HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الهداني. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ (يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ)، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ. عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ. وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. وَصِيَامِ رَمَضَانَ. وَالْحَجِّ» فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ؟ قَالَ: لا. صِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ. هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص34
ج ١ ص ٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٣٠٠
عنه، فإنها مسموعة من جابر كما تقدم في قصّته معه في ترجمته، فكيف أخرج له مسلم هنا بالعنعنة؟ [أجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه أبو صالح، وأبو سفيان، كما في السند الماضي، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٥) - (بَابُ بَيَانِ أَرْكَانِ الإِسْلَام، ودَعَائِمِهِ الْعِظَامِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور أوَّلَ الكتاب قال: [١١٩] (١٦) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمَدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرَ - عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةٍ، عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ، قَالَ: لَا، «صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ»، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ، سُلَيْمَانُ بْنَ حَيَّانَ الْأَحْمَرُ) الأزديّ الكوفيّ، الْجَعْفَريّ، نَزَلَ فيهم، ووُلد بِجُرْجَان، صدوقٌ يُخطئ [٨]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وداود بن أبي هند، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن عجلان، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وابن جريج، وأبي مالك الأشجعيّ، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، والْفِرْيابيّ، وأبو كريب، وأبو سعيد الأشجّ، ويوسف بن موسى القطان، وعمرو الناقد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن سلام البيكنديّ، وجماعة. قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعًا عن أبي خالد؟ فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد؛ لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يَطْعَن عليه فيه. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وإنما أُتي من سوء حفظه، فيَغْلَط ويُخطئ، وهو في الأصل كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. قلت وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العجليّ: ثقةٌ ثبتٌ، صاحب سنة، وكان محْتَرِفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًّا، إلا أنه نشأ بالكوفة. وقال أبو بكر البزار في كتاب «السنن»: ليس ممن تُلزِم زيادته حجةً؛ لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد رَوَى أحاديثَ عن الأعمش وغيره لم يُتَابَعْ عليها. وقال هارون بن حاتم: سألت أَبا خالد متى وُلِدتَ؟ قال: سنة (١١٤)، قال هارون: ومات سنة (١٩٠)، وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة تسع وثمانين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا. ٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ) سَعْد بن طارق بن أشيم الكوفيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن أبيه، وأنس، وعبد الله بن أبي أَوْفَى، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وسَعْد بن عُبَيدة، وموسى بن طلحة بن عبيد الله، وأبي حازم الأشجعيّ، وغيرهم. وروى عنه خَلَف بن خليفة، وابن إسحاق، وشعبةُ، والثوريّ، وابن إدريس، وحفص بن غياث، وعَبّاد بن الْعَوّام، وعبد الواحد بن زياد، ومحمد بن فضيل، ومروان بن معاوية، وأبو عوانة، وأبو معاوية، وأبو خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتَب حديثه. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن إسحاق في «السيرة»: ثنا سَعْد بن طارق، أبو مالك، ثقة. وقال ابن خلفون: وَثَّقَه ابن نُمَير وغيره. وقال الْعُقيليّ: أمسك يحيى بن سعيد عن الرواية عنه. وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم. وقال الصَّرِيفينيّ: بقي إلى حدود الأربعين ومائة. علّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٤ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن المغيرة بن شعبة، وابن عمر والبراء بن عازب، وحِبّان بن عَطِيّة، والمستورد بن الأحنف، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وكان خَتَنَه على ابنته. وروى عنه الأعمش، ومنصور وفِطْر بن خليفة، وحُصَين، وأبو حَصِين، والْحَكَم بن عتيبة، وزُبَيد الياميّ، وعمرو بن مُرّة، وعلقمة بن مرثد، وأبو مالك الأشجعيّ، وجماعة. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: كان يَرَى رأي الخوارج، ثم تركه، يُكْتَب حديثه. وقال الكلاباذيّ: مات في ولاية عمرو بن هُبَيرة على العراق، وكذا قال ابن سعد، وقال: كان ثقةً، كثير الحديث، وكذا أَرّخه ابن حبان في «الثقات». وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - ١/ ١٠١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير أبي مالك الأشجعي، فقد علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الكوفيين، غير الصحابيّ - ﵁ -، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي مالك، عن سعد بن عُبيدة. ٥ - (ومنها): أن فيه التحديث في موضعين، والعنعنة في البقيّة، وكلاهما من صيغ الاتصال من غير المدلّس في «عن». ٦ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المفتين من الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ) ببناء الفعل للمفعول، ورفع»الإسلامُ« على أنه نائب فاعله. وفي الكلام استعارة بالكناية؛ لأنه شبّه الإسلام بمبني له دعائم، فذكر المشبّه، وطوى ذكر المشبّه به، وذكر ما هو من خواصّ المشبّه به، وهو البناء، ويُسمّى هذا استعارة ترشيحيّةً، ويجوز أن يكون استعارة تمثيليّةً، بأن تُمثّل حالة الإسلام مع أركانه الخمسة بحالة خِبَاء أُقيمت على خمسة أعمدة، وقُطبُها الذي تدور عليه الأركان هو شهادة أن لا إله إلا الله، وبقيّة شُعَبِ الإيمان كالأوتاد للخباء، ويجوز أن تكون الاستعارة تبعيّةً، بأن تُقدّر الاستعارة في «بُنِيَ»، والقرينة «الإسلام»، شُبّه ثبات الإسلام، واستقامته على هذه الأركان ببناء الخباء على الأعمدة الخمسة، ثم تسري الاستعارة من المصدر إلى الفعل، ومعلوم أن الاستعارة التبعيّة، تقع أولا في المصادر، ومتعلَّقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال، والصفات، والحروف . (عَلَى خَمْسَةٍ) هكذا في هذه الرواية، والرواية الرابعة «خمسة» بالهاء، وفي الرواية الثانية، والثالثة «خمس» بلا هاء، وفي بعض الأصول المعتمدة في الطريق الرابع بلا هاء، وكلاهما صحيح، ويكون المراد برواية الهاء خمسة أركان، أو أشياء، أو نحو ذلك، وبرواية حذف الهاء خمس خصالٍ، أو دعائمَ، أو قواعدَ أو نحو ذلك. [تنبيه]: القاعدة النحويّة أن العدد من ثلاثة إلى عشرة يؤنّث مع المذكّر، كثلاثة رجال، ويذكّر مع المؤنّث، كثلاث نسوة، كما قال في «الخلاصة»: ثَلَاثَةً بِالتَّاءِ قُلْ لِلْعَشَرَهْ … فِي عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ فِي الضِّدِّ جَرِّدْ وَالْمُمَيِّزَ اجْرُرِ … جَمْعًا بِلَفْظِ قِلَّةٍ فِي الأَكْثَرِ وهذه القاعدة إنما تجب إذا كان المعدود مذكورًا بعد العدد تمييزًا، وأما إذا حُذف، كحديث: «من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال …»الحديث، أو قُدّم جاز الأمران، فتقول: مسائل تسعٌ، وتسعةٌ، ورجال تسعةٌ، وتسعٌ، فيكون ما هنا مما حُذف، فجاز الأمران ، فتنبّه لهذه القاعدة، فإنها مهمّة جدًّا. والله تعالى أعلم. (عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللهُ) بضم حرف المضارعة، وفتح الحاء المهملة المشدّدة، مبنيًّا للمفعول، ورفع لفظ الجلالة على أنه نائب فاعله، والجارّ والمجرور بدل من الجارّ والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل، أي على توحيد الله تعالى، والتوحيد بمعنى العبادة في الرواية التالية بلفظ: «على أن يُعبد الله، ويُكفر بما دونه»، وبمعنى الشهادتين في الرواية الثالثة بلفظ: «شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله». (وَإِقَامِ الصَّلَاةَ) أي وعلى الإتيان بالصلاة على الوجه المطلوب شرعًا، من استيفاء شروطها، وأركانها، وآدابها. [تنبيه]: أصل «إقام» إقوام؛ لأنه من أقام يُقيم، نُقلت حركة عينه إلى فاء الكلمة، وحُذفت، وعُوّض عنها تاء التأنيث غالبًا، فصار إقامةً بالتاء، لكن هذا التعويض إنما يأتي غالبًا إذا لم يوجد مضاف إليه، فأما إذا وُجد، فإنه يقوم مقام التاء، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وأشار إلى هذه القاعدة في «الخلاصة» بقوله: وَاسْتَعِذِ اسْتِعَاذَةً ثُمَّ أَقِمْ … إِقَامَةً وَغَالبًا ذَا التَّا لَزِمْ (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) مصدر آتى يؤتي: إذا أعطى، وفيه شيئان: أحدهما: إطلاق الزكاة التي هي في الأصل مصدر، أو اسم مصدر على المال الْمُخْرَج للمستحقّ، والآخر حذف أحد المفعولين؛ للعلم به؛ لأن الإيتاء يتعدّى إلى مفعولين، والتقدير: إيتاء الزكاة مستحقيها (وَصِيَامِ رَمَضَانَ) من إضافة الحكم إلى سببه (وَالْحَجِّ) أي وحج البيت، فـ «أل» بدل من المضاف إليه، والإظافة فيه أيضًا من إضافة الحكم إلى سببه، فلما لم يتكرر البيت لم يتكرّر الحج، بل صار مرّة في العمر، بخلاف الصوم؛ فإنه يتكرّر كلّ سنة، فصار واجبًا كلّ سنة. (فَقَالَ رَجُلٌ) اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السَّكْسَكِيّ، ذكره الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في «الأسماء المبهمة» (الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ) بجرهما على الحكاية، أي قال بدل قول ابن عمر - ﵄ - «وصيام رمضان، والحجّ»: والحجّ، وصيام رمضان، فقدَّم ذكر الحجّ عدى الصيام، فـ (قال) ابن عمر - ﵄ - ردًّا عليه (لَا) أي لا تقل: «الحجّ، وصيام رمضان»، بل قل: («صِيَامِ رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ») بالجرّ فيهما على الحكاية أيضًا (هَكَذَا سَمِعْتُهُ) أي سمعت هذا الكلام مرتّبًا على هذا الوجه (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّقٌ بـ «سمعته». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أظهر ما قيل في توجيه إنكار ابن عمر - ﵄ - هذا على هذا الرجل عندي قول من قال: إنّ ابن عمر - ﵄ - سمعه من النبيّ - ﷺ - مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين، في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ عليّ ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، وسيأتي ذكر بقيّة أجوبة العلماء في توجيه إنكاره - ﵁ - في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في تخريجه. حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنف) هنا (٥/ ١١٩) عن محمد بن عبد الله نُمَير، عن أبي خالد الأحمر - و(٥/ ١٢٠) عن سهل بن عثمان العسكريّ، عن يحيى بن زكريا - كلاهما عن أبي مالك الأشجعيّ، عن سعد بن عُبيدة السلميّ، عنه. و(٥/ ١٢١) عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، عنه. و(٥/ ١٢٢) وعن ابن نمير، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عنه. وأخرجه (البخاريّ) (٢/ ٨) عن عبيد الله بن موسى، عن حنظلة بن أبي سفيان به، وأخرجه أيضًا في «التفسير» برقم (٤٥١٤). وأخرجه (الحميديّ) في «مسنده» (٧٠٣ و٧٠٤) و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٨٢٣) و(أحمد) في «مسنده» ٢/ ٢٦ و٩٢ و١٢٠ و١٤٣ و(الترمذي) في «جامعه» (٢٦٠٩) و(النسائيّ) (٨/ ١٠٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٩٨ و٩٩ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣٠٨ و٣٠٩). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): بيان أركان الإسلام، ودعائمه العظام. ٢ - (ومنها): أنه يُفهم من ظاهر الحديث أنه لا يكون الشخص مسلمًا عند ترك شيء من هذه الأركان، وقد اختُلف في ذلك، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى. ٣ - (ومنها): أن هذه الأشياء الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة بعض المكلّفين عن الباقين. ٤ - (ومنها): أن هذا الحديث أصل عظيمٌ في معرفة الدين، وعليه اعتماده، وقد جَمَعَ أركانه كلها. ٥ - (ومنها): أن فيه جواز إطلاق «رمضان» دون إضافة لفظة «شهر» إليه، وهو الحقّ الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن منع ذلك، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في موضعه من «كتاب الصيام» - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): أنه يستفاد من إنكار ابن عمر - ﵄ - على الرجل في تقديمه الحج، وقوله: «هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -»تأكّد أداء الحديث باللفظ، وقد سبق في شرح المقدّمة بيان اختلاف العلماء في ذلك، وترجيح قول الجمهور بجواز الرواية بالمعنى بشروطه، لكن الأولى المحافظة على اللفظ لقوله - ﷺ -: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي، فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه» . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ويحتمل أن تكون محافظة النبيّ - ﷺ - على ترتيب هذه القواعد؛ لأنها نزلت كذلك: الصلاة أوّلًا، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحجّ، ويحتمل ذلك أن يكون لإفادة الأوكد فالأوكد، فقد يَستنبط الناظر في ذلك الترتيبِ تقديمَ الأوكد على ما هو دونه إذا تعذّر الجمع بينهما، كمن ضاق عليه وقت الصلاة، وتعيّن عليه في ذلك الوقت أداء الزكاة لضرورة المستحق، فيبدأ بالصلاة، أو كما إذا ضاق وقتُ الصلاة على الحاجّ، فيتذكّر العشاء الآخرة، وقد بقي عليه من وقت صلاة العشاء الآخرة ما لو فعله فاته الوقوف بعرفة، فقد قال بعض العلماء: إنه يبدأ بالصلاة، وإن فاته الوقوف؛ نظرًا إلى ما ذكرناه، وقيل: يبدأ بالوقوف للمشقّة في استئناف الحجّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنَّ القول الثاني أرجح؛ للمشقّة المذكورة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، فالحرج مرفوع بالنصّ، ففعل ما يرفع الحرج أولى، وإن كان أدون في الرتبة، والله تعالى أعلم. قال: ومن ذلك لو أوصى رجل بزكاة فرّط في أدائها، وبكفّارةِ فطر من رمضان، وضاق الثلث عنهما، بدأ بالزكاة أوّلًا؛ لأوكديّتها على الصوم، وكذلك لو أوصى بكفّارة الفطر، وبهديٍ واجبٍ في الحجّ، قدّم كفارة الفطر، وهذا كلّه على أصل مالك ﵀، فإن ذلك كلّه يخرَج من الثلث، وأما من ذهب إلى أن ذلك يُخرج من رأس المال، فلا تفريع على ذلك بشيء مما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ . ٧ - (ومنها): أنه يستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحّة إسلام من باشر ما ذُكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصحّ منه، وهذا العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]، على ما تقرّر في موضعه . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان الأسئلة الواردة على هذا الحديث . (الأول): ما قيل: ما وجه الحصر في هذه الخمسة؟ وأجيب بأن العبادة إما قوليّة، وهي الشهادة، أو غير قوليّة، فهي إما تَركيّ، وهو الصوم، أو فعليّ، وهو إما بدنيّ، وهو الصلاة، أو ماليّ، وهو الزكاة، أو مركّبٌ منهما، وهو الحجّ. (الثاني): ما قيل: ما وجه الترتيب بينها؟ وأجيب بأن الواو لا تدلّ على الترتيب، ولكن الحكمة في الذكر أن الإيمان أصل للعبادات، فتعيّن تقديمه، ثم الصلاة؛ لأنها عماد الدين، ثم الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة في كتاب الله تعالى، ثم الحج للتغليظات الواردة فيه ونحوها، فبالضرورة يقع الصوم آخرًا. (الثالث): ما قيل: الإسلام هو الكلمة فقط، ولهذا يُحكم بإسلام من تلفّظ بها، فلم ذكرت الأخوات معها. وأجيب: بأنها أظهر شعائر الإسلام، قال النوويّ رحمه الله تعالى: حكم الإسلام في الظاهر يَثبُت بالشهادتين، وإنما أُضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتمّ إسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله. انتهى. (الرابع): ما قيل: إن الإسلام هو هذه الخمسة، والمبنيّ لا بدّ أن يكون غير المبنيّ عليه. وأجيب: بأن الإسلام عبارة عن المجموع، والمجموع غير كلّ واحد من أركانه، وحاصله أن المجموع غيرٌ من حيث الانفراد، وعينٌ من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشَّعْر يُجعل على خمسة أعمدة، أحدها أوسطٌ والبقيّة أركان، فما دام الأوسط قائمًا فمسمّى البيت موجود، ولو سقط ما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمّى البيت، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده، أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أسّه وأركانه، الأسُّ أصلٌ، والأركان تبعٌ وتكملة. (الخامس): ما قيل: الأربعة الأخيرة مبنيّة على الشهادة؛ إذا لا يصحّ شيء منها إلا بعد الكلمة فالأربعة مبنيّة، والشهادة مبنيّ عليها، فلا يجوز إدخالها في سلك واحد. وأجيب: بأنه لا محذور في أن يُبنى أمرٌ على أمر، ثم يبنى عليهما أمرٌ آخر. ويقال: لا نسلّم أن الأربعة مبنيّة على الكلمة، بل صحّتها متوقّفة عليها، وذلك غير معنى بناء الإسلام على الخمس. وقال التيمي رحمه الله تعالى: قوله: «بني الإسلام على خمس»، كان ظاهره أن الإسلام مبنيّ على هذه، وإنما هذه الأشياء مبنيّة على الإسلام؛ لأن الرجل ما لم يشهد لا يُخاطب بهذه الأشياء الأربعة، لو قالها فإنّا نحكم في الوقت بإسلامه، ثم إذا أنكر حكمًا من هذه الأحكام المذكورة المبنيّة على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه، إلا أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أراد بيان أن الإسلام لا يتمّ إلا بهذه الأشياء ووجودها معه جعله مبنيًّا عليها، ولهذا المعنى سوّى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه. قال الكرمانيّ: حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادة، لا نفس الإسلام، وهو حسنٌ، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكمًا من هذه حكمنا ببطلان إسلامه ليس من البحث؛ إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها، لا في إنكارها، وكيف وإنكار كلّ حكم من أحكام الإسلام موجبٌ للكفر، فلا معنى للتخصيص بهذه الأربعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأيضًا قوله: لا يخاطب إلخ فيه نظر؛ إذ هذا مذهب مرجوح، فالحقّ أن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، فكان الأولى أن يعبّر بقوله: فلا يُعتدّ بهذه الأشياء إلخ. وللعينيّ اعتراض على كلام الكرمانيّ المذكور، تركت ذكره لعدم جدواه فتنبّه. والله تعالى أعلم. (السادس): ما قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة ﵈ وغير ذلك مما تضمّنه سؤال جبريل ﵇؟ أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول - ﷺ - فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذُكر من المعتقدات، وقال الإسماعيليّ رحمه الله تعالى ما محصّله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأت «الحمد»، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدتُ، برسالة محمد - ﷺ -، وتريد جميع ما ذُكر . والله تعالى أعلم. (السابع): ما قيل: لمَ لم يذكر فيه الجهاد؟ أجيب بأنه فرض كفاية، ولا يتعيّن إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر - ﵄ - جوابًا للسائل، وزاد في رواية عبد الرزّاق في آخره: «وإن كان الجهاد من العمل الحسن». وأغرب ابن بطّال، فزعم أن هذا الحديث كان في أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وهو خطأ بَيِّنٌ؛ لأن فرض الجهاد كان قبل وقعة بدر، وكانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فُرض الصيام، والزكاة بعد ذلك، والحجّ بعد ذلك على الصحيح. وقال الداوديّ: لما فُتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بعد من الكفّار، وهو فرض على من يليهم، وكان أوّلًا فرضًا على الأعيان، وقيل: هو مذهب ابن عمر - ﵄ -، والثوريّ، وابن شُبْرُمة، إلا أن ينزل العدوّ فيأمر الإمام بالجهاد، وجاء في البخاريّ في هذا الحديث في «التفسير»: «أن رجلًا قال لابن عمر: ما حملك على أن تحجّ عامًا، وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد»، وفي رواية عكرمة بن خالد الآتية في أولها: «أن رجلًا قال لابن عمر: ألا تغزو، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:»إن الإسلام بُني على خمس … «الحديث، فهذا يدلّ على أن ابن عمر كان لا يرى فرضيّته إما مطلقًا، كما نُقل عنه، أو في ذلك الوقت . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في بيان اختلاف العلماء في توجيه إنكار ابن عمر - ﵄ - على الرجل في تقديمه الحجّ على الصيام في هذه الرواية مع ثبوت ذلك في الرواية التالية: قال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما تقديم الحج وتأخيره: ففي الرواية الأولى والرابعة تقديم الصيام، وفي الثانية والثالثة تقديم الحج، ثم اختلف العلماء في إنكار ابن عمر على الرجل الذي قَدَّم الحجَّ مع أنّ ابن عمر رواه كذلك، كما وقع في الطريقين المذكورين. والأظهر - والله أعلم - أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبيّ - ﷺ - مَرّتين: مرةً بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضًا على الوجهين في وقتين، فلما رَدّ عليه الرجل، وقَدَّم الحج، قال ابن عمر: لا تَرُدّ على ما لا عِلْمَ لك به، ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تَقْدَحْ فيما لا تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر. ويحتمل أنّ ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين، كما ذكرنا، ثم لَمّا رَدّ عليه الرجل نسي الوجه الذي رده، فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: محافظة ابن عمر - ﵄ - على ما سمعه من رسول الله - ﷺ -، ونهيه عن عكسه، تصلح حجةً لكون الواو تقتضي الترتيب، وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين، وشذوذٍ من النحويين، ومن قال: لا تقتضي الترتيب، وهو المختار، وقول الجمهور فله أن يقول: لم يكن ذلك لكونها تقتضي الترتيب، بل لأن فرض صوم رمضان نَزَل في السنة الثانية من الهجرة، ونزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل: سنة تسع - بالتاء المثنّاة فوقُ - ومن حق الأول أن يُقَدَّم في الذكر على الثاني، فمحافظة ابن عمر - ﵁ - لهذا، وأما رواية تقديم الحج، فكأنه وقع ممن كان يروي الرواية بالمعنى، وَيرَى أن تأخير الأول، أو الأهمّ في الذكر شائع في اللسان، فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهيَ ابن عمر - ﵄ - عن ذلك، فافهم ذلك، فإنه من المشكل الذي لم أرهم بيَّنوه، هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله ضعيف من وجهين: [أحدهما]: أن الروايتين قد ثبتتا في الصحيح، وهما صحيحتان في المعنى، لا تنافي بينهما، كما قدمنا إيضاحه، فلا يجوز إبطال إحداهما. [الثاني]: أنّ فتح باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قَدْحٌ في الرواة والروايات، فإنه لو فُتِحَ هذا لم يَبْقَ لنا ثِقَةٌ بشيء من الروايات، إلا القليل، ولا يخفى بطلان هذا، وما يترتب عليه من المفاسد، وتَعَلُّق من يتعلق به، ممن في قلبه مرض. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ . وقال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن تكون مُشَاحّة ابن عمر في هذا لأنه كان لا يرى نقل الحديث بالمعنى، وإن أدّاه بلفظٍ يَحْتَمِلُ، أو كان يرى الواو توجب الترتيب - كما قال بعضهم - فيجب التحفّظ على الرواية المسموعة من النبيّ - ﷺ -؛ لأنه قد يتعلّق بذلك أحكام. وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد يكون ردّ ابن عمر على الرجل إلى تقديم رمضان على الحجّ؛ لتقدّم فريضة رمضان على فريضة الحجّ، فجاء بالفرائض على نسقها في التاريخ. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد سبق ترجيح القول بأن ابن عمر - ﵄ - سمعه من النبي - ﷺ - مرّتين، وأنه رواه على الوجهين، فردّه على الرجل؛ لكونه اعترض على ما لا علم له به، وردّ الثابت؛ لتوهّمه عدم ثبوته. وأما ما جوّزه بعضهم من أن ابن عمر سمعه من النبيّ - ﷺ - على الوجهين، ونسي أحدهما عند ردّه على الرجل، ففيه نظر: لأن تطرّق النسيان إلى الراوي عن الصحابيّ أول من تطرّقه إلى الصحابيّ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (تنبيه): وقع في رواية أبي عوانة الإسفرايينيّ في كتابه «الْمُخَرَّج على صحيح مسلم، وشرطه» عكسُ ما وقع في مسلم من قول الرجل لابن عمر: قَدِّمِ الحجَّ، فوقع فيه أن ابن عمر - ﵁ - قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهنّ، كما سمعت من رسول الله - ﷺ -. فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: لا تقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا محتمل أيضًا صحته، ويكون قد جَرَت القضية مرتين لرجلين. والله تعالى أعلم، انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن الصلاح رحمه الله تعالى من ترجيح رواية مسلم أظهر، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قد حقّق الكلام على هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فأردت إيراد تحقيقه، وإن كان معظمه قد تقدّم، إلا أن فيه فوائد زوائد، قال رحمه الله تعالى: المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خَرّجه محمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة»، ولفظه: «بُنِي الإسلام على خمس دعائم …»، فذكره، والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائمُ البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتَتِمّة البنيان، فإذا فُقِد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله تعالى ورسوله - ﷺ -، وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقًا: «بُنِي الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله …» وذكر بقية الحديث، وفي رواية لمسلم: «على خمس: على أن يُوَحَّد الله ﷿»، وفي رواية له: «على أن يُعبَد الله، ويُكفر بما دونه». وبهذا يُعلَم أن الإيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام، كما سبق في حديث جبريل ﵇. وأما إقام الصلاة: فقد وردت أحاديث متعددةٌ لا تَدُلّ على أن من تركها، فقد خرج من الإسلام، ففي «صحيح مسلم» عن جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة»، ورُوي مثله من حديث بُريدة، وثوبان، وأنس، وغيرهم، وخَرّج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تترك الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا، فقد خرج من الملة» . وفي حديث معاذ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: «رأس الأمر الإسلام، وعموده، الصلاة»، فجعل الصلاة كعمود الفُسْطاط الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه. وقال عمر - ﵁ -: لا حَظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال سعد - ﵁ - وعلي بن أبي طالب - ﵁ -: من تركها فقد كفر. وقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة. وقال أبو أيوب السختيانيّ: ترك الصلاة كفر، لا يُخْتَلَف فيه. وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف، وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وحَكَى إسحاق عليه إجماع أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: وهو قول جمهور أهل الحديث. وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمس عمدًا فهو كافر بذلك، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، ونافع، والحكم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية. وخَرّج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قيل: يا رسول الله الحج في كل عام؟ قال: «لو قلت: نعم لوجب عليكم، ولو وجب عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم» . وخَرّج اللالكائيّ من طريق مؤمل قال، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النُكْريّ، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه، قال: «عُرَى الإسلام، وقواعدُ الدين ثلاثة، عليهن أُسِّسَ الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، مَن تَرَك منهم واحدةً فهو بها كافرٌ، حلال الدم، وتجده كثير المال، لم يحج، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل بذلك دمه، وتجده كثير المال ولا يزكي، فلا يزال بذلك كافرًا، ولا يحل دمه» . ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفًا مختصرًا، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد، عن عمر بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال: «من ترك منهنّ واحدةً فهو بالله كافر، ولا يُقْبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حَلّ دمه وماله»، ولم يذكر ما بعده. وقد رُوِي عن عمر - ﵁ - ضربُ الجزية على من لم يحجّ، وقال: ليسوا بمسلمين. وعن ابن مسعود أن تارك الزكاة ليس بمسلم. وعن أحمد رواية أن ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر، دون الصيام والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سَمُّوا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلال معصية، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر إبليس، وعلماء اليهود الذين أَقَرُّوا ببعث النبي - ﷺ - بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه. وقد استدل أحمد وإسحاق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد، اعتزل إبليس يبكي ويقول: يا ويلي أُمِر ابنُ آدم بالسجود، فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود، فأبيتُ فلي النار». (واعلم): أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد رُوي أنه لا يُقْبَل بعضها بدون بعض، كما في «مسند الإمام أحمد» عن زياد بن نُعيم الحضرميّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربعٌ فَرَضَهُنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يُغنِينَ عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا: الصلاة، والزكاة وصوم رمضان، وحج البيت»، وهذا مرسل . وقد روي عن زياد عن عُمَارَةَ بن حَزْم، عن النبي - ﷺ - . ورُوي عن عثمان بن عطاء الخرساني، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الدين خمسٌ لا يَقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت، هذه واحدة، والصلوات الخمس عمود الدين، لا يَقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طَهُور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان، ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم جاء رمضان، فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان، ولا الصلاة، ولا الزكاة، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثم تيسر له الحجّ، فلم يحج، ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها»، ذكره ابن أبي حاتم ، فقال: سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، يَحتمل أن هذا من كلام عطاء الخرساني. قال ابن رجب: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وعطاءٌ من أجلاء علماء الشام. وقال ابن مسعود: من لم يُزَكِّ فلا صلاة له. ونفيُ القبول هنا لا يراد به نفي الصحة، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يراد بذلك انتفاء الرضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن أتى ببعضها دون بعض، لم يحصل له ذلك، وإن كان لا يُعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه، بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا. ومن ها هنا يُعلَم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينقص بها الإيمان، تكون مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النبي - ﷺ -: «مَنْ شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، رواه مسلم، وقال: «مَن أَتَى عَرّافًا، فصدقه بما يقول، لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا»، رواه مسلم أيضًا، وقال: «أَيُّما عبد أَبَقَ من مواليه، لم تُقبَل له صلاة»، رواه مسلم أيضًا. وحديثُ ابن عمر - ﵄ - يُستَدَلُّ به على أن الاسم إذا شَمِلَ أشياء متعددة، لم يَلزم زوالُ الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قول من قال: «إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال لَلَزِم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي - ﷺ - جعل هذه الخمس دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبرائيل ﵇، وفي حديث طلحة بن عُبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام، ففسره له بهذه الخمس. ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة، أو أربع خصال، سوى الشهادتين لم يَخرُج بذلك من الإسلام، وقد رَوَى بعضهم أن جبرائيل ﵇ سأل النبي - ﷺ - عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونُقّاده، منهم أبو زرعة الرازيّ، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العقيليّ، وغيرهم. وقد ضَرَب العلماء مَثَلَ الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شُعَبها وفروعها لم يَزُل عنه اسم الشجرة، وإنما يقال: هي شجرة ناقصة، وغيرها أتم منها. وقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك، في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [ابراهيم: ٢٤]، والمراد بالكلمة كلمة التوحيد، وبأصلها التوحيدُ الثابتُ في القلوب، وأُكُلها هو الأعمال الصالحة الناشئة منه. وضرب النبي - ﷺ - مثل المؤمن والمسلم بالنخلة ، ولو زال شيء من فروع النخلة من ثمرها، لم يَزُل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر. ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أن الجهاد أفضل الأعمال، وفي رواية إن ابن عمر قيل له: فالجهاد؟ قال: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدثنا رسول الله - ﷺ - خَرَّجه الإمام أحمد. وفي حديث معاذ بن جبل - ﵁ -: «إن رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذِرْوَة سنامه الجهاد»، وذروةُ سنامه أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه، وأركانه التي بُنِيَ عليها، وذلك لوجهين: [أحدهما]: أن الجهاد فرض كفاية، عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين، بخلاف هذه الأركان. [والثاني]: أن الجهاد لا يستمرّ فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يَبْقَ حينئذٍ ملةٌ إلا ملةُ الإسلام، فحينئذٍ تَضَعُ الحرب أوزارها، ويُستَغْنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله، وهم على ذلك. والله ﷾ أعلم. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٠] (…) - (وحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ السُّلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعسْكَرِيُّ) بن فارس بن سنان، أبو مسعود الْكِنْدِيّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، له غرائب [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وحفص بن غياث، وحماد بن زيد، وزياد بن عبد الله الْبَكّائيّ، وعلي بن مسهر، وأبي معاوية، ومروان بن معاوية، وإبراهيم بن سعد، وعقبة بن خالد السَّكُونيّ، وعبد الرزاق، وعبد الله بن جعفر المدينيّ، وعدّة. وروى عنه مسلم، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى بن أبي سُمَينة، وهما من أقرانه، وأبو مسعود أحمد بن الْفُرَات الرازي، وأحمد بن نصر بن عبد الوهاب النيسابوريّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبدان الأهوازيّ، وإسماعيل بن عبد الله سَمُّويه، وجعفر بن أحمد بن فارس، وجماعة. قال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو الشيخ: كان كثير الفوائد، وقال عبدان: قَدِم عليه أبو بكر الأعين، وجماعة من أصحابه، فقالوا في أحاديث: حَدَّثنا بها أنه أخطأ، فقيل له، فقال: هكذا حَدَّثنا فلان وفلان، فسكتوا عنه، وله غرائب كثيرة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة، واسمه خالد بن ميمون بن فَيْرُوز الْهَمْدانيّ - بسكون الميم - الوادعيّ مولاهم، أبو سعيد الكوفيّ، ثقة متقنٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن أبيه، والأعمش، وابن عون، وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وداود بن أبي هند، وحارثة بن أبي الرجال، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم، وأبو داود الْحَفَريّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وابنا أبي شيبة، وعلي بن المديني، وداود بن رُشَيد، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وإبراهيم بن موسى، وسهيل بن عثمان العسكري، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وغيرهم. قال إبراهيم بن موسى عن أبي خالد الأحمر: كان جَيِّد الأخذ، وقال أيضًا عن الحسن بن ثابت: نَزَلتُ بأفقه أهل الكوفة، يعنيه. وقال عمرو الناقد عن ابن عيينة: ما قَدِمَ علينا مثل ابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وقال الحارث بن سُرَيج عن يحيى القطان: ما خالفني أحدٌ بالكوفة أشدُّ عليّ من ابن أبي زائدة. وقال أحمد، وابن معين: ثقة. وقالى عثمان الدارمي: قلت لابن معين: إسماعيل بن زكريا أحب إليك، أو يحيى بن أبي زائدة؟ قال: يحيى أحب إلي، قلت: هما أخوان عندك؟ قال: لا. وقال ابن المدينيّ: هو من الثقات، وقال أيضًا: لم يكن بالكوفة بعد الثوري أثبت منه، وقال أيضًا: انتهى العلم إليه في زمانه. وقال ابن نمير: كان في الإتقان أكثر من ابن إدريس. وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، ثقةٌ، صدوقٌ. وقال النسائيّ: ثقة ثبت. وقال العجليّ: ثقةٌ، وهو ممن جُمِع له الفقه والحديث، وكان على قضاء المدائن، ويُعَدُّ من حفاظ الكوفيين للحديث، متقنًا ثبتًا، صاحب سنة، ووكيع إنما صَنَّف كتبه على كتب يحيى بن أبي زائدة. وذكر ابن أبي حاتم: أنه أول من صَنَّف الكتب بالكوفة. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: يحيى بن أبي زائدة في الحديث مثل العروس الْمُعَطَّرة. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: كان يحيى بن زكريا كَيِّسًا، ولا أعلمه أخطأ إلا في حديث واحد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن قبيصة بن بُرمَة، قال: قال عبد الله: «ما أُحبّ أن يكون عبيدكم مؤدبيكم»، وإنما هو عن واصل، عن قبيصة. وقال الغلابيّ عن ابن معين نحو ذلك. وقال حنبل عن محمد بن داود: سمعت عيسى بن يونس، وسئل عن يحيى بن أبي زائدة، فقال: ثقة، قال: ورأيت زكريا بن أبي زائدة يجيء به إلى مُجَالد. وقال زياد بن أيوب: كان يحدث حفظًا. وقال ابن أبي حاتم في «العلل»: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه ابنُ أبي زائدة، عن يحيى بن سعيد، عن مسلم بن يسار، عن ابن عُمير في الَعَبَث بالحصى، فقالا: وَهِمَ ابنُ أبي زائدة، وإنما هومسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن، عن ابن عُمير، قال أبو زرعة: يحيى قَلَّمَا يُخطئ، فإذا أخطأ أتى بالعظائم. انتهى. وقال ابن سعد: كان ثقة - إن شاء الله تعالى -. وقال ابن شاهين في «الثقات»: قيل ليحيى بن معين: إن زكريا بن عدي لم يُحَدِّث عنه، قال: هو خير من زكريا بن عديّ، ومن أهل قريته. وقال علي بن المدينّي: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال ابن سعد وغيره: مات بالمدائن، وهو قاضٍ بها سنة ثلاث وثمانين، وفيها أرّخه غير واحد، زاد يعقوب بن شيبة: وبلغ من السن يوم مات ثلاثًا وستين سنة، وقال: ثقةٌ، حسن الحديث، ويقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، وكان يُعَدّ في فقهاء محدثي أهل الكوفة، وكانت وفاته في جمادى الأولى، وقال خليفة، وابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع، وقال ابن قانع: مات سنة أربع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٦) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وسعد بن طارق، هو أبو مالك الأشجعيّ الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢١] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَحَجِّ الْبَيْت، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٣/ ٦. ٢ - (أَبُوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦. ٣ - (عَاصِمٌ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب العمريّ المدنيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن أبيه، وإخوته: واقد، وزيد، وعمر، وابن عم أبيه: القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب الْقُرَظِيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق الفزاري، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وبِشْر بن المفضل، وعمر بن يونس اليمامي، ومعاذ بن معاذ العنبريّ، ووكيع، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو نعيم، وأحمد بن يونس، وعلي بن الْجَعْد، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقةٌ لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال أبو زرعة: صدوقٌ في الحديث. وقال البزار: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (١٦) و(١٤٦) و(١٥٠٩) و(١٨٢٠) و(١٨٥١). ٤ - (أَبُوهُ) مُحَمَّدُ بْنُ زيدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن العبادلة الأربعة: جدِّهِ عبد الله، وابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو. وروى عنه بنوه الخمسة: عاصم، وواقد، وعُمَر، وأبو بكر، وزيد، والأعمش، وبشار بن كِدَام، وعَبْدَة بن أبي لُبَابة، وأبو قُطْبة سُويَد بن نَجِيح. قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ثقة، قلت: يُحتَجّ بحديثه؟ قال: نعم، وكان البخاري جَعَلَ محمد بن زيد الذي رَوَى عن ابن عباس، وعنه الأعمش، غير ابن عمر هذا، فغَيَّرَهُ أبي، وقال: هما واحدٌ: وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرجه له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. وقوله: «قال عبد الله»، يعني ابن عمر بن الخطاب - ﵁ - المذكور في السند الماضي. وقوله: «شهادة أن لا إله إلا الله»، وما بعده مخفوضٌ على البدليّة من «خمسٍ»، ويجوز رفعها على حذف الخبر، أي منها شهادة إلخ، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: «أحدها شهادة إلخ، ويجوز النصب بتقدير»أعني شهادة الخ«. [تنبيه]: قال في«الفتح»: اشترط الباقلّانيّ في صحّة الإسلام تقدّم الإقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يُتابَع، مع أنه إذا دقّق فيه بان وجهه، ويزداد اتّجاهًا إذا فرّقهما، فليُتأمّل. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٢] (…) - (وحَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالدٍ، يُحَدِّثُ طَاوُسًا، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا تَغْزُو، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:«إِنَّ الْإِسْلَامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيَتَاءِ الزَّكَاة، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَنْظَلَةُ) بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أميّة الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ حجة [٦]. رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وسعيد بن مِينَاء، وطاووس، وعكرمة بن خالد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رَبَاح، ومجاهد، وأخويه: عبد الرحمن وعمر، وجماعة. ورَوَى عنه الثوريّ، وحماد بن عيسى الْجُهَنيّ، وابن المبارك، وابن نمير، وابن وهب، ووكيع، والقطان، والوليد بن مسلم، وعبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وجماعة. قال أحمد: كان وكيع إذا أَتَى على حديثه قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة، وكذا قال الْجُوزَجانيّ عن أحمد: إنه ثقة ثقة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال عبد الله بن شعيب عن ابن معين: حنظلة وأخوه ثقتان. وقال أبو زرعة، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو داود، وعثمان بن الأسود يُقَدَّم عليه. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه؟ فقال: كان عنده كتابٌ، ولم يكن عندي مثل سيف. وقال ابن عديّ: وعامة ما رَوَى حنظلة مستقيم، وإذا حَدَّث عنه ثقة فهو مستقيم. وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة، وهو دون المتثبتين، وقال أيضًا: قيل لعلي بن المدينيّ: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: روايته عن سالم وادٍ، وروايةُ موسى بن عقبة عن سالم واد آخر، ورواية الزهريّ عن سالم كأنها أحاديث نافع، فقيل لعلي: هذا يدل على أن سالمًا كثير الحديث؟ قال: أجل. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. وقال ابن المدينيّ: لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال اسم أبي سفيان الأسود، وهو الذي يَرْوِي عنه محمد بن فضيل، ويقول: حدثنا حنظلة بن الأسود، وذكره ابن عدي في «الكامل»، وأورد له حديثًا استنكره، لَعَلَّ العلة فيه من غيره. قال أحمد عن يحيى بن سعيد: كان حَيًّا سنة (١٥١)، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات فيها. أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وأبي داود، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٢ - (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مَخْزُوم القرشيّ المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطُّفيل، ومالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وجماعة. وَرَوَى عنه أيوب، وابن جريج، وعبد الله بن طاوس، وعبد الله بن عطاء المكيّ، وحنظلة بن أبي سفيان، وعباد بن منصور، وقتادة، وابن إسحاق، وعطاء بن عجلان، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة. ووَثَّقَه البخاريّ فيما ذكر أبو الحسن بن القطان. وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: لم يسمع من ابن عباس. وقال أبو زرعة: عكرمة بن خالد عن عثمان مرسلٌ .. وقال ابن أبي حاتم: قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من عمر، وسمع من ابنه. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات بعد عطاء بن أبي رباح. أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط هذا (١٦) وحديث (٢٦٤٥): «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة …» الحديث، والباقون تقدّموا قبل حديثين. وقوله: «أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر إلخ»، تقدّم أن اسم هذا الرجل يزيد بن بشر السكسكيّ، كما ذكر الخطيب في «مبهماته». وقوله: «شهادة أن لا إله إلا الله»، اقتصاره في هذه الرواية على إحدى الشهادتين، فهو إما تقصير من الراوي في حذف الشهادة الأخرى التي أثبتها غيره من الحفاظ، وإما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا، ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين، ودلالته على الآخر المحذوف. قاله النوويّ . وقوله: «ألا تغزو»: فهو بالتاء المثناة من فوقُ للخطاب، ويجوز أن يُكتَبَ «تغزوا»، بالألف وبحذفها، فالأول قول الْكُتَّاب المتقدمين، والثاني قول بعض المتأخرين، وهو الأصح، حكاهما ابن. قتيبة في «أدب الكاتب». وأما جواب ابن عمر - ﵁ - له بحديثِ «بُنِي الإسلام على خمس»، فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان، فإن الإسلام بُنِي على خمس، ليس الغزو منها، قاله النوويّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٦) - (بَابُ الأَمْرِ بِالإِيمَانِ بِالله تَعَالَى، وَرَسُولِهِ - ﷺ -، وَشَرَائِعِ الدِّين، وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٢٣] (١٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. (ح) وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا هَذَا الْحَيَّ، مِنْ رَبِيْعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَعْمَلُ بِه، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَع: الْإِيمَانِ باللهِ»، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: «شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاة، وَإِيتَاءِ الزَّكَاة، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالنَّقِير، وَالْمُقَيَّرِ - زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَايَتِهِ - شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ»، وَعَقَدَ وَاحِدَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) بن ثَعْلب - بالمثلّثة، والمهملة - ويقال: طالب بن غُرَاب الْبَزّار - بالراء آخرَهُ - المقرئ البغداديّ، ثقة [١٠]. روى عن مالك، وحماد بن زيد، وهشيم، وأبي الأحوص، وأبي شهاب، وأبي عوانة، والدّرَاوَرْديّ، وجماعة. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن أبي خيثمة، وإبراهيم الحربيّ، وعباس الدُّوريّ، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال اللالكائيّ: سئل عباس الدُّوريّ عن حكاية عن أحمد بن حنبل في خَلَف بن هشام، فقال: لم أسمعها، ولكن حدّثني أصحابنا أنهم ذكروه عند أحمد، فقيل: إنه يشرب، فقال: قد انتهى إلينا علم هذا، ولكنه والله عندنا الثقة الأمين، وقال عباس: ووَجَّهني خلف إلى يحيى، فقال: كانت عندي كتب حماد بن زيد، فحدثت بها، وبَقِيَ عندي رِقَاع بعضها دارس، فاجتمعت عليه أنا وأصحابنا، فاستخرجناها، فهل ترى أن أحدث بها؟ قال لي: قل له حدث بها يا أبا محمد، فإنك الصدوق الثقة، وقال النسائيّ: بغدادي ثقة، وقال الدارقطنيّ: كان عابدًا فاضلًا، قال: أعدت صلاة أربعين سنةً، كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين، وحكى الخطيب في «تاريخه» عن محمد بن حاتم الكنديّ، قال: سألت يحيى بن معين عن خَلَف البزار؟ فقال: لم يكن يَدْرِي أَيْشٍ الحديثُ؟ قال الخطيب: أحسبه سأله عن حفاظ الحديث وثقاته، فأجابه بهذا، والمحفوظ عن يحيى توثيق خلف، وقال أبو عمرو الدانيّ: قرأ القرآن عن سُلَيم، وأَخَذَ حرف نافع عن إسحاق المسيَّبِيّ، وحرف عاصم عن يحيى بن آدم، وهو إمام في القراءات، وله اختيار حُمِلَ عنه، مُتَقَدِّم في رواية الحديث، صاحب سنة، ثقة مأمون. قال موسى بن هارون، وغير واحد: مات في سنة (٢٢٩) في جمادى الآخرة، وكذا قال ابن حبان، وزاد: وكان خيرًا فاضلًا عالِمًا بالقراءات، كتب عنه أحمد بن حنبل. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٠) حديثًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثَبْتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) ٣/ ٢٦. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقة ثبتٌ إمام [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) ٢/ ٩. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ الْعَتَكيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٧]. روى عن عاصم الأحول، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، وهشام بن عروة، وعبد الله وعبيد الله ابني عمر بن حفص، وعوف الأعرابيّ، ومجالد، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ويونس بن خباب، وواصل مولى أبي عُيينة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى، وإبراهيم بن زياد سَبَلان، ومسدد، ومحمد بن عيسى بن الطَّبّاع النيسابوري، وموسى بن إسماعيل، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ليس به بأسٌ، وكان رجلًا عاقلًا أديبًا، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: عباد بن عباد، وعباد بن العوّام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما، وأكثرهما حديثًا، وقال يعقوب بن شيبة، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خِرَاش: ثقة، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوقٌ، لا بأس به، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: لا، وقال الترمذيّ، عن قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف: مالكًا، والليث، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ووثقة العجليّ، والعقيليّ، وأبو أحمد المروزيّ، وابن قتيبة. قال الحافظ: وأورد ابن الجوزي في «الموضوعات» حديث أنس: «إذا بلغ العبد أربعين سنة …» من طريق عباد هذا، فنسبه إلى الوضع، وأفحش القول فيه، فَوَهِمَ وَهَمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه بِرَاو آخر، وقد تعقبتُ كلامه في «الخصال المكفرة» انتهى . وقال ابن سعد: كان ثقةً، وربما غَلِطَ، وقال في موضع آخر: كان معروفًا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقويّ في الحديث، وتُوُفّي سنة إحدى وثمانين ومائة، وزاد أبو جعفر بن جرير الطبريّ: في رجب، قال: وكان ثقةً، غير أنه كان يَغْلَط أحيانًا، وقال البخاريّ: قال سليمان بن حرب: مات قبل حماد بن زيد بستة أشهر، وقال إبراهيم بن زياد سَبَلان: مات سنة (١٨٠)، قال البخاريّ: وهذا أشبه. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) و(٦٦٣) و(١٢١١) و(١٢٣١) و(١٤٧٦) و(٢١٣٢) و(٢١٩٢) و(٢٦٧٣). ٥ - (أَبُو جَمْرَةَ) - بالجيم - هو: نصر بن عمران بن عِصَام، وقيل: ابن عاصم بن واسع، الضُّبَعيُّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها مهملة - البصريُّ، نزيل خُرَاسان، مشهورٌ بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٣]. روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وجُويرية بن قُدامة، وأنس بن مالك، وزَهْدَم الجرمي، وأبي بكر بن أبي موسى الأشعريّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه علقمة، وأبو التَّيّاح، والمثنى بن سعيد الْقَسّام، ومُرّة بن خالد، وشعبة، وإبراهيم بن طَهْمان، والحمادان، وعمران القطان، وهمام بن يحيى، وعباد بن عباد المهلبيّ، وأبو عوانة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وكذا قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين، وقال الآجريّ، عن أبي داود: روى أبو عوانة، عن أبي حَمْزَة القَصّاب ستين حديثًا، وروى عن أبي جَمْرة حديثًا، واحدًا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال مسلم بن الحجاج: كان مقيمًا بنيسابور، ثم خرج إلى مرو، ثم إلى سَرَخْس، فمات بها، وقال الحاكم: كان ورد خراسان مع سعيد بن عثمان، ثم وردها مع يزيد بن المهلب، وله ذكر في الفتوح، ثم أقام بسرخس، وتُوفي بها، وقال عمرو بن عليّ: مات قبل أبي التياح بقليل، ومات أبو التياح سنة ثمان وعشرين ومائة، وفيها أرَّخه الترمذيّ، وقال: إنهما ماتا في يوم واحد، وقال خليفة بن خياط، والبخاريّ: مات في ولاية يوسف بن عمر على العراق، وكان عَزْلُ يوسف سنة أربع وعشرين، وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (١٧) كرّره ثلاث مرات، (٦٣٥) و(٧٦٤) و(٩٦٧) و(١٢٤٢) و(٢٣٥١) و(٢٤٧٤) و(٢٥٣٥). [تنبيه]: «الضُّبعيّ» - بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، من بني ضُبَيعة - بضم أوله، مُصَغَّرًا - وهم بطن من عبد القيس، كما جزم به الرشاطيّ، وفي بكر بن وائل بطن يقال لهم: بنو ضُبَيعة أيضًا، وقد وَهِمَ من نَسَبَ أبا جمرة إليهم، من شُرّاح البخاريّ، فقد روى الطبرانيّ، وابن منده في ترجمة نوح بن مَخْلَد، جَدِّ أبي جمرة أنه قَدِمَ على رسول الله - ﷺ -، فقال له: «ممن أنت؟» قال: من ضُبَيعةِ ربيعةَ، فقال: «خيرُ ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذين أنت منهم»، قاله في «الفتح» . ٦ - (ابن عبّاس) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله - ﷺ -، كان يقال له: الْحَبْر والْبَحْر؛ لكثرة علمه. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن أبيه، وأمه أم الفضل، وأخيه الفضل، وخالته ميمونة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي بن كعب، وتميم الداري، وخالد بن الوليد، وهو ابن خالته، وأسامة بن زيد، وجماعة. وروى عنه ابناه: علي ومحمد، وابن ابنه محمد بن علي، وأخوه كَثِير بن العباس، وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وابن أخيه الآخر، عبد الله بن معبد بن عباس، ومن الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثعلبة بن الحكم الليثي، والمسور بن مخرمة، وأبو الطفيل، وغيرهم من الصحابة، وخلق كثير من التابعين. دعا له النبي - ﷺ - بالحكمة مرتين، وقال ابن مسعود: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقال ابن مسعود أيضًا: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد. وَرَوَى ابن أبي خيثمة بسند فيه جابر الجعفي أن ابن عمر كان يقول: ابنُ عباس أعلم أمة محمد بما أنزل على محمد - ﷺ -. وروى ابن سعد بسند صحيح أن أبا هريرة قال - لما مات زيد بن ثابت -: مات اليوم حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفًا. وقال ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت مثل ابن عباس قط. وقال يزيد بن الأصمّ: خرج معاوية حاجًّا، وخرج ابن عباس حاجًّا، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس ممن يطلب العلم موكب. وقالت عائشة: هو أعلم الناس بالحج. وروى الزبير بن بكار في كتاب «الأنساب» بسند له فيه ضعف عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس، ويُقَرِّبه، ويقول: إني رأيت رسول الله - ﷺ - دعاك يومًا، فمسح رأسك، وتفل في فيك، وقال: «اللهم فَقِّهه في الدين، وعلمه التأويل». ورَوَى أحمد هذا المتن بسند لا بأس به، من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به، وبعضه في «الصحيح». ورواه الطبرانيّ بمعناه من طريق ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس نحوه. وعند أبي نعيم بسند له عن عبد الله بن بُريدة، عن ابن عباس قال: انتهيت إلى رسول الله - ﷺ -، وعنده جبريل، فقال له جبريل: إنه كائن حبرَ هذه الأمة، فاستوصِ به خيرًا. [فائدة]: رُوي عن غُندَر أن ابن عباس لم يسمع من النبي - ﷺ - إلا تسعة أحاديث. وعن يحيى القطان: عشرة. وقال الغزالي في «المستصفى» أربعة: وكلُّ هذا فيه نظر، ففي «الصحيحين» عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي - ﷺ - أكثر من عشرة، وفيهما مما شَهِدَ فعله نحوُ ذلك، وفيهما مما له حُكمُ الصريح نحوُ ذلك، فضلًا عما ليس في «الصحيحين». قال السخاويّ رحمه الله تعالى: وقد اعتنى شيخنا - يعني الحافظ ابن حجر - بجمع الصحيح والحسن فقط مما صرّح فيه ابن عباس بالسماع، فزاد على الأربعين، سوى ما هو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فُعِل بحضرة النبيّ - ﷺ -، انتهى . ورَوَى سعيد بن جبير عنه قال: قُبِض النبي - ﷺ -، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة. وعنه قال: وأنا خَتِين. وعنه قال: ابن عشر سنين. وعنه قال: وأنا ابن خمس عشرة، وصوَّبه أحمد بن حنبل. وصحح ابنُ عبد البر ما قاله أهل السير أنه كان له عند موت النبي - ﷺ - (١٣) سنة. وقال أبو نعيم في آخرين: مات سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة. وكان موته بالطائف. وقيل: مات سنة (٦٩)، وقيل: سنة سبعين. أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٦٩٦) حديثًا، اتفق الشيخان على (٧٥) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٢٨) ومسلم بـ (٤٩) حديثًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف رحمه الله تعالى، وهو أعلى الأسانيد عنده، كما قدّمناه في «شرح المقدّمة». ٢ - (ومنها): كتابة (ح) إشارة إلى تحويل الإسناد، وقد تقدّم تمام البحث فيها قريبًا، فلا تَنْسَ. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة إلا شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني لم يُخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه أيضًا، فالأول بغداديّ، والثاني نيسابوريّ. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه التحديث، والإخبار، والعنعنة، وكلها من صيغ الاتصال، على الأصح في «عن» من غير المدلّس إذا ثبت السماع، واكتفى المصنّف بالمعاصرة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في «شرح المقدّمة». ٧ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، وأحد المشهورين بالفتوى، وهو الملقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالطائف. ٨ - (ومنها): ما قاله النوويّ رحمه الله تعالى: إن قوله في الرواية الثانية: أخبرنا عباد بن عباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس - ﵄ - قد يَتَوَهَّم من لا يُعَاني هذا الفن أنّ هذا تطويل لا حاجة إليه، وأنه خلاف عادته، وعادة الحفاظ، فإن عادتهم في مثل هذا أن يقولوا: «عن حماد، وعباد، عن أبي جمرة، عن ابن عباس»، وهذا التوهم يَدُلُّ على شدة غباوة صاحبه، وعدم مؤانسته بشيء من هذا الفن، فإن ذلك إنما يفعلونه فيما استوى فيه لفظ الرواة، وهنا اختلف لفظهم، ففي رواية حماد: «عن أبي جمرة، سمعت ابن عباس»، وفي رواية عباد: «عن أبي جمرة، عن ابن عباس». قال: وهذا التنبيه الذي ذكرته ينبغي أن يُتَفَطَّن لمثله، وقد نبهت على مثله بأبسط من هذه العبارة في الحديث الأول من «كتاب الإيمان»، ونبهت عليه أيضًا في الفصول، وسأنبه على مواضع منه أيضًا مفرقة في مواضع من الكتاب - إن شاء الله تعالى -. والمقصود أن تُعْرَف هذه الدقيقة، وَيتَيَقَّظ الطالبُ لِمَا جاء منها، فيعرفَه، وإن لم أنُصَّ عليه اتّكالًا على فهمه بما تكرر التنبيه به. ولْيَسْتَدِلَّ أيضًا بذلك على عظم إتقان مسلم رحمه الله تعالى، وجلالته، وورعه، ودِقَّة نظره، وحِذْقِه، والله تعالى أعلم، انتهى . ٩ - (ومنها): أن أبا جمرة بالجيم والراء، قال صاحب «المطالع»: ليس في «الصحيحين»، و«الموطإ» أبو جمرة، ولا جَمْرَة بالجيم، إلا هو، وقد ذكر الحاكم أبو أحمد الحافظ الكبير، شيخ الحاكم أبي عبد الله في كتاب «الأسماء والكنى» أبا جمرة نصر بن عمران هذا في الأفراد، فليس عنده في المحدثين من يُكنى أبا جمرة بالجيم سواه، وفيه أبو حمزة - بالحاء والزاي - ويروي عن ابن عباس حديثًا واحدًا، وذكر فيه معاويةَ بن أبي سفيان، وإرسال النبيّ - ﷺ - إليه ابن عباس، وتأخره واعتذاره، رواه مسلم في «الصحيح» . ٢٦٠٤ - حدثنا محمد بن المثنى العنزي (ح) وحدثنا ابن بشار، واللفظ لابن المثنى= وحَكَى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه «علوم الحديث»، والقطعة التي شرحها في أول مسلم، عن بعض الحفاظ أنه قال: إن شعبة بن الحجاج، رَوَى عن سبعة رجال، يَرْوُون كلُّهم عن ابن عباس، كلُّهم يقال له: أبو حَمْزَة - بالحاء والزاي - إلا أبا جمرة، نصر بن عمران - فبالجيم والراء - قال: والفرق بينهم يُدرَك بأن شعبة إذا أَطْلَق، وقال: «عن أبي جمرة، عن ابن عباس» فهو بالجيم، وهو نصر بن عمران، وإذا رَوَى عن غيره ممن هو بالحاء والزاي، فهو يذكر اسمه أو نسبه، والله تعالى أعلم، انتهى. قال الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى: وربّما أطلق غيره أيضًا، مثاله ما روى أحمد في «مسنده»: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي حمزة، سمعت ابن عبّاس يقول: «مرّ بي رسول الله - ﷺ -، وأنا ألعب مع الغلمان، فاختبأتُ منه خلفَ باب …» الحديث، فهذا شعبة قد أطلق الرواية عن أبي حمزة، وليس هو نصرَ بنَ عمران، إنما هو بالحاء المهملة والزاي القصّاب، واسمه عمران بن أبي عطاء، كما بيّنه مسلم في روايته . وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في «ألفية الحديث»، فقال: وَعَنْ أَبِي حَمْزَةَ يَرْوِي شُعْبَةُ … عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزَايٍ عِدَّةُ إِلَّا أَبَا جَمْرَةَ فَهْوَ بِالرَّا … وَهْوَ الَّذِي يُطْلَقُ يُدْعَى نَصْرَا والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) - بالجيم والراء - نصر بن عمران، كما تقدم (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ) سبب قول ابن عباس - ﵁ - هذا أن امرأةً جاءته تسأله عن = قالا: حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس، قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله - ﷺ -، فتواريت خلف باب، قال: فجاء، فحطأني حطأة، وقال: «اذهب، وادع لي معاوية»، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: «اذهب، فادع لي معاوية»، قال: فجئت، فقلت: هو يأكل، فقال: «لا أشبع الله بطنه». و«الْحَطْأَة»: الضرب بالكفّ. نبيذ الجرّ، كما سيأتي في الحديث التالي: - إن شاء الله تعالى - (قَدِمَ) - بكسر الدال - يقال: قَدِمَ الرجل البلد يَقْدَمُهُ، من باب تَعِبَ، قُدُومًا، ومَقْدَمًا بفتح الميم والدال، قاله في «المصباح» ، وفي «القاموس»: وقَدِمَ من سَفَرِه، كعَلِمَ قُدُومًا وقِدْمَانًا بالكسر: آب، فهو قادم، انتهى . (وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ) «الْوَفد» بفتح، فسكون: جمع وافد، قال الفيّوميّ: وَفَدَ على القوم وَفْدًا، من باب وَعَدَ، ووُفُودًا، فهو وافدٌ، وقد يُجمَعُ على وُفَّاد، ووُفَّدٍ، وعلى وَفْدٍ، مثلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، انتهى . وقال ابن سيده: يقال: وَفَدَ عليه، وإليه وَفْدًا ووُفُودًا، ووِفَادةً وإِفَادَةً على البدل: قَدِمَ عليه، وهم الوَفْدُ، والوُفُودُ، فأما الوَفْدُ فاسم جمع، وقيل: جمع، وأما الوُفُودُ فجمع وافدٍ، وقد أوفده إليه. وفي «الجامع» للقزّاز: وَفَدَ القومُ يَفِدُون، وأوفدتهم أنا أيضًا، وواحد الوفد وافدٌ. وفي «الصحاح»: وَفَدَ فلانٌ على الأمير رسولًا، والجمع وَفْدٌ، وجمع الوافد أَوفَادٌ، والاسم الوفادة، وأوفدته أنا إلى الأمير: أي أرسلته. وفي «المغيث»: الوَفْدُ قوم يجتمعون، فيَرِدون البلادَ، وكذا ذكره الفارسيّ في «مجمع الغرائب». وقال صاحب «التحرير»: «الوَفْدُ»: الجماعة المختارة من القوم؛ ليتقدّموهم إلى لُقِيّ العظماء، والمصير إليهم في المهمات، واحدهم وَافِدٌ. وقال القاضي: هم القوم يأتون الملك ركابًا، ويؤيّده ما ذكره ابن عبّاس فسّر قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥]، قال: رُكبانًا. و«عبد القيس»: أبو قبيلة، وهو ابن أفصى - بفتح الهمزة، وسكون الفاء، والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْميّ - بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة - ابن جَدِيلة - بفتح الجيم - ابن أسد بن ربيعة بن نِزَار، كانوا ينزلون البحرين، وحوالي القطيف والأحساء، وما بين هَجَر إلى الديار المصريّة . (عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -) متعلّق بـ «قَدِمَ»، قال صاحب «التحرير»: وَفْدُ عبد القيس هؤلاء تقدَّموا قبائل عبد القيس للمهاجرة إلى رسول الله - ﷺ -، وكانوا أربعة عشر راكبًا الأشجّ الْعَصَريّ رئيسهم، ومَزْيَدَة بن مالك المحاربيّ، وعبيدة بن همام المحاربيّ، وصُحَار بن العباس الْمُرّيّ، وعمرو بن مَرْجوم الْعَصريّ، والحارث بن شُعيب الْعَصَريّ، والحارث بن جُنْدَب، من بني عايش، ولم نَعْثُر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء وتعقّب صاحب «الفتح» قوله: ولم نعثر بعد طول التتبع إلخ فقال: قد ذكر ابنُ سعد منهم عُقبة بن جروة، وفي «سنن أبي داود» قيس بن النعمان الْعَبْديّ، وذكره الخطيب أيضًا في «المبهمات»، وفي «مسند البزار»، وتاريخ ابن أبي خيثمة«: الجهم بن قُثَم، ووقع ذكره في»صحيح مسلم«أيضًا، لكن لم يُسَمِّه، وفي»مسندي أحمد، وابن أبي شيبة«: الرستم العبديّ، وفي»المعرفة«لأبي نعيم: جُويرية العبديّ، وفي»الأدب«للبخاريّ: الزارع بن عامر العبديّ. قال: فهؤلاء الستة الباقون من العدد، وما ذَكَرَ من أن الوَفْد كانوا أربعة عشر راكبًا، لم يذكر دليله. وفي«المعرفة»لابن منده، من طريق هُود العَصَريّ، عن جده لأمه، مزيدة، قال: بينما رسول الله - ﷺ - يحدث أصحابه، إذ قال لهم:«سيطلُع لكم من هذا الوجه رَكْبٌ، هم خير أهل المشرق»، فقام عمر، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فرَحَّب، وقرب، وقال: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القيس. فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب، أو مُرتدفًا. وأما ما رواه الدُّولابيّ وغيره من طريق أبي خَيْرَة - بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثنّاة التحتانية، وبعد الراء هاء - الصُّبَاحيِّ وهو - بضم الصاد المهملة، بعدها موحدة خفيفة، وبعد الألف حاء مهملة - نسبة إلى صُبَاح بطن من عبد القيس، قال: كنت في الوفد الذين أَتَوْا رسول الله - ﷺ - من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدباء، والنقير … الحديث. فيمكن أن يُجْمَع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر، كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا. وقد وقع في جملة الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة على من سميته هنا، منهم: أخو الزارع، واسمه مطر، وابن أخته، ولم يُسَمَّ، وروى ذلك البغويّ في «معجمه»، ومنهم: مشمرج السعديّ، رَوَى حديثه ابن السكن، وأنه قَدِمَ مع وفد عبد القيس، ومنهم جابر بن الحارث، وخُزيمة بن عبد بن عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية - أوله جيم - ابن جابر ذكرهم ابن شاهين في «معجمه»، ومنهم نوح بن مَخْلَد، جَدُّ أبي جمرة، وكذا أبو خَيْرة الصُّبَاحيّ، كما تقدم. قال الحافظ: وإنما أطلت في هذا الفصل؛ لقول صاحب «التحرير»: إنه لم يَظْفَر بعد طول التتبع إلا بما ذكرهم، انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض العينّي على الحافظ في الجمع المذكور، مع أنه سبق له قوله: لم يذكر دليله، ونصّ عبارة العينيّ بعد ذكره الجوابين: هذا عجيب منه؛ لأنه لم يسلّم التنصيص على العدد المذكور، فكيف يوفق بينه وبين ثلاثة عشر، وأربعين؟ قال الجامع: يجاب عن الحافظ بأن جمعه المذكور على تقدير صحة ذلك، والله تعالى أعلم. قال العينيّ رحمه الله تعالى: ومن الذين كانوا في الوفد الأعور بن مالك بن عمر بن عوف بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكان من أشراف عبد القيس، وشُجعانهم في الجاهلية، قال أبو عمرو الشيبانيّ: وكان ممن وفد على رسول الله - ﷺ - مع الأشجّ، ذكره الرشاطي، ومنهم القائف وإياس ابنا عيسى بن أميّة بن ربيعة بن عامر بن ذُبيان بن الديل بن صباح، وكانا من سادات بني صُباح، ومنهم شريك بن عبد الرحمن، والحارث بن عيسى، وعبد الله بن قيس، والزارع بن عامر، وعيسى بن عبد الله كانوا مع الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - مع الأشجّ، ذكرهم كلهم أبو عبيدة، ومنهم ربيعة بن خِرَاش، ذكره المدائنيّ، وقال: إنه وفد، ومنهم مُحارب بن مرثد وفد على رسول الله - ﷺ - مع وفد عبد القيس، ذكره ابن الكلبيّ، ومنهم عباد بن نوفل بن خداش، وابنه عبد الرحمن بن عباد، وعبد الرحمن بن حيّان، وأخوه الحكم بن حيّان، وعبد الرحمن بن أرقم، وفضالة بن سعد، وحسّان بن زيد، وعبد الله بن همام، وسعد بن عمر، وعبد الرحمن بن همام، وحكيم بن عامر، وأبو عمرو بن شييم كلهم وفدوا على النبيّ - ﷺ -، وكانوا من سادات عبد القيس وأشرافها وفرسانها، ذكرهم أبو عبيدة. فهؤلاء اثنان وعشرون رجلًا زيادة على ما ذكره هذا القائل ، فجملة الجميع تكون خمسة وأربعين نفسًا، فعلمنا أن التنصيص على عدد معيّن لم يصحّ، ولهذا لم يُخرجه البخاريّ ومسلم بالعدد المعيّن، انتهى كلام العينيّ رحمه الله تعالى . [تنبيه]: سبب قدوم وَفْد عبد القيس على النبيّ - ﷺ - أنّ مُنقِذ بن حَبّان أحد بني غَنْم بن وَدِيعة كان مَتْجَرُه إلى يثرب في الجاهلية، فشَخَصَ إلى يثرب بِمَلاحِفَ وتَمْر من هَجَر، بعد هجرة النبيّ - ﷺ -، فبينا منقذُ بن حبّان قاعدٌ إذ مَرّ به النبيّ - ﷺ -، فنَهَضَ منقذ إليه، فقال النبيّ - ﷺ -: «أمنقذُ بن حبّان؟ كيف جميع هيئتك وقومك؟ ثم سأله عن أشرافهم، رجلٍ رجلٍ، يُسَمِّيهم بأسمائهم، فأسلم منقذٌ، وتَعَلَّم»سورة الفاتحة«، و»اقرأ باسم ربك«، ثم رَحَلَ قِبَلَ هَجَر، فكتب النبيّ - ﷺ - معه إلى جماعة عبد القيس كتابًا، فذَهَب به، وكَتَمَه أيامًا، ثم اطَّلَعت عليه امرأته، وهي بنت المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن الحارث، والمنذر هو الأشجّ، سَمّاه رسول الله - ﷺ - به؛ لأثر كان في وجهه، وكان منقذ ل - ﵁ - يصلي، ويقرأ، فنَكِرَت امرأته ذلك، فذكرته لأبيها المنذر، فقالت: أنكرت بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنه يغسل أطرافه، ويستقبل الجهة - تعني القبلة - فيَحنِي ظهره مرّةً، ويضع جَبِينه مرةً، ذلك دَيْدَنه منذ قَدِمَ، فتلاقيا، فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم ثار الأشجّ إلى قومه عَصَرَ ومُحَارِب بكتاب رسول الله - ﷺ -، فقرأه عليهم، فوقع الإسلام في قلوبهم، وأجمعوا على المسير إلى رسول الله - ﷺ -، فسار الوَفْدُ، فلما دَنَوْا من المدينة، قال النبيّ - ﷺ - لجلسائه: «أتاكم وَفْدُ عبد القيس خير أهل المشرق، وفيهم الأشجّ العصَريّ، غير ناكثين، ولا مُبَدِّلين، ولا مُرْتابين؛ إذ لم يُسْلِم قوم حتى وُتِرُوا»، نقله النوويّ عن صاحب «التحرير» . (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا) هي «إنّ» واسمها ضمير المتكلمين، وأصلها: إنّنا، فحذفت النون الثانية من «إنّ» تخفيفًا؛ لتوالي الأمثال، ثم أدغمت في «نا»، وقوله: (هَذَا الْحَيَّ) اسم الإشارة في محلّ نصب على الاختصاص، أي نخصّ هذا، والاختصاص مثلُ النداء، كما قال في «الخلاصة»: الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ «يَا» … كَـ«أَيُّهَا الْفَتَى»بإِثْرِ «ارْجُونِيَا» وَقَدْ يُرَى ذَا دُونَ «أَيِّ» تِلْوَ «أَلْ» … كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أًسْخَى مَنْ بَذَلْ» وقوله: «الحيّ» نعت له، أو بدل، أو عطف بيان، على ما قيل: مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ «أَلْ» … يُعْرَب نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ وأما قول ابن الصلاح إن لفظ «الحيّ» منصوب على الاختصاص، ففيه تجوّز؛ لأن هذا الإعراب لاسم الإشارة، وأما لفظ «الحيّ» فتابع له، كما قررناه آنفًا، فتفطّن. [تنبيه]: «الْحيّ» قال ابن سيده: إنه بطن من بطون العرب، وفي «المطالع»: هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سُمّيت القبيلة به، وذكر الجواني في «الفاصلة»: أن العرب على طبقات عشر أعلاها الْجِذْم، ثم الْجُمهور، ثم الشُّعُوب، واحدها شَعْب، ثم القبيلة، ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، ثم العشيرة، ثم الفصيلة، ثم الرَّهْط، وقال الكلبيّ: أول العرب شُعُوب، ثم قبائل، ثم عمائر، ثم بُطون، ثم أفخاذ، ثم فصائل، ثم عشائر، وقَدَّم الأزهريّ العشائر على الفصائل، قال: وهم الأحياء، وقال ابن دُريد: الشِّعْب: الحيّ العظيم من الناس. و«الْجِذْم - بكسر الجيم، وسكون الذال المعجمة: أصل الشيء، و»الشَّعْب«بالفتح: ما تشعّب من قبائل العرب والعجم، و»العِمَارة«- بكسر العين، وتخفيف الميم، وجوّز الخليل فتح عينها، قال في»الْعُباب«: وهي القبيلة، والعشيرة، وقيل: هي الحيّ العظيم ينفرد بظعنه، ذكره العينيّ رحمه الله تعالى . وقد نظمت ما سبق بقولي: اعْلَمْ بِأَنَّ الْعُرْبَ فِي الأَنْسَابِ قَدْ … انْقَسَمَتْ عَشَرَةً فَخُذْ تُفَدْ جِذْمٌ فَجُمْهُورٌ فَشَعْبٌ فَقَبِيلْ … عِمَارَةٌ بَطْنٌ فَفَخْذٌ يَا نَبِيلْ عَشِيرَةٌ فَصِيلَةٌ رَهْطٌ خَتَمْ … وَبَعْضهُمْ خِلَافَ هَذَا قَدْ رَسَمْ و«القَبِيل»لغةٌ في القبيلة. وقال صاحب«المطالع»:«الحيّ»: اسم لمنزل القبيلة، ثمّ سُمّيت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحيا ببعض . وقوله: (مِنْ رَبِيعَةَ) خبر«إنّ»، وربيعة: هو ابن نزار بن عدنان، وإنما قالوا ربيعة؛ لأن عبد القيس من أولاده، وذلك لأن عبد القيس هو: ابن أَفْصَى - بفتح الهمزة، وبالفاء والصاد المهملة المفتوحة - ابن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وكانوا يَنْزِلون البحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا - كما في رواية شعبة الآتية -:«إنا نأتيك من شُقّة بعيدة»، أي من سفر بعيد . (وَقَدْ حَالَتْ) أي منعت، يقال: حال النهر بيننا حَيْلُولةً: حَجَزَ، ومنع الاتّصال (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة، غير منصرف، وهو مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عبدنان، ويقال له مضر الحمراء، ولأخيه ربيعة الفَرَس؛ لأنهما لَمّا اقتسما الميراث أُعطي مُضَرُ الذهب، وربيعة الخيل، وكُفّار مضر كانوا بين ربيعة والمدينة، ولا يمكنهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم، وكانوا يخافون منهم إلا في الأشهر الْحُرُم؛ لامتناعهم من القتال فيها (فَلَا نَخْلُصُ إِلَيْكَ) بضمّ اللام مضارع خَلَص إلى الشيء خُلُوصًا، من باب قَعَد: إذا وصل إليه، ومعنى كلامهم أنا لا نَقْدِر على الوصول إليك؛ خوفًا من أعدائنا الكفار، إلا في الشهر الحرام، فإنهم لا يتعرضون لنا، كما كانت عادة العرب، من تعظيم الأشهر الْحُرم، وامتناعهم من القتال فيها، وقوله: (إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ) كذا هو في الأصول كلها بإضافة «شهر» إلى «الحرام»، وفي الرواية الأخرى: «أشهر الحرم»، والقول فيه كالقول في نظائره، من قولهم: «مسجد الجامع»، و«صلاة الأولى»، ومنه قول الله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩]. فعلى مذهب النحويين الكوفيين هو من إضافة الموصوف إلى صفته، وهو جائز عندهم، وعلى مذهب البصريين لا تجوز هذه الإضافة؛ لأنه يكون من إضافة الشيء إلى نفسه؛ لاتحاد المضاف والمضاف إليه في المعنى، وفائدة الإضافة أن يتعرّف المضاف بالمضاف إليه، أو يتخصّص، ولا يتعرّف الشيء، ولا يتخصّص بنفسه، فما ورد من ذلك، كالأمثلة المذكورة مؤوّلٌ عندهم على حذف في الكلام؛ للعلم به، فتقديره «شهر الوقت الحرام»، و«أشهر الأوقات الْحُرُم»، و«مسجد المكان الجامع»، و«دار الحياة الآخرة»، و«جانب المكان الغربيّ»، ونحو ذلك، وإلى مذهبهم أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ ثم إن قولهم: «شهر الحرام» المراد به جنس الأشهر الْحُرُم، وهي أربعة أشهر حُرُم، كما نَصَّ عليه القرآن العزيز، وتدل عليه الرواية الأخرى بعد هذه: «إلا في أشهر الحرُم»، قاله النوويّ. وقال في «الفتح»: المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده روايةُ: «إلا في أشهر الحرم»، وروايةُ: «إلا في كل شهر حرام»، وقيل: اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مُضَرُ تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة - ﵁ - حيث قال: «رجبُ مضر»، كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أنسأوها بخلافه. وفيه دليلٌ على تقدّم إسلام عبد القيس على قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة: «إنا نأتيك من شُقّة بعيدة»، قال ابن قتيبة: الشُّقّة: السفرُ، وقال الزجاج: هي الغاية التي تُقْصَد، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في «كتاب الجمعة» من طريق أبي جمرة أيضًا، عن ابن عباس - ﵁ - قال: «إنّ أوّلَ جمعة جُمِّعَت بعد جمعةٍ في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيسِ بِجُوَاثَى من البحرين»، و«جُوَاثَى» بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فَدَلَّ على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام، انتهى . [تنبيه]: الأشهر الحُرُم هي: ذو الْقَعْدَة، وذو الْحِجَّة، والمحرَّم، ورجب، هذه الأربعة هي الأشهر الحرم بإجماع العلماء، من أصحاب الفنون، ولكن اختلفوا في الأدب المستحسن في كيفية عَدِّها على قولين، حكاهما الإمام أبو جعفر النّحّاس في كتابه «صناعة الكتاب»، قال: ذهب الكوفيون إلى أنه يقال: المحرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة، قال: والْكُتّابُ يَمِيلون إلى هذا القول؛ ليأتوا بهن من سنة واحدة، قال: وأهل المدينة يقولون: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وقومٌ ينكرون هذا، ويقولون: جاؤوا بهنّ من سنتين، قال أبو جعفر: وهذا غلط بَيِّنٌ، وجهل باللغة؛ لأنه قد عُلِم المراد، وأن المقصود ذكرها، وأنها في كل سنة، فكيف يُتَوَهَّم أنها من سنتين، قال: والأَولى والاختيار ما قاله أهل المدينة؛ لأن الأخبار قد تظاهرت عن رسول الله - ﷺ - كما قالوا من رواية ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي بكرة - ﵁ -، قال: وهذا أيضًا قولُ أكثر أهل التأويل. قال النَّحَّاس: وأُدخلت الألف واللام في المحرم دون غيره من الشهور، قال: وجاء من الشهور ثلاثة مضافات: شهر رمضان، وشهرا ربيع، يعني والباقي غير مضافات، وسُمِّي الشهر شهرًا، لشهرته وظهوره، والله تعالى أعلم . (فَمُرْنَا) الفاء فصيحيّة، أي فإذا تبيّن لك عذرنا في عدم التردّد إليك كثيرًا، لما ذكرنا، فنطلب منك أمرك لنا إلخ. «ومُر» بضمّ الميم، فعل أمر من أمر يأمر، من باب نصر، قال الفيّوميّ: إذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدّمه حرف عطف حذفتَ الهمزة على غير قياس، وقلتَ: مُرْهُ بكذا، ونظيره «كُلْ»، و«خُذْ»، وإن تقدّمه حرف عطف، فالمشهور ردّ الهمزة على القياس، فيقال: وأْمُرْ بكذا، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، ولا يُعرف في «كُلْ»، و«خُذْ» إلا التخفيف مطلقًا، انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال الفيومي: «ولا يُعْرَفُ إلخ»، لكن أثبت ذلك غيره بقلة كما أشار إليه ابن مالك رحمه الله تعالى في «لاميَّته»، فقال: وَشَذَّ بِالْحَذْفِ «مُرْ» وَ«خُذْ» و«كُلْ» وَفَشَا … وَأْمُرْ وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ «خُذْ» وَ«كُلَا» فقوله: «ومستندر إلخ» أشار به إلى أنه يجوز تتميم «خذ» و«كل» بقلّة، فيقال: وأخذ، وأكل، والله تعالى أعلم. (بِأَمْرٍ) بفتح الهمزة، وسكون الميم، يحتمل أن يكون واحد الأمور، وأن يكون بمعنى الشأن، قاله الطيبيّ. وقال الفيّوميّ: «الأمرُ» بمعنى الحال، جمعه أمور، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، و«الأمرُ» بمعنى الطلب، جمعه أوامر؛ فرقًا بينهما، وجمعُ الأمر أوامر هكذا يتكلّم به الناس، ومن الأئمة من يصحّحه، ويقول في تأويله: إن الأمر مأمور به، ثم حُوّل المفعول إلى فاعل، كما قيل: أمر عارفٌ، وأصله معروفٌ، وعيشةٌ راضيةٌ، والأصلُ مرضيّةٌ، إلى غير ذلك، ثم جُمِعَ على فواعل، انتهى . (نَعْمَلُ بِهِ) بالرفع، والجملة في محلّ جرّ صفة لـ«أمرٍ»، ويحتمل جزمه على أنه جواب الأمر (وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا) «مَنْ» بفتح الميم موصولة في محلّ نصب مفعول «ندعو»، ولا يثبُتُ كسر ميمها على أنها جارّة، و«وراءنا» منصوب على الظرفيّة صلة «مَنْ»، وهو من الأضداد، يأتي بمعنى «خَلْف»، وبمعنى «قُدّام» (قَالَ) - ﷺ - (آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو بأربع جُمَل (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربعة أوعية، فالمنهيّ عنه واحد بالنوع، وهو الانتباذ، ثم إنه تعدّد بحسب الأوعية الأربع الآتي ذكرها (الْإِيمَانِ بِاللهِ) بالجرّ بدل من «أربع»، بدل تفصيل من مجمل، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي أحدها الإيمان، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر، أي أعني الإيمانَ (ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ) أنّث الضمير مع أن الإيمان مذكّر باعتبار أنه أربع خصال (فَقَالَ) - ﷺ - (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِله إِلَّا اللهُ) بجرّ «شهادة» على أنه بدل من «الإيمان»، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع والنصب، كسابقه (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ) إعرابه كسابقه، وإقامتها أداؤها بمراعاة أركانها، وواجباتها، وسننها (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي إعطاء القدر المستحقّ لمستحقّها (وَأَنْ تُؤَدُّوا) أي تعطوا (خُمُسَ) بضمتين، ويجوز إسكان ميمه، ويقال فيه: خَمِيس أيضًا، وزان كريم. [فائدة]: يجوز في كلٍّ من الثلث، والربع، والخمس، والسدس، والسبع، والثمن، والتسع، والعشر، ثلاث لغات، الأول: ضم أولها وثانيها، والثاني: تسكين ثانيها، والثالث: فتح أولها، مع كسر الثاني، وزيادةِ ياء بعدها، وزان كَرِيم، فتقول: ثُلُثٌ، وثُلْثٌ، وثَلِيث، ورُبُعٌ، ورُبْعٌ، ورَبِيع، وهكذا. وأما النصف، فيجوز فيه ثلاث لغات أيضًا، النصف، بكسر أوله، وضمه، مع تسكين ثانيه، والثالث النَّصِيفُ وِزان كريم، والله تعالى أعلم. (مَا غَنِمْتُمْ) بكسر النون، من باب تَعِبَ، قال الفيّوميّ: غَنِمتُ الشيء أغْنَمه، غُنْمًا: أصبتُهُ غَنِيمَةً، ومَغْنَمًا، قال أبو عبيد: الغَنِيمَة: ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمةٌ، والفيء: ما نِيل منهم بعد أن تَضَعَ الحرب أوزارها، انتهى . وفي «القاموس»: والْمَغْنم، والغَنِيمُ، والغَنِيمَةُ، والْغُنْمُ بالضمّ: الفيء، غَنِمَ بالكسر غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمةً، وغُنْمانًا بالضمّ، والفوزُ بالشيء بلا مشقّة، أو هذا الْغُنْمُ، والفيء: الغَنِيمة، انتهى . قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله - ﷺ -: «آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله»، ثم فَسّرها لهم، فقال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم»، وفي رواية: «شهادة أن لا إله إلا الله»، وعَقَدَ واحدةً، وفي الطريق الأخرى قال: وأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «وهل تدرون ما الإيمان بالله؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خمسًا من المغنم«، وفي الرواية الأخرى قال:»آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم«، هذه ألفاظه هنا. وقد ذكر البخاريّ هذا الحديث في مواضع كثيرة، من«صحيحه»، وقال فيه في بعضها:«شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له»، ذكره في«باب إجازة خبر الواحد»، وذكره في باب بعد باب نسبة اليمن إلى إسماعيل - ﷺ - في آخر ذكر الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وقال فيه:«آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان»، بزيادة واو ، وكذلك قال فيه في أول فهذه ألفاظ هذه القطعة في«الصحيحين»، وهذه ألفاظ مما يُعَدُّ من المشكل، وليست مشكلة عند أصحاب التحقيق، والإشكال في كونه - ﷺ - قال:«آمركم بأربع»، والمذكور في أكثر الروايات خمس. واختلف العلماء في الجواب عن هذا على أقوال: أظهرها ما قاله الإمام ابن بطال رحمه الله تعالى في«شرح صحيح البخاريّ»، قال: أمرهم بالأربع التي وَعَدَهم بها، ثم زادهم خامسة - يعني أداء الخمس - لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر، فكانوا أهل جهاد وغنائم. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح نحو هذا، فقال: قوله:«أمرهم بالإيمان بالله»أعاده لذكر الأربع، ووصفِهِ لها بأنها إيمان، ثم فسرها بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، فهذا موافق لحديث:«بُنِي الإسلام على خمس»، ولتفسير الإسلام بخمس، في حديث جبريل ﵇، وقد سبق أن ما يُسَمَّى إسلامًا يُسَمَّى إيمانًا، وأن الإسلام والإيمان يجتمعان ويفترقان، وقد قيل: إنما لم يذكر الحج في هذا الحديث؛ لكونه لم يكن نزل فرضه. وأما قوله - ﷺ -:«وأن تؤَدُّوا خُمُسًا من المغنم»، فليس عطفًا على قوله:«شهادة أن لا إله إلا الله»، فإنه يلزم منه أن يكون الأربع خمسًا، وإنما هو عطف على قوله:«بأربع»، فيكون مضافًا إلى الأربع، لا واحدًا منها، وإن كان واحدًا من مطلق شُعَب الإيمان، قال: وأما عدم ذكر الصوم في الرواية الأولى، فهو إغفال من الَراوي، وليس من الاختلاف الصادر من رسول الله - ﷺ -، بل من اختلاف الرُّواة الصادر من تفاوتهم في الضبط والحفظ، على ما تقدم بيانه، فافهم ذلك، وتدبّره تجده - إن شاء الله تعالى - مما هدانا الله ﷾ لحلِّه من الْعُقَد. قال النووي - بعد نقل كلام ابن بطّال، وابن الصلاح -: وقيل في معناه غير ما قالاه، مما ليس بظاهر، فتركناه. قال: وأما قول ابن الصلاح: إن ترك الصوم في بعض الروايات إغفال من الراوي، وكذا قاله القاضي عياض وغيره، وهو ظاهرٌ، لا شكّ فيه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وكانت وفادة عبد القيس عامَ الفتح قبل خروج النبيّ - ﷺ - إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع بعدها على الأشهر، انتهى . وقال في «الفتح» عند قوله: «فأمرهم بأربع» أي: خصالٍ، أو جُمَلٍ؛ لقولهم: «حَدِّثْنَا بِجُمَلٍ من الأمر»، وهي رواية قُرّة عند البخاريّ في «كتاب المغازي». قال القرطبيّ: قيل: إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا بهما، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وإلى هذا نحا الطيبيّ، فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض، جعلوا سياقه له، وطَرَحُوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين، مُقِرِّين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: فلهذا لم يَعُدَّ الشهادتين في الأوامر. قيل: ولا يرد على هذا الإتيانُ بحوف العطف، فيحتاج إلى تقدير. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين وَرَدَ على سبيل التصدير، لكن يُمْكِن أن يُقْرَأَ قوله: «وإقامِ الصلاة» بالخفض، فيكون عطفًا على قوله: «أَمَرَهم بالإيمان»، والتقدير: أمرهم بالإيمان، مُصَدِّرًا به، وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلخ، قال: ويؤيد هذا حذفهما في رواية البخاريّ في «الأدب» من طريق أبي التّيّاح، عن أبي جمرة، ولفظُهُ: «أربع، وأربع: أقيموا الصلاة إلخ». [فإن قيل]: ظاهر ما ترجم به البخاريّ من أَنَّ أداء الخمس من الإيمان، يقتضي إدخاله مع باقي الخصال، في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه. [أجاب ابنُ رُشيد]: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء، منها أداء الخُمس، والأعمال التي تُدخل الجنة، هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير. [فإن قيل]: فكيف قال في رواية حماد بن زيد، عن أبي جمرة: «آمركم بأربع: الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله»، وعَقَدَ واحدةً، كذا للبخاريّ في «المغازي»، وله في «فرض الخمس»: وعقد بيده، فدل على أن الشهادة إحدى الأربع، وأما ما وقع عنده في «الزكاة» من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: «وشهادة أن لا إله إلا الله»، فهي زيادة شاذة، لم يُتَابعْ عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ. ثم ذكر الاستشكال المتقدّم فقال: ما حاصله: كيف قال: «أربع»، والمذكورات خمس؟ قال: وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعًا لابن بطال، بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: كأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان، وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يَلْزَمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فُرِضَ. قال: وقال غيره: قوله: «وأن تعطوا» معطوف على قوله: «بأربع»، أي آمركم بأربع، وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بـ «أن»، والفعل، مع توجه الخطاب إليهم. وقال ابن التين: لا يمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع. قلت : ويدل على ذلك لفظ رواية مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ في هذه القصة: «أمركم بأربع: اعبُدُوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم». وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ويحتمل أن يقال: إنه عَدَّ الصلاة والزكاة واحدةً؛ لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداءَ الخُمس، أو أنه لم يَعُدَّ أداء الخُمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين، في حال دون حال. وقال البيضاويّ: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأُخَر حذفها الراوي؛ اختصارًا، أو نسيانًا، كذا قال، وما ذَكَرَ أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع؛ لقوله: «وعَقَدَ واحدةً»، وكان القاضي أراد أن يَرْفَعَ الإشكال من كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربعًا. وقد أجيب عن ذلك بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في حد ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذَكَرَ أنه يأمرهم بها، ثم فَسَّرَها، فهو واحد بالنوع، متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهيّ عنه، وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار، واحد بالنوع، متعدد بحسب أوعيته. والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير: أن تَتَشَوَّف النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يَسْتَوف العدد الذي في حفظه، عَلِمَ أنه قد فاته بعض ما سَمِع. وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لم يذكر الحجّ في الحديث؛ لأنه لم يكن فُرِضَ هو المعتمد، وقد قَدَّمنا الدليل على قِدَم إسلامهم، لكن جَزْمُ القاضي بأن قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكة، تَبعَ فيه الواقديّ، وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، كما سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولكن القاضي يَخْتَار أن فرض الحج كان سنة تسع؛ حتى لا يَرِدَ على مذهبه أنه على الفور، انتهى. وقد احتَجَّ الشافعي لكونه على التراخي، بأن فَرْضَ الحج كان بعد الهجرة، وأن النبي - ﷺ - كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يَحُجَّ إلا في سنة عشر. وأما قول من قال: إنه تَرَكَ ذكر الحج؛ لكونه على التراخي، فليس بجيد؛ لأن كونه على التراخي لا يمنع من الأمر به. وكذا قول من قال: إنما تركه؛ لشهرته عندهم ليس بقويّ؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا قول من قال: إنما ترك ذكره؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل، من أجل كفار مضر، ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال، ترك الإخبار به؛ لِيُعْمَلَ به عند الإمكان، كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذَكَرُوا أنهم كانوا يأمنون فيها. لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر؛ لكونهم سألوه أن يُخْبِرَهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يَقْصِد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا. ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشدّ في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها. وأما ما وقع في «كتاب الصيام»، من «السنن الكبرى» للبيهقيّ من طريق أبي قلابة الرَّقَاشِيّ، عن أبي زيد الهرويّ، عن قُرّة، في هذا الحديث، من زيادة ذكر الحج، ولفظه: «وتَحُجُّوا البيت الحرام»، ولم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة. وقد أخرجه الشيخان، ومن استخرج عليهما، والنسائيّ، وابن خزيمة، وابن حبان، من طريق قُرّة، لم يذكر أحدٌ منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حَدَّث به في التغير. وهذا بالنسبة لرواية أبي جمرة، وقد ورد ذكر الحج أيضًا في «مسند الإمام أحمد» من رواية أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، وعن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة وفد عبد القيس. وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا، فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع ما عدا الشهادتين، وأداء الخمس، انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» ، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. (وأَنْهَاكُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ) بضم الدال المهملة، وتشديد الموحّدة، والمدّ، وحَكَى الْقَزّاز فيه القصر: هو القرع اليابس، أي الوعاء منه. (وَالْحَنْتَمِ) بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوقُ، مفتوحة، ثم ميم، الواحدة: حَنْتَمَةٌ، هي الْجَرَّة، كذا فَسَّرها ابن عمر - ﵄ - في «صحيح مسلم»، وله عن أبي هريرة - ﵁ -: الحنتم الجرار الخضر، ورَوَى الحربي في «الغريب» عن عطاء: أنها جِرَارٌ كانت تُعْمَلُ من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله في «الفتح» . وقال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: قد اختُلِف في معنى «الْحَنتم»). [فأصح الأقوال، وأقواها]: أنها جِرَار خُضْر، وهذا التفسير ثابت في «كتاب الأشربة» من «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو قول عبد الله بن مُغَفَّل الصحابيّ - ﵁ -، وبه قال الأكثرون أو، كثيرون من أهل اللغة، وغريبِ الحديث، والمحدثين، والفقهاء. [والثاني]: أنها الجرار كلها، قاله عبد الله بن عمر، وسعيد بن جبير، وأبو سلمة. [والثالث]: أنها جرار يُؤْتَى بها من مصر، مُقَيَّرات الأجواب، ورُويَ ذلك عن أنس بن مالك - ﵁ -، ونحوه عن ابن أبي ليلى، وزاد أنها حُمْر. [والرابع]: عن عائشة - ﵂ -: جِرَارٌ حُمْرٌ أعناقها في جُنُوبها، يُجْلَب فيها الخمر من مصر. [والخامس]: عن ابن أبي ليلى أيضًا: أفواهها في جنوبها، يُجْلَب فيها الخمر من الطائف، وكان ناس ينتبذون فيها، يضاهون به الخمر. [والسادس]: عن عطاء: جِرَارٌ كانت تُعْمَل من طين، وشعر، ودَمٍ. قاله النوويّ في «شرحه» . (والنَّقِيرِ) بالنون المفتوحة والقاف المكسورة: أصلُ النَّخْلة، يُنْقَرُ، فَيُتَّخَذ منه وعاء، وقد جاء تفسيره في الرواية الأخيرة من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: أنه الجِذْعُ يُنقَر وسطه. (وَالمُقَيَّرِ) بفتح القاف، والياء المشدّدة: هو الْمُزَفَّت، وهو المطليّ بالقار، وهو الزِّفْتُ، وقيل: الزِّفْتُ نوع من القار، والصحيح الأول، فقد صح عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: المزفت هو الْمُقَيَّر. وقال في «الفتح»: «والْمُقَيَّر»: بالقاف، والياء الأخيرة: ما طُلِيَ بالقار، ويقال له: الْقَيْر، وهو نَبْتٌ يُحْرَق إذا يبس، تُطْلَى به السُّفُن وغيرها، كما تُطْلَى بالزِّفْت، قاله صاحب «المحكم»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي» عن أبي بكرة - ﵁ - قال: أما الدُّبّاء، فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القَرْع، فيَخْرطُون فيه العنب، ثم يَدْفِنُونه، حتى يُهدَر، ثم يموت. وأما «النقير»: فإن أهل اليمامة كانوا يَنْقُرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرُّطَب والبسر، ثم يَدَعُونه، حتى يُهدَر ثم يموت. وأما «الْحَنْتَم»: فَجِرَارٌ كانت تُحمَلُ إلينا فيها الخمر. وأما «المُزَفَّت»: فهذه الأوعية التي فيها الزِّفتُ، انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولى أن يُعْتَمَدَ عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: أما معنى النهي عن الانتباذ في هذه الأربع، فهو أنه نَهَى عن الانتباذ فيها، وهو أن يُجْعَل في الماء حَبّات، من تمر، أو زبيب، أو نحوهما، لِيَحْلُوَ؛ ويُشْرَب، وإنما خُصَّت هذه بالنهي؛ لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حَرَامًا، وتبطل ماليته، فَنَهَى عنه؛ لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شَرِبَه بعد إسكاره مَن لم يَطَّلِعِ عليه، ولم يَنْهَ عن الانتباذ في أسقية الأَدَم، بل أَذِنَ فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخْفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شَقَّها غالبًا. ثم إن هذا النهي كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بحديث بُرَيدة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وِعَاءٍ، ولا تشربوا مُسْكِرًا»، رواه مسلم في «الصحيح». قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي ذكرناه من كونه منسوخًا هو مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، قال الخطابيّ: القول بالنسخ هو أصح الأقاويل، قال: وقال قوم: التحريم باقٍ، وكَرِهُوا الانتباذ في هذه الأوعية، ذهب إليه مالك، وأحمد، وإسحاق، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس - ﵃ -، انتهى . (زَادَ خَلَفٌ) هو خَلَف بن هشام شيخ المصنّف الأول (فِي رِوَايَتِهِ) عن حمّاد بن زيد (شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ) أي مع «وأن محمدًا رسول الله» كما صُرِّح به في رواية يحيى بن يحيى شيخه الثاني، عن عباد بن عباد، قال في «الفتح»: والاقتصار على «شهادة أن لا إله إلا الله» على إرادة الشهادتين معًا؛ لكونها صارت عَلَمًا على ذلك. [تنبيه]: وقع عند البخاريّ في «كتاب الزكاة» بزيادة الواو في قوله: «وشهادة أن لا إله إلا الله»، فقال في «الفتح»: هي زيادة شاذة، لم يُتَابع عليها حجاجَ بنَ منهال أحدٌ. انتهى . (وَعَقَدَ وَاحِدَةً) وفي رواية للبخاريّ: «وعقد بيده»، والمعنى أنه - ﷺ - أشار بعقد يده إلى أول الخصال الأربع التي وعدهم ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٤١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاس، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟»، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْم، أَوْ بِالْوَفْد، غَيْرَ خَزَايَا، وَلَا النَّدَامَى»، قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الْحَرَام، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بَأرْبَع، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، قَالَ: أَمَرَهُمْ بَالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسًا مِنْ الْمَغْنَمِ»، وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ«، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ:»النَّقِيرِ«، قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ:»الْمُقَيَّرِ«، وَقَالَ:»احْفَظُوهُ، وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ«، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ:»مَنْ وَرَاءَكُمْ«، وَلَيْسَ فِي روَايَتِهِ:»الْمُقَيَّرِ«). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٥). ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (٢٥٢) (ع) ١/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) أبو بكر بُنْدَار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٠٢) (ع). ٢/ ٢ ٤ - (غُنْدَر، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣) أو (١٩٤) (ع) ٢/ ٢. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجهبذ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في المقدّمة. والباقيان تقدّما في المسند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه قوله: «قال أبو بكر: حدّثنا غندر، عن شعبة إلخ» ففيه بيان احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، ووجه ذلك أن أبا بكر بن أبي شيبة ذكر شيخه غُندرًا بلقبه، فقال: حدثنا غندر، عن شعبة، وأما محمد بن المثنى، ومحمد بن بشّار فقالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، فذكراه باسمه ونسبه، وأنه صرّح بتحديث شعبة له، فحصلت المخالفة من وجهين. ٥ - (ومنها): أن «غُنْدَرًا» لقب محمد بن جعفر - وهو بضم الغين المعجمة، وفتح الدال، وحكى الجوهريّ ضم الدال، وقال المجد في «القاموس»: غلام غُنْدَر كَجُنْدَبٍ، وقُنْفُذٍ: سَمينٌ غَلِيظٌ ناعمٌ، ويقال لِلْمُبْرِم الْمُلِحِّ: يا غُنْدَرُ، وهو لَقَبُ محمد بن جعفر البصريّ؛ لأنه أكثر من السؤال في مجلس ابن جُريج، فقال: ما تُريد يا غُنْدَرُ، فلَزِمَه. انتهى . والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ) نصر بن عمران الضُّبَعيّ البصريّ، أنه (قَالَ: كنْتُ أُتَرْجِمُ) بضمّ أوّله مضارع ترجم، قال في «القاموس»: «التُّرْجُمَانُ كَعُنْفُوَانٍ، وَزَعْفَرَانٍ، وَرَيْهَقَانٍ: الْمُفَسِّرُ للِّسَان، وقد تَرْجَمَهُ، وتَرْجَمَ عنه، والفِعْلُ يدلُّ على أصالة التاء. انتهى . وقال في«المصباح»: وتَرْجَمَ فلانٌ كلامَهُ: إذا بَيّنه وأوضحه، وترجم كلامَ غيره: إذا عَبّر عنه بلغةٍ غيرِ لغة المتكلِّم، واسم الفاعل تُرْجُمان، وفيه لغاتٌ، أجودها فتح التاء، وضمّ الجيم، والثانية: ضمّهما معًا، بجعل التاء تابعةً للجيم، والثالثة: فتحهما بجعل الجيم تابعةً للتاء، والجمع تراجم، والتاء والميم أصليّتان، فوزنُ تَرْجَمَ فَعْلَلَ، مثل دَحْرَجَ، وجعل الجوهريّ التاء زائدةً، وأورده في تركيب رَجَمَ. انتهى . وقال النوويّ في «شرحه»: وأما معنى الترجمة فهو التعبير عن لغة بلغة، ثم قيل: إنه كان يتكلم بالفارسية، فكان يُتَرْجِم لابن عباس عمن يتكلم بها، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وعندي أنه كان يُبَلِّغ كلام ابن عباس إلى من خَفِي عليه من الناس، إما لزحامٍ مَنَعَ من سماعه فأسمعهم، وإما لاختصار مَنَعَ من فهمه فأفهمهم، أو نحو ذلك، قال: وإطلاقه لفظ «الناس» يُشْعِر بهذا، قال: وليست الترجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم: «باب كذا» اسم الترجمة؛ لكونه يُعَبِّر عما يُذكَرُ بعده. انتهى . قال النوويّ: والظاهر أن معناه أنه يُفهمهم عنه، ويفهمه عنهم. انتهى . واستظهر في «الفتح» كون ترجمته لقصور الفهم، قال: لأنه كان جالسًا معه على سريره، ففي رواية البخاريّ: «كنتُ أقعد مع ابن عبّاس، يُجلسني على سريره. . .»، فلا فرق في الزحام بينهما، إلا أن يُحمَل على أن ابن عباس كان في صدر السرير، وكان أبو جمرة في طرفه الذي يلي من يترجم عنهم، وقيل: إن أبا جمرة كان يَعْرِف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها، قال القرطبي: فيه دليل على أن ابن عباس كان يكتفي في الترجمة بواحد؛ لأنه مخبرٌ، انتهى. وقد بوب عليه البخاري في أواخر «كتاب الأحكام»، فقال: «باب ترجمة الحاكم، وهل يجوز ترجمان واحد» ، وقيل: لا يكفي الواحد، بل لا بدّ من اثنين؛ لأنها شهادة . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأول هو الأرجح، كما فعل ابن عبّاس - ﵄ -، والله تعالى أعلم. وقوله: (بَيْنَ يَدَي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: كذا هو في الأصول، وتقديره: بين يدي ابن عباس، بينه وبين الناس، فحذف لفظة «بينه»؛ لدلالة الكلام عليها، ويجوز أن يكون المراد: بين ابن عباس وبين الناس، كما جاء في البخاريّ وغيره، بحذف «يدي»، فتكون «يدي» عبارة عن الجملة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠]: أي قَدَّمَ. انتهى. فقوله: «بين ابن عبّاس» منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ «أُترجم». (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ) لم يُعرف اسمها، كما قاله سبط ابن العَجَميّ (تَسْأَلُهُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ«امرأة» (عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ) أي حكمه، و«الْجَرّ» بفتح الجيم: اسم جمع، الواحدة جَرَّةٌ، ويُجمَع أيضًا على جِرار، وهو هذا الْفَخَّار المعروف، قاله النوويّ ، وقال القرطبيّ: «الْجَرّ» جمع جرّة، وهي قلالُ فَخَّار، غير أنها مطليّة بالزجاج، وهو الحنتم، ونبيذ الجرّ هو ما يُنبذ فيها من التمر وغيره، وإنما سألته عن حكم النبيذ في الجِرَار، هل يحلّ أم لا؟ فذكر لها ما يدلّ على منع ذلك، ثم أخذ في ذكر الحديث بقصّته، قال: وفيه دليل على أن للمفتي أن يذكر الدليل، مستغنيًا به عن التنصيص على جواب الفتيا، إذا كان السائل بصيرًا بموضع الحجة. انتهى . وللنسائيّ بسنده عن أبي جمرة قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فأتته امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فَنَهَى عنه، قلت: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حُلْوًا، فأشرب منه، فَيُقَرْقِرُ بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل. وللبخاريّ في أواخر «المغازي» من طريق قُرَّة، عن أبي جمرة قال: «قلت لابن عباس: إن لي جَرّةً أنتبذ فيها، فأشربه حُلْوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم، فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، فقال: قَدِمَ وفد عبد القيس. . .». فلما كان أبو جمرة من عبد القيس، وكان حديثهم يشتمل على النهي عن الانتباذ في الجرار، ناسب أن يذكره له. وفي هذا دليل على أن ابن عباس لم ييلغه نسخ تحريم الانتباذ في الجرار، وهو ثابت من حديثٌ بُرَيدة بن الحصيب - ﵁ - عند مسلم وغيره . (فَقَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ؟»)، الشك من أحد الرواة، إما أبو جمرة، أو من دونه، قال الحافظ: وأظنه شعبة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير شكّ، وأغرب الكرمانيّ، فقال: الشك من ابن عباس ، و«الوفد»: الوافدون، وهم القادمون، والزائرون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ، فهو وافدٌ، والجمع وافدون، ووُفُود، والقومُ وَفْدٌ، وقال ابن عبّاس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥] . قال ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: في قوله: «مَنِ القومُ؟»، دليل على استحباب سؤال القاصد عن نفسه؛ لِيُعْرَفَ، فَيُنَزَّلَ مَنْزِلَته. (قَالُوا: رَبِيعَةُ) خبر لمحذوف، أي نحن ربيعة، وفيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فقد تقدّم من طريق عباد، عن أبي جمرة: «فقالوا: إنّا هذا الحيُّ من ربيعة»، والمعنى إنّا حَيٌّ من ربيعة، و«الْحَيّ»: اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يَحْيَا ببعض. (قَالَ) - ﷺ -: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ) منصوب على المصدريّة، استعمله العرب، وأكثرت منه، تريد به البرّ، وحسن اللقاء، ومعناه: صادفت رُحْبًا وسَعَةً، وقال القرطبيّ: هو من الرُّحب بضم الراء، وهو السعة، والرَّحْبُ بفتح الراء: هو الشيء الواسع، وهو منصوب بفعل مضمر، لا يُستعمل إظهاره، أي صادفت رُحبًا، أو أتيت رُحْبًا، فاستأنس، ولا تستوحش. انتهى. وقال في «الفتح»: هو منصوب بفعل مضمر، أي صادفت رُحْبًا، بضم الراء، أي سَعَة، و«الرَّحْبُ» بالفتح الشيء الواسع، وقد يزيدون معها «أهلًا»: أي وجدت أهلًا، فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال: مَرْحَبًا سيف بن ذي يزن. انتهى. (أَوْ بِالْوَفْدِ) شكٌّ من الراوي (غَيْرَ خَزَايَا) قال النوويّ: الرواية فيه «غيرَ» بنصب الراء على الحال، وأشار صاحب «التحرير» إلى أنه يُرْوَى أيضًا بكسر الراء، على الصفة لـ «القوم»، والمعروف الأول، يدل عليه ما جاء في رواية البخاريّ: «مَرْحبًا بالقوم الذين جاؤوا غير خزايا، ولا ندامى». و«خزايا»: جمعُ خَزْيَان، كحَيْرَان وحَيَارَى، وسَكْرَان وسَكَارى، يقال: خَزِي الرجلُ يَخْزَى خَزْيًا: إذا ذلَّ، وخزايةً: إذا خَجِلَ، واستحيى، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: الْخَزْيَان: المستحي، وقيل: الذليل المهان، وفي «الفتح»: هو الذي أصابه خِزْيٌ. ومعنى هذا الكلام: تأنيسهم، وإكرامهم، والثناء عليهم بأنهم لم يحصل منهم تأخّر عن الإسلام، ولا عناد، بل بادروا بإسلامهم طائعين من غير خزيٍ لَحِقهم من قهر، ولا سباء، فلم يُخزِهِم حربٌ، ولم يَفْضَحهم سبيٌ، ولا ما أشبه ذلك، مما يستحيون بسببه، أو يُذلّون، أو يهانون، ثم إنهم لما أسلموا كذلك احتُرِموا، وأُكرموا، وأُحِبُّوا، فلم يندموا على ذلك، بل انشرحت صدورهم للإسلام، وتنوّرت قلوبهم بالإيمان. وقوله (وَلَا النَّدَامَى»)، هكذا هو في الأصول:«النَّدَامَى»بالألف واللام و«خزايا»بحذفهما، ورُويَ في غير هذا الموضع بالألف واللام فيهما، ورُوي بإسقاطهما فيهما. قاله ابن الصلاح . ووقع في رواية النسائي من طريق قُرّة عن أبي جمرة:«فقال: مرحبًا بالوفد، ليس الخزايا ولا النادمين»، وهي للطبراني من طريق شعبة عن ابن أبي جمرة أيضًا. بَشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثَبَتَ ضدّها. انتهى . وأما«النَّدَامَى»فقيل: إنه جمع نَدْمَان، بمعنى نادم، وهي لغة في نادم، حكاها القزاز، صاحب«جامع اللغة»، والجوهريّ في«صحاحه»، وعلى هذا هو على بابه، وقيل: هو جمع نادم، لكنه على غير قياس، لأن قياس نَدَامَى أن يكون جمع ندمان، والندمان هم الْمَجَالِيسُ على الخمر وساقيها، كما قال الشاعر [من البسيط]: فَإِنْ كُنْتَ نَدْمَانِي فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي … وَلَا تَسْقِنِي بِالْأَصْغَرِ الْمُتَلَثِّمِ وليس مرادًا هنا، وإنما هو جمع نادم إِتْبَاعًا لـ«خَزَايَا»على عادة العرب في إتباع اللفظ اللفظَ؛ تحسينًا للكلام، وإن لم يكن بمعناه، وهو كثير في كلامهم، وهو من فصيحه، ومنه قوله في للنساء المتّبعات للجنازة:«ارْجِعْنَ مأزورات، غير مأجورات» أتبع«مأزورات»لـ«مأجورات»، ولولا مراعاة الإتباع لقال:«موزورات»بالواو؛ لأنه من الوزر، كذا قاله الفراء، وجماعات، قالوا: ومنه قول العرب: إنه لآتيه بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة على غدايا إتباعًا لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلا غدوات، ومنه قول الشاعر [من البسيط]: هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ … يَخْلِطُ بِالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّينَا فجمع الباب على أبوبة إتباعًا و«أخبية»، ولو أفرده لما جاز ذلك . (قَالَ) الراوي (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) فيه دليل على أنهم كانوا حين المقابلة مسلمين، وكذا في قولهم:«كفّار مضر»، وفي قولهم:«اللهُ ورسوله أعلم»(إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ)«الشقّة»: بضم الشين وكسرها، لغتان مشهورتان، أشهرهما وأفصحهما الضم، وهي التي جاء بها القرآن العزيز، قال الإمام أبو إسحاق الثعلبيّ: وقرأ عُبيد بن عُمير بكسر الشين، وهي لغة قيس، والشقّةُ السفر البعيد، كذا قاله ابن السكيت، وابن قتيبة، وقُطْرُب، وغيرهم، قيل: سُمّيت شُقّةً؛ لأنها تَشُقّ على الإنسان، وقيل: هي المسافة، وقيل: الغاية التي يَخرُج الإنسان إليها، فعلى القول الأول يكون قولهم:«بَعيدةٍ»مبالغة في بعدها. قاله النووي . (وإن بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ) أي القبيلة، سُمّوا بذلك؛ لأن بعضهم يحيا ببعض (مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ) فيه دليل على تقدم إسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين، وما والاها، من أطراف العراق، ولهذا قالوا:«إنا نأتيك من شقة بعيدة»، ويدلّ على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما رواه البخاريّ في«كتاب الجمعة»من طريق أبي جمرة أيضًا عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جُمِّعَت بعد جمعة في مسجد رسول الله - ﷺ - في مسجد عبد القيس، بِجُوَاثَى من البحرين، و«جُوَاثَى»بضم الجيم، وبعد الألف مثلثة مفتوحة، قرية شهيرة لهم، وإنما جَمَّعُوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سَبَقُوا جميع القرى إلى الإسلام. قاله في«الفتح». (وَإِنَّما لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ذلك أن أهل الجاهليَّة كانوا أصحاب حروب وغارات، ولا يأمن بعضهم بعضًا في المسالك والمراحل إلا في الأشهر الحرم؛ لأنهم كانوا يكفّون فيها عن الانتهاك، والانتهاب؛ تعظيمًا لها وتسهيلًا للأمر على زوّار البيت. انتهى . (إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَامِ) هكذا الرواية عند المصنّف بالإضافة، وقد تقدّم أنه من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات، وتقدّم توجيهه، والمراد بشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، ويؤيده رواية البخاريّ في «كتاب المغازي» بلفظ: «إلا في أشهر الْحُرُم»، وفي رواية له في «كتاب المناقب» بلفظ: «إلا في كل شهر حرام»، وقيل: اللام للعهد، المراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر ربا، فلهذا أُضيف إليهم في حديث أبي بكرة - ﵁ - حيث قال: «ورجب مضر»، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - والظاهر أنهم كانوا يخصّونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربّما أَنْسَأُوهَا بخلافه، قاله في «الفتح» . (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) هو بتنوين «أمرٍ»، قال الخطّابيّ وغيره: هو الْبَيِّن الواضح الذي ينفصل به المراد، ولا يشكل، قاله النوويّ، وقال في «الفتح»: بالتنوين فيهما، لا بالإضافة، والأمرُ واحد الأوامر، أي مُرْنا بعمل، بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي: أمرهم، وفي رواية للبخاريّ: قال النبي - ﷺ -: «آمرُكُم»، و«الفصلُ» بمعنى الفاصل، كالعدل بمعنى العادل، أي يَفْصِل بين الحق والباطل، أو بمعنى الْمُفَصَّل، أي الْمُبَيَّن المكشوف، حكاه الطيبيّ، وقال الخطابيّ: الفصلُ الْبَيِّنُ، وقيل: الْمُحْكَمُ. انتهى. وقال القرطبيّ: القول الفصل: هو الواضح البليغ الذي يفصل بين الحقّ والباطل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)﴾ [الطارق: ١٣] . وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: «قوله:»بأمر فصلٍ«يحتمل أن يكون الأمر واحد الأوامر، وأن يكون بمعنى الشأن، و»فصل«يحتمل أن يكون بمعنى الفاصل، وهو الذي يفصل بين الصحيح والفاسد، والحقّ والباطل، وأن يكون بمعنى الْمُفَصّل، أي مبيّن مكشوف، ظاهر ينفصل به المراد عن الاشتباه، فإذا كان بمعنى الشأن والفاصل، وهو الظاهر يكون التنكير للتعظيم بشهادة قوله:»وندخل به الجنّة«، كما قال - ﷺ -:»سألتني عن عظيم«في جواب معاذ - ﵁ -:»أخبرني بعمل يدخلني الجنة«، فالمناسب حينئذٍ أن يكون الفصل بمعنى المفصَّل؛ لتفصيله - ﷺ - الإيمان بأركانه الخمسة، كما فصّله في حديث معاذ - ﵁ -، وإن كان بمعنى واحد الأوامر، فيكون التنكير للتقليل، فإذًا المراد به اللفظ، والباء للاستعانة، والمأمور به محذوف، أي مرنا بعمل بواسطة افعلوا، وتصريحه في هذا المقام أن يقال لهم: آمنوا، وقولوا: آمنّا، هذا هو المعنِيُّ بقول الراوي:»أمرهم بالإيمان بالله وحده«. وعلى أن يراد بالأمر الشأن يكون المراد معنى اللفظ وموادّه، وعلى هذا الفصل بمعنى الفاصل، أي مرنا بأمر فصل، أي جامع قاطع، كما في قوله - ﷺ -:«قل: آمنت بالله، ثم استقم»، فالمأمور به هاهنا أمر واحد، وهو الإيمان، والأركان الخمسة كالتفسير للإيمان بدلالة قوله - ﷺ -:«أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ »، ثم بَيّنهُ بما قال. [فإن قيل]: على هذا في قول الراوي إشكالان: [أحدهما]: أن المأمور به واحد، وقد قال: أربع. [وثانيهما]: أن الأركان خمسة، وقد ذكر أربعًا. [والجواب]: عن الأول أنه جعل الإيمان أربعًا باعتبار أجزائه المفصّلة، وعن الثاني أنه من عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له، وتوجّهه إليه، وكان ما سواه مطروحًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أي فعزّزناه، فترك المنصوب، وأتى بالجارّ والمجرور؛ لأن الكلام لم يكن مسوقًا له، فهاهنا لَمّا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرّين بكلمتي الشهادتين، بدليل قولهم: «الله ورسوله أعلم»، وترحيب الرسول - ﷺ - لهم، ولكن كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، وأنهما كافيتان لهم، وكان الأمر في صدر الإسلام كذلك، لم يجعله الراوي من الأوامر، وقصد به أنه - ﷺ - نبّههم على موجب توهّمهم بقوله: «أتدرون ما الإيمان؟»، ولذلك خصّص ذكر و«أن تعطوا من المغانم الخمس» حيث أتى بالفعل المضارع على الخطاب، لأن القوم كانوا أصحاب حروب وغزوات، بدليل قولهم: «بيننا وبينك هذا الحيّ من كفّار مضر»؛ لأنه هو الغرض من إيراد الكلام، فصار أمرًا من الأوامر. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّره الطيبيّ ﵀ في توجيه الاستشكال الوارد على هذا الحديث من عدم عدّ الشهادتين من الأربع يضعّفه قوله: «وعقد واحدة»، فإنه ظاهر في كونه - ﷺ - عدّ الشهادتين منها، فالأولى ما سبق لابن الصلاح ﵀ وغيره، من التوجيه بأنهما داخلتان فيها، وأن أداء الخمس غير داخل فيها، بل هو أمر مستقلّ، فقوله: «وأن تؤدّوا إلخ» معطوف على «بأربع»، أي وآمركم بأربع، وبأداء الخمس، فهذا جواب يزيل الإشكال المذكور، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: أي بحسب المكان من البلاد البعيدة عن المدينة، ويحتمل أن يراد بحسب الزمان، أي أولادنا، وأخلافنا، والظاهر أن المراد به قومهم. انتهى . و«من» موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة لـ«نُخْبِرْ»، قال الشيخ قطب الدين: لا خلاف أن قوله: «من وراءنا» بفتح الميم، والهمزة، وذكر الكرمانيّ أن في بعض الروايات «مِنْ وَرَائنا» بكسر الميم، قال العينيّ: إن صحت هذه الرواية يحتمل أن تكون «من» للغاية، بمعنى أن قومهم يكونون غاية لإخبارهم. انتهى . (نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قيّدناه على من يُوثق بعلمه: «نُخْبِرُ به» مرفوعًا، و«ندخل» مرفوعًا ومجزومًا، فرفعهما على الصفة لـ«أمر»، وجزم «ندخُلْ» على جواب الأمر المتضمّن للجزاء، فكأنهم قالوا: إن أمرتنا بأمر واضح فعلنا به، ورجونا دخول الجنّة بذلك الفعل. انتهى . وإلى هذا الجزم أشار في «الخلاصة» حيث قال: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ وقال في «الفتح»: قوله: «نخبر به» بالرفع على الصفة لـ«أمرٍ»، وكذا قوله: «وندخل»، ويروي بالجزم فيهما، على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من «وندخل» في بعض الروايات، فيُرفَع «نُخْبِرُ»، ويُجزَم «ندخلْ» . (قَالَ) الراوي (فَأَمَرَهُمْ) الفاء للتعقيب، أي أمر النبيّ - ﷺ - الوفد بعد ذلك (بِأَرْبَعٍ) أي بأربع خصال، أو جُمَل (وَنَهَاهُمْ) عطف على «أمرهم» (عَنْ أَرْبَعٍ) أي عَن ارتكاب أربع خصال (قَالَ) الراوي (أَمَرَهُمْ بَالايمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسير لقوله: «فأمرهم بأربع»، ولهذا ترك العاطف (وَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ»)، أي هل تعلمون (مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: («الْإِيمَانُ باللهِ؟») ﷾ (قَالُوا) أي الوفد (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - («شَهَادَةُ أَنْ لَا إِله إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) برفع»شهادة«على أنه خبر لمحذوف، أي هو، أو هي شهادة إلخ (وَإِقَامُ الصَّلَاة، وَإِيتَاءُ الزَّكَاة، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا) عطف على»أربع«من قوله:»فأمرهم بأربع«، فيكون مضافًا إلى الأربع، وليس واحدًا منها، وإن كان واحدًا من شعب الإيمان، ولا يُعطف على»شهادة أن لا إله إلا الله إلخ«؛ لئلا يلزم كونها خَمْسًا. [فإن قلت]: لم عَدَل عن لفظ المصدر الصريح إلى«أن»والفعل المضارع. [أجيب]: بأن ذلك للإشعار بمعنى التجدّد الذي في الفعل؛ لأن سائر الأركان كانت ثابتة قبل ذلك، بخلاف إيتاء الخمس، فإن فريضته تتجدّد بحسب تجدّد الجهاد . والله تعالى أعلم. [تنبيه] قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وحَسَنٌ أَن يُقْرَأ «وأن يؤدّوا» بياء المغايبة، ويجوز بتاء المخاطبة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ابن الصلاح ﵀ ثبتت الرواية لديه بالوجهين، وإلا فالموجود في النسخ عندنا بتاء الخطاب، فليُتأمل، والله تعالى أعلم. (خُمُسًا) بضمّتين، أو بضمّ فسكون، كما سبق تمام البحث فيه في الحديث الماضي (مِنْ الْمَغْنَمِ») أي الغنيمة، وهي تُقْسَم على خمسة أخماس، أربعة أخماسه للغزاة، والخُمس يُخَمَّس ثانيًا للمصارف الخمسة التي بيّنها الله تعالى في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. (وَنَهَاهُمْ) أي بعد أن سألوه عن الأشربة، ففي رواية للبخاريّ:«وسألوه عن الأشربة»، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي للمصنّف بعد هذا:«قالوا: يا نبيّ الله جعلنا الله فداءك ماذا يصلح لنا من الأشربة؟ »(عَنِ الدُّبَّاءِ) أي عن الانتباذ في القرع (وَالْحَنْتَمِ) أي الجرار الخضر، وقيل في معناها غير ذلك، كما أسلفناه في الحديث السابق (والْمُزَفَّتِ) بتشديد الفاء، بصيغة اسم المفعول: أي المطليّ بالزفت، وهو القار. (قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن أبي جمرة (وَرُبَّمَا) كلمة«رُبَّ»هنا للتقليل، وإذا زيدت عليها«ما»فالغالب أن تكفها عن العمل، وتهيّأها للدخول على الجملة الفعليّة التي فعلها ماض، كما هنا، وأما قوله ﷿: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، فمؤوّل بالماضي، على حد قوله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] وأشار إلى زيادة«ما»عليها في«الخلاصة»فقال: وَزِيدَ بَعْدَ«رُبَّ»وَالْكَافِ فَكَفّ … وَقَدْ يَلِيْهِمَا وَجَرٌّ لَمْ يُكَفّ (قَالَ) أي أبو جمرة («النَّقِيرِ») بفتح النون، وكسر القاف: جِذْع يُنقر وسطه، ويُنبذ فيه (قَالَ شُعْبَةُ) أيضًا (وَرُبَّمَا قَالَ:«الْمُقَيَّرِ») أي بدل«المزفّت»، وهو المطليّ بالقار، ويقال له: القير بالكسر، وهو نبتٌ يحرق إذا يبس تُطْلَى به السفن وغيرها، كما تُطْلَى بالزفت. (وَقَالَ) - ﷺ - (احْفَظُوهُ) أي ما ذكرته لكم (وَأَخْبِرُوا بِهِ) وفي رواية البخاريّ: احفظوهنّ، وأخبروا بهنّ» (مِنْ وَرَائِكُمْ«) بكسر ميم»من«على أنها»مِنْ«الجارّة. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة شيخ المصنّف (في رِوَايَتِهِ:«مَنْ وَرَاءَكُمْ») أي بفتح الميم، على أنها موصولة مفعول ثان لـ«أخبروا»، قال ابن الصلاح: ضبطنا الأول بكسر الميم، والثاني بفتحها، وهما يرجعان إلى معنى واحد. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«وأخبروا بهن من وراءكم»بفتح«مَنْ»، وهي موصولة، و«وراءكم»يشمل من جاؤوا من عندهم، وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معًا، حقيقةً ومجازًا، واستنبط منه البخاريّ الاعتماد على أخبار الآحاد، انتهى . (وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ) أي رواية أبي بكر («الْمُقَيَّرِ») بالجرّ على الحكاية، ويجوز تركها، يعني أنه إنما ذكر«المزفّت» فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٥] (…) - وحَدَّثَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلَيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ شُعْبَةَ، وَقَالَ: «أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبَذُ في الدُّبَّاء، وَالنَّقِير، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّتِ»، وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِه، عَنْ أَبِيه، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْأَشَجّ، أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُما اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأنَاةُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أبُوه) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ المذكور أيضًا في الباب الماضي. ٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) الأزديّ البصريّ، ثقة ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥١) (ع) ٤/ ٣٠. ٤ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر بن عليّ بن صُهْبَان بن أُبيّ الْجَهْضميّ - بفتح الجيم، وسكون الهاء، بعدها معجمة مفتوحة - الْحُدّانيّ الأَزْديّ، أبو الحسن البصري الكبير البصريّ، ثقة، من كبار [٩]. رَوَى عن عبد الرحمن بن سليمان الْغَسيل، وعبد العزيز بن أبي رَوّاد، والمثنى بن سعيد الضُّبَعيّ، والقاسم بن مَعْن، ومَهْديّ بن ميمون، وهشام الدستوائي، وخالد بن قيس الْحُدّاني، وإبراهيم بن نافع، وشعبة، وابن المبارك، وقرة بن خالد، والليث، وغيرهم. وروى عنه ابنه نصر، ووكيع، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو نعيم، وهم من أقرانه، ومعلى بن أسد. قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال صالح بن محمد: صدوق. ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال محمد بن عبد الله الحضرمي، وابن حبان: مات سنة سبع وثمانين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٥ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ، أبو خالد، ويقال: أبو محمد البصريّ، ثقة ضابطٌ [٦]. رَوَى عن أبي رجاء الْعُطَارِديّ، وحُميد بن هلال، ومحمد بن سيرين، والحسن، وعبد الحميد بن جُبير بن شيبة، وعمرو بن دينار، وأبي جمرة، وغيره. وروى عنه شعبة، وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد القطان، وابن مهديّ، وخالد بن الحارث، وأبو داود الطيالسيّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، وعليّ بن نصر، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان قرة عندنا من أثبت شيوخنا، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قرة، وعمران بن حُدير؟ فقال: ما فيهما إلا ثقة، قال: وسئل أبي عن قرة، وأبي خَلْدَة؟ فقال: قرة فوقه، وهو دون حبيب بن الشهيد، قيل له: قرة، والقاسم بن الفضل؟ قال: ما أقربه منه، وقال مرةً: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: قرة أحب إليّ من جرير بن حازم، ومن أبي خَلْدَة، وقرة ثبت عندي. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو مسعود الرازيّ، قرة أثبت عندك، أو حسين المعلم؟ فقال: قرةُ. وقال الآجريّ: ذَكَرَ أبو داود قرة، فَرَفَعَ من شأنه، وقال أيضًا: سألت أبا داود عنه، وعن الصَّعْق بن حَزْن؟ فقال: قرة فوقه، وقال النسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الطحاويّ: ثبتٌ متقنٌ ضابطٌ. وقال أبو نعيم: مات سنة نَيِّف وسبعين ومائة، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان متقنًا، ومات سنة أربع وخمسين ومائة، وكذا أَرَّخه خليفة في «تاريخه»، وقال في «الطبقات»: مات سنة خمس وخمسين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. والباقيان تقدّما قريبًا. وقوله: (قالا جميعًا)، لفظة «جميعًا» منصوبة على الحال، ومعناه: اتّفقا، واجتمعا على التحديث بما يذكره، إمّا مُجْتَمِعَين في وقتٍ واحدٍ، وإما في وقتين، ومن اعتقد أنه لا بدّ أن يكون ذلك في وقت واحدٍ، فقد غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا. قاله النوويّ رحمه الله تعالى . وقوله: (وقال رسول الله - ﷺ - للأشجِّ أَشَجِّ عبد القيس: «إنّ فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة»). أما «الأشجّ»: فاسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - الْعَصَريّ - بفتح العين والصاد المهملتين - هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله ابن عبد البرّ، والأكثرون، أو الكثيرون، وقال ابن الكلبيّ: اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عَصَر بن عوف، وقيل: اسمه المنذر بن عامر، وقيل: المنذر بن عُبيد، وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بن عوف. وأما «الْحِلمْ»: فهو العقل، وهو بكسر الحاء، يقال منه: حَلُمَ الرجل يَحلُم بضمّ اللام: إذا صار حليمًا، وتحلّم: إذا تكلّف ذلك. وأما «الأَناة»: فهي الرفق، والتَثَبُّتُ في الأمور، وتركُ الْعَجَلة، وهي مقصورة، يقال منه: تأنّى الرجل يتأنى تأنّيًا، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: أَنَاةً وَحِلْمًا وَانْتِظَارًا بِهِمْ غَدًا … فَمَا أَنَا بِالْوَانِي وَلَا الضَّرَعِ الْغُمْرِ وسبب قول النبيّ - ﷺ - ذلك له ما جاء في حديث الوفد: أنهم لَمّا وَصَلُوا المدينة بادروا إلى النبيّ - ﷺ -، وأقام الأشجّ عند رحالهم، فجَمَعَها، وَعَقَل ناقته، ولَبِس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبيّ - ﷺ -، فقرّبه النبيّ - ﷺ - وأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبيّ - ﷺ -: «تبايعونَ على أنفسكم وقومكم؟»، فقال القوم: نعم، فقال الأشجّ: يا رسول الله إنك لم تُزاول الرجل عن شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل معنا مَنْ يدعوهم، فمن اتبعنا كان منّا، ومن أبى قاتلناه، قال: «صدقت، إن فيك خصلتين. . .» الحديث . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فالأناة تربُّصُهُ حتى نظر في مصالحه، ولم يَعْجَل، والحِلمُ هذا القول الذي قاله الدالّ على صحة عقله، وجَوْدة نظره للعواقب . قال النوويّ: ولا يخالف هذا ما جاء في«مسند أبي يعلى»وغيره أنه لَمّا قال رسول الله - ﷺ - للأشجّ:«إن فيك خصلتين. . .»الحديث، قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حَدَثَا؟ قال:«بل قديم»، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ٦/ ١٢٣ عن خلف بن هشام، عن حماد بن زيد - (ح) عن يحيى بن يحيى، عن عباد بن عباد - كلاهما عن أبي جمرة، عن ابن عبّاس - ﵄ - و٦/ ١٢٤ عن أبي بكر بن أبي شيبة - ومحمد بن المثنى - ومحمد بن بشار - ثلاثتهم عن غندر، عن شعبة، عن أبي جمرة به و٦/ ١٢٥ عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه - (ح) عن نصر بن عليّ الْجَهْضَمِيّ، عن أبيه - كلاهما عن قرّة بن خالد، عن أبي جمرة به. وأخرجه (البخاريّ (١/ ٢٠ و٩/ ١١١ عن عليّ بن الجعد، - و١/ ٣٢ عن محمد بن بشار، عن غندر - و٩/ ١١١ عن إسحاق، عن النضر - ثلاثتهم عن شعبة به، و١/ ١٣٩ عن قتيبة بن سعيد، عن عباد بن عباد المهلّبيّ، و٢/ ١٣١ عن حجاج - و٤/ ٩٨ عن أبي النعمان - و٤/ ٢٢٠ عن مسدّد، و٥/ ٢١٣ عن سليمان بن حرب، و٥/ ٢١٣ عن إسحاق، عن أبي عامر الْعَقَديّ، و٨/ ٥٠ عن عمران بن ميسرة، عن عبد الوارث، عن أبي التّيّاح، و٩/ ١٩٧ عن عمرو بن عليّ، عن أبي عاصم، تسعتهم عن أبي جمرة به. وأخرجه (أبو داود) و(٣٦٩٢ و٣٦٩٤ و٤٦٧٧) و(الترمذيّ (١٥٩٩ و٢٦١١) و(النسائيّ (٨/ ١٢٠ و٣٢٢ وفي «الكبرى (٣١٦) و(أحمد) ١/ ٢٢٨ و٣٣٣ و٣٦١ و(ابن خزيمة) (٣٠٧ و١٨٧٩ و٢٢٤٥ و٢٢٤٦) و(أبو نعيم) في (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الأمر بالإيمان بالله تعالى، ورسوله - ﷺ -، والأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. ٢ - (ومنها): مشروعيّة وِفَادة الرؤساء، والأشراف إلى الأئمة عند الأمور المهمة. ٣ - (ومنها): تقديم الاعتذار بين يدي المسألة. ٤ - (ومنها): بيان مهمات الإسلام، وأركانه، ما سوى الحجّ؛ إذ لم يُفرض وقتئذٍ، وقيل: غير ذلك. ٥ - (ومنها): استعانة العالم في تفهيم الحاضرين، والفهم عنهم ببعض أصحابه، كما فعله ابن عبّاس - ﵄ - مع أبي جمرة رحمه الله تعالى. ٦ - (ومنها): جواز استفتاء المرأة الرجال الأجانب، وسماعها صوتهم، وسماعهم صوتها، خلافَ من قال: إنّ صوتها عورة، وهو قول ضعيف. ٧ - (ومنها): أن فيه استحباب تأنيس الرجل لزوَّاره، والقادمين عليه بقوله: مرحبًا، ونحوه، والثناء عليهم إيناسًا وبسطًا، وقد تكرر ذلك من النبي - ﷺ -، كهذا الحديث، وقوله - ﷺ - لأم هانئ - ﵂ -: «مرحبًا بأم هانئ»، وفي قصة عكرمة بن أبي جهل - ﵁ -: «مرحبًا بالراكب المهاجر»، وفي قصة فاطمة - ﵂ -: «مرحبًا بابنتي»، وكلها صحيحة ، وأخرج النسائي من حديث عاصم بن بشير الحارثيّ، عن أبيه: أن النبي - ﷺ - قال له: لما دخل، فسلّم عليه: «مرحبًا، وعليك السلام»، وقد بوّب الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه» ٨/ ٥٠ - ٥١: «باب قول الرجل: مرحبًا»، وأورد قول النبيّ - ﷺ - لفاطمة - ﵂ -: «مرحبًا بابنتي»، وقصّة أم هانئ، ثم أخرج حديث ابن عباس - ﵄ - المذكور في الباب. ٨ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجفه إذا لم يُخَف عليه الإعجاب، أو نحوه، وأما قوله - ﷺ -: «إياكم والمدح، فإنه الذبح»، أخرجه أحمد، وابن ماجه ، وقوله: «ويلك قطعت عنق صاحبك»، متّفقٌ عليه، فمحمول على ما إذا خيف فيه الافتتان. قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يُخَفْ عليه فتنة بإعجاب ونحوه، وأما استحبابه فيختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وأما النهي عن المدح في الوجه، فهو في حق من يُخاف عليه الفتنة بما ذكرناه، وقد مَدَح النبيّ - ﷺ - في مواضع كثيرة في الوجه، فقال - ﷺ - لأبي بكر - ﵁ -: «لست منهم»، «يا أبا بكر لا تَبْكِ إن أَمَنَّ الناس عليّ في صحبته، وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا»، وقال له: «وأرجو أن تكون منهم»، أي من الذين يُدْعَونَ من أبواب الجنة، وقال - ﷺ -: «ائذن له، وبشره بالجنة»، وقال - ﷺ -: «اثْبُتْ أُحُدُ، فإنما عليك نبيّ، وصِدِّيق، وشهيدان»، وقال - ﷺ -: «دخلتُ الجنة، ورأيت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله، فذكرتُ غَيْرَتك»، فقال عمر - ﵁ -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ وقال له: «ما لَقِيَك الشيطان سالكًا فَجًّا إلا سلك فجًّا غير فَجِّك»، وقال - ﷺ -: «افتح لعثمان، وبَشِّره بالجنة»، وقال لعليِّ - ﵁ -: «أنت مني، وأنا منك»، وفي الحديث الآخر: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»، وقال - ﷺ - لبلال: «سَمِعْتُ دَقَّ نعليك في الجنة»، وقال - ﷺ - لعبد الله بن سلام: «أنت على الإسلام حتى تموت»، وقال للأنصاريّ: «ضَحِكَ الله ﷿ - أو - عَجِبَ من فعالكما»، وقال للأنصار: «أنتم من أحب الناس إليَّ»، ونظائر هذا كثيرة من مدحه - ﷺ - في الوجه، وأما مدح الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يُقْتَدَى بهم ﵃ أجمعين، فأكثر من أن يحصر، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . ٩ - (ومنها): وجوب الْخُمُس في الغنيمة، قلّت أم كثُرت، وإن لم يكن الإمام مع السّريّة الغازية.
مصادر المؤلف (٩٩)

١. راجع: «عمدة القاري» ١/ ١٢٠.

٢. راجع: «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة» ٢/ ٢٠٨.

٣. حديث صحيح، رواه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذيّ (٢٦٥٨).

٤. «المفهم» ١/ ١٦٩ - ١٧٠.

٥. «الفتح» ١/ ٦٥.

٦. راجع في هذه الأسئلة: «عمدة القاري» ١/ ١٢٠ - ١٢١، و«فتح الباري» ١/ ٦٥ - ٦٦.

٧. «الفتح»١/ ٦٥.

٨. «عمدة القاري» ١/ ١٢١.

٩. «شرح النوويّ» ١/ ١٧٨ - ١٧٩.

١٠. «إكمال المعلم» ١/ ١٤٩ - ١٥٠.

١١. راجع: «الفتح» ١/ ٦٦.

١٢. «شرح النوويّ» ١/ ١٧٩.

١٣. حديث ضعيف الإسناد.

١٤. رواه بهذا اللفظ عبد بن حميد في «مسنده» كما في «الدرّ المنثور» ٢/ ٢٧٣ عن الحسن مرسلًا.

١٥. رواه اللالكائيّ في «أصول الاعتقاد» (١٥٧٦)، ورواه أيضًا أبو يعلى (٢٣٤٩) وإسناده ضعيف، مؤمل سيء الحفظ، وعمرو بن مالك النكريّ صاحب أوهام.

١٦. أخرجه أحمد ٤/ ٢٠٠ و٢٠١ وإسناده مرسل، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف.

١٧. رواه أحمد، والطبرانيّ في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» ١/ ٤٧ قال الهيثميّ: وفي إسناده ابن لهيعة.

١٨. «العلل» ١/ ٢٩٤ و٢/ ١٥٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢٠١ و٢٠٢، وقال: غريب من حديث ابن عمر بهذا اللفظ.

١٩. حديث حسن بشواهده، رواه الطبراني ١٩/ ٤٦٠، وصححه ابن حبان.

٢٠. «الفتح»١/ ٦٥.

٢١. «شرح النوويّ»١/ ١٧٩.

٢٢. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٧٨.

٢٣. «الفتح» ١/ ١٥٨.

٢٤. راجع: «فتح المغيث شرح ألفيّة الحديث» ١/ ١٨٠ - ١٨١.

٢٥. «شرح مسلم» ١/ ١٨٠.

٢٦. أخرجه مسلم في «صحيحه»، فقال:

٢٧. راجع «تدريب الراوي» ٢/ ٣٢٧.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٣.

٢٩. «القاموس المحيط» ص ١٠٣٤.

٣٠. «المصباح» ٢/ ٦٦٦.

٣١. راجع «عمدة القاري» ١/ ٣٠٤.

٣٢. واسمه المنذر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عَصَر، كذا نسبه أبو عمر، وقال ابن الكلبيّ: المنذر بن عوف بن عمرو بن زياد بن عَصَر، وكان سيّد قومه، و«عَصَر»- بفتح العين والصاد المهملتين - ابن عوف بن عمرو بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لُكَيز - بضمّ اللام، وفي آخره زاي معجمة - ابن أفصى - بالفاء - ابن عبد القيس بن دُعْمِيّ بن جَدِيلة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، وإنما قال له النبيّ - ﷺ -: الأشجّ لأثر كان في وجهه. انتهى«عمدة القاري»١/ ٣٠٨.

٣٣. بضم الصاد، وتخفيف الحاء، وفي آخره راء، وكلها مهملات.

٣٤. بالجيم، واسم المرجوم: عامر بن عمرو بن عديّ بن عمرو بن قيس بن شهاب بن زيد بن عبد الله بن زياد بن عَصَر، كان من أشراف العرب، وساداتها. انتهى«عمدة القاري»١/ ٣٠٨.

٣٥. «الفتح» ١/ ١٥٨ - ١٥٩.

٣٦. يريد الحافظ ابن حجر.

٣٧. راجع«عمدة القاري» ١/ ٣٠٩.

٣٨. راجع «شرح النوويّ» ١/ ١٨١.

٣٩. «الصيانة» ص ١٤٨.

٤٠. «عمدة القاري»١/ ٣٠٥.

٤١. «شرح النوويّ»١/ ١٨٢.

٤٢. «شرح النوويّ»١/ ١٨١ - ١٨٢ و«الفتح» ١/ ١٦٠.

٤٣. «المصباح المنير» ١/ ١٥٧.

٤٤. «الفتح» ١/ ١٦٠.

٤٥. راجع: «شرح النوويّ» ١/ ١٨٢ - ١٨٣.

٤٦. «المصباح المنير» ١/ ٢١.

٤٧. «المصباح المنير» ١/ ٢١.

٤٨. «المصباح المنير»٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.

٤٩. «القاموس المحيط»ص ١٠٣١.

٥٠. سيأتي أن زيادة الواو رواية شاذّة، فتنبّه.«كتاب الزكاة»:«الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله»، بزيادة واو أيضًا، ولم يَذكُر فيها الصيام، وذكر في باب حديث وفد عبد القيس:«الإيمان بالله، شهادة أن لا إله إلا الله».

٥١. «شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٨٣ - ١٨٤.

٥٢. الضمير لصاحب «الفتح».

٥٣. القائل صاحب «الفتح».

٥٤. «الفتح» ١/ ١٦١ - ١٦٣.

٥٥. «الفتح» ١/ ١٦٣.

٥٦. «شرح مسلم» ١/ ١٨٥.

٥٧. «الفتح» ١/ ١٦٣.

٥٨. «شرح النوويّ»١/ ١٨٥ - ١٨٦.

٥٩. «الفتح»١/ ١٦١.

٦٠. «القاموس المحيط» ص ٤٠٨.

٦١. «القاموس المحيط» ص ٩٧٦.

٦٢. «المصباح المنير» ١/ ٧٤.

٦٣. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٥٢.

٦٤. «شرح صحيح مسلم» ١/ ١٨٦.

٦٥. راجع: «صحيح البخاريّ» ٩/ ٩٤.

٦٦. «المفهم» ١/ ١٧١.

٦٧. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» ص ٥٢.

٦٨. «شرح مسلم» ١/ ١٨٦.

٦٩. «المفهم» ١/ ١٧٢.

٧٠. راجع: «الفتح» ١/ ١٥٨.

٧١. «الفتح» ١/ ١٥٨.

٧٢. «المفهم» ١/ ١٧٢.

٧٣. «صيانة صحيح مسلم»ص ١٥٢ و«شرح النوويّ »١/ ١٨٦.

٧٤. «الفتح»١/ ١٦٠.

٧٥. أخرجه ابن ماجه في«سننه»١/ ٥٠٢ - ٥٠٣ رقم (١٥٧٨) وهو حديث ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن سلمان الكوفيّ الأزرق، وهو ضعيف.

٧٦. «المفهم»١/ ١٧٣ و«شرح النووي»١/ ١٨٧.

٧٧. «شرح مسلم»١/ ١٨٧ - ١٨٩.

٧٨. «الفتح» ١/ ١٦٠.

٧٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٦٠.

٨٠. انظر ص ٣٤٠.

٨١. «الفتح» ١/ ١٦٠.

٨٢. «المفهم» ١/ ١٧٤.

٨٣. هكذا النسخة، ولعل الأولى: «إذ المراد. .» إلخ، فتأمل.

٨٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٣٦١ - ٤٦٢.

٨٥. «شرح الكرمانيّ» ١/ ٢٠٨.

٨٦. «عمدة القاري» ١/ ٣٠٧.

٨٧. «المفهم (١/ ١٧٤.

٨٨. «الفتح» ١/ ١٦١.

٨٩. راجع: «شرح الكرماني» ١/ ٢٠٩.

٩٠. «عمدة القاري»١/ ٣٠٨.

٩١. «الصيانة» ص ١٥٤ - ١٥٥.

٩٢. «الفتح» ١/ ١٦٣.

٩٣. «شرح مسلم» ١/ ١٨٨.

٩٤. أخرجه أبو داود بمعناه مختصرًا في «سننه» ٥/ ٣٩٥ برقم (٥٢٢٥) ولفظه: حدثنا محمد بن عيسى بن الطّبّاع، حدثنا مطر بن عبد الرحمن الأعنق، حدثتني أم أبان بنت الوازع بن زارع، عن جدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: لَمّا قدمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنُقَبِّل يد النبي - ﷺ - ورجله، قال: وانتظر المنذر الأشجّ حتى أَتَى عَيْبَتَهُ، فلبس ثوبيه، ثم أتى النبي - ﷺ - فقال له: «إن فيك خَلَّتَين يحبهما الله: الحلم والأناة»، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: «بل الله جَبَلَك عليهما، قال:»الحمد لله الذي جَبَلني على خلتين، يحبهما الله ورسوله«. وحسنه الشيخ الألباني دون ذكر رجله. انظر:»صحيح أبي داود«٣/ ٩١٨.

٩٥. «إكمال المعلم»١/ ١٦٦ - ١٦٨.

٩٦. «شرح مسلم»للنوويّ ١/ ١٨٩.«مستخرجه» (١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ و١٠٦ و١٠٧)، والله تعالى أعلم.

٩٧. لكن قصة عكرمة بن أبي جهل ضعفها الترمذي، فراجع «الجامع» جـ ٥ ص ٧٨.

٩٨. حديث حسنٌ، أخرجه أحمد ٤/ ٩٩ وابن ماجه (٣٧٤٣) من حديث معاوية - ﵁ -.

٩٩. «شرح مسلم» ١/ ١٩٥ - ١٩٦.