HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال

رقم الحديث 1824

حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ : أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا، أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا.»
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج3 ص13
ج 3 ص 13

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 8 مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
فتح الباري · ابن حجر · ج4 ص28
قَوْلُهُ: (فَتَنَاوَلْتُهُ) زَادَ أَبُو عَوَانَةَ (^١) بِشَيْءٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ: ذِكْرُ التَّنَاوُلِ بَعْدَ الْأَخْذِ تَكْرَارٌ، أَوْ مَعْنَاهُ تَكَلَّفْتُ الْأَخْذَ فَأَخَذْتُهُ. قَوْلُهُ: (مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ) بِفَتَحَاتٍ هِيَ التَّلُّ مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا) قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ أَنَّهُمْ أَكَلُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَكَلُوا أَوَّلَ مَا أَتَاهُمْ بِهِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِمُ الشَّكُّ كَمَا فِي لَفْظِ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي حَازِمٍ فِي الْهِبَةِ بِلَفْظِ: ثُمَّ جِئْتُ بِهِ فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ وَهُمْ حُرُمٌ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَجَعَلُوا يَشْوُونَ مِنْهُ ثُمَّ قَالُوا: رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَكَانَ تَقَدَّمَهُمْ فَلَحِقُوهُ فَسَأَلُوهُ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَمَامَنَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ: كُلُوهُ حَلَالٌ) كَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو عَوَانَةَ فَقَالَ: كُلُوهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ: هُوَ حَلَالٌ فَكُلُوهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ لَنَا عَمْرٌو) أَيِ: ابْنُ دِينَارٍ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي رِوَايَتِهِ، وَالْقَائِلُ سُفْيَانُ، وَالْغَرَضُ بِذَلِكَ تَأْكِيدُ ضَبْطِهِ لَهُ وَسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ صَالِحٍ، وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَقَوْلُهُ: هَاهُنَا يَعْنِي: مَكَّةَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ كَانَ مَدَنِيًّا فَقَدِمَ مَكَّةَ فَدَلَّ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ: فِي قَوْلِ سُفْيَانَ: قَالَ لَنَا عَمْرٌو. . . إِلَخْ إِشْكَالٌ، فَإِنَّ سُفْيَانَ رَوَى ذَلِكَ عَنْ صَالِحٍ، فَكَيْفَ يَقُولُ لَهُ عَمْرٌو وَلِمَنْ مَعَهُ: اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ؟ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا فِي تَجْدِيدِ سَمَاعِ سُفْيَانَ ذَلِكَ مِنْهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ سُفْيَانَ حَدَّثَ بِذَلِكَ عَنْ صَالِحٍ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ جِدًّا. وَزَعَمَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْكُوفَةَ. قَالَ: وَكَأَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْ صَالِحٍ فَصَدَّقَهُ وَأَكَّدَهُ بِمَا قَالَ. وَقَوْلُهُ: اذْهَبُوا إِلَيْهِ؛ أَيْ: إِلَى صَالِحٍ بِالْمَدِينَةِ، اهـ. وَهَذَا أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَمَا سَمِعَهُ سُفْيَانُ مِنْ صَالِحٍ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَقْدَمْ عَمْرٌو الْكُوفَةَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِسُفْيَانَ وَهُمَا بِمَكَّةَ، وَمَا حَدَّثَ بِهِ سُفْيَانُ، لِعَلِيٍّ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ صَالِحٍ، وَعَمْرٍو بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: قَالَ لَنَا عَمْرٌو: اذْهَبُوا. . . إِلَخْ، كَيْفِيَّةَ تَحَمُّلِهِ لَهُ مِنْ صَالِحٍ وَأَنَّهُ بِدَلَالَةِ عَمْرٍو، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٥ - بَاب لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ ١٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِيَ، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ _________ (^١) في هامش طبعة بولاق: في نسخة "زاد أبوداود " لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا، وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَوْلُهُ: (بَابٌ: لَا يُشِيرُ الْمُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَيْ يَصْطَادَهُ الْحَلَالُ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ: فَاتَّفَقُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - عَلَى تَحْرِيمِ الْإِشَارَةِ إِلَى الصَّيْدِ لِيُصْطَادَ، وَعَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ عَلَى الْمُحْرِمِ، لَكِنْ قَيَّدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الِاصْطِيَادُ بِدُونِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا دَلَّ الْحَلَالُ عَلَى الصَّيْدِ بِإِشَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: يَضْمَنُ الْمُحْرِمُ ذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دَلَّ الْحَلَالُ حَلَالًا عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ. قَالُوا: وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْإِعَانَةِ وَالْإِشَارَةِ إِنَّمَا وَقَعَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ هَلْ يَحِلُّ لَهُمْ أَكْلُهُ أَوْ لَا؟ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْجَزَاءِ. وَاحْتَجَّ الْمُوَفَّقُ بِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُ لَهُمَا مُخَالِفًا مِنَ الصَّحَابَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي ثُبُوتِهِ عَنْ عَلِيٍّ نَظَرٌ، وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِاخْتِيَارِهِ مَعَ انْفِصَالِ الدَّالِّ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا عَلَى امْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالدَّلَالَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَمَوْهَبٌ جَدُّهُ، وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ أَكْبَرَ مِنْهُ قَلِيلًا. قَوْلُهُ: (خَرَجَ حَاجًّا) قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي عُمْرَةٍ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ كُلُّهُمْ عَلَى الْجَادَّةِ لَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. وَلَعَلَّ الرَّاوِيَ أَرَادَ: خَرَجَ مُحْرِمًا، فَعَبَّرَ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ غَلَطًا. قُلْتُ: لَا غَلَطَ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْمَجَازِ السَّائِغِ. وَأَيْضًا فَالْحَجُّ فِي الْأَصْلِ قَصْدُ الْبَيْتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ قَاصِدًا لِلْبَيْتِ، وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْعُمْرَةِ: الْحَجُّ الْأَصْغَرُ. ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِلَفْظِ: خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَقَدْ جَزَمَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (إِلَّا أَبَا قَتَادَةَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي التَّوْضِيحِ: حَقُّ الْمُسْتَثْنَى بِإِلَّا مِنْ كَلَامٍ تَامٍّ مُوجَبٍ أَنْ يُنْصَبَ مُفْرَدًا كَانَ أَوْ مُكَمَّلًا مَعْنَاهُ بِمَا بَعْدَهُ، فَالْمُفْرَدُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ﴾ وَالْمُكَمَّلُ نَحْوَ: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وَلَا يَعْرِفُ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ فِي هَذَا النَّوْعِ إِلَّا النَّصْبَ، وَقَدْ أَغْفَلُوا وُرُودَهُ مَرْفُوعًا بِالِابْتِدَاءِ مَعَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَمَعَ حَذْفِهِ، فَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّابِتِ الْخَبَرِ قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ: أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَـ إِلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ، وَأَبُو قَتَادَةَ مُبْتَدَأٌ وَلَمْ يُحْرِمْ خَبَرُهُ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ امْرَأَتَكَ بَدَلًا مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَسِرْ مَعَهُمْ فَيَتَضَمَّنُهَا ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِينَ. وَتَكَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَسِرْ بِهَا لَكِنَّهَا شَعَرَتْ بِالْعَذَابِ فَتَبِعَتْهُمْ ثُمَّ الْتَفَتَتْ فَهَلَكَتْ. قَالَ: وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُوجِبُ دُخُولَهَا فِي الْمُخَاطَبِينَ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمَحْذُوفِ الْخَبَرِ قَوْلُهُ ﷺ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ أَيْ: لَكِنِ الْمُجَاهِرُونَ بِالْمَعَاصِي لَا يُعَافَوْنَ، وَمِنْهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ أَيْ: لَكِنْ قَلِيلٌ مِنْهُمْ لَمْ يَشْرَبُوا. قَالَ: وَلِلْكُوفِيِّينَ فِي هَذَا الثَّانِي مَذْهَبٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلُوا إِلَّا حَرْفَ عَطْفٍ، وَمَا بَعْدَهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا، اهـ. وَفِي نِسْبَةِ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ لِابْنِ أَبِي قَتَادَةَ دُونَ أَبِي قَتَادَةَ نَظَرٌ، فَإِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ: قَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ، حَيْثُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - إِلَى أَنْ قَالَ - أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ. وَقَوْلُ أَبِي قَتَادَةَ: فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى جَعْلِهِ مِنْ قَوْلِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَمِنْ تَوْجِيهِ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: إِلَّا أَبُو قَتَادَةَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ أَبُو طَالِبٍ. قَوْلُهُ: (فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا) فِي هَذَا السِّيَاقِ زِيَادَةٌ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى إِفْرَادِ الْحِمَارِ بِالرُّؤْيَةِ، وَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْحُمُرِ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ أَتَانًا، أَيْ: أُنْثَى، فَعَلَى هَذَا فِي إِطْلَاقِ الْحِمَارِ عَلَيْهَا تَجَوُّزٌ. قَوْلُهُ: (فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الْأَتَانِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ الْآتِيَةِ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ: فَرُحْنَا وَخَبَّأْتُ الْعَضُدَ مَعِي وَفِيهِ: مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ، فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا وَلَهُ فِي الْجِهَادِ قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا وَفِي رِوَايَةِ الْمُطَّلِبِ قَدْ رَفَعْنَا لَكَ الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (قَالَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا.) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ عُثْمَانَ: هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوِ اصْطَدْتُمْ؟ وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ: أَشَرْتُمْ أَوِ اصْطَدْتُمْ أَوْ قَتَلْتُمْ. قَوْلُهُ: (قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) صِيغَةُ الْأَمْرِ هُنَا لِلْإِبَاحَةِ لَا لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ عَنِ الْجَوَازِ لَا عَنِ الْوُجُوبِ، فَوَقَعَتِ الصِّيغَةُ عَلَى مُقْتَضَى السُّؤَالِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَتَيْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ كَمَا تَرَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ غَيْرُهُ، وَوَافَقَهُ صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَلَفْظُهُ: فَقَالَ: كُلُوا وَأَطْعِمُونِي وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَفْسِهِ إِلَّا الْمُطَّلِبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَوَقَعَ لَنَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَأَبِي صَالِحٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّيْدِ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ إِسْحَاقَ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَتَفَرَّدَ مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِزِيَادَةٍ مُضَادَّةٍ لِرِوَايَتَيْ أَبِي حَازِمٍ كَمَا أَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُلْتُ: إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْجَوْزَقِيُّ: تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعْمَرٌ. قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَحْفُوظَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ﷺ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ ذَلِكَ الْحِمَارِ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَبُو قَتَادَةَ أَنَّهُ اصْطَادَهُ مِنْ أَجْلِهِ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُ امْتَنَعَ، اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ إِلَى أَنْ أَعْلَمَهُ أَبُو قَتَادَةَ بِأَنَّهُ صَادَهُ لِأَجْلِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، فَإِنَّ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِنَّمَا هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ، وَأَمَّا إِذَا أُتِيَ بِلَحْمٍ لَا يَدْرِي أَلَحْمُ صَيْدٍ أَوْ لَا فَحَمَلَهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى الْآكِلِ. وَعِنْدِي بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ وَقْفَةٌ، فَإِنَّ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الَّذِي تَأَخَّرَ هُوَ الْعَضُدُ، وَأَنَّهُ ﷺ أَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا، أَيْ: لَمْ يُبْقِ مِنْهَا إِلَّا الْعَظْمَ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْهِبَةِ: حَتَّى نَفِدَهَا أَيْ: فَرَّغَهَا، فَأَيُّ شَيْءٍ يَبْقَى مِنْهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ بِأَكْلِهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مُحَمَّدٍ الْآتِيَةَ فِي الصَّيْدِ: أَبَقِيَ مَعَكُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؟