HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٧٦

أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَعْطِهَا شَيْئًا، قَالَ: مَا عِنْدِي، قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ.؟»
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص458
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٦ ص ١٣٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٨ ص١٢٤
أفاده القرطبيّ في «تفسيره» . وقال النسفيّ في «تفسير»: «نحلة» من نحله كذا: إذا أعطاه إياه، ووهبه له عن طيبة من نفسه نحلةً، ونحلًا، وانتصابها على المصدر؛ لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، فكأنه قال: وانحلوا النساء صدقاتهنّ نحلة، أي أعطوهنّ مهورهنّ عن طيبة أنفسكم، أو على الحال من المخاطبين، أي آتوهنّ صدقاتهنّ ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات، أي منحولةً، معطاة عن طيبة الأنفس. وقيل: نحلة من اللَّه تعالى عطية من عنده، وتفضلًا منه عليهنّ. انتهى . ثم إن التَّحِلّة، أو النِّحْلَة المذكورة تشمل المهر، وغيره مما يُدفع للمرأة قبل الدخول بها استطابة لقلبها، وإدخالًا للمسرة عليها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٧٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: تَزَوَّجْتُ فَاطِمَةَ - ﵂ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنِ بِي، قَالَ: «أَعْطِهَا شَيْئًا»، قُلْتُ: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: «فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟»، قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: «فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائيّ، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. ٢ - (هشام بن عبد الملك) أبو الوليد الطيالسيّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ١٢٢/ ١٧٢. ٣ - (حمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابد [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ البصريّ، ثقة ثبت فقيه [٥] ٤٢/ ٤٨. ٥ - (عكرمة) أبو عبد اللَّه البربريّ، مولى ابن عباس، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. ٧ - (عليّ) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، وعليّ - ﵁ -، فمدنيّ،. (ومنها): أن فيه رواية رواية تابعيّ عن تابعيّ: أيوب، عن عكرمة، ورواية صحابيّ، عن صحابيّ، ابن عبّاس، عن عليّ - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَلِيًّا) - ﵁ -، هكذا في رواية حماد بن سلمة، عن أيوب جعله من مسند عليّ - ﵁ -، وخالفه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، فجعله من مسند ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ولم يذكر عليًّا - ﵁ -، كما سيُبيّنه المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- في الرواية التالية (قَالَ: تَزَوْجْتُ فَاطِمَةَ - ﵂ -) وكان زواجه لها بعد أن ابتنى رسول اللَّه - ﷺ - بعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بأربعة أشهر ونصف، وذلك سنة اثنتين من الهجرة، وكان سنّها يوم تزوّجها خمس عشرة سنة، وخمسة أشهر ونصفًا، ولم يتزوّج عليها حتى ماتت. قال الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول اللَّه - ﷺ - ستة أشهر. زاد غيره: وهي بنت سبع وعشرين سنة. وقيل: ثمان. وكانت أول آل النبيّ - ﷺ - لُحُوقًا به، وغسلها عليّ - ﵁ -، ودُفنت ليلًا - رضي اللَّه تعالى عنها -. وقيل: ماتت بعد النبيّ - ﷺ - بثلاثة أشهر، وقيل: بمائة يوم. وقيل: بثمانية أشهر. وقيل: غير ذلك . (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنِ بِي) أي اجعلني بانيًا بها. وفي النسخة «الهندية»: «ابنها بي». قال في «النهاية»: البناء، والابتناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوّج امرأة بَنَى عليها قُبّةً؛ ليدخل بها فيها، فيقال: بَنَى الرجلُ على أهله. قال الجوهريّ: بني على أهله: أي زَفَّها، والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وهو خطأٌ. قال صاحب «النهاية»: وهذا القول فيه نظر، فإنه قد جاء في غير موضع من الحديث، وغير الحديث، وعاد الجوهريّ، فاستعمله في «كتابه» انتهى . وفي «القاموس»: بَنَى على أهله، وبها: زَفّها، كابتنى انتهى. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: والحاصل أنه جاء بالوجهين، لكن يجب التنبيه على أن الباء في هذا الحديث ليست هي الباء التي اختلفوا فيها، فإنها الباء الداخلة على المرأة المدخولِ بها، والمدخولُ بها ههنا متروكةٌ، فيجوز تقديره «على أهلي»، أو«بأهلي»، والباء المذكورة باء التعدية، والمعنى: اجعلني بانيًا على أهلي، أو بأهلي، فلا إشكال في هذا الحديث على القولين، كما لا يخفى انتهى كلام السنديّ . (قالَ) - ﷺ - («أَعْطِهَا شَيْئًا») الظاهر أن التنكير هنا للتعميم: أي شيء كان، مهرًا، أو غيره، كثيرًا كان، أو قليلًا، وذلك استمالَةً لقلبها، واستجلابًا لمودّتها. وفي رواية أبي داود: «أن عليًّا لَمّا تزوّج فاطمة أراد أن يدخل بها، فمنعه رسول اللَّه - ﷺ - حتى يُعطيها شيئًا …» الحديث. قال عليّ - ﵁ - (قُلْتُ: ما عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ) «من» زائدة لتأكيد القلّة، أراد الشيء الزائد على الحوائج اللازمة، وإلا فلا يريد أنه لا شيء عنده، لا من الملابس، ومن الطعام، ولا من البيت، ونحو ذلك، إذ معلوم أن هذه الأشياء كانت عند عليّ - ﵁ -، وإلا فلا يجترىء أن يزُفّها إليه النبيّ - ﷺ -، وليس عنده شيء، من الفأوى، ولا الطعام، ولا اللباس. واللَّه تعالى أعلم (قَالَ) - ﷺ - (« فأَيْنَ دِرْعُكَ) -بكسر الدال المهملة، وسكون الراء، بعدها عين مهملة-: هي لَبُوس الحديد، تذكّرُ، وتؤنّثُ، يقال: دِرْعٌ سابغٌ، ودرعٌ سابغةٌ، قال أبو الأخْرَز [من الرجز]: مقَلَّصَا بِالدِّرْعِ ذِي التَّغَضُّنِ … يَمْشِي الْعِرَضْنَى فِي الْحَدِيدِ الْمُتْقَنِ والجمع في القلّة: أَدْرُعٌ، وأَدْرَاعٌ، وفي الكثرة: دُرُوعٌ، قال الأعْشَى [من البسيط]: واختارَ أَدْراعَهُ أَنْ لا يُسَبَّ بِهَا … وَلَمْ يَكُنْ عَهْدُهُ فِيهَا بِخَتَّارِ وتصغير دِرْع: دُرَيْعٌ، بغير هاء، على غير قياس؛ لأن قياسه بالهاء، وهو شاذٌّ. أفاده في «اللسان» . فقوله: «أين» اسم استفهام في محلّ رفع خبر مقدّم، لقوله: «درعُك»، وقوله (الْحُطَمِيَّةُ؟) بالرفع صفة لـ«درعك». و«الْحُطَيّمة» -بضمّ الحاء، وفتح الطاء المهملتين-: قال في «النهاية»: هي التي تَحطِم السيوف، أي تكسرها. وقيل: هي العريضة الثقيلة. وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس، يقال لهم: حُطَمة بن مُحارب، كانوا يَعمَلون الدِّرْعَ، وهذا أشبه الأقوال انتهى . (قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: «فأَعْطِهَا إِيَّاهُ») زاد في رواية أبي داود: «فأعطاها درعه، ثم دخل بها». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عليّ - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٧٦/ ٣٣٧٦ و٣٣٧٧ - وفي «الكبرى» ٨٨/ ٥٥٦٧ و٥٥٦٨. وأخرجه (د) في «النكاح» ٢١٢٥. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة تَحِلّة الخلوة، أي دفع الزوج إلى زوجته شيئًا من المال، سواء كان مهرها، أو غيرها حتى تمكّنه من تسليم نفسها إليه. (ومنها): عناية الشارع بمراعاة ما يحفظ الودّ، ويُحدث الوئام، وحسن العشرة بين الزوجين، فإن الرجل إذا دفع إلى امرأته مبادرًا قبل أن يجتمع بها، يجعلها تستشعر بصلاحيته للبقاء معه، إذ هو مِعْطاءٌ، جواد، لا بخيلٌ ذو أحقاد. (ومنها): أن من ليس له شيء زائد على الحوائج الضروريّة، يجوز أن يقول: ما عندي شيءٌ، ولا يكون بذلك كاذبًا؛ إذ العرف جارٍ بمثل هذا. (ومنها): أنه دليلٌ على جواز الامتناع من تسليم المرأة ما لم تقبض مهرها، وفيه خلاف لأهل العلم يأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الدخول بالزوجة قبل تقديم شيء لها، مهرًا كان، أو غيره: قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز الدخول بالمرأة قبل إعطائها شيئًا، سواء كانت مُفوّضةً، أو مسمّى لها. وبهذا قال سعيد بن المسيّب، والحسن، والنخعيّ، والثوريّ، والشافعيّ. وروي عن ابن عبّاس، وابن عمر، والزهري، وقتادة، ومالك: لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال الزهريّ: مَضَتِ السنّة أن لا يدخل بها حتى يُعطيها شيئًا. قال ابن عباس: يخلع إحدى نعليه، ويُلقيها إليها. انتهى . وقال ابن حزم في «المحلّى»: ومن تزوّج، فسمّى صداقًا، أو لم يسمّ، فله الدخول بها أحبّت، أم كرهت، ويُقضَى لها بما سمّى لها، أحبّ، أم كره، ولا يُمنَع من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضَى له عاجلًا بالدخول، وُيقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده بالصداق، فإن كان لم يُسمّ لها شيئًا قُضي عليه بمهر مثلها، إلا أن يتراضيا بأكثر، أو بأقلّ، وهذا مكان اختلف السلف فيه. روينا من طريق عبد الرزّاق، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع عكرمة مولى ابن عباس يقول: قال ابن عبّاس: إذا نكح المرأة، وسمّى لها صداقًا، فأراد أن يدخل عليها، فليُلقِ إليها رداءه، أو خاتما، إن كان معه. ومن طريق ابن وهب: حدّثني يونس ابن يزيد الأيليّ، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يصلح للرجل أن يقع على امرأته حتى يُقَدِّم إليها شيئًا من مالها ما رضيت به من كسوة، أو عطاء، قال ابن جريج: وقال عطاء، وسعيد بن المسيّب، وعمرو -هو ابن دينار- لا يمسّها حتى يرسل إليها بصداق، أو فريضة، قال عطاء، وعمرو: إن أرسل إليها بكرامة لها ليست من الصداق، أو إلى أهلها، فحسبه، هو يحلّها له. وقال سعيد بن جبير: أعطها، ولو خمارًا. وقال الزهريّ: بلغنا في السنّة أن لا يدخل بامرأة حتى يُقَدِّم نفقة، أو يكسو كسوةً ذلك مما عمل به المسلمون. وقال مالك: لا يدخل عليها حتى يُعطيها مهرها الحالّ، فإن وهبته له أُجبر على أن يفرض لها شيئًا آخر، ولا بدّ. وذهب آخرون إلى إباحة دخوله عليها، وإن لم يعطها شيئًا، كما روينا من طريق أبي داود، نا محمد بن يحيى بن فارس الذهليّ، نا عبد العزيز بن يحيى الْحَرّانيّ، نا محمد ابن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ -هو أبو الخير- عن عقبة بن عامر، أن النبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا امرأة برضاهما، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صداقًا، ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبية، وكان من شهدها له سهمٌ بخيبر، فحضرته الوفاة، فقال: إن رسول اللَّه - ﷺ - زوَّجني فلانة، ولم أفرض لها صداقا، ولم أعطها شيئًا، ولكنّي أُشهدكم أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، قال: فأخذته، فباعته بمائة ألف». وروينا من طريق وكيع، عن هشام الدستوائيّ، عن سعيد بن المسيّب، قال: اختلف أهل المدينة في ذلك، فمنهم من أجازه، ولم ير به بأسًا. ومنهم: من كرهه، قال سعيد: وأيّ ذلك فعل فلا بأس به -يعني دخول الرجل بالمرأة التي تزوّج، ولم يُعطها شيئًا. ومن طريق وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن منصور بن المعتمر، ويونس بن عبيد، قال منصور: عن إبراهيم النخعيّ، وقال يونس: عن الحسن، ثم اتفقا جميعًا على أنه لا بأس بأن يدخل الرجل بامرأته قبل أن يُعطيها شيئًا. ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهريّ في الرجل يتزوّج المرأة، ويُسمّي لها صداقًا، هل يدخل عليها، ولم يُعطها شيئًا؛ فقال الزهريّ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ الآية. فإذا فرض الصداق، فلا جناح عليه في الدخول عليها، وقد مَضَت السنّة أن يُقَدَّمَ لها شيءٌ من كسوة، أو نفقة. ومن طريق سعيد بن منصور، نا هشيمٌ، ثنا حجاج، عن أبي إسحاق السبيعيّ، أن كريب بن أبي مسلم- وكان من أصحاب ابن مسعود- تزوّج امرأةً على أربعة آلاف درهم، ودخل بها قبل أن يعطيها من صداقها شيئًا. وبهذا يقول سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهريّ- وأصحابهم. وقال الأوزاعيّ: كانوا يستحسنون أن لا يدخل بها حتى يُقدِّم لها شيئًا. وقال الليث: إن سمّى لها مهرًا، فأحبّ إليّ أن يقدّم لها شيئًا، وإن لم يفعل لم أر به بأسا. وقال أبو حنيفة: إن كان مهرها مؤجّلًا فله أن يدخل بها، أحبّت، أم كرهت، حلّ الأجلُ، أو لم يحلّ، فإن كان الصداق نقدًا لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤدّيه إليها، فلو دخل بها، فلها أن تمنع نفسها منه حتى يوفّيها جميع صداقها. قال أبو محمد: أما تقسيم أبي حنيفة، ومالك، فدعوى بلا برهان، لا من قرآن، ولا من سنّة، ولا قياس، ولا قول متقدّم، ولا أرى له وجهًا، فلم يبق إلا قول من أباح دخوله عليها، وإن لم يُعطها شيئًا، أو منع من ذلك. فنظرنا في حجة من منع من ذلك، فوجدناهم يحتجّون بحديث فيه أن رسول اللَّه - ﷺ - نهى عليًّا أن يدخل بفاطمة - رضي اللَّه تعالى عنهما - حتى يُعطيها شيئًا. قال: وهذا خبر لا يصحّ لأنه إنما جاء من طريق مرسلة، أو فيها مجهول، أو ضعيفٌ، وقد تقصّينا طرقها، وعللَّها في «كتاب الإيصال» إلا أن صفتها كلّها ما ذكرنا ههنا لا يصحّ شيء منها، إلا خبر من طريق أحمد بن شعيب ، أنا عمرو بن منصور، نا هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، نا حماد بن زيد ، عن أيوب السختيانيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عليًّا، قال: تزوّجت فاطمة، فقلت: يا رسول اللَّه ابن لي ، فقال: أعطها شيئًا … «الحديث. قال: إنما ذلك على أنه صداقها، لا على معنى أنه لا يجوز الدخول إلا حتى يعطيها شيئًا، وقد جاء هذا مبينًا، ثم أخرج بسنده عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصريّ، عن أنس، قال: قال عليّ بن أبي طالب: أتيت رسول اللَّه - ﷺ -، فقلت: يا رسول اللَّه، قد علمت قَدَمي في الإسلام، ومناصحتي، وأني، وأني، قال:«وما ذاك يا عليّ؟ »قال: تُزَوِّجُني فاطمةَ، قال:«وما عندك؟ »، قلت: عندي فرسي، ودرعي، قال:«أما فرسك، فلا بدّ لك منها، وأما درعك، فبعها»، قال: فبعتها بأربعمائة وثمانين، فأتيته بها، فوضعتها في حجره، ثم قبض منها قبضةٌ، وقال:«يا بلال أبغنا بها طيبًا». وذكر باقي الحديث. فهذا بيان أن الدرع إنما ذُكِرَت في الصداق، لا من أجل الدخول؛ لأنها قصّة واحدة بلا شكّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في دعوى كون الحديثين بمعنى واحد نظرٌ لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد جاء في هذا أثرٌ، كما رويناه من طريق أبي عبيد، نا عمر بن عبد الرحمن، نا منصور بن المعتمر، عن طلحة بن مصرّف، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب رسول اللَّه - ﷺ -:«أن رجلًا تزوّج امرأة، فجهّزها إليه رسول اللَّه - ﷺ - قبل أن يَنقُدَها شيئًا». وخيثمة من أكابر أصحاب ابن مسعود، وصحب عمر بن الخطّاب - ﵄ -. وقال اللَّه -﷿-: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، ولا خلاف بين المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج، فإنها زوجة له، فهو حلالٌ لها، وهي حلالٌ له، فمن منعها منه حتى يُعطيها الصداق، أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصّ من اللَّه تعالى، ولا من رسوله - ﷺ -، لكن الحقّ ما قلنا: أن لا يُمنع حقّه منها، ولا تُمنَع هي حقها من صداقها، لكن يُطلق على الدخول عليها، أحبّت، أم كرهت، ويؤخذ مما يوجد له صداقها، أحبّ، أم كره، وصحّ عن النبيّ - ﷺتصويبُ قول القائل: «أعط كلّ ذي حقّ حقّه»، وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح الأقوال في المسألة أنه يجوز أن يدخل الرجل بامرأته قبل أن يدفع لها شيئًا؛ لحديث عقبة بن عامر - ﵁ - المتقدِّم، ولحديث خيثمة بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبيّ - ﷺالمتقدم، ولما أخرجه أبو داود من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: أمرني رسول اللَّه - ﷺ - أن أُدخل امرأةً على زوجها قبل أن يُعطيها شيئًا». والحديث، وإن كان في إسناده مقال، فالأحاديث المذكورة تشهد له، لكن الأولى أن لا يدخل بها حتى يعطيها شيئًا؛ لحديث عليّ - ﵁ - المذكور في الباب، وبهذا يُجْمَعُ بين حديث الباب والأحاديث المذكورة.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٤.

٢. «تفسير النسفيّ» ١/ ٢٠٦.

٣. راجع «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٨٣ - ٦٨٤.

٤. «النهاية» ١/ ١٥٧ - ١٥٨.

٥. «شرح السنديّ» ٦/ ١٢٩ - ١٣٠.

٦. أي صاحب التَّثَني، في «القاموس»: والغَضْنُ، ويُحرّك: كلّ تثَنٍّ في ثوب، أو جلد، أو درع، جمعه غُضُون اهـ.

٧. في «القاموس»: يمشي العِرَضْنَةَ، والْعِرَضْنَى: أي في مِشْيته بَغْيٌ من نشاطه. اهـ.

٨. راجع «لسان العرب» ٨/ ٨١ - ٨٢.

٩. «النهاية» ١/ ٤٠٢.

١٠. «المغني» ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨.

١١. يعني النسائيّ، والحديث هو المذكور في الباب.

١٢. هكذا قال ابن حزم:«حماد بن زيد»، والذي صرح به الحافظ المزّيّ في«تحفة الأشراف»٥/ ١١٤ أنه ابن سلمة، وهو الأصحّ؛ لأن هشام بن عبد الملك ممن يروي عن حماد بن سلمة، دون حماد ابن زيد، انظر«تدريب الراوي»٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦. واللَّه تعالى أعلم.

١٣. هكذا نسخة«المحلّى»أبن لي«، وقد عرفت أن لفظه عند »المصنّف«ابن بي»، وفي نسخة«ابنها بي»، وقد تقدم بيان معناه في الشرح. واللَّه تعالى أعلم.

١٤. «المحلّى» ٩/ ٤٨٨ - ٤٩٠.