HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٦٦

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ «نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص455
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٦ ص ١٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٨ ص٩٠
سبرة: أشهد على أبي أنه حدّث أن رسول اللَّه - ﷺ - نَهَى عنها في حجة الوداع». انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، مَا أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ، أَنَّ رَجُلًا لَا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا، فَقَالَ: إِنَّكَ تَائِهٌ، إِنَّهُ:«نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْهَا، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفيّ البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (عبيد اللَّه بن عمر) بن حفص العمريّ المدنيّ، ثقة ثبت [٥] ١٥/ ١٥. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدنيّ الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٥ - (الحسن بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ، المعروف أبوه بابن الحنفيّة، ثقة فقيه رُمي بالإرجاء [٣]. قال مصعب الزُّبيريّ، ومُغيرة بن مِقْسَم، وعثمان بن إبراهيم الحاطبيّ: هو أول من تكلّم في الإرجاء، وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وليس له عقب. وقال ابن سعد: كان من ظرفاء بني هاشم، وأهل العقل منهم، وكان يُقدّم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، وهو أوّل من تكلّم في الإرجاء. وقال الزهريّ: حدثنا الحسن، وعبد اللَّه ابنا محمد، وكان الحسن أرضاهما في أنفسنا، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما. وقال محمد بن إسماعيل الجعفريّ: حدثنا عبد اللَّه بن سلمة بن أسلم، عن أبيه، عن حسن، ومحمد، قال: وكان حسنٌ من أوثق الناس عند الناس. وقال سفيان، عن عمرو بن دينار: ما كان الزهريّ إلا من غلمان الحسن بن محمد. وقال ابن حبّان: كان من علماء الناس بالاختلاف. وقال سلّام بن أبي مطيع، عن أيوب: أنا أتبرّأ من الإرجاء، إن أول من تكلّم فيه رجلٌ من أهل المدينة، يقال له: الحسن بن محمد. وقال عطاء بن السائب، عن زاذان، وميسرة، أنهما دخلا على الحسن بن محمد، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لزاذان: يا أبا عمر، لَوَدِدتُ أني كنتُ متّ، ولم أكتبه. وقال خليفة: مات سنة (٩٩)، أو (١٠٠)، وقيل: غير ذلك في وفاته. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان: هذا الحديث، وأعاده خمس مرّات، و(٤٢٤٥) حديث «مفاتح كلام اللَّه الدنيا والآخرة للَّه …» الحديث. وكتب الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر ما تقدّم: ما مختصره: المراد بالإرجاء الذي تكلّم به الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يَعِيبه أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، وذلك كتب كتابًا، وفيه: ونُوالي أبا بكر وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ونُجاهد فيهما؛ لأنهما لم تَقْتَتِلْ عليهما الأمة، ولم تشكّ في أمرهما، ونُرجىء من بعدهما، ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى اللَّه. قال: فالإرجاء الذي تكلّم فيه هو عدم القطع على إحدى الطائفتين بكونها مصيبة، أو مخطئة انتهى باختصار. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون المراد بالإرجاء الذي طُعِن به هو هذا النوع محلُّ تأمّل ونظر. واللَّه تعالى أعلم. ٦ - (عبد اللَّه بن محمد) بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو هاشم ابن الحنفيّة، ثقةٌ قرنه الزهريّ بأخيه الحسن [٤]. قال الزبير: كان أبو هاشم صاحَبَ الشيعة، فأوصى إلى محمد بن عليّ بن عبد اللَّه ابن عبّاس، وصَرَفَ الشيعة إليه، ودفع إليه كتبه، ومات عنده. وقال ابن سعد: كان صاحب علم ورواية، وكان ثقة، قليل الحديث، وكانت الشيعة يلقَونه، وينتحلونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى محمد بن عليّ، وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في وَلَدك، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك. وقال ابن عيينة، عن الزهريّ: حدّثنا عبد اللَّه، والحسن ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان الحسن أوثقهما، وكان عبد اللَّه يتبع -وفي رواية: يجمع- أحاديث السبئية . وقال العجليّ: عبد اللَّه والحسن ثقتان. وقال أبو أُسامة: أحدهما مُرْجىء، والآخر شيعيّ. وقال النسائيّ؛ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال ابن عبد البرّ: كان أبو هاشم عالمًا بكثير من المذاهب والمقالات، وكان عالمًا بالحدثان، وفنون العلم. قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة ثمان وتسعين. وأرخه الهيثم سنة تسع وتسعين، وكذا أرخه خليفة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده خمس مرّات. ٧ - (محمد بن عليّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم ابن الحنفيّة المدنيّ، ثقة عالم [٢] ١١٢/ ١٥٧. ٨ - (علي) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١ واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِمَا) من طريق مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد اللَّه، والحسن ابني محمد أخبراه أن أباهما محمد بن عليّ أخبرهما (أَنَّ عَلِيًّا بَلَغَهُ، أَنَّ رَجُلًا لا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا) الرجل هو ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ففي رواية البخاريّ في «كتاب ترك الحيل»: «أن عليًّا قيل له: إن ابن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسًا». وعند الدارقطنيّ: «أن عليًّا سمع ابن عبّاس، وهو يُفتي في متعة النساء، فقال: أما علمت …» (فَقالَ: إِنَّكَ تائِهٌ) وفي رواية لمسلم: «إنك رجلٌ تائه»، وللدارقطني: «إنك امرؤ تائه». و«التائه»: هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم. قال الفيّوميّ: تاه الإنسان في المَفازة يَتيهُ تَيْهًا: ضَلَّ عَن الطريق، وتاه يتُوهُ تَوْهًا لغةٌ، وقد تَيَّهْتُهُ، وتَوَّهْتُهُ، ومنه يُستعار لمن رام أمرًا، فلم يُصادف الصواب، فيقال: إنه تائه انتهى. (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضميرٌ يفسره ما بعده، وهو قوله (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْهَا) أي عن المتعة. وفي رواية أحمد، عن سفيان: «نَهَى عن نكاح المتعة» (وَعَنْ لُحُوم الْحُمُرِ الْأَهْلِيةِ) هو في معنى قوله في الرواية التالية: «الحمر الإنسيّة»، أي الحمر التيَ تألف الناس، دون الوحشيّة، فإنها مباحة. وقوله (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: «خيبر» بالمعجمة أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا الحديث، فإنه قال: «حُنَين» -بمهملة أوّله، ونونين- أخرجه المصنّف بعد حديث، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌ، تفرّد به عبد الوهّاب. وأخرجه الدارقطنيّ من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، فقال: «خيبر» على الصواب. وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عنه بلفظ: «نهى في غزوة تبوك عن نكاح المتعة»، وهو خطأ أيضًا. قاله في «الفتح» . ثمّ إنّ العلّة في جمع عليّ - ﵁ - بين النهي عن الحمر الأهليّة والمتعة في هذا الحديث أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يرخّص في الأمرين معًا، فردّ عليه عليّ - ﵁ - في الأمرين معًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧١/ ٣٣٦٦ و٣٣٦٧ و٣٣٦٨ و«الصيد والذبائح» ٣١/ ٤٣٣٥ و٤٣٣٦ - وفي «الكبرى» ٨٠/ ٥٥٣٨ و٥٥٣٩ و٥٥٤٠ وأخرجه (خ) في «المغازي» ٤٢١٦ و«الذبائح والصيد» ٥٥٢٣ (م) في «النكاح» ١٤٠٧ (ت) في «الأطعمة» ١٧٩٤ (ق) في «النكاح» ١٩٦١ (أحمد) في «مسند العشرة» ١٢٠٧٨١٤ (الموطأ) في «النكاح» ١١٥١ (الدارمي) في «الأضاحي» ١٩٩٠ «النكاح» ٢١٩٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تحريم المتعة. (ومنها): بيان تحريم الحمر الأهلية. (ومنها): جواز النسخ في الشريعة الإسلامية، وهو مجمع عليه بين المسلمين، كما قال في «الكوكب الساطع»: النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ واقِعُ … وَقائِلُ التَّخْصِيصِ لا يُنَازعُ (ومنها): جواز تكرار النسخ، حسب المصالح. (ومنها): أن أفاضل الصحابة - ﵃ - كانوا يخفى عليهم بعض النصوص الواضحة، فقد خفي على ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - نسخ المتعة، فكان يُفتي بجوازها حتى بيّن له عليّ - ﵁ - ذلك، فمن هنا ينبغي أن يتنبّه المقلّدون للمذاهب أن الأئمة يخفى عليهم بعض النصوص، فيُفتون بخلافه، فيكون ذلك مذهبًا لهم، وهم في ذلك معذورون، فإذا تبيّن الحقّ لمقلّديهم فعليهم أن يتّبعوا النصوص، ويعتذروا عن أئمتهم، ولا يتجمّدوا، فيقولوا: إمامنا أعلم منا، فلعله كان عنده دليلٌ أقوى من هذا، فإن هذا قولٌ بالظنون الكاذبة. فلا حول ولا قوّة إلا باللَّه العلي العظيم. (ومنها): أن العالم إذا أخطأ النصّ، لا يُضَلَّلُ، ولا يُهجر، وإنما يُبيّن له الحقّ؛ لأنه ما يخالف النص إلا باجتهاد، والخطأ في الاجتهاد مغفور، بل صاحبه مأجور، لما أخرجه الشيخان، عن عمرو بن العاص - ﵁ -، أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: «إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله أجران، د إذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قوله: «يوم خيبر» الظاهر أنه ظرفٌ للأمرين: للنهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية. وحكى البيهقيّ عن الحميديّ أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: «يوم خيبر» يتعلّق بالحمر الأهليّة، لا بالمتعة، قال البيهقيّ: وما قاله محتملٌ- يعني في روايته هذه، وأما غيره فصرّح أن الظرف يتعلّق بالمتعة. وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك بلفظ: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - يوم خيبر عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر الأهلية»، وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة أيضًا. وفي رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن الزهريّ عند البخاريّ في «ترك الحيل»: «أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عنها يوم خيبر»، وكذا أخرجه مسلم، وزاد من طريقه: «فقال: مَهْلًا يا ابن عباس»، ولأحمد من طريق معمر بسنده أنه «بلغه أن ابن عباس رخّص في متعة النساء، فقاله: إن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهليّة»، وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، مثل رواية مالك، والدارقطنيّ من طريق ابن وهب، عن مالك، ويونس، وأسامة بن زيد ثلاثتهم، عن الزهريّ كذلك. وذكر السهيليّ أنّ ابن عيينة رواه عن الزهريّ بلفظ: «نهى عن أكل الحمر الأهليّة عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم». قال الحافظ؛ وهذا اللفظ الذي ذكره لم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد، وابن أبي عمر، والحميديّ، وإسحاق في مسانيدهم عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم من زاد لفظ «نكاح»، كما بيّنته. وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن موسى، والعباس بن الوليد. وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير، وزُهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، لكن قال: «زمن» بدل «يوم»، قال السهيليّ: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحدٌ من أهل السير، ورواةِ الأثر، قال: فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهريّ. وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البرّ من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميديّ ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهليّة، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، قال: ثم راجعت «مسند الحميديّ» من طريق قاسم بن أصبغ، عن أبي إسماعيل السلمي عنه، فقال بعد سياق الحديث: «قال ابن عُيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة». قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثر الناس. وقال البيهقيّ: يُشبه أن يكون كما قال لصحّة الحديث في أنه - ﷺ - رخّص فيها بعد ذلك، ثمّ نهى عنها، فلا يتمّ احتجاج عليّ إلا إذا وقع النهي أخيرًا؛ لتقوم الحجة به على ابن عبّاس - ﵄ -. وقال أبو عوانة في «صحيحه»: سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث عليّ - ﵁ - أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة، فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم الفتح انتهى. والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر، كما أشار إليه البيهقيّ، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليًّا - ﵁ - لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع النهي عنها عن قربٍ، كما سيأتي بيانه، ويؤيّد ظاهرَ حديث عليّ - ﵁ - ما أخرجه أبو عوانة، وصححه من طَريق سالم بن عبد اللَّه: «أن رجلًا سأل ابن عمر عن المتعة؟، فقال: حرام، فقال: إن فلانًا يقول فيها، فقال: واللَّه لقد علم أن رسول اللَّه - ﷺ - حرّمها يوم خيبر، وما كنّا مسافحين». قال السهيليّ: وقد اختُلِفَ في وقت تحريم نكاح المتعة، فأغربُ ما رُوي في ذلك من قال: في غزوة تبوك، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها أن ذلك كان في غزوة الفتح، كما أخرجه مسلم من حديث الرَّبِيع بن سَبْرة، عن أبيه، وفي رواية عن الربيع، أخرجها أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال: ومن قال من الرُّواة: كان في غزوة أوطاس، فهو موافق لمن قال: عام الفتح انتهى. فتحصّل مما أشار إليه ستّة مواطن: خيبر، ثم عمرة القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع. قال الحافظ: وبقي عليه حُنين؛ لأنها وقعت في رواية قد نبّهتُ عليها قبلُ، فإما أن يكون ذَهِل عنها، أو تركها عمدًا لخطأ رُواتها، أو لكون غزوة أوطاس، وحنين واحدة. فأما رواية تبوك، فأخرجها إسحاق بن راهويه، وابن حبّانَ من طريقه، من حديث أبي هريرة: «أن النبيّ - ﷺ - لما نزل بثَنِيَّة الوداع رأى مصابيح، وسمع نساء يبكين، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يا رسول اللَّه، نساء كانوا تمتّعوا منهنّ، فقال: هَدَمَ المتعةَ النكاحُ، والطلاقُ، والميراثُ». وأخرجه الحازميّ من حديث جابر قال: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - إلى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلي الشام جاءت نسوة، قد كنّا تمتّعنا بهنّ يطفن برجالنا، فجاء رسول اللَّه - ﷺ -، فذكرنا ذلك له، قال: فغضب، وقام خطيبًا، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ونهى عن المتعة، فتواعدنا يومئذ، فسُمّيت ثنيّة الوداع«. وأما رواية الحسن، وهو البصريّ، فأخرجها عبد الرزاق من طريقه، وزاد:«ما كانت قبلها، ولا بعدها»، وهذه الزيادة منكرة من راويها عمرو بن عُبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن بدون هذه الزيادة. وأما غزوة الفتح، فثبتت في«صحيح مسلم»، كما قال. وأما أوطاس، فثبتت في مسلم أيضًا من حديث سلمة بن الأكوع. وأما حجة الوداع، فوقع عند أبي داود من حديث الربيع بن سَبْرة، عن أبيه. وأما قوله:«لا مخالفة بين أوطاس والفتح»ففيه نظر؛ لأن الفتح كان في رمضان، ثم خرجوا إلى أوطاس في شوّال، وفي سياق مسلم أنهم لم يخرجوا من مكّة حتى حُرِّمت، ولفظه:«أنه غزا مع رسول اللَّه - ﷺ - الفتح، فأذن لنا في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي- فذكر قصّة المرأة إلى أن قال:- ثم استمتعت منها، فلم أخرج حتى حرّمها»، وفي لفظ له:«رأيت رسول اللَّه - ﷺ - قائمًا بين الركن والباب، وهو يقول … »بمثل حديث ابن نمير، وكان تقدّم في حديث ابن نمير أنه قال:«يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن اللَّه قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة»، وفي رواية:«أَمَرَنا بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها»، وفي رواية له:«أمر أصحابه بالتمتّع من النساء- فذكر القصّة، قال:- فكُنّ معنا ثلاثًا، ثم أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بفراقهنّ»، وفي لفظ:«فقال: إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة». فأما أوطاس، فلفظ مسلم:«رخّص رسول اللَّه - ﷺ - عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها»، وظاهر الحديثين المغايرة، لكن يحتمل أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس لتقاربهما، ولو وقع في سياقه أنهم تمتّعوا من النساء في غزوة أوطاس لما حَسُنَ هذا الجمع. نعم ويبعد أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن يقع التصريح قبلها في غزوة الفتح بأنها حرمت إلى يوم القيامة. وإذا تقرّر ذلك، فلا يصحّ من الروايات شيء بغير علّة إلا غزوة الفتح. وأما غزوة خيبر، وإن كانت طرق الحديث فيها صحيحة، ففيها من كلام أهل العلم ما تقدّم. وأما عمرة القضاء، فلا يصحّ الأثر فيها؛ لكونها من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ من كلّ أحد، وعلى تقدير ثبوته، فلعلّه أراد أيام خيبر؛ لأنهما كانا في سنة واحدة، كما في الفتح وأوطاس سواء. وأما قصّة تبوك فليس في حديث أبي هريرة التصريح بأنهم استمتعوا منهنّ في تلك الحالة، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديمًا، ثم وقع التوديع منهنّ حينئذ، والنهي، أو كان النهي وقع قديمًا، فلم يبلغ بعضهم فاستمرّ على الرخصة، فلذلك قرن النهي بالغضب؛ لتقدّم النهي في ذلك، على أن في حديث أبي هريرة مقالًا، فإنه من رواية مؤمّل بن إسماعيل، عن عكرمة بن عمّار، وفي كلّ منهما مقالٌ. وأما حديث جابر، فلا يصحّ؛ فإنه من طريق عبّاد بن كثير، وهو متروك. وأما حجة الوداع، فهو اختلاف على الربيع بن سَبْرَة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصحّ وأشهر، فإن كان حفظه فليس في سياق أبي داود سوى مجرّد النهي، فلعله - ﷺ - أراد إعادة النهي ليَشِيع، ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك. فلم يبقَ من المواطن كما قلنا صحيحًا صريحًا سوى غزوة خيبر، وغزوة الفتح، وفي غزوة خيبر من كلام أهل العلم ما تقدّم. وزاد ابن القيّم في «الهدي» أن الصحابة لم يكونوا يستمتعوت باليهوديات، يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر، أو لم يقع هناك نكاح متعة، لكن يمكن أن يجاب بأن يهود خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع التمتّع بهنّ، فلا ينهض الاستدلال بما قال. وقال الماورديّ في «الحاوي»: في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان: أحدهما: أن التحريم تكرَّر؛ ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن علمه؛ لأنه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها. والثاني: أنها أُبيحت مرارًا، ولهذا قال في المرّة الأخيرة: «إلى يوم القيامة»، إشارةً إلى أن التحريم الماضي كان مؤذنًا بأن الإباحة تعقبه، بخلاف هذا، فإنه تحريمٌ مؤبّد، لا تعقبه إباحة أصلًا، وهذا الثاني هو المعتمد، ويردّ الأول التصريح بالإذن فيها في الموطن المتأخّر عن الموطن الذي وقع التصريح فيه بتحريمها كما في غزوة خيبر، ثم الفتح. وقال النوويّ: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرّتين، فكانت مباحة قبل خيبر، ثمّ حرّمت فيها، ثم أُبيّحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرّمت تحريمًا مؤبّدًا، قال: ولا مانع من تكرير الإباحة. ونقل غيره عن الشافعيّ أن المتعة نُسخت مرّتين، وقد ثبت في حديث ابن مسعود - ﵁ - سبب الإذن في نكاح المتعة، وأنهم كانوا إذا غزوا اشتدّت عليهم العُزبة، فأذن لهم في الاستمتاع، فلعلّ النهي كان يتكرّر في كلّ موطن بعد الإذن، فلما وقع في المرّة الأخيرة أنها حرّمت إلى يوم القيامة لم يقع بعد ذلك إذن واللَّه أعلم. والحكمة في جمع عليّ - ﵁ - بين النهي عن الحمر والمتعة أن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - كان يرخّص في الأمرين معًا، فردّ عليه عليّ - ﵁ - في الأمرين معًا، وأن ذلك يوم خيبر، فإما أن يكون على ظاهره، وأن النهي عنهما وقع في زمن واحد، وإما أن يكون الإذن الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليًّا لقصر مدّة الإذن، وهو ثلاثة أيام، كما تقدّم. والحديث في قصّة تبوك على نسخ الجواز في السفر لأنه نهى عنها في أوائل إنشاء السفر مع أنه كان سفرًا بعيدًا، والمشقّة فيه شديدة كما صرّح به في الحديث في توبة كعب، وكأن علّة الإباحة، وهي الحاجة الشديدة انتهت من بعد فتح خيبر، وما بعدها. واللَّه أعلم. قال الحافظ: والجواب عن قول السهيليّ أنه لم يكن في خيبر نساءٌ يستمتع بهنّ ظاهر مما بيّنته من الجواب عن قول ابن القيّم: لم تكن الصحابة يتمتّعون باليهوديات، وأيضًا فيقال -كما تقدّم-: لم يقع في الحديث التصريح بأنهم استمتعوا في خيبر، وإنما فيه مجرّد النهي، فيؤخذ منه أن التمتّع من النساء، كان حلالًا، وسبب تحليله ما تقدّم في حديث ابن مسعود - ﵁ -، حيث قال: «كنا نغزو، وليس لنا شيء -ثم قال-: فرخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب»، فأشار إلى سبب ذلك، وهو الحاجة مع قلّة الشيء، وكذا في حديث سهل بن سعد الذي أخرجه ابن عبد البرّ بلفظ: «إنما رخّص النبيّ - ﷺ - في المتعة لعزبة كانت بالناس شديدة، ثم نهى عنها»، فلما فُتِحت خيبر وسع عليهم من المال، ومن السبي، فناسب النهي عن المتعة؛ لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شكر نعمة اللَّه على التوسعة بعد الضيق، أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بُعْدٌ ومشقّةٌ، وخيبر بخلاف ذلك؛ لأنها بقرب المدينة فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدّم إذن فيها، ثم لمّا عادوا إلى سفرة بعيدة المدّة، وهي غزاة الفتح، وشقّت عليهم العزوبة أذن لهم في المتعة، لكن مقيّدًا بثلاثة أيام فقط دفعًا للحاجة، ثم نهاهم بعد انقضائها عنها. وهكذا يجاب عن كلّ سفرة ثبت فيها النهي بعد الإذن. وأما حجة الوداع، فالذي يظهر أنه وقع فيها النهي مجرّدًا، إن ثبت الخبر في ذلك؛ لأن الصحابة حجِّوا فيها بنسائهم بعد أن وُسّع عليهم، فلم يكونوا في شدّة، ولا طول عزبة، وإلا فمخرج حديث سَبْرة روايه، هو من طريق ابن الربيع عنه، وقد اختُلِفَ عليه في تعيينها، والحديث واحدٌ في قصّة واحدةٍ، فتعيّن الترجيح، والطريق التي أخرجها مسلم مصرّحة بأنها في زمن الفتح أرجح، فتعيّن المصير إليها، واللَّه أعلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: خلاصة القول في مسألة المتعة أن الأصحّ أنها مما تكرَّر نسخها، وإباحتها، فكانت مباحة قبل خيبر، فحرّمت فيها، ثم أُبيحت زمن الفتح لمدّة ثلاثة أيام، ثم حرّمت فيها بعد الثلاثة تحريمًا مؤبّدًا إلى يوم القيامة، وأما الرواية بأنه حرمت عام حجة الوداع، فتؤوّل بأن المراد أنه - ﷺ - أعاد ذكر تحريمها، حتى يعلمه الجميع، دون أن يتقدّم له إذن فيه، فبهذا تجتمع أحاديث الباب، ويزول إشكالها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في حكم نكاح المتعة: قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال أبو بكر الطرطوشيّ: ولم يرخّص في نكاح المتعة إلا عمران بن حُصين، وابن عبّاس، وبعض الصحابة، وطائفة من أهل البيت، وفي قول ابن ابن عباس يقول الشاعر [من الطويل]: أَقُولُ لِلرَّكْبِ إِذْ طالَ الثَّواءُ بِنَا … يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الأَطْرَافِ ناعِمَةٍ … تَكُونُ مَثوَاكَ حَتَّى مَرْجِعِ النّاسِ وسائر العلماء، والفقهاء، من الصحابة والتابعين، والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخةٌ ، وأن المتعة حرام انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «الاستذكار»: وأما الصحابة - ﵃ -، فإن الأكثر منهم على النهي عنها، وتحريمها. قال: وأصحاب ابن عبّاس من أهل مكة، واليمن كلهم يرون المتعة حلالًا على مذهب ابن عبّاس، وحرّمها سائر الناس. قال معمر: قال الزهريّ: ازداد الناس لها مقتًا حين قال الشاعر: يا صاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيَا ابْنِ عَبّاسِ قال ابن عبد البرّ: هما بيتان: قالَ الْمُحَدِّثُ لَمَّا طَالَ مَجْلِسُهُ … يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ فِي بَضَّةِ رَخْصَةِ الأَطْرافِ آنِسَةٍ … تَكُونُ مَثواكَ حَتَّى مَرْجِعِ النَّاسِ وروى الليث بن سعد، عن بكير بن الأشجّ، عن عمار مولى الشَّرِيد، قال: سألت ابن عبّاس عن المتعة، أسفاح هي، أم نكاح؟ قال: لا سِفاحٌ هي، ولا نكاح، قلت: فما هي؟، قال: المتعة، كما قال اللَّه تعالى، قلت: هل عليها عدّةٌ؟، قال: نعم حيضةٌ، قلت: يتورثان؟ قال: لا. قال أبو عمر: اتفق أئمّةُ علماء الأمصار، من أهل الرأي والآثار» منهم: مالك، وأصحابه من أهل المدينة، وسفيان، وأبو حنيفة من أهل الكوفة، والشافعيّ، ومن سلك سبيله من أهل الحديث والفقه والنظر، والليث بن سعد من أهل مصر، والمغرب، والأوزاعيّ في أهل الشام، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، وداود، والطبريّ على تحريم نكاح المتعة لصحّة نهي رسول اللَّه - ﷺ - عندهم عنها. واختلفوا في معنًى منها، وهو الرجل يتزوّج المرأة عشرة أيام، أو شهرًا، أو أيامًا معلومات، وأجلًا معلومًا، فقال مالك، والثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والأوزاعيّ: هذا نكاح المتعة، وهو باطلٌ، يُفسخ قبل الدخول، وبعده. وقال زفر: إن تزوّجها عشرة أيام، أو نحوها، أو شهرًا، فالنكاح ثابت، والشرط باطلٌ، وقالوا كلهم إلا الأوزاعي: إذا نكح المرأة نكاحًا صحيحًا، ولكنه نوى في حين عقده عليها ألا يمكث معها إلا شهرًا، أو مدّة معلومة، فإنه لا بأس به، ولا تضرّه في ذلك نيّته إذا لم يكن شرط ذلك في نكاحه. قال ابن عبد البرّ: في حديث ابن مسعود - ﵁ - بيانُ أن المتعة نكاح إلى أجل، وهذا يقتضي الشرط الظاهر، وإذا سلم العقد منه صحّ. وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- باختصار . وقال الحافظ في «الفتح»: وقد اختلف السلف في نكاح المتعة، قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحدًا يُجيزها إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقولٍ يُخالف كتاب اللَّه، وسنّة رسوله - ﷺ -. وقال عياضٌ: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء على تحريمها إلا الروافض. وأما ابن عبّاس، فروي عنه أنه أباحها. وروي عنه أنه رجع عن ذلك. قال ابن بطال: روى أهل مكّة واليمن عن ابن عبّاس إباحة المتعة. وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصحّ، وهو مذهب الشيعة. قال: وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أُبطل سواء كان قبل الدخول، أم بعده، إلا قول زُفر أنه جعلها كالشروط الفاسدة، ويردّه قوله - ﷺ -: «فمن كان عنده منهنّ شيء، فليُخلّ سبيلها». وهو حديث سبرة المذكور في هذا الباب بعد هذا. وقال الخطّابيّ: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصحّ على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى عليّ، وآل بيته، فقد صحّ عن عليّ أنها نسخت. ونقل البيهقيّ عن جعفر بن محمد أنه سُئل عن المتعة، فقال: «هي الزنا بعينه»، قال الخطّابيّ: ويُحكى عن ابن جُريج جوازها اهـ. وقد نقل أبو عوانة في «صحيحة» عن ابن جُريج أنه رجع عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانية عشر حديثًا. وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفيّة عن مالك من الجواز خطأٌ، فقد بالغ المالكيّة في منع النكاح المؤقّت حتى أبطلوا توقيت الحلّ بسببه، فقالوا: لو علّق على وقت لا بُد من مجيئه وقع الطلاق الآن لأنه توقيت للحلّ، فيكون في معنى نكاح المتعة. وقال عياض: وأجمعوا على أن شرط البطلان التصريح بالشرط، فلو نوى عند العقد أن يفارقها بعد مدّة صحّ نكاحه، إلا الأوزاعيّ، فأبطله. واختلفوا هل يُحدّ ناكح المتعة، أو يُعزّر؟ على قولين، مأخذهما أن الاتفاق بعد الخلاف، هل يرفع الخلاف المتقدِّم. وقال القرطبيّ: الروايات كلّها متّفقةٌ على أن زمن إباحة المتعة لم يطُل، وأنه حُرِّم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت إليه من الروافض. وجزم جماعة من الأئمة بتفرّد ابن عبّاس بإباحتها، فهي من المسألة المشهورة، وهي نُدرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البرّ: أصحاب ابن عبّاس من أهل مكة واليمن على إباحتها، ثم اتفق فقهاء الأمصار على تحريمها. وقال ابن حزم: ثبت على إباحتها بعد رسول اللَّه - ﷺ - ابن مسعود، ومعاوية، وأبو سعيد، وابن عباس، وسلمة، ومعبد ابنا أُميّة بن خلف، وجابر، وعمرو بن حريث، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول اللَّه - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر، قال: ومن التابعين طاوس، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وسائر فقهاء مكة. قال الحافظ: وفي جميع ما أطلقه نظر: أما ابن مسعود، فمستنده فيه الحديث الماضي في أوائل النكاح ، وقد بيّنت فيه ما نقله الإسماعيليّ، من الزيادة فيه المصرّحة عنه بالتحريم، وقد أخرجه أبو عوانة من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، وفي آخره: «ففعلناها، ثم تُرك ذلك». وأما معاوية فأخرجه عبد الرزاق من طريق صفوان بن يعلي بن أميّة: «أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة بالطائف»، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزبير عن جابر عند عبد الرزّاق أيضًا أن ذلك كان قديمًا، ولفظه: «استمتع معاوية مَقْدَمه الطائف بمولاة لبني الحضرميّ، يقال لها: معانة، قال جابر: ثم عاشت معانة إلى خلافة معاوية، فكان يرسل إليها بجائزة كلّ عام»، وقد كان معاوية متّبعا لعمر، مقتديًا به، فلا يُشكّ أنه عمل بقوله بعد النهي، ومن ثَمّ قال الطحاويّ: خطب عمر، فنهى عن المتعة، ونقل ذلك عن النبيّ - ﷺ -، فلم يُنكر عليه ذلك منكر، وفي هذا دليلٌ على متابعتهم له على ما نهَى عنه. وأما أبو سعيد، فأخرج عبد الرزاق، عن ابن جُريج أن عطاءَ قال: أخبرني من شئتُ عن أبي سعيد، قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء القدح سَويقا. وهذا - مع كونه ضعيفًا؛ للجهل بأحد رواته- ليس فيه التصريح بأنه كان بعد النبيّ - ﷺ -. وأما ابن عبّاس، فتقدّم النقل عنه، والاختلاف هل رجع، أو لا؟. وأما سلمة، ومعبد، فقصّتهما واحدةٌ، اختُلف فيها، هل وقعت لهذا، أو لهذا، فروى عبد الرزّاق بسند صحيح، عن عمرو بن دينار، عن طاوسٍ، عن ابن عبّاس، قال: «لم يَرُعْ عمر إلا أمّ أراكة، قد خرجت حُبلى، فسألها عمر، فقالت: استمتع بي سلمة بن أميّة». وأخرج من طريق أبي الزبير، عن طاوس، فسمّاه معبد بن أُميّة. وأما جابر، فمستنده قوله: «فعلناها»، وقد تقدّم بيانه، ووقع في رواية أبي نضرة، عن جابر عند مسلم: «فنهانا عمر، فلم نفعله بعدُ»، فإن كان قوله: «فعلنا» يعمّ جميع الصحابة، فقوله: «ثم لم نعُد» يعمّ جميع الصحابة، فيكون إجماعًا، وقد ظهر أن مستنده الأحاديث الصحيحة التي بيّنّاها. وأما عمرو بن حُريث ، وكذا قوله: «رواه جابر عن جميع الصحابة، فعجيبٌ، وإنما قال جابر:«فعلناها»، وذلك لا يقتضي تعميم جميع الصحابة، بل يصدُقُ على فعل نفسه وحده. وأما ما ذكره عن التابعين، فهو عند عبد الرزاق، عنهم بأسانيد صحيحة. وقد ثبت عن جابر عند مسلم:«فعلناها، مع رسول اللَّه - ﷺ -، ثم نهانا عمر، فلم نَعُد لها»، فهذا يردّ عدّه جابرًا فيمن ثبت على تحليلها. وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها؛ لثبوت
مصادر المؤلف (١٢)

١. «فتح» ١٠/ ٢٠٩.

٢. قال في «الفتح»: والسبئية -بمهملة، ثم موحّدة ينسبون إلى عبد اللَّه بن سبأ، وهو من رؤساء الروافض، وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولما غلب على الكوفة، وتتبع قتلة الحسين، فقتلهم أحبّته الشيعة، ثم فارقه أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب، وكان من رأي السبئية موالاة محمد بن عليّ بن أبي طالب، وكانوا يزعمون أنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان. ومنهم من أقرّ بموته، وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه هاشم هذا. انتهى «فتح» ١٠/ ٢٠٩.

٣. «فتح» ١٠/ ٢١٠.

٤. قوله: «والحديث في قصة تبوك إلخ» هكذا عبارة الفتح، وفيها غموض، ودعل فيها سقطًا. واللَّه تعالى أعلم.

٥. «فتح» ٢١٠ - ٢١٤.

٦. بالفتح: الإقامة.

٧. البضّة بالفتح: المرأة الناعمة، سمراء، كانت، أو بيضاء، وقيل: هي اللَّحِيمة البيضاء. والرَّخْصُ -بفتح، فسكون-: الشيء الناعم اللين، ورَخْصَة الأطراف: أي لينتها.

٨. يعني قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية، وقد تقدّم الاختلاف، هل هي منسوخة، أم ليست بمنسوخة، ولكن معناها: ما استمتعتم به منهنّ بنكاح صحيح، وليس المتعة المعروفة، فلا تدلّ الآية عليها، وهذا هو الصحيح في معنى الآية، كما تقدّم تحقيقه؟، فتنبّه لذلك.

٩. «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ١٣٣.

١٠. «الاستذكار»١٦/ ٣٠٠ - ٣٠٢.

١١. هو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من طريق إسماعيل، عن قيس، قال: قال عبد اللَّه: كنا نغزو مع رسول اللَّه - ﷺ -، وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟، فنهانا عن ذلك، ثم رَخّصَ لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

١٢. هكذا عبارة«الفتح»، ولعل فيه سقطًا، فليُحرّر.