- دَارَ
- ( دَوَرَ ) ( هـ ) فِيهِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ ؟ دُورُ بَنِي النَّجَّارِ ثُمَّ كَذَا وَكَذَا الدُّورُ جَمْعُ دَارٍ وَهِيَ الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ وَالْمَحَالُّ ، وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى دِيَارٍ ، وَأَرَادَ بِهَا هَاهُنَا الْقَبَائِلَ ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ اجْتَمَعَتْ فِي مَحَلَّةٍ سُمِّيَتْ تِلْكَ الْمَحَلَّةُ دَارًا ، وَسُمِّيَ سَاكِنُوهَا بِهَا مَجَازًا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ : أَيْ أَهْلُ الدُّورِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَا بَقِيَتْ دَارٌ إِلَّا بُنِيَ فِيهَا مَسْجِدٌ أَيْ قَبِيلَةٌ . * فَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ الْمَنْزِلَ لَا الْقَبِيلَةَ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ سَمَّى مَوْضِعَ الْقُبُورِ دَارًا تَشْبِيهًا بِدَارِ الْأَحْيَاءِ لِاجْتِمَاعِ الْمَوْتَى فِيهَا . * وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ أَيْ فِي حَضْرَةِ قُدُسِهِ . وَقِيلَ : فِي جَنَّتِهِ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تُسَمَّى دَارَ السَّلَامِ . وَاللَّهُ هُوَ السَّلَامُ . * وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ الدَّارَةُ أَخَصُّ مِنَ الدَّارِ . * وَفِي حَدِيثِ أَهْلِ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ هِيَ جَمْعُ دَارَةٍ وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِالْوَجْهِ مِنْ جَوَانِبِهِ ، أَرَادَ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُهَا النَّارُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ السُّجُودِ . ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ يُقَالُ : دَارَ يَدُورُ ، وَاسْتَدَارَ يَسْتَدِيرُ بِمَعْنَى : إِذَا طَافَ حَوْلَ الشَّيْءِ وَإِذَا عَادَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الْمُحَرَّمَ إِلَى صَفَرٍ وَهُوَ النَّسِيءُ لِيُقَاتِلُوا فِيهِ ، وَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ ، فَيَنْتَقِلُ الْمُحَرَّمُ مِنْ شَهْرٍ إِلَى شَهْرٍ حَتَّى يَجْعَلُوهُ فِي جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ السَّنَةُ كَانَ قَدْ عَادَ إِلَى زَمَنِهِ الْمَخْصُوصِ بِهِ قَبْلَ النَّقْلِ ، وَدَارَتِ السَّنَةُ كَهَيْئَتِهَا الْأُولَى . * وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ قَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَقَدْ دَاوَرْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا هُوَ " فَاعَلْتُ " مِنْ دَارَ بِالشَّيْءِ يَدُورُ بِهِ : إِذَا طَافَ حَوْلَهُ . وَيُرْوَى رَاوَدْتُ . [2/140] * وَفِيهِ فَيَجْعَلُ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ أَيِ الدَّوْلَةَ بِالْغَلَبَةِ وَالنَّصْرِ . ( هـ ) وَفِيهِ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ مَثَلُ الدَّارِيِّ الدَّارِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ : الْعَطَّارُ . قَالُوا : لِأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى دَارَيْنِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ فِي الْبَحْرِ يُؤْتَى مِنْهُ بِالطِّيبِ . * وَمِنْهُ كَلَامُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَأَنَّهُ قِلْعٌ دَارِيٌّ أَيْ شِرَاعٌ مَنْسُوبٌ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ الْبَحْرِيِّ .
- سُحْقًا
- ( سَحَقَ ) * فِي حَدِيثِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ لَهُمْ سُحْقًا سُحْقًا أَيْ بُعْدًا بُعْدًا . وَمَكَانٌ سَحِيقٌ : بَعِيدٌ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ مَنْ يَبِيعُنِي بِهَا سَحْقَ ثَوْبٍ السَّحْقُ : الثَّوْبُ الْخَلَقُ الَّذِي انْسَحَقَ وَبَلِيَ ، كَأَنَّهُ بَعُدَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ قُسٍّ كَالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ : أَيِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي بَعُدَ ثَمَرُهَا عَلَى الْمُجْتَنِي .
- غُرًّا
- ( غَرَرَ ) ( هـ ) فِيهِ " أَنَّهُ جَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً " الْغُرَّةُ : الْعَبْدُ نَفْسُهُ أَوِ الْأَمَةُ ، وَأَصْلُ الْغُرَّةِ : الْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ ، وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ : الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَبْيَضُ أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ ، وَسُمِّيَ غُرَّةً لِبَيَاضِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَةِ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ . وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا الْغُرَّةُ عِنْدَهُمْ مَا بَلَغَ ثَمَنُهُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ . وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا ، فَإِنْ سَقَطَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ " بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ " . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي . [3/354] * وَفِي حَدِيثِ ذِي الْجَوْشَنِ " مَا كُنْتُ لِأَقِيضَهُ الْيَوْمَ بِغُرَّةٍ " سَمَّى الْفَرَسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غُرَّةً ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ النَّفِيسَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : مَا كُنْتُ لِأَقِيضَهُ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ " الْغُرُّ : جَمْعُ الْأَغَرِّ ، مِنَ الْغُرَّةِ : بَيَاضِ الْوَجْهِ ، يُرِيدُ بَيَاضَ وُجُوهِهِمْ بِنُورِ الْوُضُوءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ الْغُرِّ " أَيِ : الْبِيضِ اللَّيَالِي بِالْقَمَرِ ، وَهِيَ ثَالِثُ عَشَرَ ، وَرَابِعُ عَشَرَ ، وَخَامِسُ عَشَرَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " إِيَّاكُمْ وَمُشَارَّةَ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا تَدْفِنُ الْغُرَّةَ وَتُظْهِرُ الْعُرَّةَ " الْغُرَّةُ هَاهُنَا : الْحَسَنُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ، شَبَّهَهُ بِغُرَّةِ الْفَرَسِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ تُرْفَعُ قِيمَتَهُ فَهُوَ غُرَّةٌ . [ هـ ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَغَرُّ غُرَّةً " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غُرَّةِ الْبَيَاضِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْعِشْرَةِ ، وَيُؤَيُّدُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : [ هـ ] " عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَغَرُّ أَخْلَاقًا " أَيْ أَنَّهُنَّ أَبْعَدُ مِنْ فِطْنَةِ الشَّرِّ وَمَعْرِفَتِهِ ، مِنَ الْغِرَّةِ : الْغَفْلَةُ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مَا أَجِدُ لِمَا فَعَلَ هَذَا فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ مَثَلًا إِلَّا غَنَمًا وَرَدَتْ فَرُمِيَ أَوَّلُهَا فَنَفِرَ آخِرُهَا " غُرَّةُ الْإِسْلَامِ : أَوَّلُهُ ، وَغُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ : أَوَّلُهُ . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ " اقْتُلُوا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ ذَا الْغُرَّتَيْنِ " هُمَا النُّكْتَتَانِ الْبَيْضَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ . ( س [ هـ ] ) وَفِيهِ " الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ " أَيْ : لَيْسَ بِذِي نُكْرٍ ، فَهُوَ يَنْخَدِعُ لِانْقِيَادِهِ وَلِينِهِ ، وَهُوَ ضِدُّ الْخَبِّ . يُقَالُ : فَتًى غِرٌّ وَفَتَاةٌ غِرٌّ ، وَقَدْ غَرِرْتَ تَغِرُّ غَرَارَةً . يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ [3/355] الْمَحْمُودَ مِنْ طَبْعِهِ الْغَرَارَةُ ، وَقِلَّةُ الْفِطْنَةِ لِلشَّرِّ ، وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ جَهْلًا ، وَلَكِنَّهُ كَرَمٌ وَحُسْنُ خُلُقٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجَنَّةِ " يَدْخُلُنِي غِرَّةُ النَّاسِ " أَيِ : الْبُلْهُ الَّذِينَ لَمْ يُجَرِّبُوا الْأُمُورَ ، فَهُمُ قَلِيلُو الشَّرِّ مُنْقَادُونَ ؛ فَإِنَّ مَنْ آثَرَ الْخُمُولَ وَإِصْلَاحَ نَفْسِهِ وَالتَّزَوُّدَ لِمَعَادِهِ ، وَنَبْذَ أُمُورِ الدُّنْيَا فَلَيْسَ غِرًّا فِيمَا قَصَدَ لَهُ ، وَلَا مَذْمُومًا بِنَوْعٍ مِنَ الذَّمِّ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ ظَبْيَانَ " إِنَّ مُلُوكَ حِمْيَرَ مَلَكُوا مَعَاقِلَ الْأَرْضِ وَقَرَارَهَا ، وَرُءُوسَ الْمُلُوكِ وَغِرَارَهَا " الْغِرَارُ وَالْأَغْرَارُ : جَمْعُ الْغِرِّ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ " إِنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً " هِيَ الشَّابَّةُ الْحَدِيثَةُ الَّتِي لَمْ تُجَرِّبِ الْأُمُورَ . ( س ) وَفِيهِ " أَنَّهُ قَاتَلَ مُحَارِبَ خَصَفَةَ " فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ ، الْغِرَّةُ : الْغَفْلَةُ : أَيْ كَانُوا غَافِلِينَ عَنْ حِفْظِ مَقَامِهِمْ ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " أَنَّهُ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ " أَيْ غَافِلُونَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ لَا يُمْضِيَ أَمْرَ اللَّهِ إِلَّا بَعِيدُ الْغِرَّةِ حَصِيفُ الْعُقْدَةِ " أَيْ مَنْ بَعُدَ حِفْظُهُ لِغَفْلَةِ الْمُسْلِمِينَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ وَلَا تَغْتَرُّوهُنَّ " أَيْ لَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِنَّ عَلَى غِرَّةٍ . يُقَالُ : اغْتَرَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا طَلَبْتَ غِرَّتَهُ ، أَيْ غَفْلَتَهُ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَارِقِ أَبِي بَكْرٍ " عَجِبْتُ مِنْ غِرَّتِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَيِ اغْتِرَارِهِ . ( هـ س ) وَفِيهِ " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ " هُوَ مَا كَانَ لَهُ ظَاهِرٌ يَغُرُّ الْمُشْتَرِيَ ، وَبَاطِنٌ مَجْهُولٌ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : بَيْعُ الْغَرَرِ : مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ عُهْدَةٍ وَلَا ثِقَةٍ ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الْبُيُوعُ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِكُنْهِهَا الْمُتَبَايِعَانِ ، مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُطَرِّفٍ " إِنَّ لِي نَفْسًا وَاحِدَةً ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُغَرِّرَ بِهَا " [3/356] أَيْ أَحْمِلَهَا عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ ، وَبِهِ سُمِّيَ الشَّيْطَانُ غَرُورًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى مَحَابِّهِ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَا يَسُوءُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ " وَتَعَاطَى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْرِيرًا " أَيْ : مُخَاطَرَةً وَغَفْلَةً عَنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " لَأَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ " يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي وَقَوْلَهُ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ، الْمَعْنَى أَنْ أُخَاطِرَ بِتَرْكِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِالْأَوْلَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُخَاطِرَ بِالدُّخُولِ تَحْتَ الْآيَةِ الْأُخْرَى . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَمَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَا " التَّغِرَّةُ : مَصْدَرُ غَرَّرْتُهُ إِذَا أَلْقَيْتَهُ فِي الْغَرَرِ ، وَهِيَ مِنَ التَّغْرِيرِ ، كَالتَّعِلَّةِ مِنَ التَّعْلِيلِ . وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : خَوْفَ تَغِرَّةِ أَنْ يُقْتَلَا : أَيْ خَوْفَ وُقُوعِهَمَا فِي الْقَتْلِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ تَغِرَّةُ مَقَامَهُ ، وَانْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " أَنْ يُقْتَلَا " بَدَلًا مِنْ " تَغِرَّةَ " وَيَكُونُ الْمُضَافُ مَحْذُوفًا كَالْأَوَّلِ . وَمَنْ أَضَافَ " تَغِرَّةَ " إِلَى " أن يُقْتَلَا " فَمَعْنَاهُ خَوْفَ تَغِرَّتِهِ قَتْلَهُمَا . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ الْبَيْعَةَ حَقُّهَا أَنْ تَقَعَ صَادِرَةً عَنِ الْمَشُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ ، فَإِذَا اسْتَبَدَّ رَجُلَانِ دُونَ الْجَمَاعَةِ فَبَايَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَذَلِكَ تَظَاهُرٌ مِنْهُمَا بِشَقِّ الْعَصَا وَاطِّرَاحِ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنْ عُقِدَ لِأَحَدٍ بَيْعَةٌ فَلَا يَكُونُ الْمَعْقُودُ لَهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ، وَلِيَكُونَا مَعْزُولَيْنِ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَتَّفِقُ عَلَى تَمْيِيزِ الْإِمَامِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ عُقِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدِ ارْتَكَبَا تِلْكَ الْفَعْلَةَ الشَّنِيعَةَ الَّتِي أَحْفَظَتِ الْجَمَاعَةَ ، مِنَ التَّهَاوُنِ بِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ رَأْيِهِمْ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُقْتَلَا . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ قَضَى فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِغُرَّةٍ " هُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَظْهَرُ مَمْلُوكَةً ، فَيَغْرَمُ الزَّوْجُ لِمَوْلَى الْأَمَةِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أمةً ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَيَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا . ( هـ ) وَفِيهِ " لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ " الْغِرَارُ : النُّقْصَانُ . وَغِرَارُ النَّوْمِ : قِلَّتُهُ . [3/357] وَيُرِيدُ بِغِرَارِ الصَّلَاةَ نُقْصَانَ هَيْئاتِهَا وَأَرْكَانِهَا . وَغِرَارُ التَّسْلِيمِ : أَنْ يَقُولَ الْمُجِيبُ : وَعَلَيْكَ ، وَلَا يَقُولُ : السَّلَامُ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْغِرَارِ النَّوْمَ : أَيْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ نَوْمٌ . " وَالتَّسْلِيمُ " يُرْوَى بِالنَّصْبِ وَالْجِرِّ ، فَمَنْ جَرَّهُ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَنْ نَصَبَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْغِرَارِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى : لَا نَقْصَ وَلَا تَسْلِيمَ فِي صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ كَلَامِهَا لَا يَجُوزُ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ " لَا تُغَارُّ التَّحِيَّةُ " أَيْ لَا يُنْقَصُ السَّلَامُ . * وَحَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ " كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِغِرَارِ النَّوْمِ بَأْسًا " أَيْ لَا يَنْقُضُ قَلِيلُ النَّوْمِ الْوُضُوءَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تَصِفُ أَبَاهَا " فَقَالَتْ : رَدَّ نَشْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى غَرِّهِ " أَيْ عَلَى طَيِّهِ وَكَسْرِهِ . يُقَالُ : اطْوِ الثَّوْبَ عَلَى غَرِّهِ الْأَوَّلِ كَمَا كَانَ مَطْوِيًّا ، أَرَادَتْ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ الرِّدَّةِ وَمُقَابَلَةَ دَائِهَا بِدَوَائِهَا . * وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغُرُّ عَلِيًّا بِالْعِلْمِ " أَيْ يُلْقِمُهُ إِيَّاهُ . يُقَالُ : غَرَّ الطَّائِرِ فَرْخَهُ إِذَا زَقَّهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَغُرُّهُ كَمَا يَغُرُّ الْغُرَابُ بُجَّهُ " أَيْ : فَرْخَهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَالَ : " إِنَّمَا كَانَا يُغَرَّانِ الْعِلْمَ غَرًّا " . * وَفِي حَدِيثِ حَاطِبٍ " كُنْتُ غَرِيرًا فِيهِمْ " أَيْ : مُلْصَقًا مُلَازِمًا لَهُمْ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : هَكَذَا الرِّوَايَةُ . وَالصَّوَابُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ " كُنْتُ غَرِيًّا " أَيْ مُلْصَقًا . يُقَالُ : غَرِيَ فُلَانٌ بِالشَّيْءِ إِذَا لَزِمَهُ . وَمِنْهُ الْغِرَاءُ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ . قَالَ : وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ " كُنْتُ عَرِيرًا " : أَيْ غَرِيبًا . وَهَذَا تَصْحِيفٌ مِنْهُ . [3/358] قُلْتُ : أَمَّا الْهَرَوِيُّ فَلَمْ يُصَحِّفْ وَلَا شَرْحَ إِلَّا الصَّحِيحَ ، فَإِنَّ الْأَزْهَرِيَّ وَالْجَوْهَرِيَّ وَالْخَطَّابَيَّ وَالزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي تَصَانِيفِهِمْ وَشَرَحُوهَا بِالْغَرِيبِ ، وَكَفَاكَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةً لِلْهَرَوِيِّ فِيمَا رَوَى وَشَرَحَ .
- غُرٌّ
- ( غَرَرَ ) ( هـ ) فِيهِ " أَنَّهُ جَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً " الْغُرَّةُ : الْعَبْدُ نَفْسُهُ أَوِ الْأَمَةُ ، وَأَصْلُ الْغُرَّةِ : الْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ ، وَكَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ : الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَبْيَضُ أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ ، وَسُمِّيَ غُرَّةً لِبَيَاضِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّيَةِ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ . وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا الْغُرَّةُ عِنْدَهُمْ مَا بَلَغَ ثَمَنُهُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ . وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا ، فَإِنْ سَقَطَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ " بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ " . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ غَلَطٌ مِنَ الرَّاوِي . [3/354] * وَفِي حَدِيثِ ذِي الْجَوْشَنِ " مَا كُنْتُ لِأَقِيضَهُ الْيَوْمَ بِغُرَّةٍ " سَمَّى الْفَرَسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غُرَّةً ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالْغُرَّةِ النَّفِيسَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : مَا كُنْتُ لِأَقِيضَهُ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ " الْغُرُّ : جَمْعُ الْأَغَرِّ ، مِنَ الْغُرَّةِ : بَيَاضِ الْوَجْهِ ، يُرِيدُ بَيَاضَ وُجُوهِهِمْ بِنُورِ الْوُضُوءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ الْغُرِّ " أَيِ : الْبِيضِ اللَّيَالِي بِالْقَمَرِ ، وَهِيَ ثَالِثُ عَشَرَ ، وَرَابِعُ عَشَرَ ، وَخَامِسُ عَشَرَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " إِيَّاكُمْ وَمُشَارَّةَ النَّاسِ ، فَإِنَّهَا تَدْفِنُ الْغُرَّةَ وَتُظْهِرُ الْعُرَّةَ " الْغُرَّةُ هَاهُنَا : الْحَسَنُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ ، شَبَّهَهُ بِغُرَّةِ الْفَرَسِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ تُرْفَعُ قِيمَتَهُ فَهُوَ غُرَّةٌ . [ هـ ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَغَرُّ غُرَّةً " يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غُرَّةِ الْبَيَاضِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالْعِشْرَةِ ، وَيُؤَيُّدُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : [ هـ ] " عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَغَرُّ أَخْلَاقًا " أَيْ أَنَّهُنَّ أَبْعَدُ مِنْ فِطْنَةِ الشَّرِّ وَمَعْرِفَتِهِ ، مِنَ الْغِرَّةِ : الْغَفْلَةُ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مَا أَجِدُ لِمَا فَعَلَ هَذَا فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ مَثَلًا إِلَّا غَنَمًا وَرَدَتْ فَرُمِيَ أَوَّلُهَا فَنَفِرَ آخِرُهَا " غُرَّةُ الْإِسْلَامِ : أَوَّلُهُ ، وَغُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ : أَوَّلُهُ . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ " اقْتُلُوا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ ذَا الْغُرَّتَيْنِ " هُمَا النُّكْتَتَانِ الْبَيْضَاوَانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ . ( س [ هـ ] ) وَفِيهِ " الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ " أَيْ : لَيْسَ بِذِي نُكْرٍ ، فَهُوَ يَنْخَدِعُ لِانْقِيَادِهِ وَلِينِهِ ، وَهُوَ ضِدُّ الْخَبِّ . يُقَالُ : فَتًى غِرٌّ وَفَتَاةٌ غِرٌّ ، وَقَدْ غَرِرْتَ تَغِرُّ غَرَارَةً . يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ [3/355] الْمَحْمُودَ مِنْ طَبْعِهِ الْغَرَارَةُ ، وَقِلَّةُ الْفِطْنَةِ لِلشَّرِّ ، وَتَرْكُ الْبَحْثِ عَنْهُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْهُ جَهْلًا ، وَلَكِنَّهُ كَرَمٌ وَحُسْنُ خُلُقٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجَنَّةِ " يَدْخُلُنِي غِرَّةُ النَّاسِ " أَيِ : الْبُلْهُ الَّذِينَ لَمْ يُجَرِّبُوا الْأُمُورَ ، فَهُمُ قَلِيلُو الشَّرِّ مُنْقَادُونَ ؛ فَإِنَّ مَنْ آثَرَ الْخُمُولَ وَإِصْلَاحَ نَفْسِهِ وَالتَّزَوُّدَ لِمَعَادِهِ ، وَنَبْذَ أُمُورِ الدُّنْيَا فَلَيْسَ غِرًّا فِيمَا قَصَدَ لَهُ ، وَلَا مَذْمُومًا بِنَوْعٍ مِنَ الذَّمِّ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ ظَبْيَانَ " إِنَّ مُلُوكَ حِمْيَرَ مَلَكُوا مَعَاقِلَ الْأَرْضِ وَقَرَارَهَا ، وَرُءُوسَ الْمُلُوكِ وَغِرَارَهَا " الْغِرَارُ وَالْأَغْرَارُ : جَمْعُ الْغِرِّ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ " إِنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً " هِيَ الشَّابَّةُ الْحَدِيثَةُ الَّتِي لَمْ تُجَرِّبِ الْأُمُورَ . ( س ) وَفِيهِ " أَنَّهُ قَاتَلَ مُحَارِبَ خَصَفَةَ " فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً فَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ ، الْغِرَّةُ : الْغَفْلَةُ : أَيْ كَانُوا غَافِلِينَ عَنْ حِفْظِ مَقَامِهِمْ ، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " أَنَّهُ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ " أَيْ غَافِلُونَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ لَا يُمْضِيَ أَمْرَ اللَّهِ إِلَّا بَعِيدُ الْغِرَّةِ حَصِيفُ الْعُقْدَةِ " أَيْ مَنْ بَعُدَ حِفْظُهُ لِغَفْلَةِ الْمُسْلِمِينَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ وَلَا تَغْتَرُّوهُنَّ " أَيْ لَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِنَّ عَلَى غِرَّةٍ . يُقَالُ : اغْتَرَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا طَلَبْتَ غِرَّتَهُ ، أَيْ غَفْلَتَهُ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَارِقِ أَبِي بَكْرٍ " عَجِبْتُ مِنْ غِرَّتِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَيِ اغْتِرَارِهِ . ( هـ س ) وَفِيهِ " أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ " هُوَ مَا كَانَ لَهُ ظَاهِرٌ يَغُرُّ الْمُشْتَرِيَ ، وَبَاطِنٌ مَجْهُولٌ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : بَيْعُ الْغَرَرِ : مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ عُهْدَةٍ وَلَا ثِقَةٍ ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الْبُيُوعُ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِكُنْهِهَا الْمُتَبَايِعَانِ ، مِنْ كُلِّ مَجْهُولٍ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مُطَرِّفٍ " إِنَّ لِي نَفْسًا وَاحِدَةً ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُغَرِّرَ بِهَا " [3/356] أَيْ أَحْمِلَهَا عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ ، وَبِهِ سُمِّيَ الشَّيْطَانُ غَرُورًا ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى مَحَابِّهِ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَا يَسُوءُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ " وَتَعَاطَى مَا نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْرِيرًا " أَيْ : مُخَاطَرَةً وَغَفْلَةً عَنْ عَاقِبَةِ أَمْرِهِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " لَأَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ " يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي وَقَوْلَهُ : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ، الْمَعْنَى أَنْ أُخَاطِرَ بِتَرْكِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ بِالْأَوْلَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُخَاطِرَ بِالدُّخُولِ تَحْتَ الْآيَةِ الْأُخْرَى . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَيُّمَا رَجُلٍ بَايَعَ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُؤَمَّرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَا " التَّغِرَّةُ : مَصْدَرُ غَرَّرْتُهُ إِذَا أَلْقَيْتَهُ فِي الْغَرَرِ ، وَهِيَ مِنَ التَّغْرِيرِ ، كَالتَّعِلَّةِ مِنَ التَّعْلِيلِ . وَفِي الْكَلَامِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : خَوْفَ تَغِرَّةِ أَنْ يُقْتَلَا : أَيْ خَوْفَ وُقُوعِهَمَا فِي الْقَتْلِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ الَّذِي هُوَ الْخَوْفُ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ الَّذِي هُوَ تَغِرَّةُ مَقَامَهُ ، وَانْتَصَبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " أَنْ يُقْتَلَا " بَدَلًا مِنْ " تَغِرَّةَ " وَيَكُونُ الْمُضَافُ مَحْذُوفًا كَالْأَوَّلِ . وَمَنْ أَضَافَ " تَغِرَّةَ " إِلَى " أن يُقْتَلَا " فَمَعْنَاهُ خَوْفَ تَغِرَّتِهِ قَتْلَهُمَا . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ الْبَيْعَةَ حَقُّهَا أَنْ تَقَعَ صَادِرَةً عَنِ الْمَشُورَةِ وَالِاتِّفَاقِ ، فَإِذَا اسْتَبَدَّ رَجُلَانِ دُونَ الْجَمَاعَةِ فَبَايَعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَذَلِكَ تَظَاهُرٌ مِنْهُمَا بِشَقِّ الْعَصَا وَاطِّرَاحِ الْجَمَاعَةِ ، فَإِنْ عُقِدَ لِأَحَدٍ بَيْعَةٌ فَلَا يَكُونُ الْمَعْقُودُ لَهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ، وَلِيَكُونَا مَعْزُولَيْنِ مِنَ الطَّائِفَةِ الَّتِي تَتَّفِقُ عَلَى تَمْيِيزِ الْإِمَامِ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ إِنْ عُقِدَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدِ ارْتَكَبَا تِلْكَ الْفَعْلَةَ الشَّنِيعَةَ الَّتِي أَحْفَظَتِ الْجَمَاعَةَ ، مِنَ التَّهَاوُنِ بِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ رَأْيِهِمْ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُقْتَلَا . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ قَضَى فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِغُرَّةٍ " هُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَظْهَرُ مَمْلُوكَةً ، فَيَغْرَمُ الزَّوْجُ لِمَوْلَى الْأَمَةِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أمةً ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى مَنْ غَرَّهُ ، وَيَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا . ( هـ ) وَفِيهِ " لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ وَلَا تَسْلِيمٍ " الْغِرَارُ : النُّقْصَانُ . وَغِرَارُ النَّوْمِ : قِلَّتُهُ . [3/357] وَيُرِيدُ بِغِرَارِ الصَّلَاةَ نُقْصَانَ هَيْئاتِهَا وَأَرْكَانِهَا . وَغِرَارُ التَّسْلِيمِ : أَنْ يَقُولَ الْمُجِيبُ : وَعَلَيْكَ ، وَلَا يَقُولُ : السَّلَامُ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْغِرَارِ النَّوْمَ : أَيْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ نَوْمٌ . " وَالتَّسْلِيمُ " يُرْوَى بِالنَّصْبِ وَالْجِرِّ ، فَمَنْ جَرَّهُ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَنْ نَصَبَ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْغِرَارِ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى : لَا نَقْصَ وَلَا تَسْلِيمَ فِي صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ كَلَامِهَا لَا يَجُوزُ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ " لَا تُغَارُّ التَّحِيَّةُ " أَيْ لَا يُنْقَصُ السَّلَامُ . * وَحَدِيثُ الْأَوْزَاعِيِّ " كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِغِرَارِ النَّوْمِ بَأْسًا " أَيْ لَا يَنْقُضُ قَلِيلُ النَّوْمِ الْوُضُوءَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تَصِفُ أَبَاهَا " فَقَالَتْ : رَدَّ نَشْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى غَرِّهِ " أَيْ عَلَى طَيِّهِ وَكَسْرِهِ . يُقَالُ : اطْوِ الثَّوْبَ عَلَى غَرِّهِ الْأَوَّلِ كَمَا كَانَ مَطْوِيًّا ، أَرَادَتْ تَدْبِيرَهُ أَمْرَ الرِّدَّةِ وَمُقَابَلَةَ دَائِهَا بِدَوَائِهَا . * وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغُرُّ عَلِيًّا بِالْعِلْمِ " أَيْ يُلْقِمُهُ إِيَّاهُ . يُقَالُ : غَرَّ الطَّائِرِ فَرْخَهُ إِذَا زَقَّهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَغُرُّهُ كَمَا يَغُرُّ الْغُرَابُ بُجَّهُ " أَيْ : فَرْخَهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، وَذَكَرَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَقَالَ : " إِنَّمَا كَانَا يُغَرَّانِ الْعِلْمَ غَرًّا " . * وَفِي حَدِيثِ حَاطِبٍ " كُنْتُ غَرِيرًا فِيهِمْ " أَيْ : مُلْصَقًا مُلَازِمًا لَهُمْ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : هَكَذَا الرِّوَايَةُ . وَالصَّوَابُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ " كُنْتُ غَرِيًّا " أَيْ مُلْصَقًا . يُقَالُ : غَرِيَ فُلَانٌ بِالشَّيْءِ إِذَا لَزِمَهُ . وَمِنْهُ الْغِرَاءُ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ . قَالَ : وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ " كُنْتُ عَرِيرًا " : أَيْ غَرِيبًا . وَهَذَا تَصْحِيفٌ مِنْهُ . [3/358] قُلْتُ : أَمَّا الْهَرَوِيُّ فَلَمْ يُصَحِّفْ وَلَا شَرْحَ إِلَّا الصَّحِيحَ ، فَإِنَّ الْأَزْهَرِيَّ وَالْجَوْهَرِيَّ وَالْخَطَّابَيَّ وَالزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فِي تَصَانِيفِهِمْ وَشَرَحُوهَا بِالْغَرِيبِ ، وَكَفَاكَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةً لِلْهَرَوِيِّ فِيمَا رَوَى وَشَرَحَ .
- فَرَطُهُمْ
- [3/434] ( فَرَطَ ) ( هـ ) فِيهِ : أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَيْ : مُتَقَدِّمُكُمْ إِلَيْهِ . يُقَالُ : فَرَطَ يَفْرِطُ ، فَهُوَ فَارِطٌ وَفَرَطٌ إِذَا تَقَدَّمَ وَسَبَقَ الْقَوْمَ لِيَرْتَادَ لَهُمُ الْمَاءَ ، وَيُهَيِّئَ لَهُمُ الدِّلَاءَ وَالْأَرْشِيَةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الدُّعَاءُ لِلطِّفْلِ الْمَيِّتِ " اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا " أَيْ : أَجْرًا يَتَقَدَّمُنَا . يُقَالُ : افْتَرَطَ فُلَانٌ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا إِذَا مَاتَ قَبْلَهُ . * وَحَدِيثُ الدُّعَاءِ أَيْضًا " عَلَى مَا فَرَطَ مِنِّي " أَيْ : سَبَقَ وَتَقَدَّمَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أَنَا وَالنَّبِيُّونَ فُرَّاطُ الْقَاصِفِينَ ، فُرَّاطٌ : جَمْعُ فَارِطٍ : أَيْ مُتَقَدِّمُونَ إِلَى الشَّفَاعَةِ . وَقِيلَ : إِلَى الْحَوْضِ . وَالْقَاصِفُونَ : الْمُزْدَحِمُونَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " قَالَ لِعَائِشَةَ : تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ " يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَأَضَافَهُمَا إِلَى صِدْقٍ وَصْفًا لَهُمَا وَمَدْحًا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ " قَالَتْ لِعَائِشَةَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَاكِ عَنِ الْفُرْطَةِ فِي الدِّينِ " يَعْنِي السَّبْقَ وَالتَّقَدُّمَ وَمُجَاوَزَةَ الْحَدِّ . الْفُرْطَةُ بِالضَّمِّ : اسْمٌ لِلْخُرُوجِ وَالتَّقَدُّمِ ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ . * وَفِيهِ " أَنَّهُ قَالَ - وَهُوَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ - : مَنْ يَسْبِقُنَا إِلَى الْإِثَايَةِ فَيَمْدُرُ حَوْضَهَا وَيُفْرِطُ فِيهِ فَيَمْلَؤُهُ حَتَّى نَأْتِيَهُ " أَيْ : يُكْثِرُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ فِيهِ . يُقَالُ : أَفْرَطَ مَزَادَتَهُ إِذَا مَلَأَهَا ، مِنْ أَفْرَطَ فِي الْأَمْرِ إِذَا جَاوَزَ فِيهِ الْحَدَّ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سُرَاقَةَ " الَّذِي يُفْرِطُ فِي حَوْضِهِ " أَيْ : يَمْلَؤُهُ . * وَمِنْهُ قَصِيدُ كَعْبٍ : تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ أَيْ : مَلَأَهُ . وَقِيلَ : أَفْرَطَهُ هَاهُنَا بِمَعْنَى تَرَكَهُ . [3/435] * وَمِنْهُ حَدِيثُ سَطِيحٍ : إِنْ يُمْسِ مُلْكُ بَنِي سَاسَانَ أَفْرَطَهُمْ أَيْ : تَرَكَهُمْ وَزَالَ عَنْهُمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " لَا يُرَى الْجَاهِلُ إِلَّا مُفْرِطًا أَوْ مُفَرِّطًا " هُوَ بِالتَّخْفِيفِ : الْمُسْرِفُ فِي الْعَمَلِ ، وَبِالتَّشْدِيدِ : الْمُقَصِّرُ فِيهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " إِنَّهُ نَامَ عَنِ الْعِشَاءِ حَتَّى تَفَرَّطَتْ " أَيْ : فَاتَ وَقْتُهَا قَبْلَ أَدَائِهَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ تَوْبَةِ كَعْبٍ " حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ " وَفِي رِوَايَةٍ : " تَفَرَّطَ الْغَزْوُ " أَيْ : فَاتَ وَقْتُهُ وَتَقَدَّمَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ ضُبَاعَةَ " كَانَ النَّاسُ إِنَّمَا يَذْهَبُونَ فَرْطَ الْيَوْمَيْنِ فَيَبْعَرُونَ كَمَا تَبْعَرُ الْإِبِلُ " أَيْ : بَعْدَ يَوْمَيْنِ . يُقَالُ : آتِيكَ فَرْطَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ : أَيْ بَعْدَهُمَا ، وَلَقِيتُهُ الْفَرْطَ بَعْدَ الْفَرْطِ ، أَيِ : الْحِينَ بَعْدَ الْحِينِ .
- لَاحِقُونَ ،
- ( لَحَقَ ) ( س ) فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ " إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ " الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ : أَيْ : مَنْ نَزَلَ بِهِ عَذَابُكَ أَلْحَقَهُ بِالْكُفَّارِ . وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى لَاحِقٍ ، لُغَةٌ فِي لَحَقَ ، يُقَالُ : لَحِقْتُهُ وَأَلْحَقْتُهُ بِمَعْنًى ، كَتَبِعْتُهُ وَأَتْبَعْتُهُ . وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْمَفْعُولِ : أَيْ : إِنَّ عَذَابَكَ يُلْحَقُ بِالْكَفَّارِ وَيُصَابُونَ بِهِ . * وَفِي دُعَاءِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ " وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ " قِيلَ : مَعْنَاهُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ . وَقِيلَ " إِنْ " شَرْطِيَّةٌ ، وَالْمَعْنَى لَاحِقُونَ بِكُمْ فِي الْمُوَافَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ . وَقِيلَ : التَّبَرِّي وَالتَّفْوِيضُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى التَّأَدُّبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ . * وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ كُلَّ مُسْتَلْحَقٍ اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذِهِ أَحْكَامٌ وَقَعَتْ فِي أَوَّلِ زَمَانِ الشَّرِيعَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِمَاءٌ بَغَايَا ، وَكَانَ سَادَتُهُنَّ يُلِمُّونَ بِهِنَّ ، فَإِذَا جَاءَتْ إِحْدَاهُنَّ بِوَلَدٍ رُبَّمَا ادَّعَاهُ السَّيِّدُ وَالزَّانِي ، فَأَلْحَقَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالسَّيِّدِ ، لِأَنَّ الْأَمَةَ فِرَاشٌ كَالْحُرَّةِ ، فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يَسْتَلْحِقْهُ ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ لَحِقَ بِأَبِيهِ ، وَفِي مِيرَاثِهِ خِلَافٌ . * وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ : تَخْدِي عَلَى يَسَرَاتٍ وَهْيَ لَاحِقَةٌ ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنَّ الْأَرْضَ تَحْلِيلُ اللَّاحِقَةُ : الضَّامِرَةُ .
- لَيُذَادَنَّ
- ( ذَوَدَ ) ( هـ ) فِيهِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذُوَدٍ صَدَقَةٌ الذَّوْدُ مِنَ الْإِبِلِ : مَا بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ إِلَى التِّسْعِ . وَقِيلَ : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ . وَاللَّفْظَةُ مُؤَنَّثَةٌ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّعَمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الذَّوْدُ مِنَ الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِيهِمَا ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ خَمْسَةً مِنَ الْإِبِلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ ذُكُورًا كَانَتْ أَوْ إِنَاثًا . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الذَّوْدِ فِي الْحَدِيثِ . [2/172] * وَفِي حَدِيثِ الْحَوْضِ إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ أَيْ أَطْرُدُهُمْ وَأَدْفَعُهُمْ . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَمَّا إِخْوَانُنَا بَنُو أُمَيَّةَ فَقَادَةٌ ذَادَةٌ الذَّادَةُ جَمْعُ ذَائِدٍ : وَهُوَ الْحَامِي الدَّافِعُ . قِيلَ : أَرَادَ أَنَّهُمْ يَذُودُونَ عَنِ الْحَرَمِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي أَيْ لَيُطْرَدَنَّ ، وَيُرْوَى : فَلَا تُذَادُنَّ : أَيْ لَا تَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ طَرْدَكُمْ عَنْهُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ .
- مُحَجَّلِينَ
- [1/346] ( حَجَلَ ) ( س ) فِي صِفَةِ الْخَيْلِ : " خَيْرُ الْخَيْلِ الْأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ " هُوَ الَّذِي يَرْتَفِعُ الْبَيَاضُ فِي قَوَائِمِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْقَيْدِ ، وَيُجَاوِزُ الْأَرْسَاغَ وَلَا يُجَاوِزُ الرُّكْبَتَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَوَاضِعُ الْأَحْجَالِ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ وَالْقُيُودُ ، وَلَا يَكُونُ التَّحْجِيلُ بِالْيَدِ وَالْيَدَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا رِجْلٌ أَوْ رِجْلَانِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أُمَّتِي الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ أَيْ بِيضُ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنَ الْأَيْدِي وَالْوَجْهِ وَالْأَقْدَامِ ، اسْتَعَارَ أَثَرَ الْوُضُوءِ فِي الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْبَيَاضِ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ : " إِنَّ اللُّصُوصَ أَخَذُوا حِجْلَيِ امْرَأَتِي " أَيْ خَلْخَالَيْهَا . ( هـ ) وَفِيهِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِزَيْدٍ : أَنْتَ مَوْلَانَا فَحَجَلَ . الْحَجْلُ : أَنْ يَرْفَعَ رِجْلًا وَيَقْفِزَ عَلَى الْأُخْرَى مِنَ الْفَرَحِ . وَقَدْ يَكُونُ بِالرِّجْلَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ قَفْزٌ . وَقِيلَ الْحَجْلُ : مَشْيُ الْمُقَيَّدِ . * وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ : " أَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَوْبَشَ الثَّنَايَا يَحْجِلُ فِي الْفِتْنَةِ " قِيلَ : أَرَادَ يَتَبَخْتَرُ فِي الْفِتْنَةِ . * وَفِيهِ : " كَانَ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ " الْحَجَلَةُ بِالتَّحْرِيكِ : بَيْتٌ كَالْقُبَّةِ يُسْتَرُ بِالثِّيَابِ وَتَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ كِبَارٌ ، وَتُجْمَعُ عَلَى حِجَالٍ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " أَعْرُوا النِّسَاءَ يَلْزَمْنَ الْحِجَالَ " . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِئْذَانِ : " لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ " . * وَفِيهِ : " فَاصْطَادُوا حَجَلًا " الْحَجَلُ بِالتَّحْرِيكِ : الْقَبَجُ ; لِهَذَا الطَّائِرِ الْمَعْرُوفِ ، وَاحِدُهُ حَجَلَةٌ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَدْعُو قُرَيْشًا وَقَدْ جَعَلُوا طَعَامِي كَطَعَامِ الْحَجَلِ يُرِيدُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّةَ بَعْدَ الْحَبَّةِ لَا يَجِدُّ فِي الْأَكْلِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَرَادَ أَنَّهُمْ غَيْرُ جَادِّينَ فِي إِجَابَتِي ، وَلَا يَدْخُلُ مِنْهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا النَّادِرُ الْقَلِيلُ .
- يُذَادُ
- ( ذَوَدَ ) ( هـ ) فِيهِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذُوَدٍ صَدَقَةٌ الذَّوْدُ مِنَ الْإِبِلِ : مَا بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ إِلَى التِّسْعِ . وَقِيلَ : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ . وَاللَّفْظَةُ مُؤَنَّثَةٌ ، وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا كَالنَّعَمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الذَّوْدُ مِنَ الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِيهِمَا ، لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ خَمْسَةً مِنَ الْإِبِلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ ذُكُورًا كَانَتْ أَوْ إِنَاثًا . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الذَّوْدِ فِي الْحَدِيثِ . [2/172] * وَفِي حَدِيثِ الْحَوْضِ إِنِّي لَبِعُقْرِ حَوْضِي أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ أَيْ أَطْرُدُهُمْ وَأَدْفَعُهُمْ . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَأَمَّا إِخْوَانُنَا بَنُو أُمَيَّةَ فَقَادَةٌ ذَادَةٌ الذَّادَةُ جَمْعُ ذَائِدٍ : وَهُوَ الْحَامِي الدَّافِعُ . قِيلَ : أَرَادَ أَنَّهُمْ يَذُودُونَ عَنِ الْحَرَمِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي أَيْ لَيُطْرَدَنَّ ، وَيُرْوَى : فَلَا تُذَادُنَّ : أَيْ لَا تَفْعَلُوا فِعْلًا يُوجِبُ طَرْدَكُمْ عَنْهُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ .