١٠٤٠ - نا عمرو بن عون: نا خالد، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: كنا عند النبي - ﷺ -، وأنكسفت الشمس، فقام النبي - ﷺ - يجر رداءه، حتى دخل المسجد، [فدخلنا]، فصلى بنا ركعتين، حتى انجلت الشمس، فقال: «إن الشمس والقمر لاينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا، حتى يكشف ما
بكم» .
سماع الحسن من أبي بكرة صحيح عند علي بن المديني والبخاري وغيرهما، وخالف فيه ابن معين، وقد سبق ذلك.
وقد ذكر البخاري - فيما بعد - أن مبارك بن فضالة رواه عن الحسن، قال: حدثني أبو بكرة.
وخرجه الإمام أحمد كذلك.
وقد رواه قتادة، عن الحسن، عن النعمان بن بشير، عن النبي - ﷺ -.
خرج حديثه النسائي.
وهذا مخالف لروايات أصحاب الحسن، عنه، عن أبي بكرة.
وجر النبي - ﷺ - رداءه هاهنا؛ لأنه قام عجلا دهشا، كما في حديث أبي موسى: «فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة»، وسيأتي - فيما بعد.
وإنما يكره جر الرداء تعمدا لذلك.
وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث: «فقام يجر ثوبه مستعجلًا» .
وقوله: «فصلى بنا ركعتين»، لم يذكر صفة الركعتين.
وقد رواه ابن علية ويزيد بن زريع، عن يونس، فزادا في الحديث: «فصلى بهم ركعتين نحو ما يصلون» .
وخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية أشعث، عن الحسن، عن أبي
بكرة، عن النبي - ﷺ -، أنه صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين، مثل صلاتكم.
وخرجه النسائي، ولم يذكر: «القمر»، وعنده: «مثل صلاتكم هذه» .
وقال ابن حبان: أراد به مثل صلاتكم في الكسوف.
وهذا التأويل متجه في رواية ابن علية ويزيد بن زريع، عن يونس - أيضا.
وبذلك تأولها البيهقي ٠
والمتبادر إلى الفهم: التشبيه بصلاة ركعتين، يتطوع بهما.
وهذا مما تعلّق به من قال: إن صلاة الكسوف ليس فيها ركوع زائد، وسيأتي ذكره - إن شاء الله سبحانه تعالى ٠
وفيه دليل على أن صلاة الكسوف تستدام حتى تنجلي الشمس.
وقوله: «إنهما لا يكسفان لموت أحد»، إشارة إلى قول الناس: «إن الشمس كسفت لموت إبراهيم ﵇» .
وفي رواية خرجها البخاري - فيما بعد -: «وذلك أن ابنا للنبي مات، يقال له: إبراهيم، فقال الناس في ذلك» .
و[روى] هذا الحديث محمد بن دينار الطاحي، عن يونس، فزاد في الحديث: «وإن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له» .
خرجه الدارقطني.
[وقال]-: تابعه: نوح بن قيس، عن يونس.
وخرجه - أيضا - من رواية بكار بن يونس: [ثنا] حميد، عن الحسن، عن أبي بكرة - بهذه الزيادة - أيضا
ورويت هذا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كتاب العمل في الصلاة
١ - باب
استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة
وقال ابن عباس: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء.
ووضع أبو إسحاق قلنسوته في الصلاة، ورفعها.
ووضع علي كفه على رسغه الأيسر، إلاّ أن يحك جلدًا، أو يصلح ثوبًا.
شرع البخاري من هاهنا في الكلام فيما يجوز من الأفعال في الصلاة، وما يكره فيها، وما لا يجوز.
وابتدأ من ذلك باستعانة المصلي بيده في صلاته، فيما يحتاج إليه من أمر صلاته.
وحكى عن ابن عباس، قال: يستعين الرجل في صلاته من جسده بما شاء.
وعن أبي إسحاق، أنه وضع قلنسوته في صلاته ورفعها.
والظاهر: أن هذا كان لحاجة، وإلاّ لكان عبثًا، وهو مكروه.
وعن علي بن أبي طالب، أنه وضع كفه على رسغه الأيسر، إلاّ أن يحك جسدًا أو يصلح ثوبًا.
روي وكيع في «كتابه» عن عبد السلام بن شداد الجريري، عن غزوان بن جرير الضبي، عن أبيه، قال: كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلاّ أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده.
وروى بإسناده، عن إبراهيم، أنه كره أن يحدث الرجال في الصلاة شيئًا، حتى زر القميص. قال: وكان إبراهيم لايرى بأسًا إذا استرخى إزاره في الصلاة أن يرفعه.
وروى عبد الرزاق في «كتابه»، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد،
قال: كان يقال في مسح اللحية في الصلاة: واحدة او دع ٠
وعن هشيم: أخبرني حصين، عن عبد الملك بن سعيد، قال: قد كان النَّبيّ - ﷺ - إذا صلى وضع يده اليمنى على يده اليسرى، وكان ربما يضع يده على لحيتة في الصَّلاة.
وخرجه أبو داود في «مراسيله» من رواية شعبة، عن حصين، عن عبد الملك بن أخي عمرو بن حريث، عن النَّبيّ - ﷺ -.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج: سألت عطاء عن الاحتكاك في الصلاة، والارتداء، والاتزار؟ قالَ: كل ذَلِكَ لا تفعله في الصَّلاة.
وهذا محمول على أنه لم يكن لهُ حاجة إليه.
والمروي عن علي محمول [على] أنه كان يفعله للحاجة إليه.
وقال سفيان الثوري: يكره أن يلبس النعل أو الرداء، وأن يضع القلنسوة على رأسه، وينزع خفيه أو نعليه، إلاّ لشيء يؤذيه، ولا بأس أن يحك شيئًا من جسده، إذا آذاه ذَلِكَ.
وعند أصحابنا: كل عمل يسير يعرض في الصلاة لحاجة فلا يكره.
واستدلوا بما خرجه مسلم - رحمة الله - من حديث وائل بن حجر، أنه رأى النَّبيّ - ﷺ - رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبر ثم التحف
بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على يده اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، [ثم] كبر فركع - وذكر الحديث.
ومذهب الشافعي نحوه - أيضا.
وروى حرب، عن أحمد في الرجل يسقط رداؤه عن ظهره في الصَّلاة، فيحمله، قال: أرجو أن لا يضيق ذلك.
وروى حرب بإسناده، عن أبي جعفر والشعبي، قالا: لا بأس أن يسوي الرجل رداءه في الصلاة.
وقال حرب: سألت أحمد عن الرجل يصلي فتحتك ساقه، فيحكه؟ فكأنه كرهه. قلت: يحكه بقدمه؟ قالَ: هوَ بالقدم أسهل، وكانه رخص فيهِ.
ومن متأخري أصحابنا من قالَ: الحك الذي لا يصبر عنه المصلي لا يبطل صلاته وإن كثر.
خرج في هذا الباب:
١١٩٨ - حديث: مالك، عن مخرمة، عن كريب، عن ابن عباس، قالَ: بت عند خالتي ميمونة.
فذكر الحديث في صلاة النبي - ﷺ - بالليل، وصلاة ابن عباس معه.
وفيه: قال:
فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله - ﷺ - يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها بيده، فصلى.
وذكر الحديث، وقد سبق بتمامه في غير موضع.
وخرجه مسلم - أيضا.
وخرجه من طريق الضحاك بن عثمان، عن مخرمة، وفي روايته:
فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي فجعلني في شقه الأيمن، فجعل إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني.
فتبين بهذه الرواية: أن أخذ النبي - ﷺ - بأذن ابن عباس في الصلاة إنما كان عند
نعاسه، إيقاظا له.
وكذلك خرجه أبو داود والنسائي من رواية سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة، وفي حديثة: فقمت إلى جنبه، عن يساره، فجعلني عن يمينه، ووضع يده على رأسي، وجعل يمسح أذني، كأنه يوقظني.
فهاتان الروايتان: فيهما دلالة على أنه إنما أخذ بأذنه بعد أن أداره عن يمينه.
وفيه: رد على من زعم: أن أخذه بأذنه وفتلها إنما كان ليديره عن شماله إلى
يمينه، كما قاله ابن عبد البر.
قال: وهذا المعنى لم يقمه مالك في حديثه، وقد ذكره أكثر الرواة.
قالَ: وقيل: إنما فتل أذنه ليذكر ذلك ولا ينساه. وقيل: ليذهب نومه.
انتهى.
ورواية الضحاك مصرحة بهذا المعنى الأخير، ورواية سعيد بن أبي هلال تدل عليه - أيضا.
٢ - باب
ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة
وفيه حديثان:
الأول:
١١٩٩ - ثنا ابن نمير: ثنا ابن فضيل: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قالَ: كنا نسلم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة لشغلًا» .
حدثنا ابن نمير: ثنا إسحاق بن منصور السلولي: ثنا هريم بن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ - نحوه.
وخرجه - أيضا - في مواضع أخر، من رواية أبي عوانة عن الأعمش - نحوه.
ورواه أيضا - أبو بدر شجاع بن الوليد، عن الأعمش - بهذا الإسناد.
وإنما احتيج إلى ذكر هذه المتابعات عن الأعمش؛ لأن الثوري وشعبة وزائدة وجريرًا وأبا معاوية وحفص بن غياث رووه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، لم يذكروا فيهِ: «علقمة»، فيصير منقطعًا.
وقد رجح انقطاعه كثير من الحفاظ، [منهم]: أبو حاتم الرازي.
وقال في رواية ابن فضيل الموصولة: أنها خطأ.
وقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: الذين أرسلوه أثبت ممن وصله.
قال: ورواه الحكم بن عتبة - أيضا -، عن إبراهيم، عن عبد الله مرسلا - أيضا - إلاّ ما رواه أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم موصولًا؛ فإنه وهم فيهِ أبو خالد. انتهى.
وتصرف البخاري يدل على خلاف ذلك، وأن وصله صحيح.
وكذلك مسلم في «صحيحه»؛ فإنه خرجه من طريق ابن فضيل وهريم بن سفيان – موصولا – كما خرجه البخاري ٠
وله عن ابن مسعود طريق اخرى متعددة، ذكرتها مستوفاة في «شرح
الترمذي» .
وقال البخاري في أواخر «صحيحه»:
وقال ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة» .
وهذا الحديث المشار إليه، خرجه الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن عيينة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كنا نسلم على النبي - ﷺ -، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض الحبشة، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فجلست حتى إذا قضى الصلاة قال: «إن الله يحدث» – فذكره.
ورواه الحميدي وغيره من أصحاب سفيان، عنه، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود.
وزعم الطبراني: أنه المحفوظ.
قلت: عاصم، هو: ابن أبي النجود، كان يضطرب في حديث زر وأبي وائل، فروى الحديث تارة عن زر، وتارة عن أبي وائل.
قال الطبراني: ورواه عبد الغفار بن داود الحراني، عن ابن عيينه، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله.
قال: فإن كان حفظه، فهو غريب.
قلت: ليس هو بمحفوظ، إنما المحفوظ رواية: سفيان، عن عاصم –كما تقدم.
وخرج النسائي – أيضا - من طريق سفيان، عن الزبير بن عدي، عن كلثوم، عن ابن مسعود، قال: كنت آتي النبي - ﷺ - وهو يصلي، فأسلم عليه، فيرد عليَّ، فأتيته، فسلمت عليه وهو يصلي، فلم يرد عليَّ، فلما سلم أشار إلى القوم، فقال: «إن الله
﷿ - يعني - أحدث في الصلاة أن لا تكلموا إلاّ بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين» .
وكلثوم، هو: ابن المصطلق الخزاعي، يقال: له صحبة، وذكره ابن
حبان في «كتابه» من التابعين.
وقوله: «إن الله أحدث أن لا تكلموا في الصَّلاة» إشارة إلى أنه شرع ذلك بعد أن لم يكن شرعه، ومنعه بعد أن لم يكن قد منعه ٠
الحديث الثاني:
١٢٠٠ - ثنا إبراهيم بن موسى: ثنا عيسى –هو: ابن يونس -: ثنا إسماعيل –هو: ابن أبي خالد -، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، قال: قال لي زيد بن أرقم: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - ﷺ -، فيكلم أحدنا صاحبه
بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت.
وخرجه مسلم، وزاد فيه: «ونهينا عن الكلام»، وليس عنده: ذكر عهد النبي - ﷺ -.
وخرجه النسائي، وعنده: «فأمرنا حينئذ بالسكوت» .
وخرجه الترمذي، ولفظه: كنا نتكلم خلف رسول الله - ﷺ - في الصلاة، فيكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] . قال: فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.
وهذه الرواية صريحة برفع آخره.
واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة: هلا كان بمكة، او بالمدينة؟ فقالت طائفة: كانَ بمكة.
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم، وأن النبي - ﷺ - امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة، وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره.
ويعضد هذا: أنه روي: أن امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤] وهذه الآية مكية.
فروى أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال: قال
ابن مسعود:
كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ .
وأخرجه ابن جرير وغيره.
وهذا الإسناد منقطع؛ فإن المسيب لم يلق ابن مسعود.
وروى الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة، قالَ: كانوا يتكلمون في الصَّلاة، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ والآية الأخرى، قالَ: فأمرنا بالإنصات.
وخرجه بقي بن مخلد في «مسنده» .
وخرجه غيره، وعنده: «أو الآية الأخرى» – بالشك.
والهجري، ليس بالقوي.
ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم، الذي خرجه البخاري هاهنا؛ فإن زيدًا الأنصاري، لم يصل خلف النَّبيّ - ﷺ - بمكة، إنما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا
لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقر: ٢٣٨] .
وهي مدنية بالاتفاق.
وأجاب أبو حاتم ابن حبان – وهو ممن يقول: إن تحريم كلام كان بمكة -: واجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي - ﷺ - إليهم، وأنهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة؛ فإن الكلام حينئذ كانَ مباحًا، وكان النَّبيّ إذ ذاك بمكة، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام، لا أن نسخ الكلام كانَ بالمدينة.
قلت: هذا ضعيف؛ لوجهين:
أحدهما: أن في رواية الترمذي: «كنا نتكلم خلف النَّبيّ - ﷺ - في الصَّلاة»، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النَّبيّ - ﷺ - بعد هجرته إلى المدينة.
والثاني: أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الاية، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة، حتى نزلت هذه الآية ٠
ثم قال ابن حبان:
والجواب الثاني: أن زيدا حكى حال الصحابة مطلقا، من المهاجرين
وغيرهم، ممن كان يصلي مع النبي - ﷺ - قبل تحريم «الكلام» في الصلاة، ولم يرد الأنصار، ولا أهل المدينة بخصوصهم، كما يقول القائل: فعلنا كذا، وإنما فعله بعضهم.
قلت: وهذا يرده قوله: «حتى نزلت الآية»؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها، وهي إنما نزلت بالمدينة.
وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين:
أحدهما: أنه يحتمل أنه كان نهي عن الكلام متقدما، ثم أذن فيه، ثم نهي عنه لما نزلت الآية.
والثاني: أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي - ﷺ -، فلما نزلت الآية انتهوا.
وكلا الجوابين فيه بعد، وإنما انتهوا عند نزول الآية، بأمر النبي - ﷺ - بالسكوت، ونهيه عن الكلام، كما تقدم.
وقال طائفة أخرى: إنما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة، وقالوا: إنما رجع من الحبشة إلى المدينة، قبيل بدر.
واستدلوا بما
خرجه أبو داود الطيالسي في «مسنده» من حديث عبد الله بن
عتبة، عن ابن مسعود، قال: بعثنا النبي - ﷺ - إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلا، ومعنا جعفر بن أبي طالب – فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي، وفي آخره -: فجاء ابن مسعود، فبادر، فشهد بدرا.
وروى آدم ابن أبي إياس في «تفسيره»: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: قدم النبي - ﷺ - المدينة، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة، كما يتكلم أهل الكتاب، فأنزل الله ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فسكت القوم عن الكلام.
وهذا مرسل. وأبو معشر، هو: نجيح السندي، يتكلمون فيه.
وقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدا لغير مصلحة الصلاة، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة.
فأماكلام الجاهل، فيأتي ذكره – قريبا.
وأما كلام الناسي والعامد لمصلحة، فيأتي ذكره في «أبواب سجود السهو» قريبا – إن شاء الله تعالى.
٣ - باب
ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال
١٠٢١ - حدثنا عبد الله بن مسلمة: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، قال: خرج النبي - ﷺ - يصلح بين بني عمرو بن عوف، وحانت الصلاة، فجاء بلال أبا بكر، فقال: حبس النبي - ﷺ -، فتؤم الناس؟ فقالَ: نعم، إن شئتم، فأقام بلال الصَّلاة -، فتقدم أبو بكر فصلى، فجاء النَّبيّ - ﷺ - يمشي في الصفوف يشقها شقًا، حتَّى قام في الصف الأول، فأخذ الناس بالتصفيح – قالَ سهل: تدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق -، وكان أبو بكر لايلتفت في صلاته، فلما أكثروا إلتفت، فإذا النبي - ﷺ - في الصف، فأشار إليه مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله، ثم رجع القهقرى
وراءه، وتقدم النبي - ﷺ -، فصلى.
التصفيق والتصفيح، من الناس من قال: هما بمعنى واحد -: قاله الأصمعي
وغيره.
وقال الخطابي: التصفيح: التصفيق بصفحتي الكف.
وقيل: التصفيق: ضرب بباطن الراحة على الأخرى. والتصفيح: الضرب بظاهر الكف على ظهر الأخرى، ويكون المقصود به: الإعلام والإنذار، بخلاف التصفيق؛ فإنه يراد به الطرب واللعب ٠ والله أعلم.
وقد سبق هذا الحديث في «أبواب الإمامة»، خرجه البخاري فيها من رواية مالك، عن أبي حازم.
وذكرنا هنالك عامة فوائده، وأشرنا إلى الاختلاف فيمن حمد الله في صلاته أو سبح لحادث حدث له، وهل تبطل بذلك صلاته، أم لا؟
وذكرنا ذَلِكَ – أيضا – في «باب: إجابة المؤذن» .
وأكثر العلماء على أنه لا تبطل صلاته بذلك.
فحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وهو – أيضا – قول مالك والشافعي.
وسواء قصد بذلك تنبيه غيره، أم لم يقصد.
قال إسحاق – فيما نقله، عنه حرب -: إن قرأ آية فيها «لا إله إلا الله»، فأعادها لاتفسد صلاته، وإن انقض كوكب، فقال: «لا إله إلا الله»، تعجبًا
وتعمدًا، فهو كلام يعيد الصلاة، وكذا إذا لدغته عقرب، فقال: «بسم الله» .
وقال عبيد الله بن الحسن: فيمن رمي في صلاته، فقال: «بسم الله»: لم تنقطع صلاته، هو كمن عطس فحمد الله. وقال في الذي يذكر النعمة وهو في الصلاة، فيحمد الله عليها، وإن ذلك حسنًا.
وقال عطاء: ما جرى على لسان الرجل في الصلاة، فما له أصل في القرآن فليس بكلام.
وقالت طائفة: تبطل صلاته، وهو رواية عن أحمد وإسحاق.
ومذهب أبي حنيفة: إن قاله ابتداء فليس بكلام، وإن قاله جوابًا فهو كلام.
قال بعض أصحابنا: هذه الرواية عن أحمد بالبطلان، هي قول أبي حنيفة ومحمد، أنه يبطل الصلاة، فكل ذكر يأتي به المصلي في غير موضعه، إلاّ في تنبيه المأموم على سهوه، وتنبيه المار بين يده ليرجع.
وكذلك الخلاف إذا بشر بما يسره، فقال: «الحمد لله»، أو بما يسوؤه، فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، أو عطس، فحمد الله، أو فتح على غير إمامه، أو خاطب إنسانا بشيء من القرآن قاصدًا للقراءة والتنبيه.
وأصح الروايتين عن أحمد: أن الصلاة لا تبطل بذلك، كقول جمهور العلماء.
وفي «الصحيحين»، عن عائشة، أن أسماء أختها لما سالتها وهي تصلي صلاة الكسوف، فأشارت برأسها إلى السماء، وقالت: «سبحان الله» .
واحتج أحمد بما ذكره عن علي، أنه كان في صلاة الفجر، فمر بعض الخوارج، فناداه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فأجابه علي وهو في صلاته: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا
يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] .
وروي عن ابن مسعود، أنه استأذن عليه رجل وهو يصلي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إن شاء اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] .
وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يفعله.
وخرج الإمام أحمد من حديث علي، قال: كانت لي ساعة من السحر أدخل على النبي - ﷺ -، فإن كان في صلاة سبح، فكان إذنه لي.
ومن حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إذن الرجل إذا كان في صلاة أن يسبح، وإذن المرأة أن تصفق» .
وقد روي، عن النبي - ﷺ -، أن رجلًا عطس وراءه في الصلاة، فحمد الله، فأخبر النبي - ﷺ - لما قضى صلاته بابتدار الملائكة لها، وكتابتها.
وقد خرجه أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث رفاعة بن رافع.
وخرجه أبو داود – أيضا – من حديث عامر بن ربيعة – بمعناه.
وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم، أنهم حملوا ذلك على التطوع، وقالوا: في المكتوبة يحمد الله في نفسه.
وهذا التفريق، هو قول مكحول، ورواية عن أحمد.
وقولهم: «يحمد الله في نفسه»، ويحتمل أنهم أرادوا أنه يحمده بقلبه ولا يتلفظ به، ويحتمل أنهم أرادوا انه لا يجهر به.
وكذا قال النخعي: في الرجل يعطس في الصلاة: يحمد الله، ولا يجهر.
وقال الحسن: يحمد الله في المكتوبة وغيرها.
وكذا نقله حرب، عن إسحاق.
وروى عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: سمعت ابا طلحة: سمعت ابن عمر يقول في العاطس في الصلاة: يجهر بالحمد.
وأما تخصيص البخاري جواز التسبيح والحمد في الصلاة للرجال؛ فلأن المرأة تخالف الرجل في التسبيح للتنبيه، وإنما تنبه بالتصفيح، كما ياتي ذكره، فلا يشرع لها التسبيح والتحميد في غير ذَلِكَ – أيضا.
لكن حكمها حكم الرجل في القول بالإبطال وعدمه، وإنما يختلفان في الكراهة؛ فإن المرأة لايشرع لها رفع صوتها في الصَّلاة بقرآن ولا ذكر.
٤ - باب
من سمى قومًا أو سلم في الصلاة على غيره وهو لا يعلم
١٢٠٢ - حدثنا عمرو بن عيسى: حدثنا أبو عبد الصمد العمي عبد العزيز بن عبد الصمد: ثنا حصين بن عبد الرحمن، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كنا نقول: التحية في الصلاة، ونسمي، ويسلم بعضنا على بعض، فسمعه رسول الله - ﷺ -، فقال: «قولوا التحيات لله» .
فذكر التشهد بتمامه، ثم قال:
«فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء
والأرض» .
وقد تقدم هذا الحديث في «أبواب التشهد» بألفاظ أخر.
وفي بعضها: أنهم كانوا يقولون: السلام على الله، والسلام على جبريل وميكائيل، وعلى فلان وفلان.
فأماالسلام على الله فهو كلام غير جائز، ولهذا قال لهم النبي - ﷺ -: «لا تقولوا السلام على الله» .
وقد خرجه البخاري فيما تقدم.
وأما السلام على أشخاص معينين، فإن كان بلفظ الغيبة، فأكثر العلماء على أنه لايبطل الصلاة.
وقال الثوري وأبو حنيفة: هو كلام.
وقد سبق ذكر ذلك في «أبواب التشهد» .
وإن كان بلفظ الخطاب، فهو كرد السلام في الصلاة على من يسلم، ويأتي ذكره – إن شاء الله تعالى.
وفي هذا الحديث: دليل على أن من تكلم في صلاته جاهلا، أنه لا تبطل صلاته؛ فإن كلام الجاهل قسمان:
أحدهما: أن يتكلم في صلاته جاهلا بأن الكلام في الصلاة ممنوع، وهذا يقع من كثير من أعراب البوادي وغيرهم ممن هو حديث عهد بالإسلام، وقد كان هذا يقع في أول الإسلام كثيرًا.
قالت الشافعية: ولا يعذر بذلك إلاّ قريب العهد بالإسلام، فأمامن طال عهده بالإسلام فتبطل صلاته؛ لتقصيره في التعلم، وكذا لو علم تحريم الكلام في الصَّلاة، ولم يعلم أنه مبطل لها، كما لو علم تحريم الزنا، ولم يعلم حدّه، فإنه يحدّ بغير خلاف.
والثاني: أن يتكلم بكلام يظنه جائزًا، وهو في نفسه غير جائز التكلم
به في الصلاة وغيرها، كقولهم: «السلام على الله»، أو يتكلم بكلام يظنه جائزًا في
الصلاة، كما أنه جائز في غيرها، كرد السلام وتشميت العاطس.
وقد اختلف العلماء في حكم الجاهل في الصلاة:
فمنهم من قال: حكمه حكم كلام الناسي، وهو قول مالك والشافعي، وهو أحد الوجهين لأصحابنا.
ومنهم من قال: تبطل، بخلاف كلام الناسي، وهو قول المالكية.
والثالث: لا تبطل وإن قلنا: يبطل كلام الناسي، وهو قول طائفة من أصحابنا.
ويدل له: ما خرجه البخاري في «الأدب» من «صحيحه» هذا من حديث أبي هريرة، قال: قام رسول الله - ﷺ - إلى الصلاة، وقمنا معه، فقال أعرابي –وهو في الصلاة -: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فلما سلم النبي، قال للأعرابي: «لقد حجرت واسعًا» –يريد: رحمة الله.
وفي «صحيح مسلم» عن معاوية بن الحكم السلمي: أنه صلى خلف النبي - ﷺ -، فعطس رجل من القوم، فقال له: يرحمك الله. قال: فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم، تنظرون إلي؟ قالَ: فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. وقال: فلما رأيتهم
يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى النَّبيّ - ﷺ - قالَ لهُ: «إن هذه الصَّلاة لايصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القران» – أو كما قالَ رسول الله - ﷺ -.
ولم ينقل أنه أمر أحدا بالإعادة.
وكذلك روي، عن معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري وغيرهما.
قال أصحابنا: ولأن الكلام كان مباحًا في أول الإسلام، ثم نسخ، والنسخ لا يثبت في حق الجاهل قبل العلم، بدليل قصة أهل قباء في القبلة.
ولكن هذا إنما يصح في حق من تمسك بالإباحة السابقة، ولم يبلغه نسخها، فأمامن لا يعلم شيئًا من ذلك، فلا يصح هذا في حقه.
وكذلك من تكلم بكلام محرم في نفسه، وهو يظن جوازه، كقول القائل:
«السلام على الله»، وقول الآخر: «اللهم، ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا
أحدًا» .
وللشافعية – فيمن علم أن جنس الكلام محرم في الصلاة، ولم يعلم أن ما تكلم به محرم: هل يعذر بذلك ولا تبطل صلاته؟ - وجهان، أصحهما: يعذر به.
وكذلك لو جهل أن التنحنح ونحوه مبطل للصلاة.
٥ - باب
التصفيق للنساء
فيه حديثان:
أحدهما:
١٢٠٣ - حدثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان: ثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، [عن النبي - ﷺ -]، قال: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» .
وخرجه مسلم – أيضا.
وخرجه – أيضا – من طريق يونس، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة ومن طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ومن طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة، وزاد في حديثه: «في الصلاة» .
وخرجه النسائي من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة.
وخرجه أبو داود من حديث رجل من الطفاوة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، أنه قال لهم: «إن نساني الشيطان شيئًا من صلاتي فليسبح القوم، وليصفق النساء» .
وله طرق أخرى، عن أبي هريرة.
الحديث الثاني: