HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٥٣٨

حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». تَابَعَهُ سُفْيَانُ، وَيَحْيَى، وَأَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص113
ج ١ ص ١١٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٤ ص٢٣٧
٥٣٨ - حدثنا عمر بن حفص بن غياث: ثنا أبي: ثنا الأعمش: ثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أبردوا بالظهر؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم» . تابعه: سفيان ويحيى وأبو عوانة، عن الأعمش. يعني: كلهم رووه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري. وقد خرجه البخاري في « بدء الخلق» عن الفريأبي، عن سفيان كذلك، ولفظه: «أبردوا بالصلاة» . إلا أن رواية حفص فيها تصريح الأعمش بسماعه له من أبي صالح، فأمن بذلك تدليسه له عنه. وإنما ذكر البخاري المتابعة لحفص على قوله؛ لأن عبد الرزاق والأشجعي روياه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله. وخرجه كذلك في « مسنده» في « مسند أبي هريرة»، ثم أتبعه بحديث أبي سعيد أنه هو الصواب. وكذلك حدث به عبد الرحمان بن عمر الأصبهاني – ويلقب: رسته -، عن ابن مهدي، عن سفيان، أملاه عليهم - قال أبي: من حفظه -، فأنكره عليه أبو زرعة، وقال: هو غلط؛ الناس يروونه عن أبي سعيد، فلما رجع رسته إلى بلده نظر في أصله فإذا هو عن أبي سعيد، فرجع عما أملاه، وكتب إلى أبي زرعة يعتذر عما وقع منه. وعامة روايات هذا الحديث من طرقه إنما فيها: «أبردوا بالصلاة» أو «عن الصلاة»، وليس في شيء منها في « الصحيح» ذكر « الظهر»، إلا في رواية أبي سعيد التي خرجها البخاري هاهنا. وفي أحاديث الباب كله؛ الأمر بالإبراد بالصلاة في اشتداد الحر. قال الخطأبي: قوله: «أبردوا بالصلاة» أي: تأخروا عنها مبردين، أي: داخلين في وقت البرد. قال: والمراد: كسر شدة [حر] الظهيرة؛ لأن فتور حرها بالإضافة إلى وهج الهاجرة برد، وليس المراد أن يؤخر إلى أحد بردي النهار، وهو برد العشي؛ إذ فيه الخروج من قول الأمة. قال: وفيح جهنم شدة استعارها، وأصله السعة والانتشار، وكانت العرب تقول في غاراتها: فيحي فياح. وقال غيره: الفيح سطوع الحر، يقال: فاحت القدر تفوح إذا غلت. وأماقول صاحب « الغريبين»: أبردوا بالظهر: صلوها في أول وقتها. وبرد النهار أوله. فهو خطأ، وتغيير للمعنى، وصلاة الظهر في أول وقتها في شدة الحر ليس إبرادًا، بل هو ضده، بخلاف أول النهار، كما في الحديث: «من صلى البردين دخل الجنة» . وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث: «الإبراد بالظهر في شدة الحر» فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها، وسواء كان يصلي جماعة أو وحده. وهذا قول كثير من أهل العلم، وذكر طائفة من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك، وذكر صاحب « المغني» من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي، ورجحه، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وحكاه الخطأبي عن أحمد ورجحه ابن المنذر، وحكاه عن أهل الرأي، وحكاه الترمذي في « جامعه» عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورجحه. ولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث، ومال إليه، والمنصوص عن الشافعي: أنه لا يستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة لمن يصلي جماعة في موضع يقصده الناس من بعد، كذا نص عليه في « الأم»، وعليه جمهور أصحابه. ولهم وجه: أنه لا يشترط البلاد الحارة، وحكوا قولًا للشافعي: أنه لا يشترط بعد المسجد، بل يبرد ولو كانت منازلهم قريبة منه. واشترط طائفة من أصحابنا للإبراد: أن تكون الصلاة في مسجد، قالوا: وسواء كان مما ينتابه الناس أو لا، وأن تكون البلدان حارة شديدة الحر أو متوسطة. ومنهم من اشترط مسجد الجماعة فقط. وكذلك قال ابن عبد الحكم وطائفة من المالكية العراقيين: أنه لا يبرد إلا بالصلاة في مساجد الجماعة دون من صلى منفردًا. وذكر القاضي إسماعيل، عن ابن أبي أويس، عن مالك، قال: بلغني أن عمر قال لأبي محذورة: إنك بأرض حارة، فأبرد، ثم أبرد، ثم ناد، فكأنني عندك. واختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر بالإبراد. فمنهم من قال: هو حصول الخشوع في الصلاة؛ فإن الصلاة في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، وكصلاة من يدافع الأخبثين، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة، وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة. ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بعد من المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تقصد من الأمكنة المتباعدة. ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم. وقد ثبت في « صحيح مسلم» من حديث عمرو بن عبسة، عن النبي - ﷺ -، قال: «الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر» . وفي « صحيحي ابن خزيمة وابن حبان» من حديث أبي هريرة - مرفوعًا، قال: «فإذا انتصف النهار فاقصر عن الصلاة حتى تميل الشمس؛ فإن حينئذ تسعر جهنم، وشدة الحر من فيح جهنم، فإذا مالت الشمس فالصلاة محضورة مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر» . وخرجه ابن ماجه، ولفظه: « فإذا كانت - يعني: الشمس – على رأسك كالرمح فدع الصلاة؛ فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم، وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة». وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها، فكما تمنع الصلاة وقت الزوال، فإنه يستحب تأخرها بعد الزوال حتى يبرد حرها ويزول شدة وهجها؛ فإنه إثر وقت غضب، والمصلي يناجي ربه، فينبغي أن يتحرى بصلاته أوقات الرضا والرحمة، ويجتنب أوقات السخط والعذاب، وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده وفي جماعة – أيضا. والأمر بالإبراد أمر ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. فإن شذ أحد من أهل الظاهر جريًا على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوبًا بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل. وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة، وأن تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفة من أصحاب الشافعي. والأحاديث الصحيحة ترده. وقد جعل مالك القول بترك الإبراد قول الخوارج. وأماحد الإبراد، فقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكون بين الفراغ من الصلاة وبين آخر وقت الصلاة فضل. وقال الشافعية: حقيقة الإبراد: أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت بقدر ما يحصل للحيطان فيء يمشي فيه طالب الجماعة، ولا يؤخر عن النصف الأول من الوقت. وحكى سفيان الثوري وإسحاق بن راهوية عن بعض العلماء، أنه إذا أخر الصلاة إلى نصف وقتها فلم يفرط، وإذا أخرها حتى كانت إلى وقت الصلاة الأخرى أقرب فقد فرط. ولعله يريد: أنه يكره ذلك، لا أنه يحرم. وأماصلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله. واستدل من لم ير استحباب الإبراد بحديث خباب بن الأرت: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - حر الرمضاء، فلم يشكنا، وقد ذكرناه في « باب: السجود على الثوب»، وذكرنا أن الصحيح في تفسيره: أنهم طلبوا منه تأخير الصلاة بالهاجرة، فلم يجبهم إلى ذلك، وأمرهم بالصلاة إذا زالت الشمس. وقد أجيب عنه بوجهين: أحدهما: أنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه. والثاني: أنه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم. واستدلا بحديث المغيرة بن شعبة، قال: كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الظهر بالهاجرة، فقال لنا: «أبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم» . خرجه الإمام أحمد وابن حبان في « صحيحه» وابن ماجه. وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي - ﷺ - أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم، فلم يجبهم. وهذا بعيد، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره. وأماقوله - ﷺ -: «اشتكت النار إلى ربها»، فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقًاحقيقيًا كما ينطق الأيدي والأرجل والجلود يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله - ﷺ -، وغير ذلك مما يسمع نطقه في الدنيا. ويشهد لذلك: ما خرجه الإمام أحمد والترمذي - وصححه -، من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: «يخرج عنق من النار يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين» . وقد روي عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -. خرجه الإمام أحمد - أيضا. وقيل: إن هذا الإسناد هو المحفوظ. وخرجه البزار بهذا الإسناد، ولفظ حديثه: «يخرج عنق من النار يتكلم بلسان طلق ذلق، لها عينان تبصر بهما، ولها لسان تتكلم به» - وذكر الحديث. وقوله: «فأشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير» - بمعنى: أنه من تنفس جهنم. وقد فسر ذلك الحسن بما يحصل منه للناس أذى من الحر والبرد. قال ابن عبد البر: أحسن ما قيل في معنى هذا الحديث: ما روي عن الحسن البصري - ﵀ -، قال: اشتكت النار إلى ربها، قالت: يارب، أكل بعضي بعضًا، فخفف عني. قال: فخفف عنها، وجعل لها كل عام نفسين، فما كان من برد يهلك شيئًا فهو من زمهريرها، وما كان من سموم يهلك شيئًا فهو من حرها. وقد جعل الله تعالى ما في الدنيا من شدة الحر والبرد مذكورًا بحر جهنم وبردها، ودليلًا عليها، ولهذا تستحب الاستعاذة منها عند وجود ذلك. كما روى عثمان الدارمي وغيره من رواية دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد - أو عن ابن حجيرة الأكبر، عن أبي هريرة، أو أحدهما - حدثه، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا كان يوم حار، فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشد حر هذا اليوم، اللهم أجرني من حر جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبيدي استجارني من حرك، وأنا أشهدك أني قد أجرته، وإذا كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم، اللهم أجرني من زمهرير جهنم، قال الله لجهنم: إن عبدًا من عبادي قد استعاذني من زمهريرك، فإني أشهدك أني قد أجرته» . قالوا: وما زمهرير جهنم؟ قال: «بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدة بردها» . ١٠ - باب الإبراد بالظهر في السفر
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج٢ ص١٨
٥٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقَالَ: أَبْرِدْ أَبْرِدْ - أَوْ قَالَ انْتَظِرْ انْتَظِرْ - وَقَالَ: شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ. [الحديث ٥٣٥ - أطرافه في ٣٢٥٨، ٦٢٩، ٥٣٩] قَوْله (عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ) الْمُهَاجِرُ اسْمٌ وَلَيْسَ بِوَصْفٍ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَمَا فِي الْعَبَّاسِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ. قَوْله (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ شُعْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ. قَوْلُهُ (أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ بِلَالٌ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. قَوْله (الظُهْرَ) بِالنَّصْبِ، أَيْ أَذَّنَ وَقْتَ الظُّهْرِ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالظُّهْرِ وَسَيَأْتِي بِلَفْظٍ: لِلظُّهْرِ، وَهُمَا وَاضِحَانِ. قَوْله (فَقَالَ أَبْرِدْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ وَقَعَ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْأَذَانِ مِنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِلَفْظٍ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُهْرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ الْأَذَانِ، فَيُجْمِعُ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ شَرَعَ فِي الْأَذَانِ فَقِيلَ لَهُ: أَبْرِدْ فَتَرَكَ، فَمَعْنَى أَذَّنَ: شَرَعَ فِي الْأَذَانِ، وَمَعْنَى أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ: أَيْ يُتِمَّ الْأَذَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله (حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ) كَذَا وَقَعَ هُنَا مُؤَخَّرًا عَنْ قَوْلِهِ شِدَّةُ الْحَرِّ إِلَخْ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَعَ ذَلِكَ عَقِبَ قَوْلِهِ أَبْرِدُوا وَهُوَ أَوْضَحُ فِي السِّيَاقِ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِبْرَادِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. ٥٣٧ - «وَاشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ» [الحديث ٥٣٧ - طرفه في: ٣٢٦٠] ٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال رسول الله ﷺ: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ [الحديث ٥٣٨ - طرفه في ٣٢٥٩] قَوْله (حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِلَفْظٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ. قَوْله (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ سُفْيَانَ عَنْهُ، وَرَوَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ وَحْدَهُ، وَالطَّرِيقَانِ مَحْفُوظَانِ، فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ، سِتَّتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْله (وَاشْتَكَتِ النَّارُ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قَالَ: وَاشْتَكَتِ النَّارُ وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ، وَوَهِمَ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا أَوْ مُعَلَّقًا. وَقَدْ أَفْرَدَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، وَكَذَلِكَ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّكْوَى هَلْ هِيَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ أَوْ بِلِسَانِ الْحَالِ؟ وَاخْتَارَ كُلًّا طَائِفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَنَظَائِرُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ، وَقَالَ عِيَاضٌ: إِنَّهُ الْأَظْهَرُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا إِحَالَةَ فِي حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. قَالَ: وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِأَمْرٍ جَائِزٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ التُّورِبِشْتِيُّ، وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ حَمْلَهُ عَلَى الْمَجَازِ فَقَالَ: شَكَوَاهَا مَجَازٌ عَنْ غَلَيَانِهَا، وَأَكْلُهَا بَعْضُهَا بَعْضًا مَجَازٌ عَنِ ازْدِحَامِ أَجْزَائِهَا، وَتَنَفُّسُهَا مَجَازٌ عَنْ خُرُوجِ مَا يَبْرُزُ مِنْهَا. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْمُخْتَارُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْقُدْرَةِ لِذَلِكَ، وَلِأَنَّ اسْتِعَارَةَ الْكَلَامِ لِلْحَالِ وَإِنْ عُهِدَتْ وَسُمِعَتْ، لَكِنَّ الشَّكْوَى وَتَفْسِيرَهَا وَالتَّعْلِيلَ لَهُ وَالْإِذْنَ وَالْقَبُولَ وَالتَّنَفُّسَ وَقَصْرَهُ عَلَى اثْنَيْنِ فَقَطْ بَعِيدٌ مِنَ الْمَجَازِ خَارِجٌ عَمَّا أُلِفَ مِنَ اسْتِعْمَالِهِ. قَوْلُهُ (بِنَفَسَيْنِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَالنَّفَسُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَوْفِ وَيَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْهَوَاءِ. قَوْله (نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا عَلَى الْبَدَلِ أَوِ الْبَيَانِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ. قَوْله (أَشُدُّ) يَجُوزُ الْكَسْرُ فِيهِ عَلَى الْبَدَلِ، لَكِنَّهُ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَذَلِكَ أَشَدُّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: جَعْلَ أَشَدَّ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الْخَبَرِ أَوْلَى، وَالتَّقْدِيرُ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ. قُلْتُ: يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظٍ فَهُوَ أَشَدُّ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ، وَفِي سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ، وَهُوَ مُرَتَّبٌ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ. وَالْمُرَادُ بِالزَّمْهَرِيرِ شِدَّةُ الْبَرْدِ، وَاسْتُشْكِلَ وُجُودُهُ فِي النَّارِ، وَلَا إِشْكَالَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ مَحَلُّهَا، وَفِيهَا طَبَقَةٌ زَمْهَرِيرِيَّةٌ: وَفِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّارَ لَا تُخْلَقُ إِلَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ غَالِبًا فِي وَقْتِ الصُّبْحِ فَلَا تَزُولُ إِلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَوْ أُخِّرَتْ لَخَرَجَ الْوَقْتُ. الثَّانِي: النَّفَسُ الْمَذْكُورُ يَنْشَأُ عَنْهُ أَشَدُّ الْحَرِّ فِي الصَّيْفِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ عَلَى أَشَدِّهِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ عِنْدَ شَدِيدِهِ أَيْضًا، فَالْأَشَدِّيَّةُ تَحْصُلُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ، وَالشِّدَّةُ مُسْتَمِرَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَسْتَمِرُّ الْإِبْرَادُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ الشِّدَّةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله (بِالظُّهْرِ) قَدْ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ لِلْجُمُعَةِ، وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْله (تَابَعَهُ سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَدْ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَلَفْظُهُ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ أَرَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بِلَفْظِ بِالظُّهْرِ وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ عَلَى الثَّوْرِيِّ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَدَلَ أَبِي سَعِيدٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَيْضًا، ثُمَّ رَوَى عَنِ الذُّهْلِيِّ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ عَنْهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَشْهَرُ. وَرَوَاهُ زَائِدَةُ وَهُوَ مُتْقِنٌ عَنْهُ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: وَالطَّرِيقَانِ عِنْدِي مَحْفُوظَانِ؛ لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْوَجْهَيْنِ. قَوْله (وَيَحْيَى) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. وَقَدْ وَصَلَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ بِلَفْظٍ بِالصَّلَاةِ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنْ أَبِي يَعْلَى، عَنِ الْمُقَدَّمِيِّ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ بِالظُّهْرِ. قَوْله (وَأَبُو عَوَانَةَ) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ أَيْضًا بِلَفْظِ بِالظُّهْرِ.