- أَعْقَابِهِمْ
- ( بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْقَافِ ) ( عَقَبَ ) ( هـ ) فِيهِ مَنْ عَقَّبَ فِي صَلَاةٍ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ أَيْ : أَقَامَ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ مَا يَفْرُغُ مِنَ الصَّلَاةِ . يُقَالُ : صَلَّى الْقَوْمُ وَعَقَّبَ فُلَانٌ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : وَالتَّعْقِيبُ فِي الْمَسَاجِدِ بِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : مَا كَانَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ عُقَبًا أَيْ : تُصَلِّي طَائِفَةٌ بَعْدَ طَائِفَةٍ ، فَهُمْ يَتَعَاقَبُونَهَا تَعَاقُبَ الْغُزَاةِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : وَأَنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ يَعْقُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَيْ : يَكُونُ الْغَزْوُ بَيْنَهُمْ نُوَبًا ، فَإِذَا خَرَجَتْ طَائِفَةٌ ثُمَّ عَادَتْ لَمْ تُكَلَّفْ أَنْ تَعُودَ ثَانِيَةً حَتَّى تَعْقُبَهَا أُخْرَى غَيْرُهَا . ( هـ س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يُعَقِّبُ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ " . ( هـ ) وَحَدِيثُ أَنَسٍ " أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّعْقِيبِ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْبُيُوتِ " التَّعْقِيبُ : هُوَ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلًا ثُمَّ تَعُودَ فِيهِ ، وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا : صَلَاةَ النَّافِلَةِ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ ، فَكَرِهَ أَنْ يُصَلُّوا فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ : مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ : ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً ، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً ، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً ؛ سُمِّيَتْ مُعَقِّبَاتٍ لِأَنَّهَا عَادَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ، أَوْ لِأَنَّهَا تُقَالُ عَقِيبَ الصَّلَاةِ . وَالْمُعَقِّبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ : مَا جَاءَ عَقِيبَ مَا قَبْلَهُ . [3/268] ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَكَانَ النَّاضِحُ يَعْتَقِبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ أَيْ : يَتَعَاقَبُونَهُ فِي الرُّكُوبِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ . يُقَالُ : دَارَتْ عُقْبَةُ فُلَانٍ : أَيْ جَاءَتْ نَوْبَتُهُ وَوَقْتُ رُكُوبِهِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " كَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَعْتَقِبُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا " أَيْ : يَتَنَاوَبُونَهُ فِي الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ شُرَيْحٍ " أَنَّهُ أَبْطَلَ النَّفْحَ إِلَّا أَنْ تَضْرِبَ فَتُعَاقِبُ " أَيْ : أَبْطَلَ نَفْحَ الدَّابَّةِ بِرِجْلِهَا إِلَّا أَنْ تُتْبِعَ ذَلِكَ رَمْحًا . * وَفِي أَسْمَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " الْعَاقِبُ " هُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْعَاقِبُ وَالْعَقُوبُ : الَّذِي يَخْلُفُ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ فِي الْخَيْرِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ نَصَارَى نَجْرَانَ " جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ " هُمَا مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَأَصْحَابِ مَرَاتِبِهِمْ . وَالْعَاقِبُ يَتْلُو السَّيِّدَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : " أَنَّهُ سَافَرَ فِي عَقِبِ رَمَضَانَ " أَيْ : فِي آخِرِهِ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ . يُقَالُ : جَاءَ عَلَى عَقِبِ الشَّهْرِ وَفِي عَقِبِهِ إِذَا جَاءَ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ أَيَّامٌ إِلَى الْعَشَرَةِ . وَجَاءَ فِي عُقْبِ الشَّهْرِ وَعَلَى عُقْبِهِ إِذَا جَاءَ بَعْدَ تَمَامِهِ . * وَفِيهِ لَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ أَيْ : إِلَى حَالَتِهِمُ الْأُولَى مِنْ تَرْكِ الْهِجْرَةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : مَا زَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، أَيْ : رَاجِعِينَ إِلَى الْكُفْرِ ، كَأَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَى وَرَائِهِمْ . ( هـ ) وَفِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ هُوَ أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْإِقْعَاءَ . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَتْرُكَ عَقِبَيْهِ غَيْرَ مَغْسُولَيْنِ فِي الْوُضُوءِ . [3/269] ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : وَيْلٌ لِلْعَقِبِ مِنَ النَّارِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : لِلْأَعْقَابِ ، وَخَصَّ الْعَقِبَ بِالْعَذَابِ ؛ لِأَنَّهُ الْعُضْوُ الَّذِي لَمْ يُغْسَلْ . وَقِيلَ : أَرَادَ صَاحِبَ الْعَقِبِ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَسْتَقْصُونَ غَسْلَ أَرْجُلِهِمْ فِي الْوُضُوءِ . وَيُقَالُ فِيهِ : عَقِبٌ وَعَقْبٌ . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّ نَعْلَهُ كَانَتْ مُعَقَّبَةً مُخَصَّرَةً ، الْمُعَقَّبَةُ : الَّتِي لَهَا عَقِبٌ . ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ بَعَثَ أُمَّ سُلَيْمٍ لِتَنْظُرَ لَهُ امْرَأَةً فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى عَقِبَيْهَا أَوْ عُرْقُوبَيْهَا قِيلَ : لِأَنَّهُ إِذَا اسْوَدَّ عَقِبَاهَا اسْوَدَّ سَائِرُ جَسَدِهَا . * وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ اسْمُ رَايَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعُقَابُ ، وَهِيَ الْعَلَمُ الضَّخْمُ . * وَفِي حَدِيثِ الضِّيَافَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ أَيْ : يَأْخُذَ مِنْهُمْ عِوَضًا عَمَّا حَرَمُوهُ مِنَ الْقِرَى . وَهَذَا فِي الْمُضْطَرِّ الَّذِي لَا يَجِدُ طَعَامًا وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ . يُقَالُ : عَقَّبَهُمْ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا ، وَأَعْقَبَهُمْ إِذَا أَخَذَ مِنْهُمْ عُقْبَى وَعُقْبَةً ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَدَلًا عَمَّا فَاتَهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : سَأُعْطِيكَ مِنْهَا عُقْبَى ، أَيْ : بَدَلًا عَنِ الْإِبْقَاءِ وَالْإِطْلَاقِ . ( س ) وَفِيهِ مَنْ مَشَى عَنْ دَابَّتِهِ عُقْبَةً فَلَهُ كَذَا أَيْ شَوْطًا . [ هـ ] وَفِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ بَدْرٍ " كُنْتُ مَرَّةً نُشْبَةً فَأَنَا الْيَوْمَ عُقْبَةٌ " أَيْ : كُنْتُ إِذَا نَشِبْتُ بِإِنْسَانٍ وَعَلِقْتُ بِهِ لَقِيَ مِنِّي شَرًّا ، فَقَدْ أَعْقَبْتُ الْيَوْمَ مِنْهُ ضَعْفًا . ( س ) وَفِيهِ " مَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحْمَدَ عُقْبَانًا " أَيْ : عَاقِبَةً . * وَفِيهِ " أَنَّهُ مَضَغَ عَقَبًا وَهُوَ صَائِمٌ " هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ : الْعَصَبُ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ النَّخَعِيِّ " الْمُعْتَقِبُ ضَامِنٌ لِمَا اعْتَقَبَ " الِاعْتِقَابُ : الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنَ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَتْلَفَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ .
- حُرٌّ
- ( حَرَرَ ) * فِيهِ مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ عِدْلُ مُحَرَّرٍ أَيْ أَجْرُ مُعْتَقٍ . الْمُحَرَّرُ : الَّذِي جُعِلَ مِنَ الْعَبِيدِ حُرًّا فَأُعْتِقَ . يُقَالُ : حَرَّ الْعَبْدُ يَحَرُّ حَرَارًا بِالْفَتْحِ : أَيْ صَارَ حُرًّا . [1/363] * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْمُحَرَّرُ " أَيِ الْمُعْتَقُ . * وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ شِرَارُكُمُ الَّذِينَ لَا يُعْتَقُ مُحَرَّرُهُمْ أَيْ أَنَّهُمْ إِذَا أَعَتَقُوهُ اسْتَخْدَمُوهُ ، فَإِذَا أَرَادَ فِرَاقَهُمُ ادَّعَوْا رِقَّهُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ : حَاجَتِي عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا جَاءَهُ شَيْءٌ لَمْ يَبْدَأْ بِأَوَّلَ مِنْهُمْ أَرَادَ بِالْمُحَرَّرِينَ الْمَوَالِيَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا دِيوَانَ لَهُمْ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي جُمْلَةِ مَوَالِيهِمْ ، وَالدِّيوَانُ إِنَّمَا كَانَ فِي بَنِي هَاشِمٍ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْإِيمَانِ . وَكَانَ هَؤُلَاءِ مُؤَخَّرِينَ فِي الذِّكْرِ ، فَذَكَرَهُمُ ابْنُ عُمَرَ ، وَتَشَفَّعَ فِي تَقْدِيمِ أُعْطِيَاتِهِمْ ، لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَعْفِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ ، وَتَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " أَفَمِنْكُمْ عَوْفٌ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ : لَا حُرَّ بِوَادِي عَوْفٍ ؟ قَالَ لَا " هُوَ عَوْفُ بْنُ مُحَلِّمِ بْنِ ذُهْلٍ الشَّيْبَانِيِّ ، كَانَ يُقَالُ لَهُ ذَلِكَ لِشَرَفِهِ وَعِزِّهِ ، وَأَنَّ مَنْ حَلَّ وَادِيَهُ مِنَ النَّاسِ كَانَ لَهُ كَالْعَبِيدِ وَالْخَوَلِ . وَالْحُرُّ : أَحَدُ الْأَحْرَارِ ، وَالْأُنْثَى حُرَّةٌ ، وَجَمْعُهَا حَرَائِرُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " قَالَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي كُنَّ يَخْرُجْنَ إِلَى الْمَسْجِدِ : لَأَرُدَّنَّكُنَّ حَرَائِرَ " أَيْ لَأُلْزِمَنَّكُنَّ الْبُيُوتَ فَلَا تَخْرُجْنَ إِلَى الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّ الْحِجَابَ إِنَّمَا ضُرِبَ عَلَى الْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ " أَنَّهُ بَاعَ مُعْتَقًا فِي حَرَارِهِ " الْحَرَارُ بِالْفَتْحِ : مَصْدَرٌ ، مِنْ حَرَّ يَحَرُّ إِذَا صَارَ حُرًّا . وَالِاسْمُ الْحُرِّيَّةُ . وَفِي قَصِيدِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ : قَنْوَاءُ فِي حُرَّتَيْهَا لِلْبَصِيرِ بِهَا عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الْخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ أَرَادَ بِالْحُرَّتَيْنِ : الْأُذُنَيْنِ ، كَأَنَّهُ نَسَبَهُمَا إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَكَرَمِ الْأَصْلِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ لَفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : لَوْ أَتَيْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتِهِ خَادِمًا يَقِيكِ حَرَّ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ وَفِي رِوَايَةٍ حَارَّ مَا أَنْتِ فِيهِ يَعْنِي التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ [1/364] مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ ، لِأَنَّ الْحَرَارَةَ مَقْرُونَةٌ بِهِمَا ، كَمَا أَنَّ الْبَرْدَ مَقْرُونٌ بِالرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ . وَالْحَارُّ : الشَّاقُّ الْمُتْعِبُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " قَالَ لِأَبِيهِ لَمَّا أَمَرَهُ بِجَلْدِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا " أَيْ وَلِّ الْجَلْدَ مَنْ يَلْزَمُ الْوَلِيدَ أَمْرُهُ وَيَعْنِيهِ شَأْنُهُ . وَالْقَارُّ ضِدُ الْحَارِّ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ " حَتَّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنَ الْحَرِّ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي " يُرِيدُ حُرْقَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْوَجَعِ وَالْغَيْظِ وَالْمَشَقَّةِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ الْمُهَاجِرِ " لَمَّا نُعِيَ عُمَرُ قَالَتْ : وَاحَرَّاهُ ، فَقَالَ الْغُلَامُ : حَرٌّ انْتَشَرَ فَمَلَأَ الْبَشَرَ . " ( س ) وَفِيهِ فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ الْحَرَّى : فَعْلَى مِنَ الْحَرِّ ، وَهِيَ تَأْنِيثُ حَرَّانَ ، وَهُمَا لِلْمُبَالَغَةِ ، يُرِيدُ أَنَّهَا لِشِدَّةِ حَرِّهَا قَدْ عَطِشَتْ وَيَبِسَتْ مِنَ الْعَطَشِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ فِي سَقْيِ كُلِّ ذِي كَبِدٍ حَرَّى أَجْرًا . وَقِيلَ : أَرَادَ بَالْكَبِدِ الْحَرَّى حَيَاةَ صَاحِبِهَا ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَكُونُ كَبِدُهُ حَرَّى إِذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ ، يَعْنِي فِي سَقْيِ كُلِّ ذِي رُوحٍ مِنَ الْحَيَوَانِ . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي كُلِّ كَبِدٍ حَارَّةٍ أَجْرٌ . ( س ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَا دَخَلَ جَوْفِي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ حَرَّانِ كَبِدٍ وَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَنَّهُ نَهَى مُضَارِبَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِهِ ذَا كَبِدٍ رَطْبَةٍ " . ( س ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّى رَطْبَةٍ أَجْرٌ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ضَعْفٌ . فَأَمَّا مَعْنَى رَطْبَةٍ فَقِيلَ : إِنَّ الْكَبِدَ إِذَا ظَمِئَتْ تَرَطَّبَتْ . وَكَذَا إِذَا أُلْقِيَتْ عَلَى النَّارِ . وَقِيلَ كَنَّى بِالرُّطُوبَةِ عَنِ الْحَيَاةِ ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَابِسُ الْكَبِدِ . وَقِيلَ وَصَفَهَا بِمَا يَؤُولُ أَمْرُهَا إِلَيْهِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَجَمْعِ الْقُرْآنِ " إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَيِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ ، وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْحَرِّ : الشِّدَّةِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " حَمِسَ الْوَغَا وَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ " . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ صِفِّينَ " إِنَّ مُعَاوِيَةَ زَادَ أَصْحَابَهُ فِي بَعْضِ أَيَّامِ صِفِّينَ خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ ، [1/365] فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يَقُولُونَ : لَا خَمْسَ إِلَّا جَنْدَلُ الْإِحَرِّينَ " هَكَذَا رَوَاهُ الْهَرَوِيُّ . وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ : أَنَّ حَبَّةَ الْعُرَنِيَّ قَالَ : شَهِدْنَا مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ ، فَقَسَّمَ مَا فِي الْعَسْكَرِ بَيْنَنَا ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا خَمْسَمِائَةٍ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَوْمَ صِفِّينَ : قُلْتُ لِنَفْسِي السُّوءِ لَا تَفِرِّينْ لَا خَمْسَ إِلَّا جَنْدَلُ الْإِحَرِّينْ قَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ : لَا خِمْسَ ، بِكَسْرِ الْخَاءِ ، مِنْ وِرْدِ الْإِبِلِ ، وَالْفَتْحُ أَشْبَهُ بِالْحَدِيثِ . وَمَعْنَاهُ : لَيْسَ لَكَ الْيَوْمَ إِلَّا الْحِجَارَةُ وَالْخَيْبَةَ . وَالْإِحَرِّينَ : جَمَعَ الْحَرَّةَ ، وَهِيَ الْأَرْضُ ذَاتُ الْحِجَارَةِ السُّودِ ، وَتُجْمَعُ عَلَى حَرٍّ ، وَحِرَارٍ ، وَحَرَّاتٍ ، وَحَرِّينَ ، وَإِحَرِّينَ وَهُوَ مِنَ الْجُمُوعِ النَّادِرَةِ كَثُبِينَ وَقُلِينَ ، فِي جَمْعِ ثُبَةٍ وَقُلَةٍ ، وَزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ فِي أَوَّلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَرَكَةِ فِي أَرَضِينَ ، وَتَغْيِيرِ أَوَّلِ سِنِينَ . وَقِيلَ : إِنَّ وَاحِدَ إِحَرِّينَ : إِحَرَّةٌ . * وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَتْ زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعِي لَا تُفَارِقُنِي حَتَّى ذَهَبَتْ مِنِّي يَوْمَ الْحَرَّةِ قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْحَرَّةِ وَيَوْمِهَا فِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يَوْمٌ مَشْهُورٌ فِي الْإِسْلَامِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، لَمَّا انْتَهَبَ الْمَدِينَةَ عَسْكَرُهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ نَدَبَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، وَعُقَيْبَهَا هَلَكَ يَزِيدُ . وَالْحَرَّةُ هَذِهِ : أَرْضٌ بِظَاهِرِ الْمَدِينَةِ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ كَثِيرَةٌ ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ بِهَا . ( س ) وَفِيهِ إِنَّ رَجُلًا لَطَمَ وَجْهَ جَارِيَةٍ ، فَقَالَ لَهُ : أَعَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّا حُرُّ وَجْهِهَا حُرُّ الْوَجْهِ : مَا أَقْبَلَ عَلَيْكَ وَبَدَا لَكَ مِنْهُ . وَحُرُّ كُلِّ أَرْضٍ وَدَارٍ : وَسَطُهَا وَأَطْيَبُهَا . وَحُرُّ الْبَقْلِ وَالْفَاكِهَةِ وَالطِّينِ جَيِّدُهَا . [ هـ ] وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَا رَأَيْتُ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْحَسَنِ ، إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَحَرَّ حُسْنًا مِنْهُ يَعْنِي أَرَقَّ مِنْهُ رِقَّةَ حُسْنٍ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " ذُرِّي وَأَنَا أَحِرُّ لَكَ " يَقُولُ ذُرِّي الدَّقِيقَ لِأَتَّخِذَ لَكِ مِنْهُ حَرِيرَةً . وَالْحَرِيرَةُ : الْحَسَا الْمَطْبُوخُ مِنَ الدَّقِيقِ وَالدَّسَمِ وَالْمَاءِ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْحَرِيرَةِ فِي أَحَادِيثِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَدْوِيَةِ . [1/366] * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - " وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ قَضَاءِ صَلَاةِ الْحَائِضِ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ " الْحَرُورِيَّةُ : طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ نُسِبُوا إِلَى حَرُورَاءَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْكُوفَةِ ، كَانَ أَوَّلَ مُجْتَمَعِهِمْ وَتَحْكِيمِهِمْ فِيهَا ، وَهُمْ أَحَدُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ . وَكَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ التَّشَدُّدِ فِي الدِّينِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ ، فَلَمَّا رَأَتْ عَائِشَةُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تُشَدِّدُ فِي أَمْرِ الْحَيْضِ شَبَّهَتْهَا بِالْحَرُورِيَّةِ وَتَشَدُّدِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ ، وَكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ بِهَا . وَقِيلَ أَرَادَتْ أَنَّهَا خَالَفَتِ السُّنَّةَ وَخَرَجَتْ عَنِ الْجَمَاعَةِ كَمَا خَرَجُوا عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْحَرُورِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ يُسْتَحَلُّ الْحِرُ وَالْحَرِيرُ هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى فِي حَرْفِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ ، وَقَالَ : الْحِرُ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ : الْفَرْجُ ، وَأَصْلُهُ حِرْحٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَجَمْعُهُ أَحْرَاحٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَشَدِّدُ الرَّاءَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَعَلَى التَّخْفِيفِ يَكُونُ فِي حَرَحٍ ، لَا فِي حَرَرٍ . وَالْمَشْهُورُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْإِبْرَيْسِمِ مَعْرُوفٌ ، وَكَذَا جَاءَ فِي كِتَابَيِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ ، وَلَعَلَّهُ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أَبُو مُوسَى ، وَهُوَ حَافِظٌ عَارِفٌ بِمَا رَوَى وَشَرَحَ ، فَلَا يُتَّهَمُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
- عَالَةً
- ( عَيَلَ ) ( هـ ) فِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْعَائِلَ الْمُخْتَالَ الْعَائِلُ : الْفَقِيرُ . وَقَدْ عَالَ يَعِيلُ عَيْلَةً ، إِذَا افْتَقَرَ . [3/331] ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ صِلَةَ " أَمَّا أَنَا فَلَا أَعِيلُ فِيهَا " أَيْ : لَا أَفْتَقِرُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مَا عَالَ مُقْتَصِدٌ وَلَا يَعِيلُ " . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِيمَانِ : وَتَرَى الْعَالَةَ رُءُوسَ النَّاسِ ، الْعَالَةُ : الْفُقَرَاءُ ، جَمْعُ عَائِلٍ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَعْدٍ : خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ . ( هـ ) وَفِيهِ : إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيْلًا ، هُوَ عَرْضُكَ حَدِيثَكَ وَكَلَامَكَ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ ، وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ . يُقَالُ : عِلْتُ الضَّالَّةَ أَعِيلُ عَيْلًا ، إِذَا لَمْ تَدْرِ أَيَّ جِهَةٍ تَبْغِيهَا ، كَأَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ لِمَنْ يَطْلُبُ كَلَامَهُ فَعَرَضَهُ عَلَى مَنْ لَا يُرِيدُهُ .
- فَالشَّطْرُ
- ( شَطَرَ ) * فِيهِ أَنَّ سَعْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ قَالَ : لَا ، قَالَ : الشَّطْرَ ، قَالَ : لَا ، قَالَ : الثُّلُثَ ، فَقَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ الشَّطْرُ : النِّصْفُ ، وَنَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ : أَيْ أَهَبُ الشَّطْرَ ، وَكَذَلِكَ الثُّلُثَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ قِيلَ هُوَ أَنْ يَقُولَ : اقْ ، فِي اقْتُلْ ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَفَى بِالسَّيْفِ شَا يُرِيدُ شَاهِدًا . ( س ) وَمِنْهُ أَنَّهُ رَهَنَ دِرْعَهُ بِشَطْرٍ مِنْ شَعِيرٍ قِيلَ أَرَادَ نِصْفَ مَكُّوكٍ . وَقِيلَ أَرَادَ نِصْفَ وَسْقٍ . يُقَالُ : شَطْرٌ وَشَطِيرٌ ، مِثْلَ نِصْفٍ وَنَصِيفٍ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ يُطَهِّرُ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ ، وَالطَّهُورَ يُطَهِّرُ نَجَاسَةَ الظَّاهِرِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ كَانَ عِنْدَنَا شَطْرٌ مِنْ شَعِيرٍ . ( هـ س ) وَفِي حَدِيثِ مَانِعِ الزَّكَاةِ إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا قَالَ الْحَرْبِيُّ : غَلِطَ [ بَهْزٌ ] الرَّاوِي فِي لَفْظِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَشُطِّرَ مَالُهُ أَيْ يُجْعَلُ مَالُهُ شَطْرَيْنِ وَيَتَخَيَّرُ عَلَيْهِ الْمُصَّدِّقُ فَيَأْخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ خَيْرِ النِّصْفَيْنِ عُقُوبَةً لِمَنْعِهِ الزَّكَاةَ ، فَأَمَّا مَا لَا تَلْزَمُهُ فَلَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِ الْحَرْبِيِّ : لَا أَعْرِفُ هَذَا الْوَجْهَ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنَّ الْحَقَّ مُسْتَوْفًى مِنْهُ غَيْرُ مَتْرُوكٍ [2/474] عَلَيْهِ وَإِنْ تَلِفَ شَطْرُ مَالِهِ ، كَرَجُلٍ كَانَ لَهُ أَلْفُ شَاةٍ مَثَلًا فَتَلِفَتْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا عِشْرُونَ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَشْرُ شِيَاهٍ لِصَدَقَةِ الْأَلْفِ وَهُوَ شَطْرُ مَالِهِ الْبَاقِي . وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّا آخِذُوا شَطْرَ مَالِهِ . وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ يَقَعُ بَعْضُ الْعُقُوبَاتِ فِي الْأَمْوَالِ ، ثُمَّ نُسِخَ ، كَقَوْلِهِ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ : مَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ . وَكَقَوْلِهِ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ الْمَكْتُومَةِ : غَرَامَتُهَا وَمِثْلُهَا مَعَهَا . وَكَانَ عُمَرُ يَحْكُمُ بِهِ ، فَغَرَّمَ حَاطِبًا ضِعْفَ ثَمَنِ نَاقَةِ الْمُزَنِيِّ لَمَّا سَرَقَهَا رَقِيقُهُ وَنَحَرُوهَا . وَلَهُ فِي الْحَدِيثِ نَظَائِرُ . وَقَدْ أَخَذَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَعَمِلَ بِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : مَنْ مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَأُخِذَ شَطْرُ مَالِهِ عُقُوبَةً عَلَى مَنْعِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا الزَّكَاةُ لَا غَيْرَ . وَجَعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخًا . وَقَالَ : كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي الْمَالِ ثُمَّ نُسِخَتْ . وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنْ لَا وَاجِبَ عَلَى مُتْلِفِ الشَّيْءِ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الْأَحْنَفِ قَالَ لِعَلِيٍّ وَقْتَ التَّحْكِيمِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنِّي قَدْ عَجَمْتُ الرَّجُلَ وَحَلَبْتُ أَشْطُرَهُ ، فَوَجَدْتُهُ قَرِيبَ الْقَعْرِ كَلِيلَ الْمُدْيَةِ ، وَإِنَّكَ قَدْ رُمِيتَ بِحَجَرِ الْأَرْضِ الْأَشْطُرُ : جَمْعُ شَطْرٍ وَهُوَ خِلْفُ النَّاقَةِ . وَلِلنَّاقَةِ أَرْبَعَةُ أَخْلَافٍ كُلُّ خِلْفَيْنِ مِنْهَا شَطْرٌ ، وَجُعِلَ الْأَشْطُرَ مَوْضِعَ الشَّطْرَيْنِ كَمَا تُجْعَلُ الْحَوَاجِبُ مَوْضِعَ الْحَاجِبَيْنِ . يُقَالُ : حَلَبَ فُلَانٌ الدَّهْرَ أَشْطُرَهُ : أَيِ اخْتَبَرَ ضُرُوبَهُ مِنْ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، تَشْبِيهًا بِحَلْبِ جَمِيعِ أَخْلَافِ النَّاقَةِ مَا كَانَ مِنْهَا حَفِلًا وَغَيْرَ حَفِلٍ ، وَدَارًّا وَغَيْرَ دَارٍّ . وَأَرَادَ بِالرَّجُلَيْنِ الْحَكَمَيْنِ : الْأَوَّلُ أَبُو مُوسَى ، وَالثَّانِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ أَحَدُهُمَا شَطِيرٌ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ شَهَادَةَ الْآخَرِ الشَّطِيرُ : الْغَرِيبُ ، وَجَمْعُهُ شُطُرٌ . يَعْنِي لَوْ شَهِدَ لَهُ قَرِيبٌ مِنْ أَبٍ أَوِ ابْنٍ أَوْ أَخٍ وَمَعَهُ أَجْنَبِيٌّ صَحَّحَتْ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيِّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ ، فَجَعَلَ ذَلِكَ حَمْلًا لَهُ . وَلَعَلَّ هَذَا مَذْهَبٌ لِلْقَاسِمِ ، وَإِلَّا فَشَهَادَةُ الْأَبِ وَالِابْنِ لَا تُقْبِلُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ قَتَادَةَ شَهَادَةُ الْأَخِ إِذَا كَانَ مَعَهُ شَطِيرٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَكَذَا هَذَا ؛ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ شَهَادَةِ الْغَرِيبِ مَعَ الْأَخِ أَوِ الْقَرِيبِ ، فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ .
- يَتَكَفَّفُونَ
- ( كَفَفَ ) * فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ : " كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ " هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَحَلِّ قَبُولِ الصَّدَقَةِ ، فَكَأَنَّ الْمُتَصَدِّقَ قَدْ وَضَعَ صَدَقَتَهُ فِي مَحَلِّ الْقَبُولِ وَالْإِثَابَةِ ، وَإِلَّا فَلَا [4/190] كَفَّ لِلَّهِ وَلَا جَارِحَةَ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُشَبِّهُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ : إِنَّ اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ [ خَلْقَهُ ] الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَ عُمَرُ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ : " الْكَفِّ وَالْحَفْنَةِ وَالْيَدِ " فِي الْحَدِيثِ ، وَكُلُّهَا تَمْثِيلٌ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ ، يُقَالُ : اسْتَكَفَّ وَتَكَفَّفَ : إِذَا أَخَذَ بِبَطْنِ كَفِّهِ ، أَوْ سَأَلَ كَفًّا مِنَ الطَّعَامِ أَوْ مَا يَكُفُّ الْجُوعَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أَنَّهُ قَالَ لِسَعْدٍ : خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، أَيْ : يَمُدُّونَ أَكُفَّهُمْ إِلَيْهِمْ يَسْأَلُونَهُمْ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الرُّؤْيَا : " كَأَنَّ ظُلَّةً تَنْطُفُ عَسَلًا وَسَمْنًا ، وَكَأَنَّ النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَهُ " . ( س ) وَفِيهِ : الْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ كَالْمُسْتَكِفِّ بِالصَّدَقَةِ ، أَيِ : الْبَاسِطِ يَدَهُ يُعْطِيهَا ، مِنْ قَوْلِهِمُ : اسْتَكَفَّ بِهِ النَّاسُ ، إِذَا أَحْدَقُوا بِهِ ، وَاسْتَكَفُّوا حَوْلَهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ كَفَافِ الثَّوْبِ ، وَهِيَ طُرَّتُهُ وَحَوَاشِيهِ وَأَطْرَافُهُ ، أَوْ مِنَ الْكِفَّةِ بِالْكَسْرِ ، وَهُوَ مَا اسْتَدَارَ كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ رُقَيْقَةَ : " وَاسْتَكَفُّوا جَنَابَيْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " أَيْ : أَحَاطُوا بِهِ وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ . ( س ) وَفِيهِ : أُمِرْتُ أَلَّا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا ، يَعْنِي : فِي الصَّلَاةِ . يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَنْعِ ؛ أَيْ : لَا أَمْنَعُهُمَا مِنَ الِاسْتِرْسَالِ حَالَ السُّجُودِ لِيَقَعَا عَلَى الْأَرْضِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْجَمْعِ ؛ أَيْ : لَا يَجْمَعُهُمَا وَيَضُمُّهُمَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : الْمُؤْمِنُ ، أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ " أَيْ : يَجْمَعُ عَلَيْهِ مَعِيشَتَهُ وَيَضُمُّهَا إِلَيْهِ . [4/191] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " يَكُفُّ مَاءَ وَجْهِهِ " أَيْ : يَصُونُهُ وَيَجْمَعُهُ عَنْ بَذْلِ السُّؤَالِ ، وَأَصْلُهُ الْمَنْعُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ : " كُفِّي رَأْسِي " أَيِ : اجْمَعِيهِ وَضُمِّي أَطْرَافَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : " كُفِّي عَنْ رَأْسِي " أَيْ : دَعِيهِ وَاتْرُكِي مَشْطَهُ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِيهِ : إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً ، أَيْ : مُشْرَجَةً عَلَى مَا فِيهَا مُقْفَلَةً ، ضَرَبَهَا مَثَلًا لِلصُّدُورِ ، وَأَنَّهَا نَقِيَّةٌ مِنَ الْغِلِّ وَالْغِشِّ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ مَكَفُوفًا ، كَمَا تُكَفُّ الْعَيْبَةُ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاعِ ، يُرِيدُ أَنَّ الذُّحُولَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى أَلَّا يَنْشُرُوهَا ، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوهَا فِي وِعَاءٍ وَأَشْرَجُوا عَلَيْهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : " وَدِدْتُ أَنِّي سَلِمْتُ مِنَ الْخِلَافَةِ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي " الْكَفَافُ : هُوَ الَّذِي لَا يَفْضُلُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَيَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ مَكْفُوفًا عَنِّي شَرُّهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَلَّا تَنَالَ مِنِّي وَلَا أَنَالَ مِنْهَا ؛ أَيْ : تَكُفُّ عَنِّي وَأَكُفُّ عَنْهَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ : ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ ؛ أَيْ : إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ كَفَافٌ لَمْ تُلَمْ عَلَى أَلَّا تُعْطِيَ أَحَدًا . ( س ) وَفِيهِ : لَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ ، أَيِ : الَّذِي عُمِلَ عَلَى ذَيْلِهِ وَأَكْمَامِهِ وَجَيْبِهِ كَفَافٌ مِنْ حَرِيرٍ ، وَكُفَّةُ كُلِّ شَيْءٍ بِالضَّمِّ : طُرَّتُهُ وَحَاشِيَتُهُ ، وَكُلُّ مُسْتَطِيلٍ : كُفَّةٌ ، كَكُفَّةِ الثَّوْبِ ، وَكُلُّ مُسْتَدِيرٍ : كِفَّةٌ ، بِالْكَسْرِ ، كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ يَصِفُ السَّحَابَ : " وَالْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ " أَيْ : فِي حَوَاشِيهِ . * وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ : " إِذَا غَشِيَكُمُ اللَّيْلُ فَاجْعَلُوا الرِّمَاحَ كُفَّةً " أَيْ : فِي حَوَاشِي الْعَسْكَرِ وَأَطْرَافِهِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ : " قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إِنَّ بِرِجْلِي شُقَاقًا ، فَقَالَ : اكْفُفْهُ بِخِرْقَةٍ " أَيِ : اعْصِبْهُ بِهَا ، وَاجْعَلْهَا حَوْلَهُ . [4/192] ( س ) وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ : " الْكِفَّةُ وَالشَّبَكَةُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ " الْكِفَّةُ - بِالْكَسْرِ - : حِبَالَةُ الصَّائِدِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ : فَتَلَقَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّةً كَفَّةً ، أَيْ : مُوَاجَهَةً ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ كَفَّ صَاحِبَهُ عَنْ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى غَيْرِهِ ؛ أَيْ : مَنَعَهُ ، وَالْكَفَّةُ : الْمَرَّةُ مِنَ الْكَفِّ ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْفَتْحِ .