HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٢٣٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «خَطَبْتُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص418
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٦ ص ٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص١١٨
شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه قال (قَالُوا) أي الصحابة، أو الأنصار - ﵁ - (يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا) -بفتح الهمزة، وتخفيف اللام-: معناها هنا العرض، وهو الطلب بلين، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢] بخلاف التحضيض، فإنه طلب بِحَث وإزعاج (تَتَزَوَّجُ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ؟، قَالَ) - ﷺ - (إِنَّ فِيهِمْ لَغَيْرَةً) بفتح الغين المعجمة، وسكون التحتانيّة-: هي الْحَمِيّةُ والأنَفَةُ، وإنما وصفها بقوله (شَدِيدَةً) لأن أصل المغيرة ليس مذمومًا؛ لأنه من طبيعة النساء، وإنما المذموم ما كان شديدًا. وجملة «إن» تعليلٌ لمحذوف، تقديره: لا أتزوّج منهنّ؛ لأن فيهنّ غيرةً شديدةً، يترتب عليها سوء العشرة، التي توقع الإنسان في مخالفة قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩] وفيه أنه لا ينبغي نكاح المرأة الشديدة الغيرة، وهو الذي أراده المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعقد هذا الباب هنا، وذلك لأن شدة غيرتها يحملها على أن لا تراعي حقوق الزوج، ومن ثمّ يكافئوها هو بسوء العشرة، فيخلّ كلٌّ منهما بما أوجب اللَّه تعالى عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-١٣/ ٣٢٣٤ - وفي «الكبرى»١٣/ ٥٣٤١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٧ - (إِبَاحَةُ النَّظَرِ قَبْلَ التَّزْوِيجِ) ٣٢٣٥ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً، مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عبد الرحمن بن إبراهيم) الدمشقيّ الحافظ الثبت المعروف بـ«دُحيم بن اليتيم» ٢ - (مروان) بن معاوية الفزاريّ الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، الثقة الحافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] ٥٠/ ٨٥٠. ٣ - (يزيد بن كيسان) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوق يخطئ [٦] ١٧٣/ ٢٧٠. ٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ الثقة [٣] ١١٠/ ١٤٩. [تنبيه]: زاد في «الكبرى»: ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: واسم أبي حازم هذا سلمان، مولى عَزَّة، كوفيّ. واسم أبي حازم المدينيّ وهو ابن دينار ، وهو والد عبد العزيز بن أبي حازم انتهى . ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فدمشقيّ، وغير الصحابيّ، فمدنيّ. (ومنها): أنّ فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَطَبَ رَجُلٌ) يحتمل أن يكون هو المغيرة بن شعبة الآتي في الحديث التالي، كما قال الحافظ في «الفتح» (امْرَأَةً، مِنَ الأَنْصَارِ) وفي الرواية الآتية من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان: «أن رجلًا أراد أن يتزوّج امرأةً، فقال النبيّ - ﷺ -:«انظر إليها … ». وفي رواية لمسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن يزيد بن كيسان، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كنت عند النبيّ - ﷺ -، فأتاه رجلٌ، فأخبره أنه تزوّج امرأةً من الأنصار …». ومعنى «تزوّج» أراد أن يتزوّج، كما فسّرته رواية المصنّف (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟) وفي الرواية الآتية-٢٣/ ٣٢٤٧ - من طريق عليّ بن هاشم بن الْبَرِيد، عن يزيد بن كيسان:«ألا نظرت إليها؟ «(«قَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ) قال أبو العبّاس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الأمر على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها -أعني المخطوبة- فلعلّه يرى منها ما يُرغّبه في نكاحها. وقد نبّه النبيّ - ﷺعلى هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر - ﵁ -، إذ قال: «إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» . ولا يقال مثلُ هذا في الواجب، وقاعدة النكاح- وإن كان معاوضةً- مفارقةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيّةٌ على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروبٌ من الجهالات والأحكامِ، لا يجوز شيء منها في البيوع، والمعاملات المبنيّة على المشاحّة، والمغابنة. ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يُعرف حالها من جمال، وشباب، وحسن خُلُقٍ، وتمام خَلْقٍ، وهذه وإن كانت مجهولةً حالة العقد، لم يضرّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب، فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجبًا، فلم يبقَ إلا أن يحمل ذلك الأمر على ما تقدّم، وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالكٌ، والشافعيّ، والكوفيّون، وغيرهم، وأهل الظاهر، وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم للأحايث الصحيحة في هذا الباب انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . (أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا) زاد في رواية سفيان المذكورة: «فإن في أعين الأنصار شيئًا». قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا الرواية المشهورة: «شيئًا» بالهمز، وهو واحد الأشياء. قيل: المراد صغرٌ. وقيل: زُرْقةٌ. انتهى. قال الإمام أحمد:- حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، مولى عمرو بن عثمان، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاريّ، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها، فليفعل». انتهى «المسند» رقم ١٤٣٤٠. قال الجامع - عفا للَّه عنه: هذا إسناد ثقات، والأكثرون على أن واقدًا هو ابن عمرو، وهو ثقة من رجال مسلم، وأما واقد بن عبد الرحمن فمجهول، فالحديث عندي صحيح. وقال الغزاليّ في «الإحياء»: اختلف في المراد بقوله: «شيئًا»، فقيل: عَمَشٌ. وقيل: صغرٌ. قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في «مستخرجه»، فهو المعتمد انتهى . وزاد مسلم من رواية يحيى بن معين، عن مروان بن معاوية: قال: قد نظرتُ إليها، قال: «على كم تزوّجتها؟»، قال: على أربع أواقٍ، فقال النبيّ - ﷺ -: «على أربع أواق؟، كأنما تَنْحتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل، ما عندنا ما نُعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعثٍ، تُصيب منه»، قال: فبعث بعثًا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. وقوله: «من عُرض الخ» العرض -بضم المهملة، فسكون الراء-: هو الجانب والناحية. و«تنحتون» -بكسر الحاء المهملة-: أي تقطعون. ومعنى هذا الكلام: كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج . وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا الإنكار منه - ﷺ - على هذا الرجل المتزوّج على أربعة أواق ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه - ﷺ - قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعةُ أواق مائة وستّون درهمًا، وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل، فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقّة تَعَرَّضَ للسؤال بسببها، ولذلك قال له: «ما عندنا ما نعطيك»، ثم إن النبيّ - ﷺ - بكرم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبر منكسر قلبه بقوله: «ولكن عسى أن نبعثك في بعث، فتُصيب منه». يعني سريّةً في الغزو، فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبيّ - ﷺ - انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-١٧/ ٣٢٣٥، و٢٣/ ٣٢٤٧ و٣٢٤٨ - وفي «الكبرى» ١٧/ ٥٣٤٥ و١٨/ ٥٣٤٧ و٥٣٤٨. وأخرجه (م) في «النكاح» ١٤٢٤ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ٧٧٨٣ و٧٩١٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو إباحة نظر الخاطب مخطوبته قبل أن يتزوّجها؛ وذلك ليكون داعيًا لنكاحها، أو دافعًا لتركها، كما بينه - ﷺ - في الحديث التالي بقوله:«فإنه أجدر أن يُؤْدَم بينكما». (ومنها): أن هذا مما يُستثى من تحريم نظر وجه الأجنبيّة للضرورة. (ومنها): أن فيه فضلَ الشريعة السمحة، وإحكام توجيهاتها، حيث تراعي مصالح العباد التي تنتظم بها معاشهم، ومعادهم، من غير حصول ندم، وتحسّر على الفائت، فإن الذي يتسارع إلى نكاح امرأة من غير نظر إليها، وتروٍّ في شأنها كثيرًا ما يقع في عكس مراده، إذا لم تعجبه المرأة، ولم تنبسط نفسه إليها، فيؤدّي ذلك إلى فراقها، وإلحاق الضرر بها بقطع أطماعها، فتلافيًا لمثل هذه الأخطار شرع الشارع الحكيم النظر إلى المخطوبة قبل النكاح، وإن كانت أجنبيّة دفعًا لأشدّ المفسدتين بأخفّهما. فما أجمل هذا التشريع، وما أحكمه؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النظر إلى المرأة قبل النكاح: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين، والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، إلى استحباب النظر إلى من يريد تزويجها. وحكى القاضي عياض عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالفٌ لصريح هذا الحديث، ومخالفٌ لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع، والشراء، والشهادة، ونحوها. قال: ثمّ إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها، وكفّيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يُستدلّ بالوجه على الجمال، أو ضدّه، وبالكفّين على خُصُوبة البدن، أو عدمها. قال: هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين. وقال الأوزاعيّ: ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. وهذا خطأٌ ظاهرٌ، منابذ لأصول السنّة، والإجماع. قال: ثم مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور أنه لا يُشترط في جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدّم إعلام. لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها، مخافة وقوع نظره على عورة. وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها. وهذا ضعيفٌ؛ لأن النبيّ - ﷺ - قد أذن في ذلك مطلقًا، ولم يشترط استئذانها؛ ولأنها تستحيي غالبًا من الإذن، ولأن في ذلك تغريرًا، فربما رآها، فلم تُعجبه، فيتركها، فتنكسر، وتتأذّى. ولهذا قال أصحابنا: يستحبّ أن يكون نظره إليها قبل الخِطْبة، حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخِطبة. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ أن النظر جائز، مطلقًا، فتقييد النظر بالوجه والكقين مخالفٌ لظاهر الحديث، وبهذا يقول داود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد أيضًا، قال ابن القيّم في (تهذيب السنن) وقال: داود: ينظر إلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات: إحدهنّ ينظر إلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا، كالرقبة، والساقين، ونحوهما. والثالثة: ينظر إليها كلها عورة، وغيرها، فإنه نصّ عن أحمد على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرّدة. انتهى . وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في «المغني»: قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد، وجسمٍ، ونحو ذلك. قال أبو بكر- يعني المروزيّ-: لا بأس أن ينظر إليها عند الخِطْبة حاسرةً. قال: ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالبًا أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أذن في النظر إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادةً؛ إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالبًا، فأُبيح النظر إليه كالوجه؛ ولأنها امرأة أُبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم انتهى . وقال أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في «المحلَّى»: ومن أراد أن يتزوّج امرأةً حرّةٌ، أو أمة فله أن ينظر منها متغفّلًا لها، وغير متغفّلٍ إلى ما بطن منها، وظهر. قال: وقد اختلف الناس في ذلك، فصحّ عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها، وبطنها، وظهرها، ويضع يده على عجزها، وصدرها، ونحو ذلك عن عليّ، ولم يصحّ عنه، وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ إباحة النظر إلى ما فوق السرّة، ودون الركبة انتهى . والحاصل أن الصواب إطلاق الجواز، فقد أخرج أحمد في «مسنده» ما هو صريح في إطلاق الجواز، وإن كانت غافلة، فقال -رحمه اللَّه تعالى-: حدثنا أبو كامل، حدثنا زهير، حدثنا عبد اللَّه بن عيسى، حدثني موسى بن عبد اللَّه ابن يزيد، عن أبي حميد، أو أبي حميدة -قال: وقد رأى رسول اللَّه - ﷺ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تَعلَم». وهذا إسناد صحيح، والشكّ في الصحابيّ لا يضرّ، فقد صرّح بجواز رؤيتها، وإن كانت غافلة. وأيضًا فالنبيّ - ﷺ - حينما قال للصحابي: «انظر إليها» ما حدّد له موضعًا للنظر، بل أطلق، وقد تأيد هذا بعمل راويه الصحابيّ - ﵁ -، فقد صحّ أن جابرًا - ﵁ - تخبّأ لمخطوبته حتى ينظر إليها غافلة، فنظر إليها، فأعجبته، فنكحها. وُيروى أيضًا عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ - ﵁ -، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ورواه ابن حبّان في «صحيحه»، وفيه ضعف أيضًا، غير أن للحديث طرقًا يتقوّى بمجموعها . وقد صحّ فعله عن عمر - ﵁ -، فقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ ابن الحنفيّة، أن عمر - ﵁ - خطب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: إنه ردّك، فعاوده، فقال له عليّ: أبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ، فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: مَهْ، لولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عينيك«. فقد كشف عمر بن الخطاب - ﵁ - عن ساق مخطوبته، ولذا قال الحافظ في«التلخيص»: وهذا يُشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفّين. وقال بعض المحقّقين: وتأيّد ذلك بعمل الصحابة - ﵃ -، ومنهم محمد بن مسلمة، وجابر بن عبد اللَّه، فإن كلًّا منهما قد تخبّأ لخطيبته ديرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظنّ بهما عاقلٌ أنهما تخبّآ للنظر إلى الوجه والكفّين فقط، ومثل عمر بن الخطّاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت عليّ - ﵁ -. فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة، أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفّين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما ذُكر من الأقوال في هذه المسألة، وأدلّتها أن إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة، سواء كان كفيها، ووجهها، أو غيرهما من بدنها، وسواء كان بإذنها، أو لا، هو الحقّ الموافق لظواهر أحاديث الباب، وعمل هؤلاء الصحابة - ﵃ -، فقد فعله عمر، وجابر، ومحمد بن مسلمة، وصحّ القول به عن ابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كما تقدّم لي كلام ابن حزم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال: أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر إليها استُحبّ له أن يبعث امرأةَ يَثِق بها تنظر إليها، وتخبره، ويكون ذلك قبل الخطبة؛ لما ذكرناه انتهى كلام النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يؤيّد ما قالوه: ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، والبيهقيّ من حديث أنس - ﵁ -: أنه - ﷺ - بعث أمّ سُليم إلى امرأة، فقال: «انظري إلى عرقوبها، وشُمّي عوارضها»، ولفظ الطبرانيّ: «وشُمِّي معاطفها». واستنكره أحمد، والمشهور فيه طريق عُمارة، عن ثابت، عنه. ورواه أبو داود في «المراسيل» عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت. ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقّبه البيهقيّ بأن ذكر أنس فيه وَهَم. قال: ورواه أبو النعمان، عن حماد مرسلًا، قال: ورواه محمد بن كثير الصنعانيّ، عن حماد موصولًا. قاله الحافظ في «التلخيص» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: يتبيّن مما ذُكر أن الأرجح في الحديث الإرسال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فائدة): روى عبد الرزّاق في «الأمالي» -٢/ ٤٦/١ - بسند صحيح، عن ابن طاوس، قال: أردت أن أتزوّج امرأةً، فقال لي أبي: اذهب، فانظر إليها، فذهبت، فغلست رأسي، وترجّلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة قال: لا تذهب انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن منع طاوس لابنه أن يذهب متزيّنًا خشية أن تغترّ المرأة بذلك، فتقع في الندم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة آخرى]: كتب الشيخ الألباني حفظه تعالى كلامًا نفيسًا مهما، قال في «السلسلة الصحيحة» -١/ ١٥٨ - بعد تخريجه أحاديث الباب: ما نصّه: هذا: ومع صحّة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها -على الخلاف السابق- فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخّرة عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم -ولو في حدود القول الضيّق- تورّعًا منهم- زعموا-، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرةً بغير حجاب شرعيّ، ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشرع. وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يَغارون على بناتهم، تقليدًا منهم
مصادر المؤلف (١٨)

١. - زاد في «الكبرى»: «دُحيم الدمشقيّ، قاضي الرملة».

٢. - زاد في «الكبرى»: «وهو ابن معاوية الفزاريّ».

٣. - هكذا نسخة«الكبرى»، والظاهر أنه سقط ذكر اسمه، وهو سلمة. فليُحرّر.

٤. - راجع«الكبرى»٣/ ٢٧٢ رقم ١٧/ ٥٣٤٥.

٥. -«فتح»١٠/ ٢٢٧.

٦. رواه الشافعيّ، وأحمد، وعبد الرزاق، والبزار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ. قال الحافظ: ورجاله ثقات، وفي إسناده محمد بن إسحاق. يعني أنه مدلّس، لكنه صرّح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد. وأعلّه ابن القطّان بواقد بن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو، قال الحافظ: ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية الشافعيّ، وعبد الرزاق. انتهى «التلخيص الحبير» ٣/ ٣٠٦.

٧. «المفهم» ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.

٨. - «فتح» ١٠/ ٢٢٧.

٩. - «شرح النوويّ على مسلم ٩/ ٢١٣ - ٢١٤.

١٠. -«المفهم»٤/ ١٢٦ - ١٢٧.

١١. - «تهذيب السنن» ٣/ ٢٥/ ٢٦.

١٢. - «المغني» ٩/ ٤٩٠ - ٤٩١.

١٣. - «المحلّى» ١٠/ ٣٠ - ٣١.

١٤. - راجع «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ ١/ ١٥٢ - ١٥٩. رقم ٨٧ و٩٨ و٩٩.

١٥. - راجع «الإصابة» ١٣/ ٢٨٠.

١٦. - «شرح مسلم» ٩/ ٢١٤.

١٧. - «التلخيص الحبير» ٣/ ٣٠٧.

١٨. - راجع «السلسلة الصحيحة» للألبانيّ ١/ ١٥٤ تحت ٩٨.