الأكثرين به؛ لأن السنة إذا ثبتت فإنها حاكمة، وليست محكومًا عليها.
وقوله: «ولا تهابه» «لا» نافية، والفعل. مرفوع، والمراد من النفي النهي، أي لا تخف من تحديثه؛ لثبوته.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
٣٣٢٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ، فِي بَيْتِهِمْ، فَأَتَتْ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ:: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوهُ، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، فَأَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «عمرو بن عليّ»: هو الفلّاس. و«عبد الوهاب»: هو ابن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ. و«أيوب»: هو ابن كيسان السختيانيّ البصريّ. ورجال الإسناد كلهم رجال الصحيح.
وقوله: «تحرمي عليه» أي تصيري حرامًا عليه بذلك الرضاع، ويذهب بسببه غَيْرة أبي حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -.
والحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٣٣٢٥ - (أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَمَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ، بِتِلْكَ الرَّضْعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نُرَى الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، إِلاَّ رُخْصَةً فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ، مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضْعَةِ، وَلَا يَرَانَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
٩ - (يونس بن عبد الأعلى) الصدفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقة، من صغار [١٠] ١/ ٤٤٩.
٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصريّ، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩.
٣ - (يونس) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد، ثقة [٧] ٩/ ٩.
٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدنيّ الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الحجة الثبت الإمام [٤] ١/ ١.
٦ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٧ - (أزواج النبيّ - ﷺ -) - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك، والباقون مصريون، ويونس وإن كان أيليّا إلا أنه سكن مصر، ومات بصعيد مصر. (ومنها): أن فيه رواية تابعى عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير (قَالَ: أَبَى) قال الفيّوميّ: أبَى الرجل يَأْبَى إِبَاءً -بالكسر، والمدّ- وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيّ على فاعل وفَعِيلِ، وتأبيّ مثلُهُ، وبناؤه شاذّ؛ لأن فَعَلَ يَفعَلُ -بفتحتين يكون حَلقيّ العين، أو اللام، ولم يأت من حَلقيّ الفاء إلا أبَى يأبَى، وعَضَّ يَعَضّ في لغة، وأَثَّ الشعرُ يَأَثَّ: إذا كثُر، والْتَفَّ، وربّما جاء في غير ذلك، قالوا: وَدَّ يَوَدُّ في لغة، وأما لغة طيّىء في باب نَسِيَ يَنْسَى: إذا قَلَبُوا، وقالوا: نَسَى ينسَى، فهو تخفيف انتهى .
وذكر بعضهم أن ابنَ سِيدَهْ حَكَى عن قوم أَبِيَ يَأبَى -أي من باب عَلِمَ- كنَسِيَ يَنْسَى. وحكى ابن جنيّ، وصاحب «القاموس»: أَبَى يَأْبِي، كضرب يَضرب، فعلى هذا يجوز أن يكون أَبَى يَأْبَى -بالفتح فيهما- من باب تداخل اللغتين، أي أن المتكلّم بالفتح فيهما أخذ الماضي من لغة، والمضارع من لغة انتهى .
والمعنى هنا: امتنع (سَائِرُ أَزوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي باقي أزواجه - ﷺ - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -، غير عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فإنها كانت تعَمِّمُ الحكم كلّ من رضع كبيرًا، ولا تخصّه بسالم (أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنّ، بِتِلْكَ الرَّضْعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ) زاد في رواية أبي داود: «حتى يَرْضَعَ في المهد» (يُرِيدُ رَضَاعَةَ الكَبِيرِ) أي يريد عروة بتلك الرضعة الإشارة إلى رضاعة الكبير (وَقُلنَ لِعَائِشَةَ: وَاللَّهِ مَا نُرَى) بضم النون: أي نَظُنُّ، أو بفتحها: أي نعتقد (الَّذِي أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، سَهلَةَ بِنتَ سُهَيلِ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أي بإرضاع سالم، مع كبره (إِلَّا رُخْصَةً) أي تيسيرًا عليها (فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ، مِنْ رَسُولِ اللهِ