حَدِيثٌ ثَالِثٌ وَأَرْبَعُونَ لِزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُرْسَلٌ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِطَرِيقٍ مَكَّةَ وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ وَقَدْ فَزِعُوا فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن ينزلوا وأن يتوضأوا وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حين غير هَذَا فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ (حَتَّى نَامَ) ثُمَّ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوطَآتِ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ زَيْدٍ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَقَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ مُتَّصِلًا مُسْنَدًا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ثَابِتَةٍ فِي نَوْمِهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ رَوَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَظُنُّهَا قِصَّةٌ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِيمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهَا فِيهِ مَرْجِعُهُ مِنْ خَيْبَرَ كَذَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا وَهُوَ أَقْوَى مَا يُرْوَى فِي
ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُ زيد بن ثابت حَدِيثُهُ هَذَا بِطْرِيقِ مَكَّةَ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِأَنَّ طَرِيقَ خَيْبَرَ وَطَرِيقَ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَرُبَّمَا جَعَلَتْهُ الْقَوَافِلُ وَاحِدًا وَحَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا مُرْسَلٌ وَلَيْسَ مِمَّا يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مَنْ يُوقِظُنَا فَقُلْتُ أَنَا أُوقِظُكُمْ) وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ قِصَّةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ أَيْقِظْنَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجِيبَهُ إِلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرَ بِلَالًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ
زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةَ وَهُوَ زَمَنٌ وَاحِدٌ فِي عَامٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مُنْصَرَفُهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَضَى إِلَى خَيْبَرَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَفِي الْحُدَيْبِيَةِ نَزَلَتْ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَعْنِي خَيْبَرَ وَكَذَلِكَ قَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَوَى خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ فِي جَيْشِ الْأُمَرَاءِ وَهَذَا وَهْمٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ كَانَ فِي غَزَاةِ مُؤْتَةَ وَكَانَتْ سَرِيَّةً لَمْ يَشْهَدْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ الْأَمِيرَ عَلَيْهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ جَعْفَرُ بْنُ أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة وَفِيهَا قُتِلُوا ﵏ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَاهُ خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ وَمَا قَالُوهُ فَهُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الصَّوَابُ دُونَ مَا قَالَهُ خَالِدُ بْنُ سُمَيْرٍ وَقَدْ قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا كَانَتْ غَزْوَةَ تَبُوكٍ وَهَذَا لَا يَصِحُّ وَالْآثَارُ الصِّحَاحُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ مُسْنَدَةٌ ثَابِتَةٌ
وَقَوْلُهُ مُرْسَلٌ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكٍ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ فِي مَضْجَعِهِ ذَلِكَ بِالْأُولَى ثُمَّ مَشَوْا قَلِيلًا ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّوُا الصُّبْحَ وَسَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ جَمِيعَ هَذِهِ الْآثَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَوْمُهُ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَمْرٌ خَارِجٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ عَنْ عَادَتِهِ وَطِبَاعِهِ وَطِبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَأَظُنُّ الْأَنْبِيَاءَ مَخْصُوصِينَ بِأَنْ تَنَامَ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامَ قُلُوبُهُمْ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ نَوْمُهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ سُنَّةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ كَيْفَ حُكْمُ مَنْ نَامَ
عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﵇ إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ وَالَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ جِبِلَّتُهُ وَعَادَتُهُ ﷺ أَنْ لَا يُخَامِرَ النَّوْمُ قَلْبَهُ وَلَا يُخَالِطَ نَفْسَهُ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي وَهَذَا عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ﷺ إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا خَصْلَةٌ لَمْ يَعِدْهَا فِي السِّتِّ الَّتِي أُوتِيَهَا وَلَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهُ مَا أَرَادَ لِيُبَيِّنَ لِأُمَّتِهِ ﷺ قَبَضَ رُوحَهُ وَرُوحَ مَنْ مَعَهُ فِي نَوْمِهِمْ ذَلِكَ وَصَرَفَهَا إِلَيْهِمْ بَعْدَ طُلُوعِ الشمس ليبن لَهُمْ مُرَادَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ جَمَاعَةُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ وَهُوَ
وَاضِحٌ وَالْمُخَالِفُ فِيهِ مُبْتَدَعٌ وَلِلْكَلَامِ عَلَيْهِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن الْخَضِرِ الْأَسْيُوطِيُّ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا خِلَافَ عَلِمْتُهُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّعْرِيسَ نُزُولُ الْمُسَافِرِينَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ نَزَلَ أَوَّلُ اللَّيْلِ عَرَّسَ وَأَمَّا قَوْلُهُ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ فَمَعْنَاهُ يُسَكِّنُهُ وَيُعَلِّلُهُ حَتَّى
نَامَ وَرَوَى أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَأَصْلُهَا الْهَمْزُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ ... خَوْدٌ تُعَاطِيكَ بَعْدَ رَقْدَتِهَا ... إِذَا تُلَاقِي الْعُيُونَ مَهْدَؤُهَا ... وَمِنْهُ الْحَدِيثُ إِيَّاكُمْ وَالسَّمَرَ بَعْدَ هَدْأَةِ الرَّجُلِ وَفِي فَزَعِ أَصْحَابِ رسول الله ﷺ حين انْتَبَهُوا لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ مِنَ الْوَجَلِ وَالْإِشْفَاقِ وَالْخَوْفِ لِرَبِّهِمْ وَأَظُنُّهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنِ النَّائِمِ وَأَنَّ الْإِثْمَ عَنْهُ سَاقِطٌ لِأَنَّهُمْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا فَعَرَّفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْإِثْمَ عَنِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي سَاقِطٌ وَأَنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ سَاقِطَةٍ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِعْلُهَا مَتَى مَا انْتَبَهَ وَذَكَرَهَا وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ فَزَعَهُمْ كَانَ لِخَوْفِ عَدْوِهِمْ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَعْرِفُ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ مُنْصَرَفَهُ مِنْ خَيْبَرَ أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَ انْصِرَافَ خَائِفٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ مَا يَبِينُ بِهِ تَأْوِيلُنَا لِأَنَّ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ
وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا الْحَدِيثَ فَآَنَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا قَضَاهَا إِذَا انْتَبَهَ أَوْ ذَكَرَ وَقَالَ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى وَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ إِلَى الصَّلَاةِ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَغَيْرُهُ وَذَلِكَ خَوْفٌ لِرَبِّهِ وَشَفَقَةٌ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ وَأَمَّا خُرُوجُهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَتَرْكُهُ الصَّلَاةَ فِيهِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﵇ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرُّكُوبِ وَالْإِسْرَاعِ وَالْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي لِأَنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ تَشَاؤُمًا بِذَلِكَ الْوَادِي أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ
مِمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قال في هذا الحديث أخرجوا عن هذاالموضع الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَقَوْلُهُ إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُصَلِيَّ بِأَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا كَرَاهِيَتُهُمْ لِلصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِ الْخَسْفِ لِقَوْلِهِ ﷺ حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ مِنْ ثَمُودَ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَتَى وَادِيَ ثَمُودَ أَمَرَ النَّاسَ فَأَسْرَعُوا وَقَالَ هَذَا وَادٍ مَلْعُونٌ وَرَوِيٌّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَجِينِ فَطُرِحَ فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ لَا تُدْرَى عِلَّتُهُ حَقِيقَةً فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خُصُوصًا مَرْدُودًا إِلَى الْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا وَالدَّلَائِلِ الصَّحِيحِ مَجِيئُهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْعِلَّةُ فِي خُرُوجِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي أَنَّهُ انْتَبَهَ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ وَذَلِكَ وَقْتٌ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ الصَّلَاةُ فِيهِ لَا نَافِلَةٌ وَلَا فَرِيضَةٌ عِنْدَهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ عَلَى حَسَبِ نَهْيِهِ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ فِيهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ يَطُولُ ذِكْرُهَا مِنْهَا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ قَالُوا وَهَذَا عَلَى الْفَرِيضَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ هَذَا وَذَكَرْنَا الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَبِهْ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَّا وَالشَّمْسُ لَهَا حَرَارَةٌ وَلَا يَكُونُ لِلشَّمْسِ حَرَارَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَفَعَتْ وَجَازَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فَبَطَلَ تأويلهم
هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَسَنَذْكُرُ هَذَا الْخَبَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ شَكْلِهِ فِي هَذَا الْبَابِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأَوَّلُوا فِي قَوْلُهُ ﷺ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا أَنَّ ذَلِكَ إِعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّهَا غَيْرُ سَاقِطَةٍ عَنِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي لَا أَنَّهَا تُصَلَّى فِي وَقْتِ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ يُبِيحُ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَهَذَا نَصٌّ يَقْطَعُ الِارْتِيَابَ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا فِيهِ مَا يُغْنِي عن إعادته ها هنا وَجَاءَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فِي مَوْضِعِهِ ذَلِكَ رَكْعَتِي الْفَجْرِ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ فِي بعض
أَسْفَارِهِ فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي آخِرِ اللَّيْلِ نَزَلُوا لِلتَّعْرِيسِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ يُوقِظُنَا لِلصُّبْحِ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا فَتَوَسَّدَ بِلَالٌ ذِرَاعَهُ فَلَمْ يَسْتَيْقِظُوا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي مُعَرَّسِهِ ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُّ سَفَرٍ هُوَ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤَخِّرْ صَلَاةَ الصُّبْحِ يَوْمَئِذٍ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي لِمَا زَعَمَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَنَّهُ انْتَبَهَ فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتِي الْفَجْرِ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ النَّافِلَةُ فَالْفَرِيضَةُ أَحْرَى أَنْ تَجُوزَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلُونَ مَنْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ ثُمَّ انْتَبَهَ لَزِمَهُ الزَّوَالُ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِنْ كَانَ وَادِيًا خَرَجَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَقَوْلِهِ اركبوا واخرجوا
مِنَ هَذَا الْوَادِي فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ قَالُوا فَكُلُّ مَوْضِعٍ يُصِيبُ الْمُسَافِرِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ فِيهِ مِثْلُ مَا أَصَابَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ ﵇ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَوَاجِبٌ الْخُرُوجُ عَنْهُ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ وَنَزَعُوا بِنَحْوِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْعِلَلِ وَقَالَ مِنْهُمْ آخَرُونَ أَمَّا ذَلِكَ الْوَادِي وَحْدَهُ إِنْ عُلِمَ وَعَرَضَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ الْعَارِضِ فَوَاجِبٌ الْخُرُوجَ مِنْهُ عَلَى مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَأَمَّا سَائِرُ الْمَوَاضِعِ فَلَا وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ وَحْدَهُ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي وَقَالَ ﷺ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا مِنْ مَوْضِعٍ إِلَّا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي خَاصَّةً وَقَالَ آخَرُونَ كُلُّ مَنِ انْتَبَهَ إِلَى صَلَاةٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ ذَكَرَ بَعْدَ نِسْيَانٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ صَلَاتَهُ بِأَعْجَلِ مَا يُمْكِنُهُ وَيُصَلِّيَهَا كَمَا أُمِرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَادِيًا كَانَ أَوْ غَيْرَ وَادٍ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَاهِرًا وَسَوَاءٌ ذَلِكَ
الْوَادِي وَغَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خُصُوصًا لَهُ ﷺ وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ حُضُورِ الشَّيْطَانِ فِي الْمَوْضِعِ مَا لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ وَقَدْ جَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ مِنْ غَيْرِهِ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ فَحْلُونَ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ مُطَرِّفًا وَابْنِ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ لَا يلزم الناس أن يقتادوا شيئا إذااستيقظوا فِي أَسْفَارِهِمْ وَقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا عِلْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَا وَمَنِ ابْتُلِيَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْوَادِي أَوْ غَيْرِهِ صَلَّى فِيهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ قَالَ أَبُو عُمَرَ الْقَوْلُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَادِيَ وَغَيْرَهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ جَائِزٌ أَنْ يُصَلَّى فِيهَا كُلِّهَا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِاعْتِلَالِ مَنِ اعْتَلَ بِأَنَّ مَوْضِعَ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ مَوْضِعُ شَيْطَانٍ وَمَوْضِعٌ مَلْعُونٌ
لَا يَجُوزُ أَنْ تُقَامَ فِيهِ الصَّلَاةُ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْفَكُّ عَنِ الشَّيَاطِينِ وَلَا الْمَوْضِعِ الَّذِي تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَكُلُّ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَبِأَرْضِ بَابِلَ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ وَمَدْفُوعٌ بِعُمُومِ قَوْلُهُ ﷺ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَقَوْلُهُ هَذَا ﷺ مُخْبِرًا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِهِ وَمِمَّا خُصَّ بِهِ وَفَضَائِلُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا التَّبْدِيلُ وَلَا النَّقْصُ قَالَ ﷺ أُوتِيَتُ خَمْسًا وَقَدْ رُوِيَ سِتٌّ وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ وَهِيَ تَنْتَهِي إِلَى أَزْيَدَ مِنْ سَبْعٍ قَالَ فِيهِنَّ لَمْ يُؤْتَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحُلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَجُعِلَتْ لِيَ
الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُوتِيتُ الشَّفَاعَةَ وَبُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحِ كُنُوزِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْ وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ وَهُوَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي وَهُوَ حَوْضٌ ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عددالنجوم مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَخُتِمَ بي النبيئون وَهَذِهِ الْمَعَانِي رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَبَعْضُهُمْ يَذْكُرُ بَعْضَهَا وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْآخَرُونَ وَهِيَ صِحَاحٌ كُلُّهَا وَإِنْ لَمْ تَجْتَمِعْ بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ فَهِيَ فِي أَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ثَابِتَةٍ وَجَائِزٌ عَلَى فَضَائِلِهِ الزِّيَادَةُ وَغَيْرُ جَائِزٍ فِيهَا النُّقْصَانُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا ثُمَّ كَانَ نَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَسُولًا وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ نَبِيًّا وَنَبِيًّا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا وَقَالَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ثُمَّ نَزَلَتْ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ
وَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَهُ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ فَقَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَقَالَ السَّيِّدُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ فَفَضَائِلُهُ ﷺ لَمْ تَزَلْ تَزْدَادُ إِلَى أن قبضه الله فمن هاهنا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا النَّسْخُ وَلَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا النُّقْصَانُ وَجَائِزٌ فِيهَا الزِّيَادَةُ وَبِقَوْلِهِ ﷺ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا أَجَزْنَا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا مِنَ الْأَنْجَاسِ لِأَنَّهُ عُمُومَ فَضِيلَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَيْهَا الْخُصُوصُ وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ فَكَيْفَ وَفِي إِسْنَادِ هذا
الْخَبَرِ مِنَ الضَّعْفِ مَا يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ فَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَيَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فَيَكُونُ زِيَادَةً فِيمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ﷺ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا طَهُورًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارُ هُوَ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي
نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا قَالَ وَحَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فُضِّلْتُ بِأَرْبَعٍ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قال حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ سَمِعَ أَبَاهُ سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ
الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ مُخْتَصَرًا وَعَنِ الْأَعْمَشِ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فِي تَعْدِيدِ فَضَائِلِهِ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي مُوسَى وَحُذَيْفَةَ وَهِيَ آثَارٌ كُلُّهَا صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ كَرِهْتُ ذِكْرَهَا بِأَسَانِيدِهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَضَائِلِ مِنَ مُصَنَّفِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَقْبَرَةِ فَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَزْهَرَ فَمَرَّةً قَالَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ الْمُرَادِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُرَّةَ قَالَ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَزْهَرَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ نَهَانِي حِبِّي ﷺ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَهُوَ مَعَ هَذَا مُنْقَطِعٌ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِعَلِيٍّ ﵁ وَعَمَّارٌ والحجاج
وَيَحْيَى مَجْهُولُونَ لَا يُعْرَفُونَ (بِغَيْرِ هَذَا) وَابْنُ لَهِيعَةَ وَيَحْيَى بْنُ أَزْهَرَ ضَعِيفَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا وَلَا بِمَثَلِهِمَا وَأَبُو صَالِحٍ هَذَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ مِصْرِيٌّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ أَيْضًا وَلَا يَصْحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَلِيٍّ وَفِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ حَدِيثٌ حَسَنُ الْإِسْنَادِ رَوَاهُ أبو نعيم الفضل بن ذكين قَالَ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْكِنْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَنْبَسِ حُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ فَلَمَّا جَاوَزْنَا سُورًا وَقَعَ بِأَرْضِ بَابِلَ قُلْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْسَيْتَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَ أَحَدًا قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَيْسَ قَدْ أَمْسَيْتَ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي لَا أُصَلِّي فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا وَالْمُغَيَّرَةُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَحُجْرُ بْنُ عَنْبَسٍ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ ﵁ وَفِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ حَدِيثٌ آخَرُ أَيْضًا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
قَالَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ به عند من لا يرى المرسل حُجَّةٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْوَجْهُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا وَلَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُنْتَحِلِينَ لِمَذْهَبِ الْمَدَنِيِّينَ إِنَّ الْمَقْبَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ أُرِيدَ بِهَا مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً وَهَذَا قَوْلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا خَبَرٍ صَحِيحٍ وَلَا لَهُ مُدْخَلٌ فِي الْقِيَاسِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْخِطَابِ وَلَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ وَاحْتَجَّ قائل هذاالقول بِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَا يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَالْمَقْبَرَةِ وَمَحَجَّةِ الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَفَوْقَ بَيْتِ اللَّهِ ﷿ وَهَذَا حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرَةَ
وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرَةَ وَقَدْ كَتَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ لَا أَعْلَمُ مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا عَنْ نَافِعٍ إِلَّا قَدْ قَالَ عَلَيْهِ الْبَاطِلَ ذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنِ اللَّيْثِ فَصَحَّ بِهَذَا وَشَبَهِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمِثْلِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَفِيهِ مِنَ الْعِلَّةِ مَا وَصَفْنَا وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْمَقْبَرَةُ وَالْحَمَّامُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَقْبَرَةٍ دُونَ مَقْبَرَةٍ أَوْ حَمَّامٍ دُونَ حَمَّامٍ بِغَيْرِ تَوْقِيفِ عَلَيْهِ وَلَا يَخْلُو تَخْصِيصُ مَنْ خَصَّصَ مَقْبَرَةَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ الْكُفَّارِ إِلَيْهَا بِأَقْدَامِهِمْ فَلَا مَعْنَى لِخُصُوصِ الْمَقْبَرَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ هُمْ فِيهِ بِأَجْسَامِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ فَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ
جَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ أَوْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا بُقْعَةُ سُخْطٍ فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَبْنِيَ مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَيَنْبُشُهَا وَيُسَوِّيَهَا وَيَبْنِيَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَجَازَ الْعُلَمَاءُ الصَّلَاةَ فِي الْكَنِيسَةِ إِذَا بُسِطَ فِيهَا ثَوْبٌ طَاهِرٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَنِيسَةَ أَقْرَبُ إِلَى أَنْ تَكُونَ بُقْعَةَ سُخْطٍ مِنَ الْمَقْبَرَةِ لِأَنَّهَا بُقْعَةٌ يُعْصَى اللَّهُ وَيُكْفَرُ بِهِ فِيهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَقْبَرَةَ وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِإِبَاحَةِ اتِّخَاذِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ مَسَاجِدَ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُصَلِّي فِي الْبَيْعَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَمَاثِيلُ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ خُصَيْفٍ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الْكَنِيسَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا تَمَاثِيلُ وَرَوَى أَيُّوبُ وَعَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ صَنَعَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ النَّصَارَى طَعَامًا وَدَعَاهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّا لَا نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ وَلَا نُصَلِّي فِيهَا مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ فَلَمْ يَكْرَهْ عُمَرُ وَلَا ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ مَا فِيهَا مِنَ التَّمَاثِيلِ وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَعَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَا لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْبَيْعَةِ
وَأَمَّا جُثَثُ الْمَوْتَى فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا كُلَّهَا سَوَاءٌ وَيَتَحَفَّظُ عِنْدَ غُسْلِ الْمَيِّتِ مِنْ أَنْ يَطِيرَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ (لَا تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ (١» عَلَى أَنَّ جُثَثَ الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً طَاهِرَةٌ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ الْمُرَجَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ بْنِ أَبِي الْعَاصِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَوَاغِيتُهُمْ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طلق عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ مُلَازِمِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ عَنْ
قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَحَدِيثُ هَنَّادٍ أَتَمُّ قَالَ خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فبايعناه وصلينا معه وأخبرنا أَنَّ بِأَرْضِنَا بَيْعَةً لَنَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بَيْعَتَكُمْ وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا مُخْتَصَرًا وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا طَاهِرًا نَظِيفًا جَائِزٌ وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى فِي كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْعَةٍ فِي مَوْضِعٍ طَاهِرٍ أَنَّ صَلَاتَهُ مَاضِيَةٌ جَائِزَةٌ وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِمُسْلِمِينَ أَوْ مُشْرِكِينَ لِلْأَحَادِيثِ الْمَعْلُولَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا وَلِحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا
عَلَيْهَا وَهَذَانِ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا مُحْتَمِلَانِ لِلتَّأْوِيلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ طَاهِرٍ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنْ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَعُدْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ صَلَّى أَحَدٌ فِي الْمَقْبَرَةِ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنَ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا مَا حَكَيْنَا مِنْ خَطَلِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُشْتَغَلُ بِمِثْلِهِ وَلَا وَجْهَ لَهُ فِي نَظَرٍ وَلَا فِي صَحِيحِ أَثَرٍ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ كَرِهَهَا فِي كُلِّ مَقْبَرَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَعُمُومِهِ وَمَنْ أَبَاحَ الصَّلَاةَ فِيهَا دَفَعَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ وَالِاعْتِلَالِ وَقَدْ بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَهُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَأَقَامَ فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فجاؤوا متقلدين بسوفهم قَالَ أَنَسٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلَأَ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفَنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا فَقَالُوا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ ﷿ قَالَ أَنَسٌ فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ وَنَخْلٌ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَيَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَيَقُولُونَ ... اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ ... ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الْتَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَامِنُونِي فِيهِ فَقَالُوا لَا نَلْتَمِسُ بِهِ ثَمَنًا إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَ وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَفِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَنَى مَسْجِدَهُ فِي مَوْضِعِ مَقْبَرَةِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْمَقَابِرِ مَقْبَرَةً لَكَانَتْ مَقْبَرَةُ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى بِالْخُصُوصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكُلُّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ لَمْ يَخُصَّ مَقْبَرَةً لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِنْسِ لَا إِلَى
الْمَعْهُودِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَرْقٌ لَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُهْمِلْهُ لِأَنَّهُ بُعِثَ مُبَيِّنًا لِمُرَادِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ وَالْقَوْمُ عَرَبٌ لَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْخِطَابِ إِلَّا اسْتِعْمَالَ عُمُومِهِ مَا لَمْ يَكُنِ الْخُصُوصُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَصْحَبُهُ فَلَوْ أَرَادَ مَقْبَرَةً دُونَ مَقْبَرَةٍ لَوَصَفَهَا وَنَعَتَهَا وَلَمْ يُحِلْ عَلَى لَفْظِ الْمَقْبَرَةِ جُمْلَةً لِأَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَقْبَرَةٍ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ الْمَقْبَرَةِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ حَقِيقَةِ الْخِطَابِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَلَوْ سَاغَ لِجَاهِلٍ أَنْ يَقُولَ مَقْبَرَةُ كَذَا لَجَازَ لِآخَرَ أَنْ يَقُولَ حَمَّامُ كَذَا لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ الْمَزْبَلَةُ وَالْمَجْزَرَةُ وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ مَزْبَلَةُ كَذَا وَلَا مَجْزَرَةُ كَذَا وَلَا طَرِيقُ كَذَا لِأَنَّ التَّحَكُّمَ فِي دِينِ اللَّهِ غَيْرُ سَائِغٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بَحْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نَصْرٍ النَّرْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمَرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يقعد عَلَيْهِ أَوْ يُبْنَى عَلَيْهِ قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَوْلُهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَهْمٌ وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ يُصَلَّى إِلَى الْقَبْرِ وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن ينزلوا ويتوضؤا وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُؤَذِّنَ أَوْ يُقِيمَ هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَلَى الشَّكِّ وَتَابَعَهُ قَوْمٌ وَاخْتَلَفَتِ الْآثَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَكْثَرُهَا فِيهَا أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ وَكَذَلِكَ فِي أَكْثَرِهَا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ (وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ) وَلَمْ يُذْكَرْ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَهَذَا مَوْضِعٌ قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَمَنْ ذَكَرَ شَيْئًا وَحَفِظَهُ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ فَإِنَّ مَالِكًا وَالْأَوْزَاعِيَّ وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمْ قَالُوا فِيمَنْ فَاتَتْهُ صلاة أو صلوات حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا أَنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ إِقَامَةً وَلَا يُؤَذِّنُ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْفَوَائِتِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةُ وَأَصْحَابُهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا فاتته صلوات فَإِنْ صَلَّاهُنَّ بِإِقَامَةِ إِقَامَةٍ كَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَحَسَنٌ وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَحَسَنٌ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ يُقِيمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَائِتَةٍ وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُبِسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِلَى هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَمْ يُؤَذِّنْ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَابْنُ مَسْعُودٍ فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حدثنا
عَمَّارُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حُبِسْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى كان هوى من اليل حَتَّى كُفِينَا وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا قَالَ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ أَقَامَ الْعَصْرَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْمَغْرِبَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا الْمَعْنَى وَاحِدٌ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قال أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عن أربع صلوات فِي الْخَنْدَقِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أقام فصلى
الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ هَكَذَا قَالَ هُشَيْمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ فَذَكَرَ الْأَذَانَ لِلظَّهْرِ وَحْدَهَا وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هُشَيْمٍ سَوَاءٌ وَخَالَفَهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ فَقَالَ فِيهِ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ لَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا لِلظُّهْرِ وَلَا لِغَيْرِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَةَ وَحْدَهَا فِيهَا كُلِّهَا قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبَرْقِيُّ الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحُبِسْنَا عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ طَافَ عَلَيْنَا فَقَالَ مَا عَلَى الْأَرْضِ عِصَابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ غَيْرَكُمْ
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ بِإِسْنَادِهِ سَوَاءٌ وَقَدْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ذَكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ وَغَيْرُهُ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ يُؤْذِّنُ وَيُقِيمُ لِلْفَوَائِتِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَبْلَهُ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ وَالْعِشَاءُ كَانَتْ مُفْعُولَةً فِي وَقْتِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَذَانًا وَهِيَ غَيْرُ فَائِتَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ إقامتها بما بنبغي أَنْ يُقَامَ لَهَا مِنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ صَلَّاهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَأَمَّا صَلَاةُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لِمَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهَا إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَا ذَكَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَكْعَتِي الْفَجْرَ أَنَّهُ رَكَعَهَا يَوْمَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي سَفَرِهِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ ذَكَرَ أَبُو قُرَّةَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ مَالِكٍ قَالَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ نَامَ عَنِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَنَّهُ لَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَلَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ قَالَ وَقَالَ مالك
لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ركعتي الفجر حين نام عن صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ رَكَعَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَالَ مَا عَلِمْتُ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ﵀ لَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ هَذَا وَلَا فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكَعَ يَوْمَئِذٍ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَإِنَّمَا صَارَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ إِلَّا أَشْهَبَ وَعَلِيَّ بْنَ زِيَادٍ فَإِنَّهُمَا قَالَا يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ قَالَا وَقَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرِهِ وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يَرْكَعَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إِذَا كَانَ فِي سِعَةٍ مِنَ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ إِذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سِعَةٌ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ابْدَأْ
بِالْمَكْتُوبَةِ ثُمَّ تَطَوَّعْ بِمَا شِئْتَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَبْدَأُ بِالْفَرِيضَةِ وَلَا يَتَطَوَّعُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الْفَرِيضَةِ قَالَ فَإِنْ كَانَتِ الظَّهْرَ فَرَغَ مِنْهَا ثُمَّ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ الَّتِي لَمْ يُصَلِّهَا قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ صَلَاةِ نُذُرٍ أَوْ صِيَامٍ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْوَاجِبِ قَبْلَ النَّفْلِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَيْضًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ فِي الَّذِي يُدْرِكُ الْإِمَامَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ إِنَّهُ يَدْخُلُ معهم ويصلي بِصَلَاتِهِمْ فَإِذَا فَرَغَ صَلَّى الْعِشَاءَ قَالَ وَإِنَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ مَكَانًا طَاهِرًا فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ لِيَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الْقِيَامِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَيَجِيءُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُدَ فِيمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى أَهْلُهُ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مثل
قَوْلِ اللَّيْثِ فِيمَنْ أَدْرَكَ الْقَوْمَ فِي قِيَامِ رَمَضَانِ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوتِرَ مَعَهُمْ وَإِنْ أَوْتَرْ مَعَهُمْ لَزِمَهُ إِعَادَةُ الْوِتْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَوِتْرُهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كَلَا وِتْرٍ لِأَنَّهُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الرُّوحِ وَالنَّفْسِ هَلْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ أَوْ شَيْئَانِ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَجَاءَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَوْلُ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الرُّوحُ والنفس شيء واحد ومن حجتهم قوله اللَّهِ ﷿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمَا قَالَا تُقْبَضُ أَرْوَاحُ الْأَمْوَاتِ إِذَا مَاتُوا وَأَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ إِذَا نَامُوا تَتَعَارَفُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتَعَارَفَ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ذَكَرَهُ بَقِيُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَذَكَرَهُ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى بْنِ رَجَاءٍ عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْنَى حَدِيثِهِمَا وَاحِدٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ شيء
وَاحِدٌ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْآيَةَ وَقَدْ جَاءَتْ بِلَفْظِ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَقَالُوا يَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ كَمَا رَأَيْتَ وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ النَّفْسَ وَالرُّوحَ سَوَاءٌ وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى بِلَالٍ قَوْلَهُ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يُشِيرَانِ إِلَى مَعْنَى وَاحِدٍ بِلَفْظِ النَّفْسِ مَرَّةً وَبِلَفْظِ الرُّوحِ أُخْرَى وَقَالَ آخَرُونَ النَّفْسُ غَيْرُ الرُّوحِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّفْسَ مُخَاطَبَةٌ مَنْهِيَّةٌ مَأْمُورَةٌ وَاسْتَدَلُّوا بقول الله ﷿ يا أيتها النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً الآية وقوله أن تقول نفس يا حسرتى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ قَالُوا وَالرُّوحُ لَمْ تُخَاطَبْ وَلَمْ تُؤْمَرْ وَلَمْ تُنْهَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَلْحَقْهَا شَيْءٌ مِنَ التَّوْبِيخِ كَمَا لَحِقَ النَّفْسَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿