٢ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟، قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ،
وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا، وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة الثبت المصريّ [٧] ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن عجلان) محمد المدنيّ، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥] ٣٦/ ٤٠. والباقيان تقدما في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، وابن عجلان علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم متابعةٌ. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، والليث، فمصريان، وشيخه، وإن كان بغلانيا، إلا أنه دَخَلَ مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟، قَالَ: «الَّتِي تَسُرُّهُ) من باب ردّ، يقال: سرّه يَسُرُّهُ سُرُورًا، والاسم السَّرُور - بالفتح-: إذا أفرحه. قاله الفيّوميّ، أي تُفرِح زوجها (إِذَا نَظَرَ) أي لحسنها ظاهرًا، أو لحسن أخلاقها باطنًا، ودوام اشتغالها بِطاعة اللَّه تعالى، والتقوى (وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ) أي بما لا يكون فيه معصيةٌ للَّه تعالى (وَلَا تخُالِفُهُ فِي نَفْسِهَا) أي بتمكين أحد من أن يفعل بها فاحشة (وَمَالِهَا) أي بأن تنفقه فيما لا يحلّ الإنفاق فيه (بِمَا يَكرَهُ) متعلّق بـ«تخالف»، فيكون قيدًا لكلّ من «نفسها»، و«مالها». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٤/ ٣٢٣٢ - وفي «الكبرى» ١٥/ ٥٣٤٣.
[فإن قلت]: كيف يكون صحيحًا، وفيه محمد بن عجلان، وقد تقدّم آنفًا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -؟.
[قلت]: إنما صحّ بشواهده، فقد أخرج الطيالسيّ ص ٣٠٦ - رقم ٢٣٢٥ -: ثنا أبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «خير النساء التي إذا نظرت إليها سرّتك …» الحديث نحوه، وزاد في آخره: قال: وتلا هذه الآية: