- أَجْزِي
- ( جَزَا ) * فِي حَدِيثِ الضَّحِيَّةِ : «لَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» أَيْ لَا تَقْضِي . يُقَالُ جَزَى عَنِّي هَذَا الْأَمْرُ : أَيْ قَضَى . * وَمِنْهُ حَدِيثُ صَلَاةِ الْحَائِضِ : «قَدْ كُنَّ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحِضْنَ ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَجْزِينَ» أَيْ يَقْضِينَ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا : أَيْ أَعْطَاهُ جَزَاءَ مَا أَسْلَفَ مِنْ طَاعَتِهِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ : أَجْزَأَتْ عَنْهُ شَاةٌ ، بِالْهَمْزِ : أَيْ قَضَتْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : «إِذَا أَجْرَيْتَ الْمَاءَ عَلَى الْمَاءِ جَزَى عَنْكَ» وَيُرْوَى بِالْهَمْزِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لِمَ خَصَّ الصَّوْمَ وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا لَهُ وَجَزَاؤُهَا مِنْهُ ، وَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا مَدَارُهَا كُلُّهَا عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَبْدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ ، فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ صَائِمًا حَقِيقَةً إِلَّا وَهُوَ مُخْلِصٌ فِي الطَّاعَةِ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالُوا فَإِنَّ غَيْرَ الصَّوْمِ مِنَ الْعِبَادَاتِ يُشَارِكُهُ فِي سِرِّ الطَّاعَةِ ، كَالصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ ، أَوْ فِي ثَوْبٍ نَجِسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْرَارِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا اللَّهُ وَصَاحِبُهَا . وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ صَلَاةٍ ، وَحَجٍّ ، وَصَدَقَةٍ ، وَاعْتِكَافٍ ، وَتَبَتُّلٍ ، وَدُعَاءٍ ، وَقُرْبَانٍ ، وَهَدْيٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ - قَدْ عَبَدَ الْمُشْرِكُونَ بِهَا آلِهَتَهُمْ ، وَمَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا ، وَلَمْ يُسْمَعْ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ طَوَائِفِ الْمُشْرِكِينَ وَأَرْبَابِ النِّحَلِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَقَادِمَةِ عَبَدَتْ آلِهَتَهَا بِالصَّوْمِ ، وَلَا تَقَرَّبَتْ إِلَيْهَا بِهِ ، وَلَا عُرِفَ الصَّوْمُ فِي الْعِبَادَاتِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرَائِعِ ، [1/271] فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ : أَيْ لَمْ يُشَارِكْنِي أَحَدٌ فِيهِ ، وَلَا عُبِدَ بِهِ غَيْرِي ، فَأَنَا حِينَئِذٍ أَجْزِي بِهِ ، وَأَتَوَلَّى الْجَزَاءَ عَلَيْهِ بِنَفْسِي ، لَا آكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى قَدْرِ اخْتِصَاصِهِ بِي . * وَفِيهِ ذِكْرُ : «الْجِزْيَةِ» فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الَّذِي يُعْقَدُ لِلْكِتَابِيِّ عَلَيْهِ الذِّمَّةُ ، وَهِيَ فِعْلَةٌ ، مِنَ الْجَزَاءِ ، كَأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» أَرَادَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ مَرَّ بَعْضُ الْحَوْلِ لَمْ يُطَالَبْ مِنَ الْجِزْيَةِ بِحِصَّةِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ . وَقِيلَ أَرَادَ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا أَسْلَمَ وَكَانَ فِي يَدِهِ أَرْضٌ صُولِحَ عَلَيْهَا بِخَرَاجٍ تُوضَعُ عَنْ رَقَبَتِهِ الْجِزْيَةُ وَعَنْ أَرْضِهِ الْخَرَاجُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا» أَرَادَ بِهِ الْخَرَاجَ الَّذِي يُؤَدَّى عَنْهَا ، كَأَنَّهُ لَازِمٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ كَمَا تَلْزَمُ الْجِزْيَةُ الذِّمِّيَّ . هَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : هُوَ أَنْ يُسْلِمَ وَلَهُ أَرْضُ خَرَاجٍ فَتُرْفَعُ عَنْهُ جِزْيَةُ رَأْسِهِ وَتُتْرَكُ عَلَيْهِ أَرْضُهُ يُؤَدَّى عَنْهَا الْخَرَاجُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : «أَنَّ دِهْقَانًا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ ، فَقَالَ لَهُ : إِنْ أَقَمْتَ فِي أَرْضِكَ رَفَعْنَا الْجِزْيَةَ عَنْ رَأْسِكَ وَأَخَذْنَاهَا مِنْ أَرْضِكَ ، وَإِنْ تَحَوَّلْتَ عَنْهَا فَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا» . * وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : «أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ دِهْقَانٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَكْفِيَهُ جِزْيَتَهَا» قِيلَ إِنَّ اشْتَرَى هَاهُنَا بِمَعْنَى اكْتَرَى ، وَفِيهِ بُعْدٌ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي اللُّغَةِ . قَالَ الْقُتَيْبِيُّ : إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، وَإِلَّا فَأَرَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ جِزْيَتَهَا لِلسَّنَةِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْبَيْعُ ، فَضَمَّنَهُ أَنْ يَقُومَ بِخَرَاجِهَا . ( هـ ) وَفِيهِ : «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ ، وَكَانَ لَهُ كَاتِبٌ وَمُتَجَازٍ» الْمُتَجَازِي : الْمُتَقَاضِي يُقَالُ : تَجَازَيْتُ دَيْنِي عَلَيْهِ : أَيْ تَقَاضَيْتُهُ .
- جُنَّةٌ
- ( جَنَنَ ) * فِيهِ ذِكْرُ : «الْجَنَّةِ» فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . الْجَنَّةُ : هِيَ دَارُ النَّعِيمِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، مِنَ الِاجْتِنَانِ وَهُوَ السَّتْرُ ، لِتَكَاثُفِ أَشْجَارِهَا وَتَظْلِيلِهَا بِالْتِفَافِ أَغْصَانِهَا . وَسُمِّيَتْ بِالْجَنَّةِ وَهِيَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ مَصْدَرِ جَنَّهُ جَنًّا إِذَا سَتَرَهُ ، فَكَأَنَّهَا سَتْرَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِشِدَّةِ الْتِفَافِهَا وَإِظْلَالِهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» أَيْ سَتَرَهُ ، وَبِهِ سُمِّيَ الْجِنُّ لِاسْتِتَارِهِمْ وَاخْتِفَائِهِمْ عَنِ الْأَبْصَارِ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجَنِينُ لِاسْتِتَارِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «وَلِيَ دَفْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْنَانَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ» أَيْ دَفْنَهُ وَسَتْرَهُ . وَيُقَالُ لِلْقَبْرِ الْجَنَنُ ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَجْنَانٍ . [1/308] * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ : «جُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ» . ( هـ ) وَفِيهِ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْجِنَّانِ» هِيَ الْحَيَّاتُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ ; وَاحِدُهَا جَانٌّ ، وَهُوَ الدَّقِيقُ الْخَفِيفُ . وَالْجَانُّ : الشَّيْطَانُ أَيْضًا . وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْجَانِّ وَالْجِنِّ وَالْجِنَّانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ زَمْزَمَ : إِنَّ فِيهَا جِنَّانًا كَثِيرَةً أَيْ حَيَّاتٍ . * وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ : «جِنَّانُ الْجِبَالِ» أَيِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْفَسَادِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ ، أَوْ مِنَ الْجِنِّ . وَالْجِنَّةُ بِالْكَسْرِ : اسْمٌ لِلْجِنِّ . * وَفِي حَدِيثِ السَّرِقَةِ : الْقَطْعُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ هُوَ التُّرْسُ ، لِأَنَّهُ يُوَارِي حَامِلَهُ : أَيْ يَسْتُرُهُ ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : «كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : قَلَبْتَ لِابْنِ عَمِّكَ ظَهْرَ الْمِجَنِّ» هَذِهِ كَلِمَةٌ تُضْرَبُ مَثَلًا لِمَنْ كَانَ لِصَاحِبِهِ عَلَى مَوَدَّةٍ أَوْ رِعَايَةٍ ثُمَّ حَالَ عَنْ ذَلِكَ ، وَيُجْمَعُ عَلَى مَجَانَّ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ : وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ يَعْنِي التُّرْكَ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْمِجَنِّ وَالْمَجَانِّ فِي الْحَدِيثِ . * وَفِيهِ : الصَّوْمُ جُنَّةٌ أَيْ يَقِي صَاحِبَهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ . وَالْجُنَّةُ : الْوِقَايَةُ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «الْإِمَامُ جُنَّةٌ» لِأَنَّهُ يَقِي الْمَأْمُومَ الزَّلَلَ وَالسَّهْوَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّدَقَةِ : كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ أَيْ وِقَايَتَانِ . وَيُرْوَى بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ; تَثْنِيَةُ جُبَّةِ اللِّبَاسِ . * وَفِيهِ أَيْضًا : «تُجِنُّ بَنَانَهُ» أَيْ تُغَطِّيهِ وَتَسْتُرُهُ . * وَفِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبَائِحِ الْجِنِّ هُوَ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجُلُ الدَّارَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهَا ذَبَحَ ذَبِيحَةً ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ أَهْلَهَا الْجِنُّ . * وَفِي حَدِيثِ مَاعِزٍ : «أَنَّهُ سَأَلَ أَهْلَهُ عَنْهُ فَقَالَ : أَيَشْتَكِي أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ؟ قَالُوا : لَا» الْجِنَّةُ بِالْكَسْرِ : الْجُنُونُ . [1/309] * وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ : «لَوْ أَصَابَ ابْنُ آدَمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ جُنَّ» أَيْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْمَجْنُونِ مِنْ شِدَّةِ إِعْجَابِهِ . قَالَ الْقُتَيْبِيُّ : وَأَحْسَبُ قَوْلَ الشَّنْفَرَى مِنْ هَذَا : فَلَوْ جُنَّ إِنْسَانٌ مِنَ الْحُسْنِ جُنَّتِ * وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الْآخَرُ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جُنُونِ الْعَمَلِ» أَيْ مِنَ الْإِعْجَابِ بِهِ ، وَيُؤَكِّدُ هَذَا حَدِيثُهُ الْآخَرُ : «أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا مُجْتَمِعِينَ عَلَى إِنْسَانٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : مَجْنُونٌ ، قَالَ : هَذَا مُصَابٌ ، وَإِنَّمَا الْمَجْنُونُ الَّذِي يَضْرِبُ بِمَنْكِبَيْهِ ، وَيَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ ، وَيَتَمَطَّى فِي مِشْيَتِهِ . * وَفِي حَدِيثِ فَضَالَةَ :» كَانَ يَخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْخَصَاصَةِ ، حَتَّى يَقُولَ الْأَعْرَابُ : مَجَانِينُ ، أَوْ مَجَانُونَ « الْمَجَانِينُ : جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِمَجْنُونٍ ، وَأَمَّا مَجَانُونَ فَشَاذٌّ ، كَمَا شَذَّ شَيَاطُونَ فِي شَيَاطِينَ . وَقَدْ قُرِئَ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطُونَ .