HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٣٨

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ». قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَالشِّغَارُ: كَانَ الرَّجُلُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص447
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٦ ص ١١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص٣٨٩
[فإن قلت]: أيضًا لم يتفرّد محمد بن كثير بهذا، فقد رواه معمر، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، أخرجه أحمد ٣/ ١٦٢ و١٦٥ و١٩٧ وابن ماجه (١٨٨٥) وابن حبّان في «صحيحه» (٤١٥٤)، فهلا يصحّ بذلك؟. [قلت]: رواية معمر قد أعلّها الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-، فقد ذكر الحافظ ابن رجب -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح علل الترمذيّ»، فقال: وقد كان بعض المدلّسين، يسمع الحديث من ضعيف، فيرويه عنه، ويدلّسه معه عن ثقة، لم يسمعه منه، فيُظنّ أنه سمعه منهما، كما روى معمر عن ثابت، وأبان، وغير واحد ، عن أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: «أنه نهى عن الشغار». قال أحمد: هذا عمل أبان. يعني أنه حديث أبان، وإنما معمر، يعني دلّسه. ذكره الخلّال، عن هلال بن العلاء الرقّيّ، عن أحمد انتهى . فتبيّن بهذا أن رواية معمر غير صحيحة، فلا تقوّي رواية محمد بن كثير. والحاصل أن الحديث صحيح من مسند عمران بن حُصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، لا من مسند أنس - ﵁ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٦١ - (تَفْسِيرُ الشِّغَارِ) ٣٣٣٨ - (أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، ح وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: مَالِكٌ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ، عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) الحمال، أبو موسى البغداديّ الحافظ، ثقة [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (الحارث بن مسكين) القاضي المصريّ، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٣ - (معن) بن عيسى القزّاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٤ - (ابن القاسم) عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه، صاحب مالك، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٥ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧. ٦ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٧ - (ابن عمر) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بغداديّ، والثاني مصريّ، وكذا ابن القاسم. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، نَهَى عَنِ الشِّغَارِ) قال النوويّ؛ قال العلماء: الشغار -بكسر الشين المعجمة، وبالغين المعجمة- أصله في اللغة الرفع، يقال: شَغَرَ الكلبُ إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك انتهى. وقال صاحب «النهاية»: قيل له: شغار؛ لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب: إذا رفع إحدى رجليه ليبول انتهى. وقال الخطّابيّ: وقال بعضهم: أصل الشغر في اللغة الرفع، يقال: شغر الكلب برجله: إذا رفعها عند البول، قال: فإنما سمي هذا النكاح شغارًا لأنهما رفعا المهر بينهما. قال: وهذا القائل لا ينفصل ممن قال، بل سُمِّي شغارًا لأنه رُفِع العقدُ من أصله، فارتفع النكاح، والمهر معًا، ويبيّن لك أن النهي قد انطوى على الأمرين معًا، أن البدل هنا ليس شيئًا غير العقد، ولا العقد شيئًا غير البدل، فهو إذا فسد مهرًا فسد عقدًا، وإذا أبطلته الشريعة، فإنما أفسدته على الجهة التي كانوا يوقعونه، وكانوا يوقعونه مهرًا وعقدًا، فوجب أن يفسدا معًا انتهى . قال الحافظ وليّ الدين: فهذه ثلاثة أقوال على تفسير الشغار بالرفع، قال الرافعيّ: وفي بعض الشروح أن الكلب إذا كان يبول حيث يصل من غير مبالاة، قيل: شغر الكلب برجله، فسُمي شغارًا؛ لعدم المبالاة فيه بالمهر. وقال ابن عبد البرّ: للشغار في اللغة معنى لا مدخل لذكره هنا، وذلك أنه مأخوذ عندهم من شغر الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وذلك زعموا ألا يكون منه إلا بعد مفارقة حال الصغر على حال يمكن فيها طلب الوثوب على الأنثى للنسل، وهو عندهم للكلب إذا فعله علامة بلوغه إلى حال الاحتلام من الرجال، ولا يرفع رجله للبول إلا وهو قد بلغ ذلك المبلغ، يقال منه: شغر الكلب إذا رفع رجله، فبال، أم لم يبُل، ويقال: شَغَرتُ المرأةَ أشغرها شَغْرًا: إذا رفعت رجلها للنكاح انتهى. ثم قال النوويّ، وقيل: هو من شغر الكلب، إذا خلا لخلوّه عن الصداق انتهى. قال الرافعيّ، ويقال لخلوّه عن بعض الشروط، وقال صاحب «النهاية» بعد كلامه المتقدّم. وقيل: الشغر البعد. وقيل: الاتساع انتهى. فهذه ثلاثة أقوال غير ما تقدّم، وهي الخلوّ، والبعد، والاتساع. وعبّر القاضي عياض في «المشارق» بقوله: وقيل: من رَفْع الصداق فيه، وبُعْده منه انتهى. وهذا يقتضي رجوع البعد إلى المعنى المشهور، وهو الرفع. واللَّه أعلم انتهى كلام وليّ الدين . (وَالشِّغَارُ) هذا التفسير مدرج من قول نافع، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى، وهو مبتدأ، خبره قوله (أَنْ يُزَوّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ) ليس ذكر البنت قيدًا في هذا، بل غيرها من الأخوات، والعمات، ونحوها كذلك، كما هو في حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا. قال النوويّ في «شرح مسلم»: أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمّات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا. وصورته الواضحة: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك، ويضع كلّ واحدة صداقًا للأخرى، فيقول: قَبِلتُ. انتهى . (وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ) أي بل صداق كلّ واحدة منهما هو بضع الأخرى. وهذا النهي محمول على عدم المشروعية بالاتفاق، ثم إن الجمهور قالوا: لا ينعقد أصلًا، وقال الحنفيّة: ينعقد، ويلزم فيه مهر المثل، وبه يخرج عن كونه شغارًا. والحقّ ما ذهب إليه الجمهور، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٦٠/ ٣٣٣٥ و٦١/ ٣٣٣٨ - وفي «الكبرى» ٥٧/ ٥٤٩٣ و٥٨/ ٥٤٩٧. وأخرجه (خ) في «النكاح» ٥١١٢ (م) في «النكاح» ١٤١٥ (د) «النكاح» ٢٠٧٤ (ت) «النكاح» ١١٢٤ (ق) «النكاح» ١٨٨٣ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٥١٢ و٤٦٧٨ و٤٨٩٩ و٥٢٦٧ و٥٦٢٢ (الموطأ) في «النكاح» ١١٣٤ (الدارمي) في «النكاح» ٢١٨٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: ظاهر الحديث أن تفسير الشغار من تَتِمّة المرفوع، وقد أخرجه الشيخان، وغيرهما من طريق عبيد اللَّه بن عمر، وفيه: «قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: يَنكِح ابنة الرجل، ويُنكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل، ويُنكحه أخته بغير صداق». فيكون مدرجًا في رواية مالك. وقال الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-: لا أدري تفسير الشغار في الحديث من النبيّ - ﷺ -، أو من ابن عمر، أو من نافع، أو من مالك؟، حكاه عنه البيهقيّ في «المعرفة». وقال الرافعيّ: قال الأئمة: وهذا التفسير يجوز أن يكون مرفوعًا، ويجوز أن يكون من عند ابن عمر انتهى . وقال في «الفتح»: قال ابن عبد البرّ: ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه انتهى. قال الحافظ: ولا يَرِدُ على إطلاقه أن أبا داود، أخرجه عن القعنبيّ، فلم يذكر التفسير. وكذا أخرجه الترمذيّ من طريق معن بن عيسى؛ لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما، وإلا فقد أخرجه النسائيّ من طريق معن بالتفسير. وكذا أخرجه الخطيب في «المدرج» من طريق القعنبيّ. نعم اختَلَفَ الرواة عن مالك فيمن يُنسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعيّ فيما حكاه في «المعرفة»: لا أدري التفسير عن النبيّ - ﷺ -، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، ونسبه محرز بن عون، وغيره لمالك. قال الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبيّ - ﷺ -، وإنما هو قول مالك وُصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهديّ، والقعنبيّ، ومحرز بن عون، ثم ساقه كذلك عنهم، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيليّ، والدارقطنيّ في «الموطّآت»، وأخرجه الدارقطنيّ أيضًا من طريق خالد بن مخلد، عن مالك، قال: سمعت أن الشغار أن يتزوّج الرجل إلخ، وهذا دالّ على أن التفسير من منقوله لا من مقوله. ووقع عند البخاريّ في «ترك الحيل» من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع في هذا الحديث تفسير الشغار من قول نافع، ولفظه «قال عبيد اللَّه بن عمر: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره»، فلعل مالكًا أيضًا نقله عن نافع. وقال أبو الوليد الباجيّ: الظاهر أنه من جملة الحديث، وعليه يحمل حتى يتبيّن أنه من قول الراوي، وهو نافع. قال الحافظ: قد تبيّن ذلك، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه أن لا يكون في نفس الأمر مرفوعًا، فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم من رواية أبي أسامة، وابن نُمير عن عبيد اللَّه بن عمر أيضًا عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله سواء، قال: وزاد ابن نُمير: «والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوَّجني ابنتك، وأُزوّجك ابنتي، وزوّجني أختك، وأزوّجك أختي». وهذا يحتمل أن يكون من كلام عبيد اللَّه بن عمر، فيرجع إلى نافع. ويحتمل أن يكون تلقّاه عن أبي الزناد، ويؤيّد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس، وجابر، وغيرهما أيضًا، فأخرج عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت، وأبان، عن أنس مرفوعًا: «لا شغار في الإسلام، والشغار أن يزوّج الرجل الرجل أخته بأخته». وروى البيهقيّ من طريق نافع بن يزيد، عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا: «نُهى عن الشغار، والشغار أن يَنكح هذه بهذه بغير صداق، بُضْعُ هذه صداق هذه، وبُضع هذه صداقِ هذه». وأخرج أبو الشيخ في «كتاب النكاح» من حديث أبي ريحانة: «أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن المشاغرة، والمشاغرة أن يقول: زوّج هذا من هذه، وهذه من هذا بلا مهر». قال القرطبيّ: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة، فإن كان هذا مرفوعًا فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابيّ، فمقبولٌ أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل يُشترط في الشغار ما اقتضاه ظاهر الحديث من مراعاة الوصفين المذكورين، أم لا؟: (اعلم): أنهم اختلفوا هل يُعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره، فإن فيه وصفين: أحدهما: تزويج كلّ من الوليين وليّته للآخر بشرط أن يُزوّجه وليّته. والثاني: خلوّ بُضع كلّ منهما من الصداق، فمنهم من اعتبرهما معًا، حتى لا يمنع مثلًا إذا زوّج كلّ منهما الآخر بغير شرط، وإن لم يذكر الصداق، أو زوّج كلّ منهما الآخر بالشرط، وذكر الصداق. وذهب أكثر الشافعيّة إلى أن علّة النهي الاشتراك في البضع؛ لأن بضع كلّ منهما يصير مورد العقد، وجعل البضع صداقًا مخالفٌ لإيراد عقد النكاح، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق؛ لأن النكاح يصحّ بدون تسمية الصداق. واختلفوا فيما إذا لم يصرّحا بذكر البضع، فالأصحّ عندهم الصحّة، ولكن وُجد نصّ الشافعيّ على خلافه، ولفظه: إذا زوّج الرجل ابنته، أو المرأة يلي أمرها، من كانت لآخر على أن صداق كلّ واحدة بضع الأخرى، أو على أن يُنكحه الأخرى، ولم يُسمّ أحدٌ منهما لواحدة منهما صداقًا، فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول اللَّه - ﷺ -، وهو منسوخٌ. هكذا ساقه البيهقيّ بإسناده الصحيح عن الشافعيّ. قال: وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث. واختَلَف نصّ الشافعيّ فيما إذا سمّى مع ذلك مهرًا، فنصّ في «الإملاء» على البطلان، وظاهر نصّه في «المختصر» الصّحّة، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعيّ من ينقل الخلاف من أهل المذاهب. وقال القفّال: العلّة في البطلان التعليق، والتوقيف، فكأنه يقول: لا ينعقد نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك. وقال الخطّابيّ: كان ابن أبي هريرة يشبّهه برجل تزوّج امرأة، واستثنى عضوًا من أعضائها، وهو مما لا خلاف في فساده. وتقرير ذلك أنه يزوّج وليّته، ويستثني بُضعها حيث يجعله صداقًا للأخرى. وقال الغزاليّ في «الوسيط»: صورته الكاملة أن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك، على أن يكون بُضع كلّ واحدة منهما صداقًا للأخرى، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك. قال الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» ينبغي أن يُزاد: ولا يكون مع البضع شيء آخر، ليكون متّفقًا على تحريمه في المذهب. ونقل الخِرَقيّ أن أحمد نصّ على أن علّة البطلان ترك ذكر المهر، ورجّح ابن تيميّة في «المحرّر» أن العلّة التشريك في البضع. وقال ابن دقيق العيد: ما نصّ عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكورة في الحديث لقوله فيه: ولا صداق بينهما، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد، ثم قال: وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي، ويؤيّده حديث أبي ريحانة الذي ذكره انتهى . وقال العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: قال الإمام أحمد: الشغار الباطل أن يزوّجه وليّته على أن يزوّجه الآخر وليّته، ولا مهر بينهما على حديث ابن عمر، فإن سمّوا مع ذلك مهرًا صحّ العقد بالمسمّى عنده. وقال الخرقيّ: لا يصحّ، ولو سمّوا مهرًا على حديث معاوية. وقال أبو البركات ابن تيميّة، وغيره من أصحاب أحمد: إن سمّوا مهرًا، وقالوا مع ذلك: بُضع كلّ واحدة مهر الأخرى لم يصحّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ. واختُلف في علّة النهي، فقيل: هي جعل كلّ واحد من العقدين شرطًا في الآخر. وقيل: العلّة التشريك في البضع، وجعلُ بُضع كلّ واحدة مهرًا للأخرى، وهي لا تنتفع به، فلم يرجع إليها المهر، بل عاد المهر إلى الوليّ، وهو ملكه لبضع زوجته بتمليكه لبضع موليّته، وهذا ظلم لكل واحدة من المرأتين، وإخلاء لنكاحهما عن مهر تنتفع به، وهذا هو الموافق للغة العرب، فإنهم يقولون: بلدٌ شاغر من أمير، ودارٌ شاغرةٌ من أهلها: إذا خلت، وشغَرَ الكلب: إذا رفع رجله، وأخلى مكانها، فإذا سمّوا مهرًا مع ذلك زال المحذور، ولم يبق إلا اشتراط كلّ واحد على الآخر شرطًا لا يؤثّر في فساد العقد، فهذا منصوص أحمد. وأما من فرّق، فقال: إن قالوا مع التسمية: إن بُضع كلّ واحدة مهرٌ للأخرى فسد؛ لأنها لم يرجع إليها مهرها، وصار بضعها لغير المستحقّ، وإن لم يقولوا ذلك صحّ، والذي يجيء على أصله أنهم متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم أنه لا يصحّ؛ لأن القصود في العقود معتبرةٌ، والمشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، فيبطل العقد بشرط ذلك، والتواطىءِ عليه ونيّته، فإن سُمّي لكلّ واحدة مهر مثلها صحّ، وبهذا تظهر حكمة النهي، واتفاق الأحاديث في هذا الباب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- أرجح؛ لأنه أقرب إلى ظاهر الحديث؛ لأن تفسير الشغار المذكور، إن كان مرفوعًا فواضحٌ، وإلا فتفسير الصحابيّ، أو الراوي أقرب؛ لأنه من أهل اللغة، وأفهم بمقاصد الشريعة. والحاصل أن الشغار لا يكون شغارًا محرّمًا إلا إذا خلا عن ذكر المهر، فإن ذُكر المهر، جاز، اللَّهمّ إلا أن يترتّب عليه محظورٌ، وذلك بأن يشترط على أنه إذا حصل شقاقُ إحدى المرأتين مع زوجها، ففارقها انتُزعت الأخرى قهرًا بسبب ذلك، كما يُفعل في بعض البلدان، فلا يجوز؛ لإلحاق الضرر بالثانية؛ وقد صحّ عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه قال: «لا ضرر، ولا ضرار». رواه أحمد . [فإن قلت]: أخرج أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح، من طريق ابن سحاق، حدّثني عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج، أن العبّاس بن عبد اللَّه بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وكانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول اللَّه - ﷺ -. فقد أوضح معاوية - ﵁ - فيه أن الشغار يشمل أيضًا ما سُمّي فيه المهر، قال ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف، يَفسَخ هذا النكاح، وإن ذكرا فيه الصداق. انتهى. . [قلت]: هذا فهم معاوية - ﵁ - في حمل الشغار على ما يشمل الصورة المذكور في هذا الحديث، وقد تقدّم أن غيره خالفه في ذلك، ففسّروا الشغار بما اشتمل على وصفين: اشتراط كلّ منهما على الآخر أن يزوّجه موليّته، والخلوّ من ذكر الصداق، فهذا الحمل إن كان مرفوعًا، فواضح، وإن كان موقوفًا، فالقائلون به أكثر. وأما قول ابن حزم: فهذا معاوية بحضرة الصحابة، لا يعرف له منهم مخالف الخ، ففيه نظر لا يخفى، فمن أين له أنه قال ذلك بحضرة الصحابة؟، ومن أين عرف عدم مخالفتهم له؟، وقد تقدّم أن تفسير الشغار بما تقدّم وقع في حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وجابر، وأبي ريحانة - رضي اللَّه تعالى عنهم -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نكاح الشِّغَار: أجمعوا على أن نكاح الشغار لا يجوز، ولكن اختلفوا في صحّته، فالجمهور على البطلان. وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول، لا بعده. وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعيّ. وذهب الحنفيّة إلى صحّته، ووجوب مهرب المثل، وهو قول الزهريّ، ومكحول، والثوريّ، والليث، ورواية عن أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو قول على
مصادر المؤلف (١٢)

١. أخرجه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٦٥ - رقم ١٢٢٧٥ - فقال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي - ﷺ -، قال: «لا شغار في الإسلام».

٢. انظر «شرح علل الترمذيّ» ٢/ ٨٦٥ تحقيق الدكتور همام عبد الرحيم سعيد.

٣. وقد صحح الشيخ الألباني الحديث من رواية أنس أيضًا، نظرًا لظاهر الإسناد، قال: وإسناده صحيح على شرط الشيخين، راجع «إرواء الغليل» ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٧. لكن قد عرفت أن المصنّف ضعف رواية محمد بن كثير، وضعّف أحمد رواية معمر، فلا يستقيم التصحيح، وإنما الحديث لعمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم.

٤. «معالم السنن» ٣/ ٢٠ - ٢١.

٥. «طرح التثريب» ٧/ ٢٨ - ٢٩.

٦. «شرح صحيح مسلم» ١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥.

٧. «طرح التثريب» ٧/ ٢١ - ٢٢.

٨. «فتح» ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤.

٩. راجع «الفتح» ١٠/ ٢٠٤.

١٠. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٥/ ١٠٨ - ١٠٩.

١١. «مسند أحمد» ٢٢٢٧٢ و٢٨٦٢.

١٢. «المحلّى» ٩/ ٥١٦.