HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩

حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جميعا عَنْ وَكِيعٍ. قال أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاق. قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن صيفي عن ابن مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قال: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فأعلمنهم أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لذلك. فأعلمنهم أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ. فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ. وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص37
ج ١ ص ٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٣٧٣
ابن عبّاس - ﵄ - بإيراد الحديث للسائلة عن التصريح بحكم المسألة. ١٩ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على إبداء العذر، عند العجز عن توفية الحقّ واجبًا، أو مندوبًا، وعلى أنه يَبدأ بالسؤال عن الأهم، وعلى أن الأعمال المصالحة تُدخِل الجنة، إذا قُبِلت، وقبولها يقع برحمة الله تعالى. ٢٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الإيمان والإسلام بمعنى واحد؛ لأنه فسّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان هاهنا. ٢١ - (ومنها): ما قيل: إنما خُصّت هذه الأوعية المذكورة بالنهي؛ لأنها يسرع الإسكار إليها. ٢٢ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في إجمال العدد قبل التفسير في قوله: «بأربع»، و«عن أربع»؛ لأجل تشويق النفس إلى التفصيل؛ لتسكن إليه، ولتحصيل حفظها للسامع، حتى إذا نسي شيئًا من تفاصيل ما أجمله طالبته نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي حفظه، عَلِم أنه قد فاته بعض ما سمعه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٦] (١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْس، قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحُرُم، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آمرُكُمْ بِأَرْبَع، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: اعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَآتُوا الزّكاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْغَنَائِمِ. وَأنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَم، وَالْمُزَفَّت، وَالنَّقِيرِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ: «بَلَى، جِذْعٌ تنقُرُونَهُ، فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء» - قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ -: مِنْ التَّمْر، ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاء، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ - إِنَّ أَحَدَهُمْ، لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ»، قَالَ: وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ، قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا؛ حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:«فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَم، الَّتي يُلَاثُ عَلَى أفوَاهِهَا»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِن أَرْضَنَا كثِيرَةُ الْجِرْذَان، وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: (وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ«، قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: »إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْن، يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ«): رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الْمَقَابِريّ البغداديّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) ١/ ٩. ٢ - (ابنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقة حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) واسمه مِهْران الْعَدَويّ الْيشكريّ، مولى بني عَدِيّ بن يَشْكُر، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦]. رَوَى عن قتادة، والنضر بن أنس، والحسن البصري، وعبد الله بن فَيْرُوز الدَّانَاج، وأبي مَعْشَر زياد بن كُليب، وزياد الأعلم، ومطر الوَرَّاق، وأيوب، وعامر الأحول، وعلي بن الْحَكَم الْبُنَانيّ، وأبي رَجَاء الْعُطَاردي، وأبي نضرة العبديّ، ويعلى بن حكيم، وأبي التيّاح، وجماعة. وروى عنه الأعمش، وهو من شيوخه، وشعبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وخالد بن الحارث، ورَوْح بن عُبادة، ويزيد بن زُريع، ومحمد بن أبي عديّ، ومحمد بن سَوَاء، ويحيى القطان، وبشر بن المفضّل، وسهل بن يوسف، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وكهمس بن المنهال، وابنُ علية، وأبو أسامة، وسالم بن نوح، وسعيد بن عامر، وأبو خالد الأحمر، وعبدة، وعلي بن مسهر، وعلي بن يونس، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن بكر، ومحمد بن بشر، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن عبد الله الأنصاريّ، وجماعة. قال أبو حاتم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يكن لسعيد بن أبي عروبة كتاب، إنما كان يحفظ ذلك كله. وقال ابن معين والنسائيّ: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال ابن أبي خيثمة: أثبت الناس في قتادة سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي. وقال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحفظ منه، وقال أبو داود الطيالسيّ: كان أحفظ أصحاب قتادة. وقال ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة: سعيد أحفظ، وأثبت - يعني من أبان العطار - وأثبت أصحاب قتادة هشام، وسعيد. وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة، وكان أعلم الناس بحديث قتادة، وقال أبو زرعة الدمشقيّ عن دُحَيم اختلط مخرج إبراهيم سنة خمس وأربعين ومائة. وقال الآجري عن أبي داود: سماع وكيع عنه بعد الهزيمة ، وقال أبو داود: كان وكيع يقول: كنا ندخل على سعيد، فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه. وقال أبو نعيم: كتبت عنه بعد ما اختلط حديثين. وقال ابن حبان: كان سماع شعيب بن إسحاق منه سنة (٤٤) قبل أن يختلط بسنة. وقال النسائيّ: «ذِكْرُ من حَدَّث عنه سعيد بن أبي عروبة، ولم يسمع منه»: لم يسمع من عمرو بن دينار، ولا من هشام بن عروة، ولا من زيد بن أسلم، ولا من عبيد الله بن عمر، ولا من أبي الزناد، ولا من الحكم بن عتيبة، ولا من إسماعيل بن أبي خالد، ولا من حماد - يعني ابن أبي سليمان -. وقال ابن المبارك: سمع من قيس بن سعد شيئًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: لم يسمع من الأعمش، ولا من يحيى بن سعيد الأنصاري، ولا من أبي بشر. وقال ابن معين: لم يسمع من عبد الله بن محمد بن عَقِيل. وقال أبو بكر البزار: يحدث عن جماعة لم يسمع منهم، فإذا قال: سمعت، وحدثنا كان مأمونًا على ما قال. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى: كان يُرسل. وقال الأزديّ: اختلط اختلاطًا قبيحًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، ثم اختلط في آخر عمره. وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة (١٥٥)، وبقي في اختلاطه خمس سنين، ولا يُحتجّ إلا بما رَوَى عنه القدماء، مثل يزيد بن زُريع، وابن المبارك، ويعتبر برواية المتأخرين عنه، دون الاحتجاج بها، ثم قال: وقد قيل: مات سنة (٥٠). وقال الذهليّ عن عبد الوهاب الْخَفّاف: خولط سعيد سنة (٤٨)، وعاش بعدما خولط تسع سنين. وقال العقيليّ: سمع منه محمد بن أبي عديّ بعدما اختلط. وقال الآجري، عن أبي داود: كان سعيد يقول في الاختلاط: قتادة عن أنس، أو أنس عن قتادة. وقال النسائيّ: من سَمِع منه بعد الاختلاط فليس بشيء، وقال الآجري عن أبي داود: سماع رَوْح منه قبل الهزيمة، وكذا سَرَّار، وسماع ابن مهديّ منه بعد الهزيمة. وقال يزيد بن زُريع: أول ما أنكرنا ابن أبي عروبة يوم مات سليمان التيميّ، جئنا من جنازته، فقال: من أين جئتم؟ قلنا: من جنازة سليمان التيميّ، فقال: ومن سليمان التيميّ؟ قال الحافظ: والتيميّ مات سنة (١٤٣)، ويؤيد ذلك ما حكاه ابن عديّ في «الكامل» عن ابن معين قال: من سمع منه سنة (١٤٢) فهو صحيح السماع، وسماع من سمع منه بعد ذلك ليس بشيء، وأثبت الناس سماعًا منه عبدة بن سليمان. وقال ابن قانع: خلط في آخر عمره، وكان أعرج، يُرمَى بالقدر. وقال أحمد: كان يقول بالقدر ويكتمه. وقال العجليّ: كان لا يدعو إليه، وكان ثقة. وقال ابن مهديّ: كتب غُنْدَر عن سعيد بعد الاختلاط. وقال ابن عدي: وسعيد من ثقات المسلمين، وله أصناف كثيرة، وحدَّثَ عنه الأئمة، ومن سمع منه قبل الاختلاط، فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع منه بعد الاختلاط، لا يُعتمَد عليه، وأرواهم عنه عبد الأعلى، وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس عنه روايةً، وكان ثَبْتًا عن كل مَن رَوَى عنه، إلا من دَلَّس عنهم، وأثبت الناس عنه ابنُ زُريع، وخالد بن الحارث، ويحيى بن سعيد، ونظراؤهم. وقال ابن القطان: حديث عبد الأعلى عنه مشتبهٌ، لا يُدرى هو قبل الاختلاط أو بعده؟ وتَعَقَّب ذلك ابن الْمَوَّاق فأجاد. وقال ابن السكن: كان يزيد بن زُريع يقول: اختلط سعيد في الطاعون - يعني سنة (١٣٢)، وكان القطان يُنكر ذلك، ويقول: إنما اختلط قبل الهزيمة. وجمع الحافظ بين القولين بما قال أبو بكر البزار: إنه ابتدأ به الاختلاط سنة (١٣٣)، ولم يَستحكم، ولم يُطبِق به، واستمرّ على ذلك، ثم استحكم به أخيرًا، وعامة الرواة عنه سمعوا منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى القطان. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ممن سمع منه قبل الاختلاط يزيدَ بنَ زُريع، وعبدةَ بنَ سليمان، وخالدَ بن الحارث، ويحيى القطان، وعبدَ الأعلى بن عبد الأعلى، وابنَ المبارك، وروحَ بن عبادة، ويزيدَ بن هارون . والله تعالى أعلم. وقال البخاريّ: قال عبد الصمد: مات سنة ست وخمسين ومائة، وقال غيره: سنة (٥٧). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا. [تنبيه]: أبو عروبة هكذا يقول أهل الحديث وغيرهم: «عروبة» بغير ألف ولام، وقال ابن قُتيبة في كتابه «أدب الكاتب» في «باب ما تغيّر من أسماء الناس»: هو ابن أبي العروبة بالألف واللام، يعني أن قولهم: عروبة لحن، وذكر ابن قتيبة في كتابه «المعارف» كما ذكره غيره، فقال: سعيد بن أبي عروبة، يُكنى أبا النضر، لا عقِب له، يقال: إنه لم يمسّ امرأةً قط، واختلط في آخر عمره. انتهى . ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧). ٥ - (أَبُو نَضْرَةَ) - بنون مفتوحة، ومعجمة ساكنة - مشهور بكنيته، واسمه: المنذر بن مالك بن قُطَعَةَ الْعَبْدِيّ، ثم الْعَوَقيّ البصريّ، ثقة [٣]. أدرك طلحة، وَرَوَى عن علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعريّ، وأبي ذر الغفاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وعمران بن حُصين، وسمرة بن جندب، وأنس، وجابر، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيميّ، وأبو مسلم سعيد بن يزيد، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وقتادة، وداود بن أبي هند، وخُليد بن جعفر، ويحيى بن أبي كثير، وكهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الْجُريريّ، وآخرون. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ما علمت إلا خيرًا، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائيّ، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن أبي نضرة، وعطية؟ فقال: أبو نضرة أحب إليّ. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، وليس كل أحد يَحتجّ به، مات في ولاية ابن هُبَيْرة، حدثنا عفّان، حدثنا مهدي بن ميمون: شَهِدتُ الحسنَ حين مات أبو نضرة، صلى بنا على الجنازة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من فُصحاء الناس، فُلِج في آخر عمره، مات سنة ثمان أو تسع ومائة، وأوصى أن يصلي عليه الحسن، وكان ممن يخطئ. وقال خليفة بن خياط: مات سنة ثمان، وقال عمرو بن علي: مات سنة تسع ومائة، وقال البخاريّ: قال يحيى بن سعيد: مات قبل الحسن بقليل، وأورده العقيليّ في «الضعفاء»، ولم يذكر فيه قدحًا لأحد، وكذا أورده ابن عديّ في «الكامل»، وقال: كان عَرِيفًا لقومه، وأظن ذلك لِمَا أشار إليه ابن سعد، ولهذا لم يحتج به البخاريّ. وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن حنبل: ثقة. علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٦٤) حديثًا. [تنبيه]: قوله: «ابن قُطَعَة» بضم القاف، وفتح الطاء المهملة، هكذا ضبطه في «تقريب التهذيب»، وضبطه النوويّ في «شرحه» ١/ ١٩٠) بكسر القاف، وإسكان الطاء. وأما «الْعَوَقِيّ»: فهو بفتح العين، والواو، وبالقاف، هذا هو المشهور الذي قاله الجمهور، وحَكَى صاحب «المطالع» أن بعضهم سكّن الواو من «الْعَوقِيّ»، والْعَوَقَةُ: بطن من عبد القيس، قاله النوويّ في «شرحه» ١/ ١٩٠ - ١٩١. ٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (ت ٣٦) وقيل: غير ذلك، تقدّم في «شرح المقدّمة» ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود، وأخرج له البخاريّ في «خلق أفعال العباد»، والنسائيّ في «مسند عليّ - ﵁ -»، وغير أبي نَضْرَةَ، فقد علّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات البصريين، غير شيخه، فإنه بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي نَضْرَةَ. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد - ﵁ - صحابيّ ابن صحابيّ - فأبوه صحابيّ، استُشهد يوم أحد - ﵁ - وهو من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ) بفتح الميم موصولة، بمعنى الذي (لَقِيَ) بكسر القاف، يقال: لقيتُهُ أَلْقَاهُ، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استَقْبَلَ شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيه، ومنه لقاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ (الْوَفْدَ) تقدّم أنه بمعنى الجماعة المختارة من القوم ليتقدّموا في لُقِيّ العظماء في المهمات (الَّذِينَ قَدِمُوا) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ الرجلُ البلدَ يقدَمه، من باب تَعِبَ قُدُومًا، ومَقْدَمًا: إذا دخله، وأما قَدَمَ القومَ يقدُمهم قَدْمًا، من باب نصر، فإنه بمعنى تقدّمهم ، ولا يناسب هنا (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) القبيلة المشهورة (قَالَ سَعِيدٌ) هو ابن أبي عروبة (وذَكَرَ قَتَادَة) أي ممن حدّثه بهذا الحديث من الوفد المذكورين (أَبَا نَضْرَةَ) أي فزال بهذا تهمة تدليسه، فإنه معروف به (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - متعلّق بـ «حَدّثنا»، وقال النوويّ: معنى هذا الكلام أن قتادة حدّث بهذا الحديث عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، كما جاء مبيّنًا في الرواية التي بعد هذا من رواية ابن أبي عديّ، انتهى (فِي حَدِيثِهِ) متعلّق بـ «حدّثنا»، و«في» بمعنى الباء، وقوله: (هَذَا) بدل من «حديثه»، والإشارة إلى ما يسوقه بعدُ (أَنَّ أُنَاسًا) بضم الهمزة، قال الفيّومي: و«الأُناس» قيل: فُعَالٌ بضمّ الفاء، مشتقّ من الأُنْس، لكن يجوز حذف الهمزة تخفيفًا على غير قياس، فيبقى نَاسًا، وعن الكسائيّ أن الأُناس والناس لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقًا من الآخر، وهو الوجه، لأنهما مادّتان مُختلفتان في الاشتقاق، والحذف تغيير، وهو خلاف الأصل. انتهى (مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ) متعلّق بصفة لـ «أُناس»، أي كائنين من هذه القبيلة (قَدِمُوا) بكسر الدال (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالُوا: يَما نَبِيَّ اللهِ) فيه دليلٌ على أنهم مؤمنون قبل مجيئهم؛ إذ نادوه بصفة النبوّة (إِنَّا) هي «إنّ» واسمها ضمير المتكلّمين، وخبرها قولهم: (حَيٌّ) أي قبيلة، سمّوا بذلك لأن بعضهم يحيا ببعض، وجمعه أحياء (مِنْ رَبِيعَةَ) متعلّق بصفة لـ«حيّ»، كما سبق قريبًا (وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ) بضمّ، ففتح، غير منصرف؛ للعَلَميّة، والعدل من ماضر، وهو أبو قبيلة، وهو مُضر بن نِزَار، يُلقّب مضر الحمراء؛ لولعه بشرب اللبن الماضر، أي الحامض، أو لبياض لونه، والعرب تسمّي الأبيض أحمر ، وتقدّم غير هذا في سبب تلقيبه (وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْكَ) بتثليث الدال، من باب ضرب، ونصر، وفَرِحَ : أي لا نَقْوَى، ولا نتمكّن من الوصول إليك؛ خوفًا من هؤلاء الكفّار (إِلا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ) أي الأربعة: ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرّم، ورجب مضر، فالثلاثة سرْدٌ، وواحد فرد (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ، نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا) تقدّم الكلام في هذه الجملة، وأنه يجوز رفع «نأمر»، وجزمه، وكذا قوله: (وَنَدْخُلُ بهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ) أي إذا عَمِلنا بما تأمرنا به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آمرُكُمْ بِأَرْبَعٍ») أي أربع خصال، أو أربع جُمَلٍ (وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ في أربع أوعية، ثم فصّل الأربع الأُوَلَ، فقال (اعْبُدُو اللهَ) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: عبادته هي طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام؛ لأن معنى الإسلام: الاستسلام لله تعالى المتضمّن غاية الانقياد، والذلّ، والخضوع. انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: العبادة هي طاعة الله تعالى بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وقال أيضًا: العبادة اسم جامع لكلّ ما يُحبّه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة. وقال العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومدارها على خمس عشرة قاعدةً، من كملها كمل مراتب العبوديّة، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، والأحكامُ التي للعبوديّة خمسة: واجبٌ، ومستحبّ، وحرام، ومكروه، ومباح، وهنّ لكلّ واحد من القلب، واللسان، والجوارح. ولقد أجاد رحمه الله تعالى حيث قال في «نونيّته» [من الكامل]: وَعِبَادَةُ الرَّحْمنِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ وَمَدَارُهُ بِالْأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ ولبعضهم [من الكامل أيضًا]: حَقُّ الإلَاهِ عِبَادَةٌ بِالأَمْرِ لَا … بِهَوَى النُّفُوسِ فَذَاكَ لِلشَّيْطَانِ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ شَيْئًا همَا … سبَبُ النَّجَاةِ فَحَبَّذَا السَّبَبَانِ لَمْ يَنْجُ مِنْ غَضَبِ الْإِلَهِ وَنَارِهِ … إِلَّا الَّذِي قَامَتْ بِهِ الأَصْلَانِ وَالنَّاسُ بَعْدُ فَمُشْرِكٌ بِإِلَاهِهِ … أَوْ ذُو ابْتِدَاعٍ أَوْ لَهُ الْوَصْفَانِ وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصل العبادة التذلّل والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها، خاضعين، متذلّلين لله تعالى . وقوله: (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونكم غير مشركين به، أي وحّدوه بالعبادة متجرّدين عن الشرك، فإن من لم يتجرّد عن الشرك لم يكن آتيًا بعبادة الله تعالى وحده (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي أدّوها مراعين شروطها، وأركانها، وواجباتها، وآدابها (وآتُو الزَّكَاةَ) أي أعطوها. مستحقّيها فـ «الزكاة» مفعول ثانٍ، والأول هو ما قدّرناه (وصُومُوا رَمَضَانَ) فيه إطلاق هذا الاسم من غير إضافة شهر، وهو الحقّ، وقد كرهه بعضهم، ولا وجه له (وأَعْطُوا الْخُمُسَ) مستحقّه، فـ «الخمسَ» مفعول ثان، والأول هو المقدّر، كسابقه (مِنَ الْغَنَائِمِ) جمع غنيمة، وهي ما نِيلَ من أهل الشرك عَنْوَةً، والحربُ قائمة، قاله الفيّومي ، وقال ابن الأثير: هي ما أُصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب . وأما الفَىْءُ فهو ما نِيلَ منهم بعدَ أن تَضَعَ الحربُ أوزارها . (وأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ) أي عن الانتباذ. في أربع أوعية (عَنِ الدُّبَّاءِ) بدل تفصيل من مجمل من الجار والمجرور قبله، وهي بضمّ أوله، وتشديد الموحّدة، ممدودًا: القرعة، كانت يُنبذ فيها، فيَضْرَى، أي يشتدّ، قاله الهرويّ (وَالْحَنْتَمِ) قد تقدّم أن أصحّ ما قيل فيها أنها جِرَارٌ، لأنه تفسير الأكثرين (والْمُزَفَّتِ) أي المطليّ بالزفت، وهو القار (والنَّقِيرِ) فَعِيل بمعنى مفعول، أي المنقور، وهو الجِذع المنقور وسطه، وإنما نُهُوا عن الانتباذ فيها؛ لأنها تُعجّل إسكار النبيذ، وقيل: غير ذلك مما سبق بيانه في شرح الحديث الماضي (قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟) «ما» استفهاميّة، وهو استفهام استبعاد، أي كيف عرفته، ولم يكن بأرض قومك؟ (قَالَ: «بَلَى») هي حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيدٌ، وقلتَ في الجواب: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلتَ: بلى، فمعناه التقرير والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدّم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. ذكره الفيّومي . والمعنى هنا: بلى أعلمه، ثم بيّن لهم حقيقته، فقال: (جِذْعٌ) خبر لمحذوف، أي هو جذع، وهو بكسر الجيم: ساق النخلة، والجمع جُذُوع، وأجذاع (تَنْقُرُونَهُ) بضم الراء، من باب نصر: أي تحفرون وسطه (فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ) أي تُلْقُون في ذلك الجِذع بعض أنواع التمر المسمّى بالقُطَيعاء. وقال النووي رحمه الله تعالى في «شرحه»: أما «تقذفون» فهو بتاء مثنّاة فوقُ، مفتوحة، ثم قاف ساكنة، ثم ذال معجمة مكسورة، ثم فاء، ثم نون، كذا في الأصول كلّها في هذا الموضع الأول، ومعناه تُلقون فيه، وتَرمُون. وأما قوله في الرواية الأخرى، وهي رواية محمد بن المثنّى، وابن بشّار، عن ابن أبي عديّ: «وتُذِيفُون به من الْقُطَيْعاء»، فليس فيها قاف، ورُوي بالذال المعجمة، وبالمهملة، وهما لغتان فصيحتان، وكلاهما بفتح التاء، وهو من ذافَ يَذِيف بالمعجمة، كباع يَبيع، وداف يَدُوف بالمهملة، كقال يقول، وإهمال الدال أشهر في اللغة، وضبطه بعض رُواة مسلم بضمّ التاء، على رواية المهملة، وعلى رواية المعجمة أيضًا، جعله أذاف، والمعروف فتحها من ذاف، وداف، ومعناه على الأوجه كلّها خَلَطَ، والله تعالى أعلم. وأما «الْقُطَيعاءُ»: فبضم القاف، وفتح الطاء، وبالمدّ، وهو نوع من التمر صغار، يقال له الشّهريز بالشين المعجمة، والمهملة، وبضمّهما وبكسرهما. انتهى . (قَالَ سَعِيدٌ) أي ابن أبي عروبة (أَوْ) للشكّ من الراوي، وهو سعيد كما صرّح به (قَالَ) قتادة (مِنَ التَّمْرِ) بدل «من القُطَيْعاء» (ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ)، أي في ذلك الْجِذع الذي ألقيتم فيه من القطيعاء (مِنَ الْمَاءِ) أي بعض الماء، فـ «من» بمعنى البعض، ويحتمل أن تكون ابتدائيّة (حَتَّى) غاية للترك، أي ثم تركتموه حتى (إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ) أي اضطرابه، يقال: غَلَتِ القدرُ غَلْيًا، من باب ضرب، وغَلَيَانًا أَيضًا، قال الفرّاء: إذا كان الفعل في معنى الذهاب والمجيء مضطربًا، فلا تَهَابَن في مصدره الْفَعَلَانَ، وفي لغة: غَلِيَت تَغْلَى، من باب تَعِبَ، قال أبو الأسود الدّؤليّ [من البسيط]: وَلَا أَقُولُ لِقِدْرِ الْقَوْمِ قَدْ غَلِيَتْ … وَلَا أَقُولُ لِبَابِ الدَّارِ مَغْلُوقُ والأُولى هي الْفُصحَى، وبها جاء الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ الآية [الدخان: ٤٥]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أغليت الزيتَ ونحوه إغلاءً، فهو مُغْلًى . (شَرِبْتُمُوهُ) جواب «إذا» (حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ) غاية لإكثار الشرب، أكثرتم شربه، وسكرتم حتى إن أحكم (أوْ) للشكّ من الراوي، ولم أعرفه (إِنَّ أَحَدَهُمْ) بضمير الغيبة بدل الخطاب (لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بالسَّيْفِ«) قال النوويّ رحمه الله تعالى: معناه: إذا شَرِبَ هذا الشراب سَكِرَ، فلَم يَبقَ له عقلٌ، وهاج به الشرّ، فيضرب ابن عمّه الذي هو عنده من أحبّ أحبابه، وهذه مفسدة عظيمة، ونبّه بها على ما سواها من المفاسد. انتهى. (قَالَ) الراوي، والظاهر أنه أبو سعيد - ﵁ - (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ) جملة من مبتدأ مؤخّر وخبر مقدّم، أي وكان رجل مع أولئك القوم الذين يخاطبهم النبيّ - ﷺ - بهذا الخطاب، وجملة (أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ) صفة لـ «رجل»، واسم هذا الرجل جهم بن قُثَم، كما قاله ابن بشكوال، والخطيب، وقال ابن الصلاح: بلغنا ذلك عن ابن أبي خيثمة، وكانت الجراحة في ساقه ، وقال سبط ابن العجميّ: وابن عمّه لا يعرف اسمه ، (كَذَلِكَ) أي جراحة كالجراحة التي وصفها النبيّ - ﷺ - من أنهم يشربون من هذا الشراب المسكر، فيسكرون، وتغيب عقولهم، فيضربون بالسيف أَبناءَ عُمُومتهم (قَالَ) ذلك الرجل (وَكُنْتُ أَخْبَؤُهَا) أي أستر تلك الجراحة (حَيَاءً مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -) أي لئلا يراها، فيسأله عن سببها، فيفتضح (فَقُلْتُ: فَفِيمَ) هي «ما» الاستفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول الجارّ عليها، كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١)﴾ [النبأ: ١]، وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، قال في «الخلاصة»: و«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ والجارّ والمجرور متعلّق بـ (نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي في أيّ الأوعية يجوز أن نتّخذ الأنبذة الجائزة الشرب حتى نشربها (قَالَ) - ﷺ - («فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ) متعلّق بفعل مقدّر، دلّ عليه السؤال، أي اشربوا في أسقية الأدم، و»الأَسقية«بالفتح: جمع سِقَاء بالكسر، ككِسَاءٍ: جِلْدُ السَّخْلَة إذا أجذَعَ، يكون للماء واللبن، ويُجمع أيضًا على أسقيات، وأَسَاقٍ، قاله في»القاموس«، وأما»الأَدَمُ«فبفتح الهمزة، والدال: جمع أَدِيمٍ، وهو الجلد الذي قد تَمَّ دِبَاغه، وتناهى، قال السِّيرافيّ: لم يُجمع فَعِيلٌ على فَعَل إلا أَدِيمٌ وأَدَمٌ، وَأَفِيقٌ وَأَفَقٌ، وقَضِيمٌ وقَضَمٌ، والقضيم: الصحيفة ، والأَفِيق: الجلد الذي لم يتمّ دِباغه. انتهى . وقال الفيّوميّ: والأَديم: الجلد المدبوغ، والجمع أَدَمٌ بفتحتين، وبضمّتين أيضًا، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد. انتهى «الَّتِي يُلَاثُ عَلَى أفوَاهِهَا»)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: أي يُربط ويُلفّ بعضها على بعض، قال الْقُتَبيّ: أصلُ اللَّوْث الطيّ، ولُثْتُ الْعِمامة: أي لَفَفتها، وهذا بمعنى اللفظ الوارد في الرواية الأخرى:«عليكم بالْمُوكَى»مقصورًا: أي بالأسقية التي توكأ: أي تُربط أفواهها بالوِكَاء، وهو الخيط الذي تُربط به. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: وأما قوله:«يُلاثُ على أفواهها»: فبضم المثنّاة من تحت، وتخفيف اللام، وآخره ثاء مثلثة، كذا ضبطناه، وكذا هو في أكثر الأصول، وفي أصل الحافظ أبي عامر الْعَبْدَرِيّ:«تُلاثُ» بالمثناة فوقُ، وكلاهما صحيح، فمعنى الأوّل: يُلَفُّ الخيط على أفواهها، ويُرْبَط به، ومعنى الثاني: تُلَفُّ الأسقية على أفواهها، كما يقال: ضربته على رأسه. انتهى . قال عياضٌ رحمه الله تعالى: وإنما حضّهم على الشرب في آنية الأدَم، وهي الأسقية والموكَى المذكور في الأحاديث الأخر؛ لأنها لرقّة جلودها لا يمكن أن يتمّ فيها فساد الأشربة، وتخميرها حتى تنشقّ، ويظهر فيها، بخلاف غيرها من الأواني، فكانت آمن من هذا. انتهى . (قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ) قال النوويّ: كذا ضبطناه «كثيرة» بالهاء في آخره، ووقع في كثير من الأصول «كثير» بغير هاء، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: صحّ في أصولنا «كثير» من غير تاء التأنيث، والتقدير فيه على هذا: أرضنا مكانٌ كثيرُ الْجِرْذَان، ومن نظائره قول الله ﷿ -: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وأما «الْجِرْذَان»: فبكسر الجيم، وإسكان الراء، وبالذال المعجمة: جمعُ جُرَذٍ بضم الجيم، وفتح الراء، كنُغَرِ وبغْرَان، وصُرَدٍ وصِرْدَان، والْجُرَذُ: نوعٌ من الفأر، كذا قاله الجوهريّ وغيره، وقال الزُّبَيديّ في «مختصر العين»: هو الذكرُ من الفأر، وأطلق جماعة من شُرّاح الحديث أنه الفأر. (وَلَا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الْأَدَم) أي لكون الجرذان تأكلها، وهذا اعتذار منهم بكثرة الجرذان في أرضهم، وأَنها تأكلها، فلم يَعذرهم النبيّ - ﷺ - بذلك، قال المازريّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون إنما راجعوه لأنهم اعتقدوا أنه إنما يبني كثيرًا من شرعه على المصالح، وأن من المصلحة الرخصةَ عند الضرورات، فلم يعذِرهم - ﷺ -؛ لأنه اعتقد أنه ليس بأمر غالبٍ يشقّ التحرّز منه، وأن هذا ليس مما يباح للضرورة . (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «وَإِنْ أَكلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ) كرّره ثلاث مرّات للتأكيد (قَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ) تَقدّم الاختلاف في اسمه، وأن الصحيح المشهور هو المنذر بن عائذ الْعَصَرِيّ - ﵁ - (»إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْن«) اللام هي لام الابتداء المزحلقة عن موضعها؛ إذ الأصل أن تكون مع»إِنَّ«، فكرهوا توالي حرفي تأكيد، فأخّروها عنها، كما أشار إلى ذلك في»الخلاصة«: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ«إِنِّي لَوَزَرْ»وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ … وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ والمراد بالخصلة هنا: الفضيلة، قال في«القاموس»:«الْخَصلَةُ»الْخَلَّةُ، والْفَضِيلَةُ، والرَّذِيلَةُ، أو قد غَلَبَ على الْفَضِيلة، جمعه: خِصال. انتهى . (يُحِبُّهُمَا اللهُ) جملة في محلّ نصب صفة لـ«خصلتين»، وقوله: (الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ) بالنصب على البدليّة من«خصلتين»، ويجوز القطع إلى الرفع على الخبرية لمبتدإ محذوف: أي هما الحلم والأناة، والنصب، بتقدير«أعني»، وقد تقدّم في الحديث الماضي معنى الحلم بأنه العقل، والأَناةِ بأنه التَّثَبُّتُ، وترك العجلة، وذكرنا سبب قوله - ﷺ - له ذلك، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنف هنا (٦/ ١٢٦) عن يحيى بن أيوب، عن ابن عليّة و(٦/ ١٢٧) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار كلاهما عن ابن أبي عديّ، وكلاهما عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد - ﵁ -، و(٦/ ١٢٨) عن محمد بن بكار، عن أبي عاصم، (ح) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج، عن أبي قزعة، عن أبي نضرة به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٢٢ و٩٠ و(البخاري) في «الأدب المفرد» (٥٨٥) و(أبو نعيم) في «المستخرج» (١٠٧ و١٠٨ و١٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ، لَقِيَ ذَاكَ الْوَفْدَ، وَذَكَرَ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، غَيْرَ أَن فِيهِ: «وَتَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاء، أَوْ التَّمْرِ وَالْمَاءِ»، وَلَمْ يَقُلْ: قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: «مِنَ التَّمْرِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، ويقال: إن كنية إبراهيم أبو عَدِيّ السُّلَمِيّ مولاهم الْقَسْمَليّ، نَزَل فيهم، أبو عمرو البصريّ، ثقة [٩]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وحُميد الطويل، وابن عون، وداود بن أبي هند، وعثمان بن غياث، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وحجاج الصواف، وحسين المعلم، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعمرو بن عليّ، وابنا أبي شيبة، وأبو موسى وبندار، وعقبة بن مُكْرَم، وقتيبة بن سعيد، وبكر بن خَلَف، وغيرهم. قال عمرو بن عليّ: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ، وذَكَر ابن أبي عديّ، فأحسن الثناء عليه، وسمعت معاذ بن معاذ، يُحسن الثناء عليه، وقال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وفي «الميزان»: قال أبو حاتم مرّةً: لا يُحتجّ به. وقال رُسْته: سمعت معاذ بن معاذ يقول: ما رأيت أحدًا أفضل من ابن أبي عديّ. وقال ابن سعد: كان ثقةً، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومائة، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الآخر منها، وقال أبو موسى، محمد بن المثنى: مات سنة (٩٢)، وقال الْقَرّاب: وفي وفاته اختلاف، وفي سنة أربع أكثر. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٢) حديثًا. وأما الباقون فتقدّموا قريبًا، فمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وابْنُ بَشَّارٍ تقدّما في الحديث الثاني من هذا الباب برقم (١٢٤)، وأما الباقون فتقدّموا في المسند الماضي. وقوله: «وَذَكَرَ أبا نضرة إلخ»، أي ذكر قتادة في جملة من لقي ذاك الوفد أبا نضرة المنذر بن مالك. وقوله: «بمثل حديث ابن عليّة إلخ»، يعني أن ابن أبي عديّ حدّث عن سعيد مثل حديث ابن عليّة في لفظه، إلا أنه قال: «وتُذيفون فيه إلخ» بدل «فتقذفون فيه إلخ»، وقد تقدّم أنه رُوي بالذال المعجمة، والدال المهملة، وهما لغتان فصيحتان، من ذاف، وداف، والمعنى تخلطون. وقوله: «ولم يقل: قال سعيد إلخ»، يعني أن ابن أبي عديّ لم يذكر ما ذكره ابنُ عليّة، وهو قوله: قال سعيد إلخ. [تنبيه]: رواية ابن أبي عدي هذه التي أحالها المصنف هنا على رواية ابن علية لم أجد من ساقها تامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: ١٢٨ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. (ح) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو قَزَعَةَ، أَنَّ أبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ وَحَسَنًا أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدرِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أتوا نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ - جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ - مَاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِن الأَشْرِبَةِ؟ فَقَالَ: «لَا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ - جَعَلَنَا اللهُ فِدَاءَكَ - أَوَ تَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، الْجِذْعُ، يُنْقَرُ وَسَطُهُ، وَلَا فِي الدُّبَّاء، وَلَا فِي الْحَنْتَمَة، وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَى»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارٍ الْبَصْرِيُّ) هو: محمد بن بكّار بن الزُّبير الْعَيْشيّ - بالمعجمة - الصيرفيّ البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وأبي أحمد الزّبيريّ، وأبي داود الطيالسي، وابن عيينة، وعبد المجيد بن أبي رَوّاد، ومروان بن معاوية، وأبي عاصم، ومعتمر بن سليمان، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن الدَّوْرَقِيّ، وغيرهم. قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. [تنبيه]: جَمَعَ غير واحد بين محمد بن بكّار بن الزبير هذا، وبين محمد بن بكّار بن الريّان الهاشميّ، فجعلوهما واحدًا، منهم أبو إسحاق الْحَبَّال في مشايخ مسلم، وأبو علي الجيّانيّ في مشايخ أبي داود، والكلام في الذي قيل في ابن الريّان محتمل أن يكون بعضه في ابن الزبير؛ لأن أكثرهم أطلقوا القول في محمد بن بكار نسبةً، قاله الحافظ في «تهذيب التهذيب» ج ٩، ص ٦٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الكلام الذي قالوه في ابن الريّان هو ما ذكره في «التهذيب»: قال عبد الله بن أحمد: كان أبي لا يَرَى بالكتابة عن هؤلاء الشيوخ بأسًا، وقد حدَّثنا عن بعضهم، منهم محمد بن بكّار، وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: لا بأس به، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال صالح بن محمد: صدوقٌ يُحَدِّث عن الضعفاء. وقال الدارقطنيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) الْقُشَيْريّ النيسابوريّ، ثقة عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) ٣/ ١٨. ٣ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحَّاك بن مَخْلَد بن الضحّاك بن مسلم بن الضَّحّاك الشَّيبانيّ النَّبِيل البصريّ، قيل: إنه مولى بني شيبان، وقيل: من أنفسهم، ثقةٌ ثبتٌ [٩]. رَوَى عن يزيد بن أبي عبيد، وأيمن بن نابل، وشبيب بن بِشْر، وسليمان التيمي، وعثمان بن سعد الكاتب، وابن عون، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وابن جريج، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير بن حازم، وهو من شيوخه، والأصمعيّ، والْخُرَيبيّ، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وحجاج بن الشاعر، والحسن بن علي الحلواني، وأبو خيثمة، وعباس بن عبد العظيم العنبري، والبخاريّ، وجماعة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجليّ: ثقةٌ، كثير الحديث، وكان له فقهٌ. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أحب إليّ من رَوْح بن عُبَادة، وقال محمد بن عيسى الزجاج: قال لي أبو عاصم: كلُّ شيء حدثتك، حدثوني به، وما دَلَّست قط. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهًا. وقال عُمَر بن شَبّة: والله ما رأيت مثله. وقال ابن خِرَاش: لم يُرَ في يده كتاب قط. وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان يحفظ قدر ألف حديث، من جَيِّد حديثه، وكان فيه مِزَاحٌ. وقال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عَقَلتُ أن الغيبة حرام ما اغتبت أحدًا قط. وقال الخليليّ: متفق عليه زهدًا وعلمًا وديانةً وإتقانًا، قيل: إنه لُقِّبَ النبيل؛ لأن الفيل أقدم البصرة، فخرج الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تنظر؟ قال: لا أجد منك عوضًا، فقال له: أنت النبيل، وقيل: لأنه كان يَلْبَس جَيِّد الثياب، وقيل: لأن شعبة حَلَفَ أن لا يُحَدِّث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ أبا عاصم، فقال له: حَدِّث وغلامي حُرّ، وقيل: لأنه كان كبير الأنف، رَوَى إسماعيل بن أحمد والي خُرَاسان عن أبيه، عن أبي عاصم، أنه تزوج امرأةً، فلما أراد أن يُقَبِّلها، قالت له: نَحِّ ركبتك عن وجهي، فقال: ليس هذا ركبة، هذا أنف، وقال ابن قانع: ثقة مأمون. ورَوَى الدارقطني في «غرائب مالك» من طريق علي بن نصر الجهضمي قال: قالوا لأبي عاصم: إنهم يخالفونك في حديث مالك في الشفعة، فلا يذكرون أبا هريرة، فقال: هاتوا مَن سمعه من مالك في الوقت الذي سمعته منه، إنما كان قَدِمَ علينا أبو جعفر مكة، فاجتمع الناس إليه، وسألوه أن يأمر مالكًا أن يحدثهم، فأمره فسمعته في ذلك الوقت، قال علي بن نصر: وكان ذلك في حياة ابن جريج؛ لأن أبا عاصم خرج من مكة إلى البصرة في حياة ابن جريج، أو حيث مات ابن جريج، ثم لم يَعُد إلى مكة حتى مات، وهذا يدل على أن أبا عاصم مكيّ، تَحَوَّل إلى البصرة. قال عمرو بن علي وغيره، عن أبي عاصم: وُلدتُ سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال جابر بن كردي: مات سنة (١١)، وقال خليفة وغير واحد: سنة (١٢)، زاد ابن سعد في ذي الحجة، وقال يعقوب بن سفيان: مات سنة (١٣) وقال حمدان بن علي الوراق: ذهبنا إلى أحمد»: سنة (١٣)، فسألناه أن يحدثنا، فقال: تسمعون مني، وأبو عاصم في الحياة، اخرجوا إليه، وقال البخاريّ: مات سنة (١٢)، وكذا نقله عنه الكلاباذيّ، وإسحاق الْقَرّاب، وأبو الوليد الباجيّ، وكذا أرخه ابن حبان في«الثقات» لما ذكره في الطبقة الثالثة، ومن عادته اتّباع البخاري. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٧) حديثًا. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩]. رَوَى عن أبيه، وعمه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأخيه عبد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأيمن بن نابل، وعكرمة بن عمار، وابن جريج، والأوزاعيّ، ومالك، والسفيانين، وزكرياء بن إسحاق المكي، وجعفر بن سليمان، وخلق كثير. وَرَوَى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وهما من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وعليّ، ويحيى، وأبو خيثمة، وأحمد بن صالح، وإبراهيم بن موسى، وعبد الله بن محمد المُسْنَديّ، وسَلَمَة بن شَبيب، وعمرو الناقد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: وأما عبد الرزاق، والْفِرْيَابيّ، وأبو أحمد الزُّبيريّ، وعبيد الله بن موسى، وأبو عاصم، وقَبيصة، وطبقتهم فهم كلهم في سفيان قريب بعضهم من بعض، وهم دون يحيى بن سعيد، وابن مهديّ، ووكيع، وابن المبارك، وأبي نعيم. وقال أحمد بن صالح المصريّ: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدًا أحسن حديثًا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: عبد الرزاق أحدُ من ثَبَتَ حديثه، وقال ابن أبي السَّرِيّ، عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعةٌ: رَبَاح بن زيد، ومحمد بن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رَبَاح فخليق أن يَغْلِب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق، فإن عاش فخليق أن تُضْرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أَتْعَبَها. وقال أحمد: حديث عبد الرزاق، عن معمر أحب إليَّ من حديث هؤلاء البصريين، كان يتعاهد كتبه، وينظر فيها ظاهرًا، وكان يُحدِّثهم حفظًا بالبصرة - يعني معمرًا - وقال الأثرم: سمعت أحمد يُسأل عن حديث: «النارُ جُبَار»؟ فقال: ومن يُحَدِّث به عن عبد الرزاق؟ قلت: حدثني أحمد بن شَبّويه، قال: هؤلاء سَمِعُوا بعدما عَمِي، كان يُلَقَّن، فلَقَّنه، وليس هو في كتبه، كان يُلَقَّنُها بعدما عَمِيَ، وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد نحو ذلك، وزاد: مَن سَمِع من الكتب، فهو أصح. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قلت لأحمد: مَن أَثْبَتُ في ابن جريج: عبد الرزاق، أو الْبُرْسَانيّ؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضًا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، مَن سمع منه بعدما ذهب بصره، فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر عن هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن شيبة، عن علي بن المدينيّ، قال لي هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا، قال يعقوب: وكلاهما ثقة ثبتٌ. وقال الحسن بن جرير الصُّوريّ، عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثة، لا أبالي أن لا يكتُب عني غيرهم: كتب عني ابنُ الشاذكونيّ، وهو من أحفظ الناس، وكتبَ عني يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتبَ عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس، وقال جعفر الطيالسي: سمعت ابنَ معين، قال: سمعت من عبد الرزاق كلامًا استدللت به على ما ذُكِر عنه من المذهب، فقلت له: إن أُستاذيك الذين أخذت عنهم ثقات، كلهم أصحاب سنة: معمر، ومالك، وابن جريج، والثوريّ، والأوزاعيّ، فعمن أخذت هذا المذهب؟ قال: قَدم علينا جعفر بن سليمان، فرأيته فاضلًا، حسن الهدي، فأخذت هذا عنه، وقال محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ: وجدت عبد الرزاق ما أفسد جعفرًا غيره - يعني في التشيع -. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين - وقيل له: قال أحمد: إن عبيد الله بن موسى يُرَدُّ حديثه للتشيع - فقال: كان عبد الرزاق، والله الذي لا إله إلا هو أغلى في ذلك منه مائة ضعف، ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف ما سمعت من عبيد الله، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي، هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويُفْرِطُ في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب، يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أُفَضِّل عليًّا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حُبِّي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضِّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما على نفسه، ولو لم يُفَضِّلهما ما فضلتهما، كَفَى بي ازدراءً أن أحب عليًّا، ثم أخالف قوله. وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يُحتج به. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان ممن يخطئ إذا حَدَّث من حفظه على تشيع فيه، وكان ممن جَمَعَ وصَنَّفَ وحَفِظَ وذاكر، وقال الآجريّ عن أبي داود: الْفِرْيَابيّ أحب إلينا منه، وعبد الرزاق ثقة، وقال محمد بن إسماعيل الْفَزَاري: بلغني ونحن بصنعاء أن أحمد ويحيى تركا حديثَ عبد الرزاق، فدَخَلنا غَمٌّ شديدٌ، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتَدَّ عبد الرزاق ما تركنا حديثه. ورُوي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت، فمكثت ثلاثة أيام، لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة، وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا، أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت، فجاؤوني، وقال العجلي: ثقة يتشيع، وكذا قال البزار. وقال الذُّهْليّ: كان عبد الرزاق أيقظهم في الحديث، وكان يحفظ، وقال إبراهيم بن عباد الدّبَرِيّ: كان عبد الرزاق يَحفظ نحوًا من سبع عشرة ألف حديث. وقال ابن عديّ: ولعبد الرزاق أصناف، وحديث كثير، وقد رَحَلَ إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكَتَبُوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل، لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولِمَا رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق، فأرجو أنه لا بأس به. قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ، وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٩٩) حديثًا. [تنبيه]: من يُسمّى عبدَ الرزاق في الرواة أربعة: (الأول): عبد الرزاق بن هَمّام المترجم هنا، وهو من رجال الجماعة. (الثاني): عبد الرزاق بن عمر بن مسلم الدمشقيّ العابد، صدوق، من العاشرة، أخرج له أبو داود حديثًا واحدًا. (الثالث): عبد الرزاق بن عمر الثقفيّ، أبو بكر الدمشقيّ، متروك الحديث عن الزهريّ، لَيِّن في غيره، من الثامنة، وليس له في الستّة شيء، وإنما يُذكر للتمييز. (الرابع): عبد الرزاق بن عمر بن بَزِيع الْبَزِيعيّ، صدوق، من العاشرة، وليس له من الكتب الستة شيء، وإنما يُذكر للتمييز أيضًا. ٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد الْمَكِّيّ، رُوميُّ الأصل، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلّس ويرسل [٦]. رَوَى عن حُكَيمة بنت رُقَيقة، وأبيه عبد العزيز، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، والزهريّ، وسليمان بن أبي مسلم الأحول، وصالح بن كيسان، وصَفوان بن سُليم، وطاووس، وابن أبي مليكة، وأبي قَزَعَة سُويد بن حُجَير، وخلقٍ كثيرٍ. وَرَوَى عنه ابناه: عبد العزيز، ومحمدٌ، والأوزاعيّ، والليث، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو من شيوخه، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفيّ، وعيسى بن يونس، ووهيب بن خالد، وأبو قرة موسى بن طارق، وحفص بن غياث، ومسلم بن خالد الزَّنْجِيّ، ومفضل بن فَضَالة المصري، وهمام بن يحيى، وإسماعيل ابن علية، وإسماعيل بن عَيّاش، وابن عيينة، وخالد بن الحارث، وعبد الله بن إدريس، وابن المبارك، وابن وهب، والقطان، والوليد بن مسلم، ووكيع، وأبو عاصم، وهشام بن يوسف الصنعاني، وغُنْدَر، وأبو أسامة، وعبد الرزّاق، وخلقٌ كثير. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: مَن أَوَّل من صَنَّفَ الكتب؟ قال: ابنُ جريج، وابن أبي عَرُوبة، وقال عبد الوهاب بن همام، أخو عبد الرزاق، عن ابن جريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وقال ابن عُيينة: سمعت ابن جريج يقول: ما دَوَّنَ العلمَ تدويني أحدٌ. وقال: جالست عمرو بن دينار بعدما فرغت من عطاء تسع سنين، وقال طلحة بن عُمر المكي: قلت لعطاء: مَنْ نسأل بعدك؟ قال: هذا الفتى إن عاش، وقال عطاء: سيّد شباب أهل الحجاز ابنُ جريج. وقال علي بن المدينيّ: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكرهم، ثم قال: فصار علم هؤلاء إلى من صَنَّفَ في العلم، منهم من أهل مكة عبد الملك بن جريج. قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيَّ، وغيرَ واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكلهم يقول: لنفسي، غير ابن جريج، فإنه قال: طلبته للناس، وقال علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: ابن جريج أثبت في نافع من مالك، وقال أحمد: ابنُ جريج أثبت الناس في عطاء. وقال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد: كنا نُسَمِّي كُتُبَ ابن جريج كتب الأمانة، وإن لم يُحَدثك ابنُ جريج من كتابه لم ينتفع به، وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبِرتُ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به. وقال الميمونيّ: سمعت أبا عبد الله غير مَرَّة يقول: كان ابنُ جريج من أوعية العلم. وقال إسماعيل بن داود الْمِخْراقيّ، عن مالك: كان ابن جريج حاطب ليل. وقال عثمان الدارميّ عن ابن معين: ليس بشيء في الزهري. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة في كل ما رُوِي عنه من الكتاب، وقال جعفر بن عبد الواحد، عن يحيى بن سعيد: كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال فهو شبه الريح. وقال سليمان بن النضر عن مَخْلد بن الحسين، ما رأيت أصدق لَهْجَةً من ابن جريج، وقال أحمد عن عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاةً من ابن جريج. وسُئل عنه أبو زرعة؟ فقال: بَخٍ من الأئمة. وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الشافعيّ: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. وقال أبو عاصم: كان من العباد، وكان يصوم الدهر، إلا ثلاثة أيام من الشهر. قال عمرو بن عليّ: مات سنة تسع وأربعين ومائة، وقال القطان وغيره: مات سنة خمسين، وقال ابن المدينيّ: سنة إحدى وخمسين، وقال غيره: جاز المائة. وقال ابنُ سعد: وُلِد سنة ثمانين، عام الْجُحَاف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٦٥) حديثًا. ٦ - (أَبُو قَزَعَةَ) سُويد بن حُجَير - بتقديم المهملة، مصغّرًا - ابن بيان الباهليّ البصريّ، ثقة [٤]. رَوَى عن خاله صَخْر بن القَعْقَاع الباهليّ، وله صحبةٌ، وأنس بن مالك، وأبيه حُجَير، وحَكِيم بن معاوية، والأَسْقَع بن الأَسْلَع، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وصالح أبي الخليل، والحسن البصريّ، ومُهاجر بن عكرمة المخزوميّ، وأبي نَضْرة الْعَبْدِيّ، وعدة. وعنه داود بن أبي هند، وابن جريج، وشعبة، وحاتم بن أبي صَغِيرة، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، ومَعْقِل بن عُبيد الله الْجَزَريّ، وداود بن شَابُور، وحماد بن سلمة، وابنه قَزَعة بن سُويد، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال ابن المدينيّ، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العجليّ: بصري تابعيّ ثقة. وقال أبو بكر البزار في «السنن» له: ليس له بأس. وقال الآجريّ: قُرئ على أبي داود، عن أحمد بن صالح، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: ثنا أبو قزعة، سمع عمران بن حصين. . قلت لأبي داود: مَن أبو قَزَعَة؟ قال: سُوَيد، قلت: سُوَيد سمع من عمران بن حصين؟ قال: لا. أخرجه له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٨) و١٢٨ و(١٣٣٣) و(١٥٩٤). والباقيان تقدّما قريبًا. [تنبيه]: (قوله: قال: أخبرني أبو قَزَعَة، أن أبا نَضْرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره). هذا الإسناد مما يُعَدّ من مشكلات الأسانيد، ولذا قد اضطربت فيه أقوال الأئمة، وأخطأ فيه جماعات من كبار الحفاظ، والصوابُ فيه ما حَقَّقَه وحَرَّره، وبسطه وأوضحه، الإمام الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ في الجزء الذي جمعه فيه، وما أحسنه وأجوده، وقد لَخّصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، فقال: هذا الإسناد إحدى المعضلات، ولإعضاله وقع فيه تغييرات من جماعة واهمة. فمن ذلك رواية أبي نعيم الأصبهانيّ في «مستخرجه» على كتاب مسلم، بإسناده: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا أخبرهما، أن أبا سعيد الخدريّ أخبره، وهذا يلزم منه أن يكون أبو قَزَعة هو الذي أخبر أبا نَضْرَةَ وَحَسَنًا، عن أبي سعيد، ويكون أبو قَزَعة هو الذي سمع من أبي سعيد، وذلك مُنْتَفٍ بلا شك. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ساق نصّ أبي نعيم في «المستخرج»، وهذا السياق ليس في «المستخرج» الذي بين يديّ، ودونك نصّه: ١ - أخرجه بسنده إلى عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرنا أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره وحَسَنًا أخبرهما أن أبا سعيد. . . وهذا هو نصّ «صحيح مسلم». ثم أخرج عن ابن جُريج أخبرني أبو قَزَعة أن أبا نضرة أخبره، ثنا حسن بن [سالم] أخبرهما أن أبا سعيد الخدريّ أخبره. وكون هذا غلطًا ظاهرٌ، ولا شكّ فيه؛ لأنه يستلزم أن حسنًا أخبر أبا نضرة، مع قوله بعده: أخبرهما، فبطلان هذا واضح. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرة أخبره وحسنًا أخبرهما. . . وهو صحيح مثل الأول. ثم أخرجه عن ابن جريج، أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره، أن أبا سعيد أخبره. . . ولا ذكر لحسن أصلًا، وهذا أيضًا واضح. والله تعالى أعلم. قال: ومن ذلك أن أبا عليّ الغسانيّ صاحب «تقييد المهمل» رَدَّ رواية مسلم هذه، وقَلَّده في ذلك صاحب «المعلم»، ومن شأنه تقليده فيما يذكره من علم الأسانيد، مع أنه لا يُسمّيه، ولا يُنصِفه، وصَوَّبهما في ذلك القاضي عياض، فقال أبو عليّ: الصواب في الإسناد: عن ابن جريج قال: أخبرني أبو قَزَعَة أن أبا نضرةَ وحَسَنًا أخبراه، أن أبا سعيد أخبره، وذَكَرَ أنه إنما قال: أخبره، ولم يقل: أخبرهما؛ لأنه رَدّ الضمير إلى أبي نضرة وحده، وأسقط الحسن لموضع الإرسال، فإنه لم يسمع من أبي سعيد، ولم يلقه، وذَكَرَ أنه بهذا اللفظ الذي ذَكَره مسلم خرَّجه أبو علي بن السكن في «مصنَّفه» بإسناده، قال: وأظنُّ هذا من إصلاح ابن السكن. وذكر الْغَسَّانيّ أيضًا أنه رواه كذلك أبو بكر البزّار في «مسنده الكبير» بإسناده، وحُكِي عنه، وعن عبد الغني بن سعيد الحافظ أنهما ذَكَرا أن حَسَنًا هذا هو الحسن البصريّ. وليس الأمر في ذلك على ما ذَكَرُوه، بل ما أورده مسلم في هذا الإسناد هو الصواب، وكما أورده رواه أحمد بن حنبل، عن رَوْح بن عُبادة، عن ابن جريج . وقد انتصر له الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ رحمه الله تعالى، وأَلَّف في ذلك كتابًا لطيفًا تبَجَّحَ فيه بإجادته وإصابته، مع وَهَم غير واحد من الحفّاظ فيه، فذَكَر أن حَسَنًا هذا هو الحسن بن مسلم بن يَنَّاق الذي رَوى عنه ابن جريج غير هذا الحديث، وأن معنى هذا الكلام: أن أبا نَضْرَة أخبر بهذا الحديث أبا قَزَعَةَ وحَسَن بن مسلم كِلَيْهِمَا، ثم أكَّد ذلك بأن أعاد، فقال: أخبرهما أنّ أبا سعيد أخبره - يعني أخبر أبو سعيد أبا نضرة - وهذا كما تقول: إنّ زيدًا جاءني وعمرًا جاءاني، فقالا: كذا وكذا. وهذا من فصيح الكلام، واحتجّ على أن حَسَنًا فيه هو الحسن بن مُسلم بن يَنّاق بأنّ سَلَمَة بنَ شَبيب - وهو ثقة - رواه عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو قَزعة أنّ أبا نَضْرَة أخبره، وحسَنَ بنَ مسلم بن يَنّاق أخبرهما، أن أبا سعيد أخبره. . . الحديث. ورواه أبو الشيخ الحافظ في كتابه «الْمُخَرَّج على صحيح مسلم». وقد أسقط أبو مسعود الدمشقيّ وغيره ذِكْرَ حسنٍ أصلًا من الإسناد؛ لأنه مع إشكاله لا مَدْخَل له في رواية الحديث. وذكر الحافظ أبو موسى ما حكاه أبو عليّ الغسانيّ في كتابه «تقييد المهمل» في ذلك، وبَيَّنَ بُطلانه، وبطلان رواية من غَيَّرَ الضميرَ في قوله: «أخبرهما»، وغَيْرَ ذلك من التغييرات، ولقد أجاد وأحسن رحمه الله تعالى انتهى كلام الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق نفيسٌ جدًّا، كما قال ابن الصلاح . وحاصله: أن قوله: «وحسنًا» معطوف على الضمير المنصوب في «أخبره» الواقع خبرًا لـ «أن»، من قوله: «أن أبا نضرة أخبره»، وأن قوله: «أخبرهما» تأكيد لقوله: «أخبره وحسنًا»، والله تعالى أعلم. وقوله: (وجعلنا الله فداءك) هو بكسر الفاء، وبالمدّ، ومعناه يَقِيك المكاره، وفيه جواز قول الإنسان لمسلم: جعلني الله فداك، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى بابًا في «صحيحه» فقال: «باب قول الرجل: جعلني الله فداك»، ثم قول أبي بكر الصدّيق - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -، لَمّا قال: «إن عبدًا خَيَّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، فَدَيْناك بآبائنا وأمهاتنا، والحديث طويل، أخرجه الشيخان. ثم أخرج حديث أنس - ﵁ -، أنه أقبل هو، وأبو طلحة مع النبيّ - ﷺ -. . . وفيه قول أبي طلحة: «يا نبيّ الله جعلني الله فداك، هل أصابك من شيء؟. . . الحديث، متّفقٌ عليه. قال في«الفتح»: وقد استوعب الأخبار الدالة على الجواز أبو بكر بن أبي عاصم في أول كتاب«آداب الحكماء»، وجزم بجواز ذلك، فقال: للمرء أن يقول ذلك لسلطانه، ولكبيره، ولذوي العلم، ولمن أحب من إخوانه غيرَ محظور عليه ذلك، بل يثاب عليه إذا قصد توقيره واستعطافه، ولو كان ذلك محظورًا لنهى النبي - ﷺ - قائل ذلك، ولأعلمه أن ذلك غير جائز أن يقال لأحد غيره. قال: وقد ترجم أبو داود نحو ترجمة البخاريّ، وساق حديث أبي ذرّ - ﵁ - قلت للنبيّ - ﷺ -:«لبيك وسعديك، جعلني الله فداك. . .»الحديث، وكذا أخرجه البخاري في«الأدب المفرد». قال الطبرانيّ: في هذه الأحاديث دليل على جواز قول ذلك، وأما ما رواه مبارك بن فَضَالة عن الحسن، قال: دخل الزبير على النبي - ﷺ - وهو شاكٍ، فقال: كيف تجدك، جعلني الله فداك؟ قال:«ما تركت أعرابيتك بعدُ»، ثم ساقه من هذا الوجه، ومن وجه آخر، ثم قال: لا حجة في ذلك على المنع؛ لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث في الصحة، وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه صريح المنع، بل فيه إشارة إلى أنه تَرَك الأولى، في القول للمريض، إما بالتأنيس والملاطفة، وإما بالدعاء والتوجع. [فإن قيل]: إنما ساغ ذلك؛ لأن الذي دعا بذلك كان أبواه مشركين. [فالجواب]: أن قول أبي طلحة - ﵁ - كان بعد أن أسلم، وكذا أبو ذر - ﵁ -، وقول أبي بكر كان بعد أن أسلم أبواه - ﵃ -، انتهى مُلَخصًا. قال الحافظ: ويمكن أن يُعتَرض بأنه لا يلزم من تسويغ قول ذلك للنبي - ﷺ - أن يسوغ لغيره؛ لأن نفسه أعزّ من أنفس القائلين وآبائهم، ولو كانوا أسلموا. فالجواب ما تقدم من كلام ابن أبي عاصم، فإن فيه إشارةً إلى أن الأصل عدمُ الخصوصية، وأخرج ابن أبي عاصم من حديث ابن عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - قال لفاطمة: «فداكِ أبوكِ»، ومن حديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لأصحابه: «فداكم أبي وأمي»، ومن حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - قال مثل ذلك للأنصار. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. ومن فوائد الحديث الباب أيضًا أنه لا عَتْبَ على طالب العلم، المستفتي إذا قال للعالم: أوضح لي الجواب، ونحو هذه العبارة، وفيه جوازُ مراجعة العالم على سبيل الاسترشاد والاعتذار ليتلطف له في جواب لا يشقّ عليه، وفيه تأكيد الكلام، وتفخيمه؛ لِيَعْظُم وَقْعُهُ في النفس. والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وعليكم بالْمُوكَى) هو بضم الميم، وإسكان الواو، مقصورٌ غير مهموز، ومعناه: انبذُوا في السقاء الدقيق الذي يُوكَى، أي يُرْبَط فُوه بالْوِكَاء، وهو الخيط الذي يُرْبَط به. قال النوويّ رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان يتعلّق بالحديث سندًا، ومتنًا ما نصّه: فهذه أطراف مما يتعلّق بهذا الحديث، وهي وإن كانت طويلةً، فهي مختصرة بالنسبة إلى طالبي التحقيق. ولقد أجاد رحمه الله تعالى في التنبيه، وأحسن المقال في التنويه، فعليك بالجدِّ والاستفادة، وعلوّ الهمة، وصدق العزيمة والإرادة، ولا تَمِلْ إلى الراحة والكسل، فإنه عنوان الفشل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ومنه التوفيق والعصمة والتفضيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٧) - (بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإسْلَامِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: (١٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرَيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّكَ تَأْتي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأنِّي رَسُولُ الله، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الْهَمْدَانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٤/ ١٥. ٣ - (إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه الحنظلي المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقة ثبت حافظ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) ٤/ ٢٨. ٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٢٤٧) (ع) ١/ ١. ٥ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكي، ثقة [٦]. رَوَى عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير، وإبراهيم بن ميسرة، ويحيى بن عبد الله بن صيفي، وغيرهم. ورَوَى عنه أزهر بن القاسم، ورَوْح بن عُبَادة، وبشر بن السَّريّ، وابن المبارك، وعبد الرزاق، ووكيع، وأبو عامر الْعَقَدِيّ، وأبو عاصم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: لا بأس به. وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: زكريا بن إسحاق قدريّ؟ قال: نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الميموني عن أحمد، عن عبد الرزاق، قال لي أبي: الْزَمْ زكريا بن إسحاق، فإني قد رأيته عند ابن أبي نَجِيح بمكان، قال: فأتيته، وإذا هو قد نَسِيَ، وأتاه ابن المبارك، فأخرج له كتابه. وقال ابن المدينيّ، عن سفيان: لم يجالس عطاء، قيل لسفيان: إنهم حَكَوا عنك أن زكريا قال: أخرج إلينا عطاء صحيفةً، فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفةً عنده، ما هي بالكبيرة، فقال: هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله - ﷺ - وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال ابن معين: كان يَرَى القدر، ثنا رَوْح بن عُبادة قال: سمعت مناديًا على الحجر، يقول: إن الأمير أَمَرَ أن لا يُجالَس زكريا بن إسحاق؛ لموضع القدر، وقال وكيع: ثنا زكريا، وكان ثقةً. وقال الْبَرْقي، والحاكم: كان ثقةً. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى زكريّا بن إسحاق غير صاحب الترجمة، والله تعالى أعلم. ٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ) هو: يحيى بن عبد الله بن محمد بن يحيى بن صيفيّ، ويقال: يحيى بن محمد، الْمَكيّ مولى بني مَخْزُوم، ويقال: مولى عثمان، ثقة [٦]. رَوَى عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي معبد، مولى ابن عباس، وأبي سلمة بن سفيان، وعَتّاب بن حُنين، وسعيد بن جبير. وروى عنه ابنُ جريج، وإسماعيل بن أمية، وزكرياء بن إسحاق، وعبد الله بن أبي نجِيح، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: يحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ كان ثقةً، وله أحاديث. وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و(١٠٨٥). ٧ - (أَبُو مَعْبَدٍ) هو: نافذ - بفاء، وذال معجمة - مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤]. رَوَى عن مولاه، وعنه عمرو بن دينار، ويحيى بن عبد الله بن صَيْفِيّ، وأبو الزبير، وسليمان الأحول، والقاسم بن أبي بَزَّة، وفُرَات الْقَزّاز. قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة: ثقة، وقال الحميديّ عن سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني أبو مَعْبد، وكان من أصدق موالي ابن عباس، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن سعد: قال محمد بن عُمَر: مات بالمدينة سنة أربع ومائة، وكان ثقة، حَسَنَ الحديث، وفيها أَرّخه غير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٩) وأعاده بعده، و(٥٨٣) وكرره ثلاث مرات، و(١٢٨٢) و(١٣٤١). [تنبيه]: ليس في الرواة من يُسمّى نافذًا غير صاحب الترجمة، وأما من يُكنى بأبي معبد فاثنان، هذا، وأبو معبد السُّلَميّ، واسمه مجالد بن مسعود، أخو مجاشع، صحابيّ، بقي إلى سنة أربعين على الأصحّ، وأخوه أيضًا صَحابيّ، أخرج لهما الشيخان فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٨ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄٦/ ١٢٣. ٩ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عَدِيّ بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدَة بن يَزيد بن جُشَم بن الْخَزْرَج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرحمن الْمَدنيّ، صاحب رسول - ﷺ -، رُوي أنه كان له ابنان ماتا في طاعون عَمَوَاس، ورُوي أنه مات له ابن في حياة رسول الله - ﷺ -، وأنه - ﷺ - كَتَبَ إليه يُعزّيه عنه، وقال أبو عمر بن عبد البرّ: قال الواقديّ وغيره: كان معاذ بن جبل طُوالًا، حَسَنَ الشعر، أبيض، بَرّاق الثنايا، لم يُولد له قطّ، قال أبو عمر: وقد قيل: إنه وُلد له وَلَدٌ يُسمّى عبد الرحمن، وإنه قاتل معه يوم اليرموك، وبه كان يُكنى، ولم يَختلفوا أنه كان يُكنى أبا عبد الرحمن، قال: وهو أحد السبعين الذي شهِدُوا العَقَبة من الأنصار، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين عبد الله بن مسعود، قال الواقديّ: هذا ما لا اختلاف فيه عندنا، وقال ابن إسحاق: آخى رسول الله - ﷺ - بين معاذ بن جبل وبين جعفر بن أبي طالب، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وشَهِدَ بدرًا، والعقبة، والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ - ورَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعريّ، وابنُ عَمْرو، وابن عُمَر، وعبد الرحمن بن سَمُرة، وابن أبي أوفى، وأنس، وجابر، وأبو الطفيل، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبو مسلم الْخَوْلانيّ، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأبو وائل، ومسروق، وخلق كثير. قال قتادة عن أنس بن مالك - ﵁ -: جَمَعَ القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أربعةٌ، كلُّهم من الأنصار: أُبَيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال أنس: أبو زيد أحد عمومتي . وقال مسروق، عن عبد الله بن عَمْرو: أربعة رهط لا أزال أُحبّهم بعدما سمعت من رسول الله - ﷺ - قال: «استَقْرِئُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأُبيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل . وقال أبو قلابة عن أنس - ﵁ -، قال رسول الله - ﷺ -:«أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدّهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكلّ أمة أمينًا، وأمين هذه الأمة أبو عُبيدة بن الجرّاح». ويُروَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا ومتصلًا:«يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماءِ بِرَتْوَةٍ». وعن عبد الله بن مسعودء - ﵁ - قال: إنا كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ الآية [النحل: ١٢٠]، قال:«الأمة »معلم الخير، و«القانت» المطيع لله ولرسوله - ﷺ -، قال: وكذلك كان معاذ، كان يعلّم الناس الخير، وكان مطيعًا لله ولرسوله - ﷺ - . وقال الأعمش عن أبي سفيان: حدثني أشياخ منّا، قالوا: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين إني غِبتُ عن امرأتي سنتين، فجئت وهي حُبلى، فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيلٌ، فليس لك على ما في بطنها سبيل، فاتركها حتى تضع، فتركها، فولدت غلامًا قد خرجت ثنيّتاه، فعرَفَ الرجل الشبَهَ فيه، فقال: ابني وربّ الكعبة، فقال عمر - ﵁ -: عَجَزَت النساء أن تَلِدَ مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر. ومناقبه وفضائله - ﵁ - كثيرةٌ جدًّا. قال الهيثم بن عديّ، وغير واحد: مات في طاعون العمواس ، وقال أبو مسهر: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت مثله في كتاب يزيد بن عَبِيدة: مات سنة سبع عشرة، قال أبو مسهر: قرأت في كتاب ابن عَبيدة بن أبي المهاجر، وكان سعيد بن عبد العزيز يقول: إنه صحيح، مات معاذ بن جبل في سنة سبع عشرة، وفي تلك السنة فُتح بيت المقدس، وقال يحيى بن معين، وعليّ بن عبد الله التميميّ: مات سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة، زاد يحيى، وهو ابن أربع وثلاثين، وقال الواقديّ عن رجاله: مات سنة ثماني عشرة في الطاعون، وهو ابن ثمان وثلاثين، قال الواقديّ؛ وكان من أجمل الناس، وفيها أرّخه غير واحد، وقيل في سنّه: غير ذلك. أخرج له الجماعة، وروى من الأحاديث (١٥٧) حديثًا اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديث، فجملة ما له في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٩)، و(٣٠) وكره ثلاث مرّات، و(٧٠٦) وكره ثلاث مرات. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بمعاذ نحو أربعة وعشرين شخصًا، ولا يوجد من يُسمّى معاذ بن جبل، غير صاحب الترجمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. لطائف من هذا الاسناد: ١ - (منها): من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وغير إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من زكريّا بن إسحاق. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب أحد المشايخ التسعة الذين اتفق أصحاب الكتب الستة بالرواية عنهم بغير واسطة، وهم الذين جمعتهم بقولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ - ﵁ -. ٦ - (ومنها): أن فيه قوله: «عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس، عن معاذ، قال أبو بكر: وربما قال وكيع: عن ابن عباس، أن معاذًا قال». قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله تعالى نهايةُ التحقيق، والاحتياط، والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: «عن معاذ»، والثانية: «أن معاذًا»، وبين «أَنّ»، و«عن» فرق، فإن الجماهير قالوا: «أَنَّ» كـ«عَن»، فيُحمَل على الاتصال، وقال جماعة: لا تَلْتَحِق «أنَّ» بـ «عَن»، بل تحمل «أن» على الانقطاع، ويكون مُرسَلًا، ولكنه هنا يكون مُرسَل صحابيّ، له حكم المتصل، على المشهور، من مذاهب العلماء، وفيه قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايينيّ الذي قَدَّمناه في الفصول أنه لا يُحْتَجّ به، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وبين اللفظين، والله تعالى أعلم. انتهى. [فائدة]: من القواعد المهمّة أن الراوي إذا رَوَى حديثًا في قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه بأن حَكَى قصة وقعت بين النبي - ﷺ - وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابيّ أدرك تلك الواقعة، فهي محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يُدْرِك تلك الواقعة، فهو مرسل صحابيّ، وإن كان الراوي تابعيًّا، فهو منقطع، وإن روى التابعيّ عن الصحابيّ قصةً أدركَ وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يُدرك وقوعها، ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة، وقد حَكَى ابنُ الْمَوَّاق اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك. وما نُقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أن «عَن»، و«أنّ» ليسا سواءً مُنَزَّلٌ على هذه القاعدة، فقد روى الخطيب البغداديّ في «الكفاية» بسنده إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة سواءٌ؟ قال أحمد: كيف هذا سواءٌ؟ ليس هذا بسواء. وإنما فرّق أحمد رحمه الله تعالى بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يُسنِد ذلك إلى عائشة، ولا أدرك القصة، فكانت مرسلةً، وأما اللفظ الثاني فأَسنَدَ ذلك إليها بالعنعنة، فكانت متصلة. هكذا حقّق القاعدة الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى . وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى في «ألفية الحديث»، حيث قال: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَا لَهُ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبي مَعْبَدٍ) - بفتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحّدة - واسمه نافذ - بالنون، والفاء، والذال المعجمة - وضبطه بعضهم بالدال المهملة، وفي رواية للبخاريّ في «كتاب التوحيد» من طريق إسماعيل بن أميّة، عن يحيى، أنه سمع أبا معبد يقول: سمعت ابن عباس يقول … (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أي ابن أبي شيبة الشيخ الأول للمصنّف في روايته (رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُعَاذًا) هذا من احتياطات مسلم، وتدقيقاته الإسناديّة في المحافظة على اختلاف ألفاظ شيوخه، وتقدّم في مبحث اللطائف وجه الاختلاف بين الروايتين، وأنه لا خلاف بينهما عند الجمهور، وإنما قال بالاختلاف بعض أهل الحديث، ففرّق بين «عن» و«أنّ»، فجعل «عن» للاتّصال، و«أن» للانقطاع، لكن هنا يكون من مرسل صحابيّ، فلا يضرّ، فتنبّه. وقال في «الفتح» عند قوله: «قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إلخ»: ما نصّه: كذا في جميع الطُّرُق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه: «عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله - ﷺ -، فعلى هذا فهو من مسند معاذ - ﷺ -، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج ، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كُريب، عن وكيع، فقال فيه:»عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - بَعَثَ معاذًا«، وكذا هو في»مسند إسحاق بن إبراهيم«، وهو ابن راهويه قال: حدثنا وكيع به، وكذا رواه عن وكيع أحمد في»مسنده«، أخرجه أبو داود عن أحمد، وكذلك عند البخاريّ في»كتاب المظالم«عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وأخرجه ابن خزيمة في»صحيحه« عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، وجعفر بن محمد الثَّعْلبيّ، وللإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، وموسى بن السُّدِّيّ، والدارقطنيّ، من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وإسحاق بن إبراهيم البغويّ، كلهم عن وكيع كذلك، فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبي - ﷺ -، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى . وقال ابن الملقّن رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الاختلاف المذكور ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة عن معاذ، فرواه متّصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر، انتهى . [تنبيه]: كان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبيّ - ﷺ - كما ذكره البخاريّ في أواخر «كتاب المغازي»، وقيل كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - ﷺ - من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» عنه، ثم حَكَى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يَزَل على اليمن إلى أن قَدِمَ في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختُلِفَ هل كان معاذ واليًا أو قاضيًا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغسانيّ بالأول، ذكره في «الفتح» . وقال في «العمدة»: وفي «الإكليل» لابن البيّع: «بعث النبيّ - ﷺ - معاذًا وأبا موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع»، وزعم ابن الحذّاء أن ذلك كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر، وَقَدِمَ في خلافة أبي بكر - ﵁ - في الحجّة التي حجّ فيها عمر بن الخطاب - ﵁ -، وكذا ذكره سيفٌ في الردّة، وفي «الطبقات»: في شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي «كتاب الصحابة» للعسكريّ: «بعثه النبي - ﷺ - واليًا على اليمن»، وفي «الاستيعاب»: لَمّا خلع من ماله لغرمائه بعثه النبيّ - ﷺ -، وقال: «لعلّ الله أن يجبُرك»، قال: وبعثه أيضًا قاضيًا، وجعل إليه قبض الصدقات من العمّال الذين باليمن، وكان رسول الله - ﷺ - قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء، والمهاجر بن أبي أُميّة على كِنْدة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الْجَنَد، وأبى موسى على زَبِيد، وعَدَن، والساحل انتهى . (قَالَ) معاذ - ﵁ - (بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي إلى اليمن، كما سيأتي في الرواية التالية (قَالَ) - ﷺ - (إِنَّكَ تَأتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا كالتوطئة للتوصية، لتستجمع هِمَّتهُ عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال، من عَبَدَة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يَقْدَم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خَصَّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم. قاله في «الفتح». وقال الطيبيّ: قيد قومًا بأهل كتاب، وفيهم أهل الذمّة، وغيرهم من المشركين «تفضيلًا لهم، وتغليبًا على غيرهم. [تنبيهان]: (أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل«السيرة النبويّة». (ثانيهما): قال ابن العربيّ في«شرح الترمذيّ»: تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيرًا ابنُ الله، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ - ﷺ -« لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميعهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن الله طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب . وكتب العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك ولا تعقّبه، ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن الله أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد - ﷺ - عندهم، يجدونه مكتوبًا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه الله عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن العربي أن الموجودين في زمنه تبرؤوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب الله القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى كلام الصنعانيّ وهو تَعَقُّبٌ نفيس، والله تعالى أعلم. (فَادْعُهُمْ) أي ادع أهل اليمن أوّلًا إلى شيئين: أحدهما: شهادة أن لا إله إلا الله، والثاني: شهادة أن محمدًا رسول الله، وفي رواية البخاريّ: «فإذا جئتهم، فادعهم»، قيل: عَبّر بلفظ «إذا» تفاؤلًا بحصول الوصول إليهم (إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)، قال في «الفتح»: كذا في رواية زكريّا بن إسحاق، لم يُختلف فيها، وفي رواية الأكثرين: «وأن محمدًا رسول الله»، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: «فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله …»، وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك». قال في «الفتح»: ويجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيد الشهادة له بذلك، ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما؛ لأنهما أصل الدين، الذي لا يصح شيءٌ غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير مُوَحّدٍ فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان مُوَحِّدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك أو يستلزمه، كمن يقول ببنُوَّة عُزير، أو يعتقد التشبيه فتكون مطالبتهم بالتوحيد؛ لنفي ما يلزم من عقائدهم. وقال الحافظ زين الدين العراقيّ رحمه الله تعالى: كيفيّة الدعوة إلى الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلمّا كان إرسال معاذ إلى من يُقرّ بالإله والنبوّات، وهم أهل الكتاب أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله، والإقرار بنبوّة محمد - ﷺ -، فإنهم وإن كانوا يعترفون بإلهيّة الله تعالى، ولكن يجعلون له شريكًا، لدعوة النصارى أن المسيح ابن الله، ودعوة اليهود أن عُزيرًا ابن الله، تعالى الله سبحانه عما يصفون، وأن محمدًا - ﷺ - ليس برسول الله أصلًا، أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا أول واجب يُدْعَون إليه . (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي شَهِدُوا، وانقادوا للإتيان بالشهادتين، وفي رواية للبخاريّ: «فإن هم أطاعوا لك بذلك»، وفي رواية ابن خزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك»، وفي رواية الفضل بن العلاء: «فإذا عَرَفُوا ذلك»، وعَدَّى «أطاع» باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد. قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أما طاعتهم بالصلاة فتحتمل وجهين: [أحدهما]: أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها وفرضيّتها عليهم، والتزامهم لها. [والثاني]: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رُجّح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها، ويرجّح الثاني بأنهم لو أُخْبِرُوا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يُشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان، لا التلفّظ بالإقرار. انتهى . ونقل الصنعانيّ عن ابن الملقّن أن الاحتمال الأول هو الظاهر، قال: وفي «فتح الباري»: الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، والأولى أن يكون الامتثال بهما، لكن لم يُذكَر في الحديث. قال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فَأَخْبِرْهم أن الله قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات، كما عبّر في غيره بقوله - ﷺ -: «وتُقيم الصلاة»، وإقامتها فعلُها، فطاعتهم بفعلها هو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمَّنَ «أطاعوا»، معنى انقادوا، فعدّاه باللام؛ إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيّتها، واعتقاده ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها فليس بمراد، ولا وَرَدَ طلب الشارع لذلك إلا في الشهادتين لا غير، فقال الشارح: «ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى» غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يَجري في الزكاة، وإنما قلنا: ظاهرًا؛ لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم به في حكم الإسلام، ووكلْنا سرائرهم إلى الله ﷿ كما تقرّر في غير هذا. انتهى كلام الصنعانيّ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (فَأَعْلِمْهُمْ) بقطع الهمزة، من الإعلام (أَنَّ اللهَ) بفتح «أَنَّ» لأنها في محل نصب على أنها مفعول ثان و«أعلمهم» (افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ)، استُدِلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -. وقال الخطّابيّ: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاةَ ما في يده إذا لم يفضُل من الدين الذي عليه قدر نصاب؛ لأنه ليس بغنيّ إذ كان ماله مستحقًّا لغرمائه. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ)، أي: لوجوب الصلاة بأدائها، كما ذكرناه (فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) أي زكاةً، وأطلق لفظ الصدقة على الزكاة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والمراد بها الزكاة (تُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على أنها صفة لـ«صدقة»، وكذا قوله: «وتُرَدّ» (مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) فيه دليلٌ على أن الزكاة تؤخذ من مال الطفل؛ لعموم قوله: «من أغنيائهم»، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - (فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ) استدلّ به من قال بعدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره، والراجح خلافه، وسيأتي تحقيقه في محلّه أيضًا - إن شاء الله تعالى - (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ) أي لأداء ما فُرِض عليهم من الصدقة (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) أي احترز من أخذ كرائم أموالهم، و«الكرائم»: جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، وقيل: ما يختصّه صاحبه لنفسه منها ويؤثره، وقال صاحب «المطالع»: هي جامعة الكمال الممكِنِ في حقّها، من غَزَارة لبن، وجمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهكذا الرواية: «فإياك وكرائم» بالواو في قوله: «وكرائم»، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم أموالهم بحذفها . [تنبيه]: قوله: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» بالواو، ولا يجوز تركهما؛ لأن معنى «إِيّاك»: اتّق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحَذَّر منه إذا ولي الْمُحَذَّر، فإن كان اسمًا صريحًا يُستعمل بـ «مِنْ»، أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا لا يُفْهَم منه أنه محذَّر منه، وإن كان فعلًا يجب أن يكون مع «أَنْ»؛ ليكون في تأويل الاسم، فيُستعمل بالواو عطفًا، نحو «إياك وأن تحذف»، فإن تقديره: إياك والحذفَ، أو بـ «مِنْ»، نحو إياك من أن تحذف، ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد بدون الواو، وقد نَقَل ابن مالك إياك الأسد بحذف الواو، ولكنه شاذّ يكون في الضرورة . قال في «الخلاصة»: «إِيَّاكَ وَالشَّرَّ» وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَار وَجَبْ وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لِـ«إِيَّا» انْسُبْ … وَمَا سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ … كـ«الضَّيغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي» وَشَذَّ «إِيَّايَ» وَإِيَّاهُ«أَشَد … وَعَنْ سَبِيلِ الْقَصْدِ مَنْ قَاسَ انْتَبَذْ وَكَمُحَذَّرٍ بِلَا«إِيَّا»اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا (وَاتَّقِ) أي احذر (دَعْوَةَ الْمَظْلُوم، فَإِنَّهُ) الضمير للشأن، أي فإن الأمر والشأن، وفي رواية أبي داود:«فإنها»فالضمير للقصّة، أي فإن القصّة. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية الصحيحة في«فإنه»بضمير المذكّر، على أن يكون ضمير الأمر والشأن، ويحتمل أن يعود على مذكّر الدعوة، فإن الدعوة دعاء، ووقع في بعض النسخ:«فإنها»بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة. انتهى . (لَيْسَ بَيْنَهَا) أي بين دعوة المظلوم، وفي رواية:«بينه»بتأويل الدعوة بالدعاء، أي بين دعاء المظلوم (وَبَيْنَ اللهِ) ﷾ (حِجَابٌ) أي مانع يمنع من الوصول، وقال الطيبيّ: قوله:«واتَّق دعوة المظلوم»تذييلٌ؛ لاشتماله على هذا الظلم الخاصّ من أخذ كرائم الأموال، وعلى غيره مما يتعلّق بالمزكّي، وعلى هذا المظلوم وغيره. وقوله:«فإنه ليس بينها إلخ»، تعليلٌ للاتّقاء، وتمثيل للدعوة بمن يقصد إلى السلطان، متظلّمًا، فلا يُحجب عنه. انتهى . قال ابن العربي رحمه الله تعالى: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيّد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، إما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١]، انتهى. [تنبيه]: كتب ابن الملقّن في «شرح العمدة» على قوله: «ليس بينها وبين الله حجاب» ما نصه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، إلا أنه - ﷺ - كان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس، ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟ كيف ينفي حجاب الله تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: «إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، ويَرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ»، وفي روايةٍ: «النارُ»، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه، أخرجه مسلم في «صحيحه». وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟ إن هذا لهو العَجَب العُجاب. ومن العجيب أن صاحب «الفتح» قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقَرِّرًا له، وراضيًا به. والحقّ أننا نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه، من حجاب أو غيره، على المعنى اللائق به ﷾، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولقد صدق في قوله: كان - ﷺ - يخاطب العرب بما تفهم. ونحن - ولله الحمد - نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ - ﷺ - أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب الله على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر - ﷺ - إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانًا شافيًا، كما أمره الله ﷿ بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. فيا أيها العاقل اللبيب لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، بل كن مع الحقّ، ودر معه حيثما دار، تنجُ من مخازي دار البوار، أعاذنا الله منها الرحيم الغفّار. اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا ٧/ ١٢٩ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، عن زكريا بن إسحاق، عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل - ﵁ -. و٧/ ١٣٠ عن ابن أبي عمر، عن بِشْر بن السريّ - و(ح) عبد بن حميد، عن أبي عاصم - كلاهما (بشر، وأبو عاصم) عن زكريا بن إسحاق، - و٧/ ١٣١ عن أمية بن بِسطام، عن يزيد بن زُريع، عن رَوْح بن القاسم، عن إسماعيل بن أُميّة - كلاهما (زكريا، وأمية) عن يحيى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: إنك ستأتي قومًا … ولفظ إسماعيل: «أن رسول الله - ﷺ - لَمّا بعث معاذًا إلى اليمن قال: إنك تقدَمُ على قوم … والله تعالى أعلم. وأخرجه (البخاريّ) ٢/ ١٣٠ و٩/ ١٤٥ عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد و٢/ ١٥٨ عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك و٣/ ١٦٩ عن يحيى بن موسى، عن وكيع، وفي ٥/ ٢٠٥ عن حِبَّان بن موسى - عن ابن المبارك - ثلاثتهم: (أبو عاصم، وابن المبارك، ووكيع) عن زكريا بن إسحاق به، و٢/ ١٤٧ عن أميّة بن بِسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، و٩/ ١٤٠ عن عبد الله بن أبي الأسود، عن الفضل بن العلاء، كلاهما (روح، والفضل) عن إسماعيل بن أميّة كلاهما (زكريا، وإسماعيل) عن يحيى بن عبد الله به. وأخرجه (أبو داود) (١٥٨٤) و(الترمذيّ) (٦٢٥ و٢٠١٤) و(النسائيّ) ٥/ ٢ و٥/ ٥٥ و(ابن ماجه) (١٧٨٣) و(أحمد) في «مسنده» ١/ ٢٣٣ و(الدارمي) في «سننه» (١٦٢٢ و١٦٣٨) و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٧٥) و(٢٣٤٦) و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٠ و١١١ و١١٢). والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في ذكر فوائده: ١ - (منها): أن فيه قبولَ خبر الواحد، ووجوب العمل به، مطلقًا، سواء كان في باب العقائد، أو في باب الأحكام، وهو مجمع عليه بين أهل السنة، وإنما خالف فيه بعض أهل الزيغ، وإلى هذا أشرت في «التحفة المرضيّة» بقولي: قَدْ أَجْمَعَ السَّلَفُ أَنْ يُحْتَجَّ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ بِهِ فَهُوَ يَفِي كَبَابِ الأَحْكَامِ لأَنَّ الْحُجَجَا … كِلَيْهِمَا تَعُمُّ خُذْهُ مَنْهَجَا ثُمَّةَ رَدُّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … بَابِ الْعَقَائِدِ فَسَادُهُ وَفِي إِذْ فِيهِ إِبْطَالُ أَحَادِيثَ تَصحّ … بِهَا الْعَقَائِدُ ثُبُوتُهَا يَضِحْ وَأَجْمَعَ الصَّحْبُ الْكِرَامُ وَالتَّبَعْ … عَلَى قَبُولِهَا وَنِعْمَ الْمُتَبَعْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْعَقَائِدِ … أَحْدَثَهُ أُولُو اتِّجَاهٍ فَاسِدِ فَلَيْسَ يُعْرَفُ عَنِ الصَّحْبِ وَلَا … مَنْ بَعْدُ مِنْ ذَوِي الْعُلُوم الْفُضَلَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ رُؤُوسِ … أَهْلِ الْهَوَى وَالْمَذْهَبِ المَنْحُوسِ وَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ بَاب … مِنْ دُونِ فَرْقٍ لِذَوِي الْأَلْبَابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَعُمُّ الْبَلْوى … وَغَيْرِهِ لَدَى ثُبُوتِ الْفَتْوَى وَبَيْنَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ أَوْ … زَادَ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب قَدْ رَأَوْا أَوْ خَالَفَ الْقِيَاسَ إِذْ أَدِلَّةُ … وُجُوبِ أَخْذِنَا سَوَاءٌ عَامَةُ هذَا الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ مَنْ سَلَفْ … وَمَا عَنِ الْبَعْضِ أَتَى أَنْ قَدْ عَزَفْ عَنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أُوِّلَ عَلَى … عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ أَوْ وَصَلَا عَنْ غَيْرِ مَوْثُوقٍ أَوِ الْمُعَارِضُ … قَامَ لَدَيْهِمُ فَعَنْهُ أَعْرِضُوا ٢ - (ومنها): أن الكفار يُدْعَون إلى التوحيد قبل القتال، وأن لا يُحكَم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصحّ شيء من فروعه إلا بتحققّه. ٣ - (ومنها): أن الصلوات الخمس تجب في كل يوم وليلة. ٤ - (ومنها): أن الوتر ليس بواجب؛ لأن بعث معاذ إلى اليمن كان قبل وفاة النبيّ - ﷺ - بقليل، بعد الأمر بالوتر، والعملِ به، قال صاحب «التوضيح»: وهذا ظاهر لا إيراد عليه، ومن ناقش به فقد غَلِط. وقد ناقشه العينيّ ناصرًا لمذهبه، كعادته في مثل هذا، تركت ذكره؛ لعدم جدواه؛ إذ الانتصار إنما هو للحقّ، لا لآراء الرجال، وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٥ - (ومنها): أن الزكاة فرض. ٦ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الزكاة لا يجوز نقلها عن بلد المال، لقوله - ﷺ -: «فتُرَذ في فقرائهم». قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: وفيه عندي ضعف؛ لأن الأقرب أن المراد تؤخذ من أَغْنِيَائهم من حيث إنهم مسلمون، لا من حيث إنهم من أهل اليمن، وكذلك الردّ عليهم، وإن لم يكن هذا هو الأظهر، فهو محتمل احتمالًا قويًّا، ويقوّيه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكليّة لا تُعتبر، ولولا وجود مناسبة في باب الزكاة لقُطع بأن ذلك غير معتبر، وقد وردت صيغة الأمر بخطابهم في الصلاة، ولا يختصّ بهم قطعًا، أعني الحكم، وإن اختصّ بهم خطاب المواجهة، انتهى كلامه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى من ضعف الاستدلال بهذا الحديث على عدم جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى بلد آخر هو الأرجح عندي؛ لما بيّنه في تحقيقه، وأما محاولة الصنعاني في «حاشيته» بالردّ عليه، ففيها نظر، فتأملها بعين الإنصاف. وقد مال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه» لهذا الكتاب إلى ما رجحه ابن دقيق العيد، فانظره . وسيأتي تمام البحث فيه في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٧ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من مَلَكَ النصابَ لا يُعطى من الزكاة، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك رحمهم الله تعالى من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيًّا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذةٌ منه، فهو غنيّ، والغنيّ لا يُعطَى من الزكاة، إلا في المواضع المستثناة في الحديث، وليس بالشديد القوّة، قاله ابن دقيق العيد . وأشار بالحديث إلى ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد - ﵁ - مرفوعًا: «لا تحلّ الصدقة لغني، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدّق عليه بها، فأهداها لغنيّ». ٨ - (ومنها): بيان عِظَم تحريم الظلم، وأن الإمام ينبغي أن يَعِظَ ولاته، ويأمرهم بتقوى الله تعالى، ويبالغ في نهيهم عن الظلم، ويُعَرِّفَهم قُبْحَ عاقبته، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: في الحديث دليلٌ على تعظيم أمر الظلم، واستجابة دعوة المظلوم، وذكر النبيّ - ﷺ - ذلك عقب النهي عن أخذ كرائم الأموال؛ لأن أخذها ظلم، وفيه تنبيه على جميع أنواع الظلم. انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه تحريم الظلم، وتخويف الظالم، وإباحة الدعاء للمظلوم عليه، والوعد الصّدق بأن الله تعالى يستجيب للمظلوم فيه، غير أنه قد تُعجّل الإجابة فيه، وقد تؤخّر؛ إملاءً للظالم، كما قال - ﷺ -: «إن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]، وكما قد روي عن النبيّ - ﷺ - أنه قال:»إن الله تعالى يَرفع دعوة المظلوم على الغمام، ويقول لها: لأنصرَنَّك ولو بعد حين« . ٩ - (ومنها): أنه يَحرُم على الساعي أخذ كرائم المال في أداء الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم على رب المال إخراج شَرّ المال، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: ودلّ الحديث أيضًا على أن كرائم الأموال لا تؤخذ من الصدقة، كالأَكُولة، والرُّبَّى، وهي التي تربّي ولدها، والماخض، وهي الحامل، وفحل الغنم، وحَزَرات المال - بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها - وهي التي تُحزَرُ بالعين، وتُرمق؛ لشرفها عند أهلها. والحكمة فيه أن الزكاة وجبت مواساةً للفقراء من مال الأغنياء، ولا يُناسب ذلك الإجحافَ بأرباب الأموال، فسامح الشرع أرباب الأموال بما يَضِنُّون به، وَنَهَى الْمُصَدِّقين عن أخذه، كما نهاهم عن أخذ رديء المال من الهَرِمة، وذات الْعَوَار، والدَّرِّيّة ، والمريضة، والشَّرَط، واللئيمة ، فلا يؤخذ على الغنيّ خيار ماله، ولا يُعطِي الفقير شرار ماله، بل الوسط، وهكذا جرت حكمته تعالى بالرفق بالعباد في كلّ أمر من الأمور، له الحمد كثيرًا، وله الحكمة البالغة. انتهى . ١٠ - (ومنها): أن الزكاة لا تُدفع إلى كافر، ولا تُدفع أيضًا إلى غنيّ من نصيب الفقراء. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به بعضهم على أن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة، من الصلاة والصوم والزكاة، وتحريم الزنا ونحوها؛ لكونه - ﷺ - قال: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن عليهم»، فدَلّ على أنهم إذا لم يُطيعوا لا يجب عليهم. قال النوويّ: وهذا الاستدلال ضعيف؛ فإن المراد علمهم بأنهم مُطَالَبون بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبةُ في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، يزاد في عذابهم بسببها في الآخرة، ولأنه - ﷺ - رَتَّبَ ذلك في الدعاء إلى الإسلام، وبدأ بالأهمّ، ألا تراه بدأ - ﷺ - بالصلاة قبل الزكاة، ولم يقل أحد: إنه يصير مكلفًا بالصلاة دون الزكاة. انتهى كلام النوويّ ، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور به، والمنهيّ عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين بها، وقيل: مخاطبون بالمنهيّ دون المأمور. وإلى هذا أشرت في «التحفة المرضيّة» بقولي: وَاعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ خُوطِبُوا … أَنْ يُؤْمِنُوا بِلَا خِلَافٍ يُنْسَبُ أَمَّا بِغَيْرِهِ فَالاخْتِلَافُ جَا … وَالْقَوْلُ بِالْخِطَابِ أَقْوَى حُجَجَا ثم رأيت العلامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى قد كتب في هذه المسألة بحثًا نفيسًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته: قال رحمه الله تعالى: قوله: «غير مخاطبين بالفروع»، هكذا أطبق الناس عليه، ولا يخفى أن الله بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد بيّن - ﷺ - في حديث عمر - ﵁ -، وإتيان جبريل ﵇ يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا». فقال له جبريل: «صدقت». وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ ورواية «بني الإسلام على خمس»، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وأخرج الثانية الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ. وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه - ﷺ - بُعث يدعو الأمة إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ»، فقد دعا إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفّار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]، والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفّار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة وعصر النبوّة، انتهى كلام الصنعانيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة الصنعانيّ رحمه الله تعالى تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): استَدَلَّ به من قال من العلماء أنه لا يشترط التَّبرِّي من كل دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عُزير وغيره، فَيُكْتَفَى بذلك. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد بالرسالة، وهو قول الجمهور، وقال بعضهم: يصير بالأُولى مسلمًا، ويُطالَب بالثانية، وفائدة الخلاف تظهر بالحكم بالردة. ١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظهرون معرفته، لكن قال حذّاق المتكلّمين: ما عَرَفَ الله من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإن سمّوه به. قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من شبّه الله بخلقه، أو أضاف إليه الولد، وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى الله ﷿ ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ - ﷺ - في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف الله، إن هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن لله تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٣٠] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَاصِمٍ، عِنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلى الْيَمَن، فَقَالَ: «إِنَّكَ سَتَأتِي قَوْمًا …» بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ). رجال هذا الإسناد ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمَر الْعَدَنيّ، نزيل مكّة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوقٌ، صنّف المسند، وكان ملازمًا لابن عيينة، لكن قال فيه أبو حاتم: فيه غفلة [١٠]، (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في ٤/ ٣١. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ - بمهملة - أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١]. رَوَى عن جعفر بن عون، وأبي أُسامة، وعبد الله بكر السَّهْمِيّ، ويزيد بن هارون، وابن أبي فُدَيك، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، والضحّاك بن مَخْلَد، والحسين الجعفي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابنه محمد بن عبد، وسهل بن شاذَوَيْه، وبكر بن الْمَرْزُبَان، وسليمان بن إسرائيل الْخُجَنديّ، وشاه بن جعفر، وآخرون، من آخرهم إبراهيم بن خُرَيم بن قمر اللَّخْمِيّ الشاشيّ، راوية «التفسير»، و«المسند» عنه. قال البخاري في «دلائل النبوة» عقب حديث ابن عمر في حَنِين الجذع: وقال عبد الحميد: ثنا عثمان بن عُمر، ثنا معاذ بن العلاء، عن نافع بهذا، فقيل: إنه عبد بن حُميد هذا، وقال أبو حاتم بن حبان في «الثقات»: عبد الحميد بن نَصْر الْكَشّيُّ، وهو الذي يقال له: عبد بن حُميد، وكان ممن جَمَعَ، وصَنَّفَ، ومات سنة تسع وأربعين ومائتين، وقال صاحب «الشيوخ النبل»: مات بدمشق، ولم يذكره مع ذلك في «تاريخ دمشق». قال الحافظ: لعل قوله: «بدمشق» وقع في بعض النسخ السقيمة، فإن أكثر النسخ ليس فيها بدمشق، وقال ابن قانع: مات بِكّشّ، فلعلها كانت في «النبل» كذلك، وتَصحَّفَت، وقرأت بخط الذهبي: لم يدخل عبد بن حُميد دمشق قط، وحَكَى غُنْجَار في «تاريخ بُخَارَى» قال: كان يحيى بن عبد الغفار الكشي مَرِيضًا، فعاده عبد بن حُميد، فقال: لا أبقاني الله بعدك، فماتا جميعًا، مات يحيى، ومات عبد في اليوم الثاني فَجْأَةً من غير مرض، ورُفِعَت جنازتهما في يوم واحد، وقرأت بخط محمد بن مُزَاحِم في ظهر جزء من تفسير عبد: قال: ثنا إبراهيم بن خُرَيم بن خاقان سنة (٣٠٩)، ثنا أبو محمد، عبد الحميد بن حميد، فذكره. وقال الشيرازي في «الألقاب»: عبد، وهو عبد الحميد بن حُميد، ثم ساق عن إبراهيم بن أحمد البلخيّ، وهو المستملي: ثنا داود بن سليمان بن خُزَيمة أبو خزيمة ببخارى، أنا عبد الحميد بن حُميد، ثنا يحيى بن آدم، فذكر حديثًا، وكذا ساق الثعلبي في مقدمة تفسيره بسند إليه، من طريق داود بن سليمان هذا، وكذا قال من طريق عُمَر بن محمد الْبُجَيريّ، عن عبد الحميد بن حميد. روى له البخاري في «التعاليق»، ومسلم، والترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٣٠٧) حديث. [تنبيه]: ليس في الكتب الستة من يُسمّى بـ «عبد» بغير إضافة غير هذا المترجم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٣ - (بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ) أبو عمرو الأَفْوَهُ البصريّ، سكن مكة، ثقة متقنٌ، طُعِن فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب [٩]. رَوَى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومسعر، والليث، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبد الرزاق، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن آدم، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، وأبو صالح، كاتب الليث، وعبد الله الْمُسْنَد، وعلي بن المدينيّ، وابن أبي عمر الْعَدَنيّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم. وقال عمرو بن عليّ: سألت عبد الرحمن بن مهديّ من حديث إبراهيم بن طَهْمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السَّريّ، فقال: سمعته من بشر، وتسألني عنه؟ لا أحدثك به أبدًا، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث، عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذَكَر حديث ﴿نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيْش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهلُ مكة، فاعتذر، فلم يُقْبَلْ منه، وزَهِدَ الناس فيه، فلما قدمت مكة المرة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكْتَب حديثه، ويقع في أحاديثه من النُّكْرة؛ لأنه يروي عن شيخ مُحْتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به، وقال عباس عن يحيى: رأيته يستقبل البيت، يدعو على قوم يرمونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال الْبَرْقَانيّ عن الدارقطنيّ: مكي ثقة، وفي موضع آخر: وَجَدُوا عليه في أمر المذهب، فحَلَفَ، واعتَذَر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلم، فسُمِّيَ الأَفْوَهَ، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥)، وقال غيره: مات سنة (١٩٦)، وهو ابن (٦٣) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٩) و(٦٣٥) و(١٤٥١) و(٢٣٥١) و(٢٤٥٦) و(٢٨١٠). ٤ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلد المذكور قبل حديث. والباقون تقدّموَا في السند الماضي. وقوله: «عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ معاذًا إلخ»، قال النوويّ في «شرحه»: هذا اللفظ يقتضى أن الحديث من مسند ابن عباس ﵄، وكذلك الرواية التي بعده، وأما الأولى فمن مسند معاذ - ﵁ - ووجه الجمع بينهما أن يكون ابن عباس سمع الحديث من معاذ - ﵁ -، فرواه تارة عنه متصلًا، وتارة أرسله، فلم يذكر معاذًا - ﵁ -، وكلاهما صحيح، كما قدمناه أن مرسل الصحابيّ إذا لم يُعْرَف المحذوف يكون حجةً، فكيف وقد عرفناه في هذا الحديث أنه معاذ - ﵁ -. ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القضية، فتارة رواها بلا واسطة؛ لحضوره إياها، وتارة رواها عن معاذ إما لنسيانه الحضور، وإما لمعنى آخر. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، وقد أسلفنا نحوه لابن الملقّن . وقوله: «بمثل حديث وكيع» يعني أن حديث بشر بن السريّ، وأبي عاصم عن زكريّا بن إسحاق بمثل ألفاظ حديث وكيع عنه. [تنبيه]: رواية بِشْرٍ وأبي عاصم اللتان أحالهما المصنف هنا على رواية وكيع أخرجهما أبو نعيم في «مستخرجه»، فقال: حدثناه أبو حامد، ثنا أبو بكر بن خزيمة، ثنا بُندار، ثنا أبو عاصم، ثنا زكريّا بن إسحاق … الحديث. وأما حديث بشر بن السريّ، فحدثناه محمد بن إبراهيم بن عليّ، ثنا إسحاق بن أحمد الْخُزَاعىّ القارئ، ثنا محمد بن أبي عمر، ثنا بشر بن السريّ، ثنا زكريّا بن إسحاق، عن يحى بن عبد الله بن صيفيّ، عن أبي معبد، عن ابن عبّاس: أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: «إنك ستأتي قومًا أهل الكتاب، فإذا لقيتهم، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم خمسَ صلوات في يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتّق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٣١] (…) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسمِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاس، أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ، أَهلِ كتَاب، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ ﷿، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهً فَرَضَ عَلَيْهِم خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَن اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكاةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»). رجال هذا الاسناد: سبعة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) - بالياء والشين المعجمة - هو: أمية بن بِسْطَام بن المُنْتَشِر، أبو بكر البصريّ ابنُ عَمّ يزيد بن زُرَيع، صدوقٌ [١٠]. رَوَى عن يزيد بن زُريع، وابن عيينة، ومعتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، وغيرهم. ورَوَى عنه الشيخان، وروى عنه النسائي بواسطة عثمان بن خُرَّزاذ، وروى عنه أبو زرعة، وأبو حاتم، والْبُوشَنْجِيّ، وابن أبي عاصم، والدُّوريّ، وتَمْتَام، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحبّ إليّ منه. وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة (٢٣١). تفرّد به الشيخان، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٥) حديثًا. [تنبيه]: قال النوويّ في «شرحه»: قوله: «ابن بسطام العيشي:»أما «بِسْطام»: فبكسر الباء الموحدة، هذا هو المشهور، وحكى صاحب «المطالع» أيضًا فَتْحَهَا، واختُلِفَ في صرفه، فمنهم من صرفه، ومنهم من لم يصرفه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «بِسْطام» عجميّ لا ينصرف، قال ابنُ دُريد: ليس من كلام العرب، قال: ووجدته في كتاب ابن الْجُوَاليقيّ في الْمُعَرَّب مصروفًا، وهو بعيدٌ، هذا كلام الشيخ أبي عمرو. وقال الجوهري في «الصحاح»: بِسْطام ليس من أسماء العرب، وإنما سَمَّى قيسُ بن مسعود ابنه بِسْطَامَ باسم ملك من ملوك فارس، كما سَمَّوا قابوس، فعرَّبوه بكسر الباء. والله تعالى أعلم. وأما «العَيْشِيُّ»: فبالشين المعجمة، وهو منسوب إلى بني عايش بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وكان أصله العايشيّ، ولكنهم خففوه، قال الحاكم أبو عبد الله، والخطيب أبو بكر البغداديّ: العيشيون بالشين المعجمة بصريون، والعبسيون بالباء الموحدة، والسين المهملة كوفيون، والعنسيون بالنون والسين المهملة شاميون، وهذا الذي قالاه هو الغالب. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى . وإلى هذا الضابط في «العيشيّ، والعبسيّ، والعنسيّ»، أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: فِي الْبَصْرَةِ الْعَيْشِيُّ وَالْعَنْسِيُّ … بِالشَّامِ وَالْكُوفَةِ قُلْ عَبْسِيُّ وقد ذَيَّلْتُهُ بقولي: هَذَا هُوَ الْغَالِب في الضَّبْطِ وَقَدْ … يَأتِي مُخَالِفًا فَتَابِعْ مَا وَرَدْ ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) - بتقديم الزاي، مصغّرًا - الْعَيْشيّ، ويقال: التميميّ، أبو معاوية البصريّ الحافظ، ثقة ثبتٌ [٨]. رَوَى عن سليمان التيميّ، وحميد الطويل، وأبي سلمة سعيد بن يزيد، وعمرو بن ميمون بن مهران، وأيوب، وحبيب المعلم، وحبيب بن الشهيد، وخالد الحذّاء، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وابن مهديّ، وبهز بن أسد، ويحيى بن غَيْلان، وعفان، وأمية بن بِسطام، وزكرياء بن عديّ، وعبدان، والقعنبيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم. قال إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة: لم يكن أحدٌ أثبت من يزيد بن زريع، وقال أبو بكر الأسدي عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رَيْحَانة البصرة، وقال أبو طالب عن أحمد: ما أتقنه، وما أحفظه، يا لك من صحة حديث، صدوقٌ متقن، قال: وكل شيء رواه يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، فلا تبال أن لا تسمعه من أحد، سماعه منه قديم، وكان يأخذ الحديث بنيَّة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: يزيد بن زريع الصدوق الثقة المأمون، وقال الدُّوريّ: سئل ابن معين عن يزيد بن زريع، وعبد العزيز الْعَمّيّ، أيهما مُقَدَّم؟ فقال: يزيد أوثق. وقال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: يزيد بن زريم. وقال سعيد بن صالح: سمعت ابن المبارك يقول لرجل، يحدث عن يزيد بن زريع: عن مثله فحدث. وقال أبو عوانة: صحبت يزيد بن زريع أربعين سنة، يزداد في كل يوم خيرًا، وقال محمد بن المثنى السِّمْسَار: سمعت بشر بن الحكم، وذَكَر يزيد بن زريع، فقال: كان متقنًا حافظًا، ما أعلم أني رأيت مثله، ومثل صحة حديثه. وقال عمرو بن عليّ: أعلى مَن رَوَى عن شعبة يزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد، وذكر جماعةً، وقال أبو حاتم: ثقة إمام. وقال نصر بن عليّ الجهضميّ: رأيت يزيد بن زريم في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: أدخلني الجنة، قلت: بم ذاك؟ قال: بكثرة الصلاة. وقال عليّ بن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ابنُ زريع أثبت من وهيب، وعنه أيضًا قال: يزيد بن زريع، ثم ابنُ عُلَيَّة، زاد أبو حاتم: ثم بشر بن المفضل، ثم عبد الوارث. وقال عبد العزيز القواريريّ: لم يكن يحيى بن سعيد يُقَدّم في سعيد بن أبي عروبة أحدًا إلا يزيد بن زريع. وقال محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع: ذَكَرُوا الفقهاءَ، وأصحابَ الحديث، ومن لا يُطْعَن عليه في شيء، فذكروا مالكًا، وحماد بن زيد، ويزيد بن زُريع. وحَكَى ابن أبي خَيْثَمَة أن يزيد بن زريع سئل عن التدليس؟ فقال: التدليس كَذِب. وقال النسائيّ: ثقة. وعن عفّان قال: كان أثبت الناس. وقد أشار ابن طاهر في ترجمة عباس الْبَحْرَانيّ إلى أنه تغير بأَخَرة. وقال ابن سعد: كان ثقة حجةً كثير الحديث، وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة إحدى ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين ومائة في شوال، وكان من أورع أهل زمانه، مات أبوه وكان واليًا على الأُبُلَّة، وخَلَفَ خمسمائة ألف، فما أخذ منها حبة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨٣) حديثًا. ٣ - (رَوْحٌ بْنُ الْقَاسِمِ) التميميّ الْعَنْبَرِيّ، أبو غِيَاث - بمعجمة، آخره مثلّثة - البصريّ، ثقة حافظ [٦]. رَوَى عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، وقتادة، ومحمد بن المنكدر، ومنصور، وهشام بن عروة، ومحمد بن عجلان، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وعبد الله بن طاوس، وعطاء بن أبي ميمونة، وسُهيل بن أبي صالح، وعبيد الله بن عُمَر، وعَمْرو بن يحيى بن عُمارة، وإسماعيل بن أمية، في آخرين، ورَوَى عن قتادة حديثًا واحدًا. وروى عنه سعيد بن أبي عروبة، ومحمد بن إسحاق، وهما من أقرانه، وعيسى بن شعيب النحويّ، والحسن بن حبيب بن نَدَبَة، ومحمد بن سَوَاء السَّدُوسِيّ، ويزيد بن زريع، وإسماعيل بن علية، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة، وكذا قال عبد الله بن أحمد عن أبيه، وقال أحمد في موضع آخر: رَوْح بن القاسم، وأخوه هشام من ثقات البصريين، وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عيينة: لم أر أحدًا طلب الحديث، وهو مُسِنٌّ أحفظ منه. وقال ابن حبان في «الثقات»: مات قبل الحجاج بن أرطاة، سنة إحدى وأربعين ومائة، وكان حافظًا متقنًا. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة نيف وخمسين. أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (٢٨) حديثًا. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أمَيَّةَ) بن عَمْرو بن سَعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس الأمويّ، ابن عم أيوب بن موسى، ثقةٌ ثبت [٦]. رَوَى عن ابن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد المقبريّ، وأبي الزبير، والزهريّ، ومكحول الشاميّ، ومحمد بن يحيى بن حبان، وجماعة. وروى عنه ابنُ جريج، والثوريّ، ورَوح بن القاسم، وأبو إسحاق الفزاريّ، وابن إسحاق، ومعمر، ويحيى بن أيوب المصريّ، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وابن عيينة، وغيرهم. قال عليّ بن المدينيّ: عن ابن عيينة: لم يكن عندنا قرشيان، مثل إسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقال أحمد: إسماعيل أكبر من أيوب، وأحب إليّ، وفي رواية: أقوى وأثبت. وقال ابن معين، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: رجلٌ صالحٌ. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وقال الذُّهْليّ: ثنا علي، هو ابن المدينيّ، سمعت سفيان قال: كان إسماعيل حافظًا للعلم، مع وَرَع، وصدق، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة. وقال أبو داود: مات إسماعيل في سجن داود، وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع. وقال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث، مات سنة (١٤٤)، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات في حبس داود بن عليّ سنة (١٣٩)، وهكذا حكاه البخاري في «تاريخه» عن بقية بن الوليد، وتابعه على ذلك يعقوب بن سفيان، وإسحاق الْقَرّاب، والكلاباذيّ، وغيرهم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٦) حديثًا. [تنبيه]: قال الدارقطنيّ في حديث معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عياض بن عبد الله بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد، في زكاة الفطر: خالفه سعيد بن مَسْلَمَة عن إسماعيل بن أمية، عن الحارث بن أبي ذُبَاب عن عياض، والحديث محفوظ عن الحارث، ولا نعلم إسماعيل رَوَى عن عياض شيئًا، انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الدارقطنيّ من عدم علمه أن إسماعيل ما روى عن عياض شيئًا يردّه ما وقع في «صحيح مسلم» من التصريح بقول إسماعيل: أخبرني عياض، ودونك نصّ الحديث: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، قال: أخبرني عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، أنه سمع أبا سعيد الخدريّ، يقول: كنا نُخرِج زكاة الفطر، ورسول الله - ﷺ - فينا، عن كل صغير وكبير، حر ومملوك، من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، صاعًا من أقط، صاعًا من شعير، فلم نزل نخرجه كذلك، حتى كان معاوية، فرأى أن مدين من بُرّ تَعْدِلُ صاعًا من تمر، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك . والباقون تقدّموا قريبًا. وقوله: (إنك تقدَم) بفتح الدال المهملة، من باب تَعِب، وأراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب، أو أغلب، وإنما نبّهه على هذا ليتهيّأ لمناظرتهم، ويُعِدّ الأدلّة لإفحامهم؛ لأنهم أهل علم سابقٍ، بخلاف المشركين، وعَبَدَة الأوثان. قاله القرطبيّ . وقوله: (فَلْيكن أَوَّلَ مما تدعوهم إليه عبادةُ الله ﷿) بنصب «أوَّلَ» على أنه خبر مقدّم و«يكن»، واسمها قوله: «عبادةُ الله ﷿»، ويجوز العكس. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أصلُ العبادة التذلّلُ والخضوع، وسُمّيت وظائف الشرع على المكلّفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها، ويفعلونها خاضعين متذلّلين لله تعالى، والمراد بالعبادة هنا هو النطق بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. وقوله: (فإذا عَرَفُوا الله، فأخبرهم إلخ)، أي إن أطاعوا بالنطق بكلمتي التوحيد، كما قال في الرواية السابقة: «فإن أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم إلخ»، فسَمَّى الطواعية بذلك، والنطق به معرفة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا عن المعرفة. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الذي أمرَ به النبيّ - ﷺ - معاذًا - ﵁ - هو الدعوة قبل القتال التي كان النبيّ - ﷺ - يُوصي بها أُمراءه، وقد اختُلف في حكمها على ما سيأتي بيانه في «كتاب الجهاد» - إن شاء الله تعالى -. قال: وعلى هذا فلا يكون في حديث معاذ - ﵁ - به حجة لمن تمسّك به من المتكلّمين على أن أوّل واجب على كلّ مكلَّف معرفة الله تعالى بالدليل والبرهان، بل هو حجة لمن يقول: إن أول الواجبات التلفّظ بكلمتي الشهادة، مصدِّقًا بها، وقد اختلَفَ المتكلّمون في أول الواجبات على أقوال كثيرة، منها ما يشنع ذكره، ومنها ما ظهر ضعفه، والذي عليه أئمة الفتوى، وبهم يُقتدَى، كمالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة السلف أن أول الواجبات على المكلّف الإيمان التصديقيّ الْجَزميّ الذي لا ريب معه بالله تعالى، ورسله، وكتبه، وما جاءت به الرسل على ما تقرّر في حديث جبريل ﵇، كيفما حصل ذلك الإيمان، وبأيّ طريق إليه تُوُصّل، وأما النطق باللسان فمُظهر لِمَا استقرّ في القلب من إيمان، وسببٌ ظاهرٌ تترتّب عليه أحكام الإسلام. قال: وقد احتجّ بهذا الحديث من قال: إن الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة، وهو أحد القولين لأصحابنا - يعني المالكيّة - وغيرهم من حيث إنه - ﷺ - إنما خاطبهم بالتوحيد أوّلًا، فلمّا التزموا ذلك خاطبهم بالفروع التي هي الصلاة، والزكاة، وهذا لا حجة فيه؛ لوجهين: [أحدهما]: أنه لم يَنُصّ النبيّ - ﷺ - على أنه إنما قَدَّم الخطاب بالتوحيد لما ذكروه، بل يَحتمل ذلك، ويَحتَمِل أن يقال: إنه إنما قدَّمه لكون الإيمان شرطًا مُصحّحًا للأعمال الفروعيّة، لا للخطاب بالفروع؛ إذ لا يصحّ فعلها شرعًا إلا بتقدّم وجوده، ويصحّ الخطاب بالإيمان وبالفروع معًا في وقت واحد، وإن كانت في الوجود متعاقبةً، وهذا الاحتمال أظهر مما تمسّكوا به، ولو لم يكن أظهر فهو مساوٍ له، فيكون ذلك الخطاب مُجملًا بالنسبة إلى هذا الحكم. [وثانيهما]: أن النبيّ - ﷺ - إنما رَتَّب هذه المَواعد ليبيّن الأوكدَ، فالأوكدَ، والأهمَّ، فالأهمَّ، كما بيّنّاه في حديث ابن عمر - ﵁ - المتقدّم. واقتصار النبيّ - ﷺ - على ذكر القواعد الثلاث؛ لأنها كانت هي المتعيّنة عليهم في ذلك الوقت المتأكّد فيه، ولا يُظَنُّ أن الصوم والحجَّ لم يكونا فُرِضَا إذ ذاك؛ لأن إرسال معاذ - ﵁ - إلى اليمن كان في سنة تسع ، وقد كان فُرِضَ الحجّ، وأما الصوم ففُرضَ في السنة الثانية من الهجرة، مات النبيّ - ﷺ -، ومعاذ باليمن على الصحيح. وقول من قال: إن الرواة سكتوا عن ذكر الصوم والحجّ، قول فاسد؛ لأن الحديث قد اشتَهَرَ، واعتَنَى به الناسُ سلفًا وخَلَفًا، فلو ذكر رسول الله - ﷺ - له شيئًا من ذلك لنُقِلَ. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القرطبيّ بقوله: «وقول من قال إلخ» إلى الردّ على ابن الصلاح في قوله: إن ذكر بعض دعائم الإسلام دون بعض في حديث معاذ - ﵁ - هذا من تقصير الراوي انتهى ، وقد أجاد القرطبيّ في الردّ عليه، والله تعالى أعلم. وقد أجاد البحث في هذا في «الفتح» حيث قال: ما نصّه: لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كما تقدم كان في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية؛ لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرَا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يُذْكَر الصوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وَجَبَا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم، فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير قد يقوم مقامه فيه، كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذٍ لم يكن شُرعَ، انتهى. قال الجامع: أما قوله: «ويحتمل أنه لم يكن شُرع» فيه نظر لا يخفى؛ لأنه فرض قبله على الراجح كما سبق، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وقال البُلْقينيّ رحمه الله تعالى: إذا كان الكلام في بيان الأركان، لم يُخِلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر - ﵁ -: «بُنِيَ الإسلام على خمس»، إذا كان الدعاء إلى الإسلام، اكتَفَى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١١] في موضعين من براءة، مع أن نزوله ما بعد فُرِضَ الصوم والحج قطعًا، وحديث ابنِ عمر أيضًا: «أُمِرت أن أقاتل الناس حشى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة منها اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها؛ لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محضٌ، والحجّ بدنيّ ماليّ، وأيضًا فكلمة الإسلام، هي الأصل، وهي شاقّة على الكفار، والصلوات شاقّة؛ لتكررها، والزكاة شاقّة؛ لما في جِبِلّة الإنسان من حُبّ المال، فإذا أَذْعَنَ المرء لهذه الثلاثة، كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي ذكره الْبُلْقِينيّ رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيه]: ذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى عند قوله: «فإذا عرفوا الله فأخبرهم إلى آخره»: ما نصه: هذا يدل على أنهم ليسوا بعارفين بالله تعالى، وهو مذهب حُذّاق المتكلمين في اليهود والنصارى أنهم غير عارفين بالله تعالى، وإن كانوا يعبدوف، ويظهرون معرفته؛ لدلالة السمع عندهم على هذا، وإن كان العقل لا يَمْنَع أن يعرف الله تعالى من كَذب رسولًا. قال القاضي عياض ﵀: ما عرف الله تعالى مَنْ شَبَّهَهُ، وجَسَّمه من اليهود، أو أجاز عليه البداء، أو أضاف إليه الولد منهم، أو أضاف إليه الصاحبة والولد، وأجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج، من النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك، والمعاند في خلقه من المجوس، والثَّنَويّة، فمعبودهم الذي عبدوه، ليس هو الله، وإن سَمَّوه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له، فإذن ما عرفوا الله سبحانه، فتحقق هذه النكتة، واعتَمِد عليها، وقد رأيت معناها لمتقدمي أشياخنا، وبها قطع الكلام أبو عمران الفاسيّ بين عامة أهل القيروان، عند تنازعهم في هذه المسألة. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي عياض بقوله: «وبهما قطع الكلام أبو عمران إلخ» إلى قصّة ساقها الحافظ الذهبيّ في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة أبي عمران الفاسيّ المذكور، فقال: وحكى القاضي عياض، قال: حَدَثَ في الْقَيْرَوان مسألة في الكفار، هل يَعرِفون الله تعالى، أم لا؟ فوقع فيها اختلاف العلماء، ووقعت في ألسنة العامّة، وكَثُرَ المراء، واقتتلوا في الأسواق، إلى أن ذَهَبُوا إلى أبي عمران الفاسيّ، فقال: إن أنصتم عَلَّمتكم، قالوا: نعم، قال: لا يُكَلِّمني إلا رجل، ويسمع الباقون، فَنَصَبُوا واحدًا، فقال له: أرأيتَ لو لقيت رجلًا، فقلت له: أتَعْرِف أبا عمران الفاسيّ؟ قال: نعم، فقلت له: صفه لي، قال: هو بَقّالٌ في سوق كذا، ويسكن سَبْتَةَ، أكان يعرفني؟ فقال: لا، فقال: لو لقيتَ آخر، فسألته كما سألت الأولَ، فقال: أعرفه، يُدَرِّسُ العلم، ويُفتي، ويسكن بغرب الشماط، أكان يعرفني؟ قال: نعم، قال: فكذلك الكافر قال: لربه صاحبةٌ، وولدٌ، وأنه جسم، فلم يعرف الله، ولا وصفه بصفته، بخلاف المؤمن، فقال: شَفَيتنا، ودَعَوا له، ولم يخوضوا بعدُ في المسألة. قال الذهبيّ معلّقًا على الكلام: المشركون والكتابيون وغيرهم عَرَفُوا الله تعالى، بمعنى أنهم لم يَجْحَدوه، وعرفوا أنه خالقهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] وقال: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فهؤلاء لم يُنكروا البارئ، ولا جحدوا الصانع، بل عرفوه، وإنما جَهِلُوا نعوته المقدسة، وقالوا عليه ما لا يعلمون، وأما المؤمن فعرف ربه بصفات الكمال، ونَفَى عنه سمات النقص في الجملة، وآمن بربه، وكَفَّ عما لا يَعْلَم، فبهذا يتبين لك أن الكافر عَرَفَ الله من وجه، وجهله من وجوه، والنبيون عرفوا الله تعالى، وبعضُهُم أكمل معرفةً لله، = سنة (٤٣٠ هـ). انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٤٥ - ٥٤٨، و«بغية الملتمس» ص ٤٤٢، و«فهرس الفهارس» ١/ ١٥٩. والأولياءُ فعرفوه معرفة جيدةً، ولكنها دون معرفة الأنبياء، ثم المؤمنون العالمون بَعْدَهُم، ثم الصالحون دونهم، فالناس في معرفة ربهم متفاوتون، كما أن إيمانهم يزيد وينقص، بل وكذلك الأمة في الإيمان بنبيهم، والمعرفة له على مراتب، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق - ﵁ - مثلًا، ثم عددٌ من السابقين، ثم سائر الصحابة، ثم علماء التابعين، إلى أن تنتهي المعرفة به، والإيمان به إلى أعرابي جاهل، وامرأة من نساء القُرَى، ودون ذلك، وكذلك القول في معرفة الناس لدين الإسلام، انتهى كلام الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيقٌ نفيس، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. وقوله: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: قد يُسْتَدَل بلفظة «من أموالهم» على أنه إذا امتنع من الزكاة، أُخِذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته، ويَجزِيه ذلك في الباطن، فيه وجهان لأصحابنا - يعني الشافعيّة - انتهى . وقوله: (فتردّ على فقرائهم) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ لمالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإمام أن يَصرفها إلى صنف واحد من الأصناف المذكورين في الآية، إذا رآه نظرًا ومصلحةً دينيّةً، وسيأتي هذا البحث مستوفًى في «كتاب الزكاة» - إن شاء الله تعالى. وفيه دليلٌ لمن يقول: يدفعها من وجبت عليه للإمام العدل الذي يضعها مواضعها، ولا يجوز لمن وجبت عليه أن يلي تفرقتها بنفسه إذا أقام الإمام من تُدفع إليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في هذا الاستدلال نظر، والذي يظهر لي أنه لا وجوب في ذلك إلا لموجب طارئ، كأن يكون الإمام ألزم أرباب الأموال الدفع إليه، وسنعود لاستيفاء البحث في موضعه - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (وتوقّ كرائم أموالهم)، أي احذر من أخذ خيار أموالهم، ونفائسها، حذّره من ذلك نظرًا لأرباب الأموال، ورفقًا بهم، وكذلك أيضًا لا يأخذ من شرار المال، ولا معيبه؛ نظرًا للفقراء، فلو طابت نفس ربّ المال بشيء من كرائم أمواله جاز للمصدّق أخذها منه، ولو أن المصدّق رأى أن يأخذ معيبةً على وجه النظرة لمصلحة الفقراء جاز. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (٨) - (بَابٌ يُقَاتَلُ النَّاسُ حَتَّى يُوَحِّدُوا الله، ويَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ دِينِهِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلف رحمه الله تعالى المذكور في أول الكتاب قال: [١٢٣] (٢٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَب، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّه، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الاسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بْن جَميل الثقَفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلَانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٤/ ٤٩. ٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْفَهْمِيّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨. ٣ - (عُقَيْل) بضم المهملة، مصغّرًا - ابن خالد بن عَقِيل - بالفتح - الأيليّ - بفتح الهمزة، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم لام - أبو خالد الأمويّ مولى عثمان، ثقة ثبتٌ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦]. رَوَى عن أبيه، وعمه زياد، ونافع مولى ابن عمر، وعكرمة، والحسن، وسعيد بن أبي سعيد الخدريّ، وسعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت، وسلمة بن كهيل، والزهريّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن أخيه سلامة بن رَوْح، والمفضل بن فَضالة، والليث بن سعد، وابن لَهِيعة، وجابر بن إسماعيل، وسعيد بن أبي أيوب، ونافع بن يزيد، ويحيى بن أيوب، وحدث عنه يونس بن يزيد الأَيْلِيّ، وهو من أقرانه، وغيرهم. قال أحمد، ومحمد بن سعد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن معين: أثبت مَن رَوَى عن الزهري مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، وعن ابن معين في رواية الدُّوريّ: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعُقيل، وشُعيب، وسفيان. وفي رواية ابن أبي مريم عن ابن معين: عُقيل ثقة حجة، وقال عبد الله بن أحمد ذُكِرَ عند أبي أن يحيى بن سعيد قال: عُقيل، وإبراهيم بن سعد، كأنه يضعفهما، فقال: وأَيُّ شيء هذا؟ هؤلاء ثقات، لم يَخْبُرْهم. وقال العجليّ: أيْلِيّ ثقة. وقال البخاريّ: قال عليّ، عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد: كان عُقيل يحفظ. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العقيليّ: صدوق، تَفَرَّد عن الزهري بأحاديث، قيل: لم يَسمَع من الزهريّ شيئًا إنما هو مناولة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ضُعْفُ هذا القول مما لا يخفى على بصير، فإن سماع عُقيل من الزهريّ ظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال إسحاق بن راهويه: عُقيل حافظ، ويونس صاحب كتاب. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: عُقيل أحب إليك أم يونس؟ قال: عُقيل أحب إليّ، لا بأس به، قال: وسئل أبي: أيما أثبت، عُقيل أو معمر؟ فقال.: عُقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلةَ، وللزهري هناك ضَيعة، وكان يكتب عنه هناك. قال المَاجِشُون: كان عُقيل شُرْطيًا عندنا بالمدينة، ومات بمصر سنة (١٤١)، وقال محمد بن عُزَيز الأيليّ: مات سنة (١٤٢)، وقال ابن السَّرْح عن خاله: مات سنة (١٤٤)، وفيها أَرَّخه ابن يونس. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٦٥) حديثًا. ٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم الزهريّ المدنيّ الإمام الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» ١/ ٣٥٣ - ٣٥٤. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) أبو عبد الله المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) ٢/ ١٤. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - الصحابيّ المشهور المتوفّى سنة (٥٩) وقيل: غير ذلك (ع) ١/ ٢. ٧ - (عمر) بن الخطّاب الخليفة الثاني - ﵁ - استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) ٢/ ٩. ٨ - (أبو بكر) بن أبي قُحَافة الصّدّيق، عبد الله بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سَعْد بن تَيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ القرشيّ التيميّ، خليفة رسول الله - ﷺ -، وصاحبه في الغار، وقيل: اسمه عَتيق، وأمه أُمُّ الخير، سَلْمَى بنت صَخْر بن عامر بن كعب، ابنة عمّ أبيه، وقد أسلم أبواه، وُلد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر. أخرج ابن الْبَرْقِيّ من حديث عائشة تذاكر رسول الله - ﷺ - وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان النبيّ - ﷺ - أكبر، وصَحِبَ النبيّ - ﷺ - قبل البعثة، وسَبَقَ إلى الإيمان به، واستَمَرَّ معه طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، وفي المشاهد كُلِّها، إلى أن مات، وكانت الراية معه يوم تبوك، وحَجَّ في الناس في حياة رسول الله - ﷺ - سنة تسع، واستَقَرّ خليفة في الأرض بعده، ولَقّبَه المسلمون خليفة رسول الله - ﷺ -. روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، وأولاده: عبد الرحمن، وعائشة، ومحمد، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعقبة بن الحارث النَّوْفَلِيُّ، وأنس، وجابر، والبراء، وأبو سعيد الخدريّ، وأبو هريرة، وأبو عبد الله الصُّنَابحيّ، وأسلم مولى عمر، وأوسط البجليّ، وقيس بن أبي حازم، وطارق بن شهاب، وأبو الطفيل، وجماعة. قال سعيد بن منصور: حدّثني صالح بن موسى، حدثنا معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين - ﵁ - قالت: اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله، ولكن غَلَب عليه اسم عتيق. وفي «المعرفة» لابن منده: كان أبيض نَحيفًا خَفيف العارضين، معروق الوجه، ناتئ الجبهة، يَخضِب بالحناء والكتم. وقد ذكر ابن سعد عن الواقديّ، وأسنده الزبير بن بَكّار عنه، بسند له إلى عائشة، وأخرج ابن أبي الدنيا عن الزهريّ: كان أبيض لَطِيفًا جَعْدًا، مُشرِف الْوَرِكين. وأخرج أبو يعلى، عن سُويد بن غَفَلة، عن صالح بن موسى بهذا السند إلى عائشة، قالت: كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه بفناء البيت، إذ جاء أبو بكر، فقال النبيّ - ﷺ -: «من سَرَّه أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر»، فغلب عليه اسم عتيق . وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن محمد بن سيرين، قال: كان اسم أبي بكر عَتيق بن عثمان، وأخرج ابن سعد، وابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي مُليكة: كان اسم أبي بكر عبد الله، وإنما كان عَتيقٌ لَقَبًا، وفي «المعرفة» لأبي نعيم من طريق الليث سُمِّي أبو بكر عَتيقًا لجماله، وذكر عباس الدُّوريّ عن يحيى بن جعفر نحوه. وفي «تاريخ الفضل بن دكين» سُمِّي عتيقًا؛ لأنه قديم في الخير، وقال الفلاس في «تاريخه»: سُمّي عتيقًا لعتاقة وجهه. قال ابن إسحاق: كان أنسب العرب. وقال العجليّ: كان أعلم قريش بأنسابها. وقال ابن إسحاق في «السيرة الكبرى»: كان أبو بكر رجلًا مُؤَلَّفًا لقومه، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكان تاجرًا ذا خُلُق ومعروف، وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وَثِقَ به، فأسلم على يديه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن سالم بن أبي الْجَعْد، قلت لمحمد بن الحنفية: لأيّ شيء قُدِّم أبو بكر حتى لا يُذكرَ فيهم غيره؟ قال: لأنه كان أفضلَهم إسلامًا حين أسلم، فلم يزل كذلك حتى قبضه الله، وأخرج أبو داود في «الزهد» بسند صحيح عن هشام بن عروة، أخبرني أبي قال: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألف درهم، قال عروة: وأخبرتني عائشة أنه مات، وما ترك دينارًا ولا درهمًا. وقال يعقوب بن سفيان في «تاريخه»: حدثنا الْحُمَيْدِيّ، حدثنا سفيان، حدثنا هشام، عن أبيه: أسلم أبو بكر، وله أربعون ألفًا، فأنفقها في سبيل الله، وأعتق سبعةً كلهم يُعَذَّب في الله، أعتق بلالًا، وعامر بن فُهَيرة، وَزُنَّيْرَة ، والنهدية، وابنتها، وجاريةَ بني المؤمل، وأم عُبيس، وأخرج الدارقطني في «الأفراد» من طريق أبي إسحاق، عن أبي يحيى، قال: لا أُحصي كم سمعت عليًّا يقول على المنبر: إن الله ﷿ سَمَّى أبا بكر على لسان نبيه - ﷺ - صِدِّيقًا. ومن أعظم مناقبه - ﵁ - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، فإن المراد بصاحبه أبو بكر بلا نزاع، ولا يُعتَرضُ بأنه لم يتعين؛ لأنه كان مع النبيّ - ﷺ - في الهجرة عامر بن فُهَيرة، وعبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن أُرَيقط الدَّلِيل؛ لأنا نقول: لم يصحبه في الغار سوى أبي بكر - ﵁ -؛ لأن عبد الله بن أبي بكر استَمَرَّ بمكة، وكذا عامر بن فُهيرة، وإن كان ترددهما إليهما مدة لُبثهما في الغار استمرت، لعبد الله من أجل الإخبار بما وقع بعدهما، وعامر بسبب ما يقوم بغذائهما من الشياه، والدليل لم يصحبهما إلا من الغار، وكان على دين قومه مع ذلك، كما في نفس الخبر، وقد قيل: إنه أسلم بعد ذلك، وثبت في «الصحيحين» من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر، وهما في الغار: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما»، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة، ولم يَشْرَكه في هذه المنقبة غيره. وعند أحمد من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي تميم: أن النبيّ - ﷺ - قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما». وفي «الصحيح» عن عمرو بن العاص، قلت: يا رسول الله أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ فذكر رجالًا، وأخرج الترمذيّ، والبغويّ، والبزار، جميعًا عن أبي سعيد الأشجّ، عن عقبة بن خالد، عن شعبة، عن الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال أبو بكر: «ألست أوّلَ من أسلم، ألست أحقَّ بهذا الأمر، ألست كذا، ألست كذا»، رجاله ثقات، لكن قال الترمذي والبزار: تفرد به عقبة بن خالد، ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة، فلم يذكر أبا سعيد، قال الترمذيّ: وهو أصح. وأخرج البغويّ من طريق يوسف بن الماجشون: أدركت مَشيختنا: ابن المنكدر، وربيعة، وصالح بن كيسان، وعثمان بن محمد، لا يشكون أن أبا بكر أولُ القوم إسلامًا. وأخرج البغوي بسند جيد عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: وَليَنَا أبو بكر، فخير خليفة، أرحم بنا، وأحناه علينا. وقال إبراهيم النخعي: كان يُسَمَّى الأوّاه لرأفته. وقال ميمون بن مِهْران: لقد آمن أبو بكر بالنبيّ - ﷺ - من زمن بَحِيراء الراهب واخْتَلَفَ بينه وبين خديجة حتى تزوجها، وذلك قبل أن يولد عليّ - ﵁ -. وقال أبو أحمد العسكريّ: كانت إليه الْأَشْنَاق في الجاهلية، وهي الديات، كان إذا حَمَلَ شيئًا، فسأل فيه قريشًا صَدَّقُوه، وأمضوا حمالته، وإن احتملها غيره لم يُصَدِّقُوه، وخَذَلُوه، وذَكَرَ ابن سعد، عن ابن شهاب، أن أبا بكر، والحارث بن كَلَدَة أكلا حَرِيرةً أُهديت لأبي بكر، فقال الحارث وكان طبيبًا: ارفع يدك، والله إن فيها لَسُمَّ سنة، فلم يزالا عَلِيلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد. ومن أعظم مناقب أبي بكر - ﵁ - أن ابن الدَّغِنَة سيد القارة لَمّا رَدّ إليه جواره بمكة، وصفه بنظير ما وصفت به خديجة النبيّ - ﷺ - لَمّا بُعِثَ فتواردا فيهما على نعت واحد، من غير أن يتواطآ على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفات النبيّ - ﷺ - منذ نشأ كانت أكمل الصفات. وقد أطنب أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة الصديق - ﵁ - حتى إن ترجمته في «تاريخه» على كبره تجيء قدر ثمن عشره، وهو مجلد من ثمانين مجلدًا. وَليَ الخلافة بعد النبيّ - ﷺ - سنتين وشيئًا، وقيل: عشرين شهرًا، تُوُفِّي يوم الاثنين في جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وصلى عليه عُمَر، ودُفِن مع رسول الله - ﷺ - . أخرج له الجماعة، روى من الأحاديث (١٤٢) حديثًا ، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٢٠) و(١٧٥٧) و(١٧٥٩) وأعاده، و(٢٠٠٩) وكرده ثلاث مرات، و(٢٣٨١) و(٢٧٠٥) والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه بغلاني، نسبة إلى بَغْلان قرية من قرى بَلْخَ، والباقيان مصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن الصحابيين الخليفتين الراشدين، من العشرة المبشّرين بالجنة - ﵁ -، ورواية تابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن عبيد الله أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم [من الطويل]: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ ٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. وقد تقدّم بيان بعض هذه اللطائف، وإنما أعدته تذكيرًا وتقريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ) هكذا رواه الأكثر عن الزهري بهذا السند، على أنه من رواية أبي هريرة، عن عمر، وعن أبي بكر - ﵁ -، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرت أن أقاتل الناس …» الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة - ﵁ - ولم يذكر أبا بكر ولا عمر، أخرجه مسلم بعد هذا الحديث، وهو محمول على أن أبا هريرة - ﵁ - سمع أصل الحديث من النبيّ - ﷺ -، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر - ﵁ -، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة من طُرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، ومن طريق أبي صالح ذكوان، كلاهما عن أبي هريرة، وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس، سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه، وأخرجه أحمد من طريق هَمّام بن مُنَبِّه، ورواه مالك خارج «الموطإ» عن أبي الزناد، عن الأعرج، وذكره ابن منده في «كتاب الإيمان» من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه عن النبيّ - ﷺ - أيضًا ابنُ عمر، وجابر، وطارقٌ الأشجعيّ، كما سيأتي عند المصنّف بعد هذا، وأخرجه أبو داود، والترمذيّ، من حديث أنس - ﵁ -، وأصله عند البخاريّ في أوائل الصلاة من «صحيحه»، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن أنس - ﵁ -، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: «عن أنس، عن أبي بكر»، وأخرجه البزار من حديث النعمان بن بشير - ﵄ -، وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ - ﵃ -، وفي الأوسط«من حديث سمرة - ﵁ -، وسأذكر ما في روايات هؤلاء من الفوائد الزائدة في مواضعها - إن شاء الله تعالى . (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) فعلٌ ونائب فاعله، أي مات، والوفاة: الموت، وتوفّاه الله: قبض روحه، قاله في«القاموس». وقال في«اللسان»: الوفاة: المنيّةُ، وتُوُفِّيَ فلانٌ، وَتَوَفَّاه الله: إذا قبض نفسه، قال: وتَوَفِّي الميتِ: استيفاء مدّته التي وُفِيَت له، وعددَ أيامه وشُهُوره وأعوامه في الدنيا. انتهى . وقال السمين الحلبيّ رحمه الله تعالى في«تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]: قراءة الجمهور ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله، وقرأ أمير المؤمنين يعني عليًّا - ﵁ - ورواها المفضّل عن عاصم بفتح الياء علي بنائه للفاعل، ومعناها: يستوفُون آجالهم، قاله أبو القاسم الزمخشريّ، والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازة، فقال له رجلٌ: مَن المتَوَفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ - ﵁ - على أن أمره بوضع كتابٍ في النحو، وهذا تناقضه هذه القراءة، انتهى كلام السمين . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى هذا يجوز أن يُقرأ «تَوَفَّى» بفتح التاء، مبنيًّا للفاعل، ويكون «رسول الله - ﷺ -» مرفوعًا على الفاعليّة، وهذا على تقدير صحة الرواية به، وإلا فالرواية على الوجه الأول متّبعة. والله تعالى أعلم. (وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) ببناء الفعل للمفعول، أي صار خليفةً (بَعْدَهُ) أي بعد رسول الله - ﷺ - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة (وَكفَرَ مَنْ كفَرَ مِنَ الْعَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: «لما تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ارتدّ عامّة العرب»، وقال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لَمّا قُبض رسول الله - ﷺ - ارتدّت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جُوَاثَا . وقالى الطيبيّ: قوله: وكفر من كفر: يريد غَطَفَان، وفَزَارة، وبني سُلَيم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر - ﵁ - أن يقاتلهم، فاعترضه عمر - ﵁ - بقوله: «كيف تقاتل الناس …» . وقال أبو محمد بن حزم في «الملل والنحل»: انقسمت العرب بعد موت النبيّ - ﷺ - على أربعة أقسام: طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور. وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثالثة أعلنت بالكفر، والردّة كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ. وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاح، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف: صنف كفر بَعْدَ إسلامه، ولم يلتزم شيئًا، وعاد لجاهليّته، واتّبَعَ مسيلمة الكذّاب، والأسودَ الْعَنسيّ، وصدّق بهما، وكان كلّ منهما ادَّعَى النبوّة قبل موت النبيّ - ﷺ -، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِلَ الأسودُ قبل موت النبيّ - ﷺ - بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عمال النبيّ - ﷺ - في خلافة أبي بكر - ﵁ -، وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه. وصنفٌ أقرّ بالإسلام إلا الزكاة، فجحدها، وتأوّل بعضهم أن ذلك كان خاصًّا للنبيّ - ﷺ -؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣]. وصنفٌ اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر - ﵁ -، فقال: إنما قَبْضُها للنبيّ - ﷺ - خاصّةً، لا لغيره، وفرّقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة - ﵁ - قتال جميعهم: الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وهذا الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر - ﵁ -، فباحَثَ أبا بكر - ﵁ - في ذلك حتى ظهر له الحقّ الذي كان ظاهرًا لأبي بكر - ﵁ - فوافقه على ذلك، ولذلك قال: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحقّ»: أي ظهر له من الدليل، وحَصَل له من ثَلَجِ الصدر ، وانشراحه لذلك مثلُ الذي حصل لأبي بكر - ﵁ -، لا أنه قلّده، واتّبعه بعد ظهور الدليل؛ لأن التقليد لا ينشرح به الصدر، ولا يُعرف به الحقّ، ولأنه لا يجوز لمجتهد أن يقلّد مجتهدًا عند تمكّنه من الاجتهاد، كما بُيّن في محلّه من أصول الفقه. ثم إن أبا بكر - ﵁ - قاتل جميع المرتدّين الثلاثة الأصناف، وسَبَى ذراريّهم، قال القاضي: وَحَكَمَ فيهم بحكم الناقضين للعهد، فلما تُوفّي أبو بكر - ﵁ -، ووُلي عمر - ﵁ - ردّ عليهم سبيهم، وحكم عليهم بحكم المرتدّين، وكان أبو بكر - ﵁ - يرى سَبْيَ أولاد المرتدّين، وبذلك قال أصبغ بن الفرج من المالكيّة، وكان عمر - ﵁ - يرى أنهم لا يُسبَوْن، ولذلك رَدَّ سَبيهم، وبهذا قال جمهور العلماء، وأئمة الفتوى . وقد ذكر الإمام الخطابيّ رحمه الله تعالى في كتابه «معالم السنن»: في شرح هذا الكلام كلامًا حسنًا، لا بُدّ من ذكره؛ لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى: مما يجب تقديمه في هذا أن يُعْلَمَ أن أهل الرّدّة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين، ونابذوا الملة، وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة - ﵁ - بقوله: «وكَفَرَ من كفر من العرب»، وهذه الفرقة طائفتان. إحداهما: أصحاب مسيلمة، من بني حنيفة وغيرهم الذين صَدّقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسيّ، ومن كان من مستجيبيه، من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبيّنا محمد - ﷺ -، مُدّعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر - ﵁ - حتى قَتَلَ الله مسيلمة باليمامة، والعنسيّ بصنعاء، وانفضت جموعهم، وهلك أكثرهم. والطائفة الأخرى ارتدُّوا عن الدين، وأنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادُوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسْجَدُ لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس في البحرين، في قرية يقال لها جُوَاثا، ففي ذلك يقول الأعور الشنّي يفتخر بذلك [من البسيط]: وَالْمَسْجِدُ الثَّالِثُ الشَّرْقِيُّ كَانَ لَنَا … وَالْمِنْبَرَانِ وَفَصْلُ الْقَوْلِ فِي الْخُطَبِ أَيَّامَ لَا مِنْبَرٌ لِلنَّاسِ نَعْرِفُهُ … إِلَّا بِطَيْبَةَ وَالْمَحْجُوجِ ذِي الْحُجُبِ وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم، من الأزد محصورين بِجُوَاثَا إلىَ أن فتح الله ﷾ على المسلمين اليمامة، فقال بعضهم، وهو رجل من بني أبي بكر بن كلاب، يَستنجِد أبا بكر الصديق - ﵁ -[من الوافر]: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا … وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ … قَعُودٍ فِي جُوَاثَا مُحْصَرِينَا كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجِّ … دِمَاءُ الْبُدْنِ تُغْشِي النَّاظِرِينَا تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمنِ إِنَّا … وَجَدْنَا النَّصْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا والصنف الآخر هم الذين فَرَّقُوا بين الصلاة والزكاة، فأقرُّوا بالصلاة، وأنكروا فرض الزكاة، ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغيٍ، وإنما لم يُدْعَوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا؛ لدخولهم في غمار أهل الرِّدَّة، فأضيف الاسم في الجملة إلى الردة؛ إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأُرِّخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب - ﵁ -؛ إذ كانوا منفردين في زمانه، لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة، من كان يَسْمَح بالزكاة، ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك، كبني يَرْبُوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم، وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر - ﵁ -، فمنعهم مالك بن نُوَيرة عن ذلك، وفرَّقها فيهم، وقال في شعر له [من الطويل]: فَقُلْتُ لِقَوْمِي هَذِهِ صَدَقَاتُكُمْ … مُصَرَّرَةٌ أَخْلَافُهَا لَمْ تُجَرَّدِ سَأجْعَلُ نَفْسِي دُونَ مَا تَتَّقُونَهُ … وَأَرْهَنُكُمْ يَوْمًا بِمَا قُلْتُهُ يَدِي وقال بعض شُعرائهم، ممن سلك هذه الطريقة في منع الزكاة، يُحَرِّض قومه، ويأمرُهُم على قتال من طالبهم بها [من الطويل]: أَطَعْنَا رَسُولَ اللهِ مَا دَامَ بَيْنَنَا … فَيَا عَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبي بَكْرِ؟ وَإِنَّ الَّذِي سَالُكُمُ فَمَنَعْتُمُ … لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى لَدَيْهِمْ مِنَ التَّمْرِ سَنَمْنَعُهُمْ مَا دَامَ فِينَا بَقِيَّةٌ … كِرَامًا عَلَى الْعَزَّاءِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرِ قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وفي أمر هؤلاء عَرَضَ الخلافُ، ووقعت الشبهة لعمر - ﵁ -، فراجع أبا بكر - ﵁ -، وناظره، واحتج عليه بقول النبيّ - ﷺ -: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عَصَمَ نفسه وماله»، وكان هذا من عمر - ﵁ - تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر - ﵁ -: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما، والآخر معدوم، ثم قايَسَهُ بالصلاة، ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة - ﵃ -، لذلك رَدَّ الْمُخْتَلَفَ فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر - ﵁ - بالعموم، ومن أبي بكر - ﵁ - بالقياس، ودَلَّ ذلك على أن العموم يُخَصُّ بالقياس، وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد، من شرط، واستثناءٍ مُرَاعًى فيه، ومُعْتَبرٌ صحَّتُهُ به، فلَمّا استقرّ عند عمر صحة رأي أبي بكر - ﵄ -، وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: «فَلَمَّا رأيت الله قد شَرَحَ صدرَ أبي بكر للقتال، عَرَفْتُ أنه الحقّ»، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًّا، ودلالة. وقد زعم قوم من الروافض أن عمر - ﵁ - إنما أراد بهذا القول تقليد أبي بكر - ﵁ -، وأنه كان يعتقد له العصمة، والبراءة من الخطإ، وليس ذلك كما زعموه، وإنما وجهه ما أوضحته لك، وبيّنته. وزعم زاعمون منهم أن أبا بكر - ﵁ - أول مَن سَمّى المسلمين كفّارًا وأن القوم كانوا متأوّلين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] خطاب خاصّ في مواجهة النبيّ - ﷺ - دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدِّق ما للنبيّ - ﷺ -، ومثل هذه الشبهة إذا وجِد كان مما يُعْذَر فيه أمثالُهم، ويُرْفَعُ به السيف عنهم، فكان ما جرى من أبي بكر عليهم عَسْفًا، وسوء سيرة، وزعم بعض هؤلاء أن القوم كانوا قد اتَّهموه، ولم يأمنوه على أموالهم، إلى ما يُشبه هذا الكلام الذي لا حاصل له، ولا طائل فيه. قال الخطابيّ رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قوم لا خَلَاقَ لهم في الدين، وإنما رأس مالهم الْبَهْتُ والتّكذيب، والْوَقِيعَة في السلف. قد بَيَّنَا أن أهل الردّة كانوا أصنافًا، منهم من ارتدّ عن الملة، ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة، وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة - ﵃ - كفّارًا، ولذلك رأى أبو بكر - ﵁ - سَبْيَ ذراريّهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة، واستولد عليّ بن أبي طالب - ﵁ - جاريةً من سبي بني حَنِيفة، فولدت له محمدًا الذي يُدْعَى ابن الحنفية، ثم لم يَنْقَضِ عصرُ الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتدَّ لا يُسْبَى. فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي، ولم يُسَمَّوا على الانفراد منهم كفّارًا، وإن كانت الردة قد أُضيفت إليهم؛ لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الرّدّة اسم لغويّ، وكلُّ من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتدّ عنه، وقد وُجِد من هؤلاء القوم الانصرافُ عن الطاعة، ومنعُ الحق، فانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعَلِقَ بهم الاسم القبيح؛ لمشاركتهم القومَ الذين كان ارتدادهم حقًّا. وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وما ادَّعَوه من كون الخطاب فيه خاصًّا لرسول الله - ﷺ -، فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطابٌ عامٌّ، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، وخطاب خاصٌّ للنبيّ - ﷺ -، لا يَشْرَكُهُ فيه غيره، وهو ما أُبِين به عن غيره بسِمَةِ التخصيص، وقَطْعِ التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٩]، وكقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وخطابُ مواجهةٍ للنبيّ - ﷺ -، وهو وجميع أمته في المراد به سواءٌ، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، ونحو ذلك من خطاب المواجهة، فكُلُّ من دَلَكَت له الشمس كان عليه إقامة الصلاة واجبةً، وكلُّ من أراد قراءة القرآن كانت الاستعاذة مُعْتَصَمًا له، وكلُّ من حضره العدوّ، وخاف فوت الصلاة، أقامها على الوجه الذي فعلها رسول الله - ﷺ -، وسَنَّها لأمّته، ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حَذْوَه في أخذها منهم، وإنما الفائدة في مواجهة النبيّ - ﷺ - بالخطاب، أنه هو الداعي إلى الله تعالى، والْمُبَيّن عنه معنى ما أراده، فقُدِّم اسمه في الخطاب؛ ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما يَنْهَجه، ويُبَيِّنه لهم، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فافتتح الخطاب بالتنويه باسمه خصوصًا، ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له مواجهةً، والمراد به غيره، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]- إلى قوله -: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، ولا يجوز أن يكون - ﷺ - قد شكّ قطّ في شيء مما أنزل عليه، وكقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] ، وقال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣]، وهذا خطاب لم يتوجّه عليه، ولم يلزمه حكمه؛ لأمرين: أحدهما أنه لم يُدرك والديه، ولا كان واجبًا عليه لو أدركهما أن يُحسن إليهما، ويشكرهما إحسان الآباء المسلمين وشكرهم. وأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة، فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله - ﷺ - فيها، وكلُّ الثواب موعود على عمل من الطاعات كان في زمنه - ﷺ -، فإنه باقٍ غير منقطع بوفاته، وقد يُسْتَحَبُّ للإمام، وعامل الصدقة أن يدعو للمتصدِّق بالنماء والبركة في ماله، ويُرْجَى أن يستجيب الله تعالى ذلك، ولا يُخَيِّب مسألته فيه. قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: ومن لواحق بيان ما تقدّم في الفصل الأول من ذكر وجوب إيتاء الزكاة وأدائها إلى القائم بعد النبيّ - ﷺ - أن النبيّ - ﷺ - جعل آخر كلامه عند وفاته قوله: «الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم»؛ ليُعقل أن فرض الزكاة قائمٌ، كفرض الصلاة، وأن القائم بالصلاة هو القائم بأخذ الزكاة، ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: «والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة»؛ استدلالًا بهذا، مع سائر ما عُقِل من أنواع الأدلّة على وجوبها، والله تعالى أعلم. [فإن قيل]: كيف تَأَوَّلْتَ أمر الطائفة التي مَنَعَت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه، وجعلتهم أهل بغيٍ، أرأيتَ إن أنكرت طائفة من المسلمين في زماننا فرض الزكاة، وامتنعوا منً أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ [قيل]: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وبين أولئك أنهم إنما عُذِروا لأسباب وأمور، لا يَحْدُث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة التي كان يقع فيها تبديل الأحكام بالنسخ، ومنها وقوع الفترة بموت النبيّ - ﷺ -، وكان القوم جُهّالًا بأمور الدين، وكان عهدهم حديثًا بالإسلام، فتداخلتهم الشبهة، فَعُذِروا كما عُذِر بعضُ من تأوّل من الصحابة في استباحة شرب الخمر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فقالوا: نحن نشربها، ونؤمن بالله، ونعمل الصالحات، ونتّقي، ونُصلح. فأما اليومَ، وقد شاع دين الإسلام، واستفاض علمُ وجوب الزكاة، حتى عرفه الخاص والعام، واشترك فيها العالم والجاهل، فلا يُعْذَر أحدٌ بتأويلٍ يتأوله في إنكارها، وكذلك الأمر في كُلّ من أنكر شيئًا، مما أجمعت الأمة عليه، من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا، كالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، والاغتسال من الجنابة، وتحريم الزنا، والخمر، ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلٌ حديث عهد بالإسلام، ولا يَعْرِف حدوده، فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يُكَفَّر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه. فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدًا لا يَرِثُ، وأن للجدة السدسَ، وما أشبه ذلك، من الأحكام، فإن من أنكرها لا يُكَفَّرُ، بل يُعْذَر فيها؛ لعدم استفاضة علمها في العامة، وتفرّد الخاصّة بها. قال الخطابي رحمه الله تعالى: وإنما عرَضَ الوهمُ في تأويل الحديث من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ووقعت الشبهة فيه لمن تأوّله على الوجه الذي حكيناه عنهم؛ لكثرة ما دخله من الحذف والاختصار، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه، وذِكْرُ القصة في كيفية الردّة منهم، وإنما قَصَدَ به حكاية ما جَرَى بين أبي بكر وعمر - ﵄ -، وما تنازعاه من الحجاج في استباحة قتالهم، ويُشْبِهُ أن يكون أبو هريرة إنما لم يُعْنَ بذكر جميع القصة، وسوقها على وجهها كلّها؛ اعتمادًا على معرفة المخاطبين بها؛ إذ كانوا قد عَلِمُوا وجه الأمر، وكيفية القصة في ذلك، فلم يضرّ ترك إشباع البيان مع حصول العلم عندهم به، والله تعالى أعلم. ويُبَيِّن لك أن حديث أبي هريرة - ﵁ - مختصر، غير مستَقْصًى أن عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك - ﵃ - قد روياه عن رسول الله - ﷺ - بزيادة شروط ومعانٍ لم يذكرها أبو هريرة - ﵁ -. فأما حديث أنس - ﵁ -، فقد رواه أبو داود في «كتاب الجهاد» من «السنن»، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب الطالقانيّ، حدّثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك، حَرُمَت علينا في ماؤهم، وأموالهم، إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين». وأما حديث ابن عمر - ﵄ -، ففيه زيادة شرط الزكاة، وقد رواه محمد بن إسماعيل البخاريّ في «الجامع الصحيح»، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيُّ، قال: حدثنا أبو رَوْح الْحَرَمِيّ بن عُمَارة، قال: حدثنا شعبة، عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يُحَدِّث عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». انتهى كلام الخطّابيّ رحمه الله تعالى . وقد اعترض الحافظ في «الفتح» جوابه المذكور، وسيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (قَالَ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ) - ﵄ - (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) وفي حديث أنس: «أتريد أن تقاتل العرب» (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) الواو واو الحال (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِله إِلَّا الله)، قال في «الفتح»: كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق الآتية: «من وحّد الله، وكفر بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمه وماله». وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور، وفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». ونحوه في حديث أبي الْعَنْبَس، وفي حديث أنس عند أبي داود: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا». وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به». قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهم ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟ وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟ فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان، وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به - ﷺ -؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: «تقاتل الناس» الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة، حيث قال فيها: «ويؤمنوا بي، وبما جئت به»، فإن مقتضى ذلك أن من جَحَد شيئًا مما جاء به - ﷺ -، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث، انتهى مُلَخصًا. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث: «حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلفّظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يزكّ، كمن لم يقرّ بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: «إلا بحقّه». قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: «بحقّه» للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى . (فَمَنْ قَالَ: لَا إِله إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من الْعِصَام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، هو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به. وأما بالنسبة للنفس فهو ما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل»، والله تعالى أعلم. (وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ») أي حساب سريرته على الله تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، اْعماله، جازاه الله عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم لي في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند الله من أسوإ الكافرين. ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: معنى قوله: (وحسابه على الله») أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل، ويُحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل رحمهما الله. هذا كلام الخطّابيّ. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر: «وأني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة». وهذا كلام القاضي. قلت : ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله - ﷺ -، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة - ﵁ -، هي مذكورة في «صحيح مسلم»: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به». والله أعلم. قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما صححه النووي رحمه الله تعالى من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص - ﵁ - مرفوعًا: «أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله». أخرجه مسلم. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، «فَرَقَ»، و«فَرَّقَ» بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى. وعبارة الحافظ: يجوز تشديد «فرّق» وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق - ﵁ -، ولم يَعْذِرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودها في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا، انتهى . (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحقّ المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فمن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: «ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «فإن الزكاة حقّ المال»، هذا الرّدّ يدلّ على أن عمر - ﵁ - حَمَلَ الحقّ في قوله: «عَصَم منّي ماله ونفسه إلا بحقّه» على غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر - ﵁ - بالحديث على منع المقاتلة، وردُّ أبي بكر - ﵁ - بقوله: «فإن الزكاة حقّ المال»، أو يقال: إن عمر ظنّ أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، أجابه أبو بكر - ﵁ - بأني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة، ويَعضد هذا الوجه قوله: «كَفَرَ من كَفَرَ». انتهى . (واللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا)، هكذا رواية مسلم بلفظ: (عِقَالًا)، قال الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» بعد أن ذكره بلفظ «عناقًا» ما نصّه: ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم «عقالًا»، وأخرجه البخاريّ في «كتاب الاعتصام» عن قتيبة، فكَنَى بهذه اللفظة، فقال: «لو منعوني كذا». واختُلِفَ في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في «الاعتصام» عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير - يعني شيخه فيه هنا - وعبدُ الله - يعني ابن صالح - عن الليث: «عَنَاقًا»، وهو أصحّ، ووقع في روايةٍ ذكرها أبو عُبيدة: «لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط»، وهو يؤيّد أن الرواية «عَناقًا»، و«الأذوط» الصغير الفَكّ والذَّقَنِ. قال: و«العَنَاق» - بفتح المهملة، والنون -: الأنثى من ولد المعز. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: هكذا في مسلم «عِقَالًا»، وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها «عَنَاقًا» - بفتح العين، وبالنون وهي الأنثى من ولد المعز وكلاهما صحيح وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين، فقال في مرة: عقالًا، وفي الأخرى «عناقًا»، فرُوي عنه اللفظان. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة، انتهى. لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يُكَرِّر أبو بكر - ﵁ - الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد، فتأمّله. والله تعالى أعلم. قال: فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا، هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعية: لا يزكِّي الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب. قال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء، ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. والله أعلم. وأما رواية «عِقَالًا» فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك، وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرّد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتج هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ [من البسيط]: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ لأَصْبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الْهَيْجَا جِمَالَيْنِ أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف. وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلّاه عمه معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه. وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير. وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب «التحرير»، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين. قال صاحب «التحرير»: قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج المضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما عُلِّق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى، قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله - ﷺ -: «لعن الله السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، وَيسرق الحبل، فتقطع يده»، أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطَّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة. قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح الله فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه الله تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان أبلغ. فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: «عَنَاقًا»، وفي بعضها: «لو منعوني جَدْيًا أذوط». والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب «التحرير». قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره. وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ «منعوني عِقالًا»، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهمًا، فمنعه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالًا، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساوي عقالًا، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يُعَانِ الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم - وربما وافقه بعض المتقدّمين - على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا، وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ. وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من عروض التجارة، وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا. ويجوز أن يراد منعوني عقالًا، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال: [أحدها]: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلًا أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها. [والثاني]: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة. [والثالث]: يتخيّر بين العرض والنقد. والله أعلم. وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها. قال الخطّابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى قَرَن - وهو بفتح القاف، والراء - وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النبي - ﷺ - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما، وكان عمر - ﵁ - أيضًا يأخذ مع كلّ فريضة عقالًا. والله أعلم انتهى كلام النوويّ . ونقل ابن الصلاح عن أبي العبّاس المبرّد في كتابه «الكامل» أن المصدّق إذا أخذ من مال الصدقة ما فيه، ولم يأخذ ثمنه قيل: أخذ عِقالًا، وإذا أخذ ثمنه قيل: أخذ نقدًا، قال الشاعر [من الطويل]: أَتَانَا أَبُو الْخَطَّاب يَضْرِبُ طَبْلَهُ … فَرُدَّ وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدَا وذكر أن الصحيح في العقال المذكور تفسيره بهذا، قال ابن الصلاح: وليس ذلك عندنا بصحيح. انتهى . وذكر القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه «المفهم» في معنى «العقال» خمسة أقوال: (الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل. (الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد قوله: «سَعَى عِقَالًا إلخ». (الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه، قاله أبو سعيد الضرير. (الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ نقدًا، ومنه قول الشاعر: وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا (الخامس): أنه اسم لما يُعقل به البعير، قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول الله - ﷺ - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالًا، ورِوَاء . قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج التقليل. والله أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن رواية «عِقَالًا» صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدوابّ، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. والله تعالى أعلم. (كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِه، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: (فَوَاللهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن، وقال السنديّ: أي ما سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ - ﷿ -) أي: علمت وأيقنت أن الله تعالى. وقال الطيبيّ رحمه الله تعالى: المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر مُحِقّ، ونحوه قوله تعالى: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فـ ﴿هِيَ﴾ ضمير مبهم يفسّره ما بعده. انتهى . قلت: لم أرَ سند هذا الحديث، فيحتاج الى النظر في سنده، والله أعلم. (قَدْ شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى الله - ﷿ -، في قلبه من الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر - ﵁ - من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر - ﵁ - قلّد أبا بكر - ﵁ -، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد. وقد زعمت الرافضة أن عمر - ﵁ - إنما وافق أبا بكر تقليدًا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسأله الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا فقط (٨/ ١٣٢) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن أبي هريرة، عن عمر وأبي بكر - ﵃ -. وأخرجه (البخاريّ) في «الزكاة» ٢/ ١٣١ (١٣٩٩) و١٤٧ (١٤٥٦) عن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة - وفي ٢/ ١٤٧ (١٤٥٦) وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر - وفي «استتابة المرتدّين» ٩/ ١٩ (٦٩٢٤) عن يحيى بن بُكير - وفي «الاعتصام» ٩/ ١١٥ (٨٢٨٤) و(٨٢٨٥) عن قتيبة - كلاهما عن الليث، عن عُقيل - ثلاثتهم عن الزهريّ، عن عبيد الله به. و(أبو داود) في «الزكاة» (١٥٥٦) عن قتيبة - به، و(١٥٥٧) عن أحمد بن عمرو بن السرح، وسليمان بن داود، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهريّ عن أبي بكر به مرسلًا. و(الترمذيّ) في «الإيمان» (٢٦٠٧) عن قتيبة به، وقال: حسنٌ صحيح، وهكذا روى شعيبٌ عن الزهريّ، وروى هذا الحديث عن عمران القطّان، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس، عن أبي بكر، وهو خطأ، وقد خولف عمران في روايته عن معمر. و(النسائيّ) في «الزكاة» ٥/ ١٤ (٢٢٢٣) وفي «المحاربة» ٧/ ٧٧ (٣٤٣٢) عن قتيبة به، وفي «الجهاد» ٥/ ٦ (٤٣٠٠) عن كثير بن عبيد، عن بقية بن الوليد ٦/ ٥ (٤٣٠٠) وفي «المحاربة) أيضًا (٣٤٣٥) عن أحمد بن محمد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة به، و٦/ ٥ (٤٢٩٩) عن كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، عن الزبيديّ، و٦/ ٦ (٤٣٠١)، وفي»المحاربة أيضًا«(٣٤٣٧) و٧/ ٧٨ عن أحمد بن سليمان، عن مؤمّل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن عيينة، وذكر آخر، أربعتهم عن الزهريّ به، وفي»المحاربة«أيضًا ٧/ ٧٧ (٣٤٣٣) عن زياد بن أيوب، عن محمد بن يزيد، عن سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي هريرة، عن عمر، عن النبيّ - ﷺ -. وأخرجه (أحمد) في«مسنده»١/ ١٩ (١١٧) عن عصام بن خالد، وأبي اليمان، كلاهما عن شعيب بن أبي حمزة، وفي ١/ ٤٧ (٣٣٥) عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح، عن معمر به. وأخرجه أيضًا ١/ ٣٥ (٢٣٩) عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: لَمّا ارتدّ أهل الردّة في زمان أبي بكر قال عمر … الحديث، ليس فيه أبو هريرة. و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١١٣ و١١٤ و١١٥ و١١٦ و١١٧ و١١٨). وأخرجه (عبد الرزاق) (١٨٧١٨) و(ابن منده) في«الإيمان»(٢١٦) و(البيهقيّ) في«الكبرى»٤/ ١١٤ و٧/ ٣ . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان فوائده: ١ - (منها): بيان أن الناس يُقاتلون إلى أن يوحّدوا الله تعالى، ويلتزموا أحكام الشريعة كلها. ٢ - (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر - ﵁ -، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة، أنعم الله تعالى بها على المسلمين بعد رسول الله - ﷺ -، فقد استنبط - ﵁ - من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول الله - ﷺ -. وقد صنّف العلماء رحمهم الله تعالى في معرفة رجحانه أشياء كثيرة، مشهورة في الأصول وغيرها، ومن أحسنها كتاب«فضائل الصحابة - ﵃ -»للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى . ٣ - (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ - ﷺ - حكم بذلك، حيث قال:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله … »إلى أن قال:«فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم … » الحديث. وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلا حقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ بالله من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. وقد استوفيتُ هذا البحث في المسائل التي ذكرتها أوائل «كتاب الإيمان»، فارجع إليها تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لأظهار الحقّ. ٥ - (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول الله - ﷺ -، وقد جمع ذلك النبيّ - ﷺ - كما في رواية لمسلم - بقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويؤمنوا بما جئت به». ٦ - (ومنها): مشروعيّة مقاتلة مانع الزكاة، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت منه قهرًا. ٧ - (ومنها): وجوب الجهاد. ٨ - (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف. ٩ - (ومنها): أن الأحكام تُجْرَى على الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر. ١٠ - (ومنها): أن الصحابة كانوا قائلين بجواز القياس والعمل به. ١١ - (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرها من واجبات الإسلام، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر - ﵁ -: «لو منعوني عقالًا»، أو «عناقًا». ١٢ - (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: «فإن الزكاة حقّ المال». ١٣ - (ومنها): وجوب قتل أهل البغي. ١٤ - (ومنها): ما قيل: أن فيه وجوب الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها. ١٥ - (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه. ١٦ - (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذٍ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله. ١٧ - (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وإن كان دون استحلاف. ١٨ - (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قاله النوويّ رحمه الله تعالى: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول. ١٩ - (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه.
مصادر المؤلف (١٢١)

١. أي بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن سنة (١٤٢ هـ)، قاله في «شرح النوويّ» ١/ ١٩٠.

٢. ذكره النووي في «شرحه» ١/ ١٩٠ ممن سمع منه قبل الاختلاط.

٣. راجع: «شرح النوويّ على مسلم» ١/ ١٩٠.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٨.

٥. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٣.

٦. «شرح مسلم» ١/ ١٩٠.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٦ في مادّة «أنس».

٨. راجع: «القاموس المحيط»، وهامشه ص ٤٢٩.

٩. هكذا ضبطه في «القاموس»، واقتصر في «المصباح» على الكسر من باب ضرب فقط.

١٠. راجع: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ١٨ و٣٢.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٥.

١٢. «النهاية» ٣/ ٣٨٩.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٥.

١٤. «المصباح» ١/ ٦٢.

١٥. «شرح مسلم» ١/ ١٩١.

١٦. مراده أنه فصيح لا يلحن.

١٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣، و«لسان العرب» ١٥/ ١٣٤.

١٨. «الصيانة» ص ١٥٥.

١٩. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» ص ٥٢.

٢٠. «القاموس المحيط»ص ١١٦٦.

٢١. قال القاضي عياض: القضيم: الصحيفة كما قال، لكنها البيضاء التي لم يُكتب فيها بعدُ. انتهى«إكمال»١/ ١٦٩.

٢٢. «إكمال المعلم»١/ ١٦٨.

٢٣. «المصباح المنير»١/ ٩.

٢٤. «شرح مسلم» ١/ ١٩٢.

٢٥. «إكمال المعلم» ١/ ١٦٩.

٢٦. «إكمال المعلم» ١/ ١٧١.

٢٧. «القاموس المحيط» ص ٨٩٣.

٢٨. هكذا النسخة، والظاهر أن الأولى «أَسَاتِذَتَكَ»، فليحرر.

٢٩. وكذا هو في «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٩، وقال المزّيّ معلّقًا عليها: لعله ما أفسد جعفرٌ غيرَه.

٣٠. قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه» ١/ ١٩٤: وأما أبو قَزَعَة المذكور، فاسمه سُوَيد بن حُجَير - بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم مفتوحة، وآخره راء - وهو باهليّ، بصريّ، انفرد مسلم بالرواية له دون البخاريّ، وقَزَعَةُ - بفتح القاف، وبفتح الزاي، وإسكانها - ولم يذكر أبو علي الْغَسَّاني في «تقييد المهمل» سوى الفتح، وحَكَى القاضي عياض فيه الفتح والإسكان، ووُجِد بخط ابن الأنباريّ بالإسكان، وذكر ابن مكيّ في كتابه فيما يُلْحَنُ فيه أن الإسكان هو الصواب، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ.

٣١. كذا وقع في الأصل، إلا أن المحقّق أصلحه، فكتب بين قوسين (مسلم)، وهو الظاهر.

٣٢. «كتاب الأشربة» للإمام أحمد ٢٠ حديث رقم (٨٦).

٣٣. «صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط» ص ١٥٨ - ١٦١.

٣٤. قال النوويّ في «شرحه» بعد نقل كلام ابن الصلاح رحمهما الله تعالى: وفي هذا القدر الذي ذكره أبلغ كفاية، وإن كان الحافظ أبو موسى قد أطنب في بسطه وإيضاحه بأسانيده، واستشهاداته، ولا ضرورة إلى زيادة على هذا القدر. والله تعالى أعلم.

٣٥. «فتح الباري» ١٠/ ٦٩٨ رقم باب ١٠٤ حديث رقم (٦١٨٥).

٣٦. راجع: «التقريب» ص ٣٢٩.

٣٧. متفق عليه.

٣٨. متفق عليه.

٣٩. حديث صحيح، أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤ والترمذي (٣٧٩١) وابن ماجه (١٥٤).

٤٠. راجع: «حلية الأولياء» ١/ ٢٣٠ و«الاستيعاب» ٣/ ١٤٠٧.

٤١. إنما نسب الطاعون إلى عمواس، وهي قرية بين الرملة وبيت المقدس؛ لأنه أول ما بدأ الطاعون منها. «تهذيب الكمال»٢٨/ ١١٤.

٤٢. راجع: «تدريب الراوي» ١/ ٢١٨.

٤٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يظهر لي وجه قوله: وظاهر سياق مسلم أنّ اللفظ مدرجٌ، فليُتأمّل.

٤٤. «الفتح» ٤/ ١٧٦.

٤٥. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ١٤.

٤٦. «الفتح» ٣/ ٤٥١.

٤٧. «عمدة القاري» ٧/ ١٦٠.

٤٨. «الفتح» ٤/ ١٢٧.

٤٩. «العدّة حاشية العمدة» ٣/ ٢٧٣.

٥٠. «الفتح» ٣/ ٤٥١.

٥١. «عمدة القاري» ٧/ ١٦١.

٥٢. «إحكام الأحكام» ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥ بنسخة حاشية «العدّة».

٥٣. أي كون المراد مجموع الأمرين: الإقرار بالوجوب، والتزامهم لها.

٥٤. «العدّة» ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥.

٥٥. «شرح النووي»١/ ١٩٧، و«عمدة القاري»٧/ ١٦١.

٥٦. راجع:«عمدة القاري»٧/ ١٦١ - ١٦٢.

٥٧. «المفهم» ١/ ١٨٤.

٥٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٤٧٠.

٥٩. «الإعلام» ٥/ ٢٨ - ٢٩.

٦٠. بتخفيف الميم؛ للوزن.

٦١. «شرح صحيح مسلم» ١/ ١٩٧.

٦٢. «إحكام الأحكام» ٣/ ٢٧٨ بنسخة حاشية «العدّة».

٦٣. «الإحكام» ٣/ ٢٨٠ بنسخة الحاشية.

٦٤. رواه مسلم في «صحيحه» (٢٥٨٣) والترمذي (٣١١٠) وابن ماجه (٤٠١٨) من حديث أبي موسى - ﵁ -.

٦٥. رواه أحمد في «مسنده» ٢/ ٣٠٥ و٤٤٥ والترمذيّ (٢٥٢٦) وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.

٦٦. أي: ذات الدّرّ، أي: الحلوبة.

٦٧. أي: رُذال المال، وقيل: صِغَارُه، وشِرَاره انتهى «النهاية» ٢/ ٤٦٠.

٦٨. «إحكام الأحكام» مع حاشية «العدّة» ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠.

٦٩. «شرح مسلم» ١/ ١٩٧ - ١٩٨.

٧٠. المصدر السابق.

٧١. «شرح مسلم» للنوويّ ١/ ١٩٨.

٧٢. «المسند المستخرج» ١/ ١١٤.

٧٣. «شرح النوويّ» ١/ ١٩٩.

٧٤. نبّه على هذا الحافظ في «تهذيب التهذيب» ١/ ١٤٤.

٧٥. راجع الحديث في أبواب زكاة الفطر برقم (٩٨٥) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.

٧٦. «المفهم» ١/ ١٨١.

٧٧. تقدّم القول أيضًا بأنه كان سنة عشر.

٧٨. «المفهم» ١/ ١٨٢ - ١٨٣.

٧٩. راجع: «الصيانة» ص ١٦٣.

٨٠. «الفتح» ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥ كتاب الزكاة رقم الحديث (١٤٩٦).

٨١. هو الإمام الكبير العلامة عالم القيروان، أبو عمران، موسى بن عيسى الفاسيّ نزيل القيروان، تفقه بأبي الحسن القابسيّ، وهو أكبر تلامذته، ودخل الأندلس، فتفقّه بأبي محمد الأصيليّ، وسمع «صحيح البخاريّ» عن أبي ذرّ الهرويّ، محدث كثير الرواية، واسع الرحلة، عالم بالرجال والتاريخ، فقيه أصوليّ مقرئ، مع زهد وتواضع، وصلاح، من مصنفاته: فهرست شيوخه، وعوالي حديثه، و«كتاب الأمالي في الحديث»، وتعليقات تتعلّق بتراجم الرواة، توفي في ثالث رمضان=

٨٢. «إكمال المعلم» ١/ ١٨١ - ١٨٣، ونقله النوويّ في «شرح» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٨٣. «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٤٦ - ٥٤٨.

٨٤. «شرح مسلم» ١/ ٢٠٠.

٨٥. «المفهم» ١/ ١٨٣ - ١٨٤.

٨٦. قال في «تهذيب التهذيب» ٣/ ١٣٠: اسم جدّه عَقِيل بفتح العين، وكسر القاف، بخلاف هو فإنه بالضم. انتهى.

٨٧. أخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد، وتعقّبه الذهبيّ، وقال: صالح ضعّفوه، والسند إليه مظلم.

٨٨. هكذا النسخة، ولعله «مألوفًا».

٨٩. ضبطها في «الإصابة» بكسر أولها، وتشديد النون المكسورة، بعدها تحتانية ساكنة. اهـ ٨/ ١٥٠.

٩٠. راجع: «الإصابة» ٤/ ١٤٤ - ١٥٠ و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤.

٩١. وفي «كتاب ابن الجوزيّ» له (١٤٢) حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد البخاريّ بأحد عشر حديثًا، ومسلم بحديث.

٩٢. راجع: «الفتح» ١٢/ ٣٤٦.

٩٣. «القاموس المحيط» ص ١٢٠٨ - ١٢٠٩.

٩٤. «لسان العرب» ١٥/ ٤٠٠.

٩٥. «الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون» ٢/ ٤٧٨.

٩٦. راجع: «المفهم» ١/ ١٨٥.

٩٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٤٨٤.

٩٨. «الفتح» ١٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦.

٩٩. قال في «المصباح» ١/ ٨٣: ثَلَجَتِ النفوس ثُلُوجًا وثَلَجًا، من بابي قَعَدَ وتَعِبَ: اطمأنت انتهى.

١٠٠. «إكمال المعلم» ١/ ١٩٥ - ٢٠٠ و«المفهم» ١/ ١٨٥ - ١٨٦.

١٠١. يعني قوله: «لَمّا تُوفّي رسول الله - ﷺ -، واستُخلف أبو بكر - ﵁ - بعده، وكَفَرَ من كفر من العرب».

١٠٢. هكذا في نسخة شرح النووي، والذي في نسخة «معالم السنن» للخطابيّ «الترينيّ» فليُحرر، والله تعالى أعلم.

١٠٣. قوله: «سَالُكُمُ» بتسهيل الهمزة من «سَالَ».

١٠٤. في كون هذا من خطاب النبيّ - ﷺ - نظر لا يخفى؛ لأن هذا من خطاب لقمان لابنه، كما نصّ القرآن، فليُتأمّل.

١٠٥. راجع: «معالم السنن» ٢/ ١٦٣ - ١٦٨.

١٠٦. «الفتح» ١٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠.

١٠٧. «المفهم» ٣/ ١٨٩.

١٠٨. القائل هو النوويّ رحمه الله تعالى.

١٠٩. «شرح مسلم» ١/ ١٥٦ - ١٥٧.

١١٠. «الفتح» ١٤/ ٢٨٠.

١١١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٤٨٤.

١١٢. «الفتح» ١٤/ ٢٨٠.

١١٣. السبد: البقية من النبت، والقليل من الشعر. أي لم يترك شيئًا قليلًا.

١١٤. البيت الثاني مزيد من «لسان العرب»، وكذا جملة قوله: «فاعتدى عليهم».

١١٥. «شرح مسلم» ١/ ١٥٧ - ١٥٩.

١١٦. «الصيانة» ص ١٦٦.

١١٧. الرواء: الحبل الذي تربط به المزادتان. والمزادة: الراوية التي ينقل بها الماء.

١١٨. راجع: «المفهم» ١/ ١٨٩ - ١٩٠.

١١٩. «الكاشف» ٥/ ١٤٨٤ - ١٤٨٥.

١٢٠. راجع:«تحفة الأشراف»٧/ ٣٠٩ - ٣١٠.

١٢١. «شرح مسلم» ١/ ١٦٠.