HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٢

حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ. وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا. وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
ج ١ ص ٥٣

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٤٩١
وصَطَرَ، وسطا عليه وصطا، وسَطَرَهُ: أي صرعه. انتهى . والله تعالى بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا ٨/ ١٣٥ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - وعن محمد بن المثنّى، عن عبد الرحمن بن مهديّ - كلاهما عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزبير، عنه. وأخرجه (الترمذيّ) في «التفسير» (٣٣٤١) عن محمد بن بشّار، عن ابن مهديّ به، وقال: حسنٌ صحيح. و(النسائيّ) في «التفسير» من «الكبرى» (١١٦٧٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي نعيم، عن الثوريّ به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٣٠٠ من طريق الثوريّ - ٣/ ٢٩٥ ومن طريق ابن جريج - كلاهما عن أبي الزبير به و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٣٦] (٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاح، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسمَعِيُّ، مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريُّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد الوهاب الثقفيّ، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عديّ، وبشر بن المفضل، وعبد العزيز بن عبد الصمد العميّ، وعبد الملك بن الصبّاح، ومعاذ بن معاذ، ومعاذ بن هشام، ويزيد بن هارون وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، ومعاذ بن المثنى، ومحمد بن يونس الْكُدَيميّ، وغيرهم. قال ابن حبان في «الثقات»: يُغرِبُ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وفيها أَرّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ ثبتٌ. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا. [تنبيه]: «الْمِسْمَعِيّ»: - بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الميم -: مَحِلّة بالبصرة، نزلها الْمِسْمَعون، فنُسبت إليهم ، وأفاد في «القاموس» أن «مِسْمَعًا» كمِنْبَرٍ: جمعه مَسَامِع: أبو قبيلة، وهم الْمَسَامِعَةُ. انتهى باختصار . ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْن الصَّبَّاحِ) الْمِسْمَعِيُّ، أبو محمد الصَّنْعَانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعيّ، وهشام بن حَسّان، وعبد الحميد بن جعفر، وعمران بن حُدَير، وشعبة، والثوريّ، وثور بن يزيد، الحمصيّ، وغيرهم. وروَى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غَسّان المسمعيّ، ونُصير بن الفَرَج، ويحيى بن حكيم الْمُقَوّم، وعبد الرحمن بن عمر، رُسته، والذُّهْليّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح، وقال ابن قانع: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين، وقال الخليليّ: عبد الملك بن الصبَّاح، عن مالك مُتَّهَمٌ بسرقة الحديث، قال الحافظ: كذا قال، ولم أر في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحدًا يقال له: عبد الملك بن الصبَّاح، فإن كان محفوظًا، فهو غيرُ الْمِسْمَعِيِّ. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٩٠٤) و(٢٧١٩) و(٥٣٣). ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد الجِهْبِذُ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ١/ ٣٨٥. ٤ - (وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب الْعَدَوِيُّ المدنيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن أبيه، وسعيد بن مُرْجانة، وابن أبي مليكة، وصفوان بن سُليم، ونافع مولى ابن عمر، وابن المنكدر. وروى عنه أخوه عاصم، وابنه عثمان بن واقد، وشعبة. قال أحمد، وأبو داود، وابن معين: ثقة، وقال ابن معين مرة أخرى: صالح الحديث. وقال أبو حاتم: لا بأس به، ثقةٌ يُحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في «الثقات». روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط برقم (٢٢) و(٦٥) و(٦٦) و(١٥٠٩) و(٢٠٦٠). ٥ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقة [٣] (ع) تقدّم في ٥/ ١٢١. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (ت ٧٣) (ع) ١/ ١٠١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى عبد الملك بن الصبّاح، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، وواقد بن محمد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. [تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من يُسمّى مالك بن عبد الواحد، ولا عبد الملك بن الصباح غير المذكورين في هذا السند. ٣ - (ومنها): أن جملة من يُسمّى واقدًا في الكتب الستّة سبعة، منهم في «الصحيحين» اثنان: أحدهما: واقد بن محمد هذا، والثاني: واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ الأنصاريّ، له عند المصنّف حديث واحد فقط، وهو حديث عليّ - ﵁ - في قيام النبيّ - ﷺ - للجنازة، والباقون في «السنن». [تنبيه]: قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: في «صيانة صحيح مسلم»: واقد بن محمد الْعُمَريّ - بالقاف - وليس في «الصحيحين» وافد بالفاء أصلًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل ولا يوجد في الرواة، لا في الكتب الستة، ولا في غيرها من يسمّى وافدًا بالفاء أصلًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): أن واقد بن محمد روى عن أبيه عن جد أبيه، ورواية الأبناء عن الآباء كثيرة، لكن رواية الشخص عن أبيه، عن جدّه قليلة، وهي عن جدّ أبيه أقلّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وأحد المشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب - ﵄ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أُمِرْتُ) أي أمرني الله تعالى؛ لأنه لا آمر لرسول الله - ﷺ - إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال: أُمِرتُ فالمعنى أمرني رسول الله - ﷺ -، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر؛ لأنهم من حيث إنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعيّ: احتمل. والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك، فُهِمَ منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) أي بأن أُقاتل، فحذف منه حرف الجر، وهو في مثله قياس، كما قال في «الخلاصة»: وَعَدَّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي «أَنَّ» و«أَنْ» يَطَّرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ «كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا» (حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) جُعِلت غاية المقاتلة وجودَ ما ذُكِر، فمقتضاه أن مَن شَهِدَ، وأقام، وآتى، عَصَمَ دمه، ولو جحد باقي الأحكام. والجواب: أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أنّ نص الحديث، وهو قوله: «إلا بحق الإسلام» يدخل فيه جميع ذلك. [فإن قيل]: فَلِمَ لم يَكْتَفِ به؟ ونَصَّ على الصلاة والزكاة. [فالجواب]: أن ذلك لعظمهما، والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمّا العبادات البدنية والمالية. (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أي يداوموا على الإتيان بها بشروطها، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وقامت الحرب: إذا اشتدّ القتال، أو المراد بالقيام الأداء؛ تعبيرًا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة المفروض منها، لا جنسَها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا، وإن صَدَقَ اسم الصلاة عليها. (وُيؤْتُوا الزَّكَاةَ) أي يُعْطوها لمستحقيها (فَإِذَا فَعَلُوا) وفي رواية البخاريّ: «فإذا فَعَلوا ذلك»، وذكر اسم الإشارة باعتبار المذكور، أي فعلوا ما ذُكر من الشهادة، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفيه التعبير بالفعل عما بعضُه قولٌ، إما على سبيل التغليب، وإما على إرادة المعنى الأعم؛ إذ القولُ فعلُ اللسان. انتهى ، وقوله: (عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) جواب «إذا»، أي حفظوا، وحَقَنُوا، ومعنى العصمة في اللغة: المنع، ومنه العصام، وهو الخيط الذي تُشدّ به فم القربة، حيث يمنع الماء من السيلان (إِلَّا بِحَقِّهَا) أي بحقّ الدماء، والأموال، وللبخاريّ: «إلَّا بحقّ الإسلام»، وهو بمعناه، والاستثناء مفرّغ، والعصمة متضمّنة لمعنى النفي؛ فلذا صحّ التفريغ؛ إذ هو شرطه، أي لا يجوز إهدار دمائهم وأموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقّها، والإضافة في «بحقّها» بمعنى اللام، ويجوز أن تكون بمعنى: «من»، وبمعنى «في». [فائدة]: الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي، وجوّزه ابن مالك في كلّ موجب في النفي، نحو صمت إلا يوم الجمعة؛ إذ معناه لم أفطر، والتفريغ إما في نهي صّريح، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، أو ما في معناه، كالشرط في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، وإما في نفي صريح، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أو فيما معناه، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . [تنبيه]: أراد بحقّ الدماء، ما بيّنه في حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، متّفقٌ عليه، وبحقِّ الأموال الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة بها. وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: «إلا بحقها»، سيأتي أن أبا بكر - ﵁ - أدخل في هذا الحقّ فعلَ الصلاة والزكاة، وأن من العلماء مَن أدخل فيه فعل الصيام والحج، أيضًا، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات، وقد ورد تفسير حقها بذلك، أخرجه الطبرانيّ، وابن جرير الطبريّ، من حديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله - ﷿ -، قيل: وما حقُّها؟ قال:»زِنًا بعد إحصان، وكُفْرٌ بعد إيمان، وقتلُ نفس، فيقتل بها«. ولعل آخره من قول أنس - ﵁ -، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه. ويشهد لهذا ما في«الصحيحين»عن ابن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:«لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى . (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ») جملة من مبتدإ وخبر، أي محاسبة الناس بعد تمسّكهم بهذه الأشياء في أمور سرائرهم على الله - ﷾ -. وقال في «الفتح»: قوله: «وحسابهم على الله»، أي في أمر سرائرهم، ولفظة «على» مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو على سبيل التشبيه، أي هو كالواجب على الله في تحقيق الوقوع. انتهى . وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قوله: «وحسابهم على الله - ﷿ -»: يعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، تَعْصِم دم صاحبهما وماله في الدنيا، إلا أن يأتي ما يبيح دمه، وأما في الآخرة فحسابه على الله - ﷿ -، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم أن في بعض الروايات في «صحيح مسلم» ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ الآية [الغاشية: ٢١ - ٢٢]. والمعنى إنما عليك أن تُذَكِّرهم بالله، وتدعوهم إليه، ولست مُسَلَّطًا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك، ثم أخبر أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه. وفي «مسند البزار» عن عياض الأنصاريّ، عن النبي - ﷺ - قال: «إن لا إله إلا الله، كلمةٌ على الله كريمةٌ، لها عند الله مكان، وهى كلمةٌ مَن قالها صادقًا أدخله الله بها الجنة، ومن قالها كاذبًا حَقَنَت ماله ودمه، ولقي الله غدًا، فحاسبه». وقد استَدَلَّ بهذا من يَرَى قبول توبة الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر الْعَوْد إلى الإسلام، ولم يَرَ قتله بمجرد ظهور نفاقه، كما كان النبي - ﷺ - يعامل المنافقين، ويجريهم على أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه، وحكاه الخطابي عن أكثر العلماء. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في «الإيمان» [١٣٦] (٢٢) عن أبي غسّان مالك بن عبد الواحد، عن عبد الملك بن الصبّاح، عن شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن أبيه، عنه. و(البخاريّ) في «الإيمان» (٢٥) عن عبد الله بن محمد الْمُسْنَدِيّ، عن حرميّ بن عُمارة، عن شعبة، به. وأخرجه أبو نعيم في «المستخرج» ١/ ١١٧ (١٢٠ و١٢١)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٢٥) و(البيهقيّ) في «الكبرى» ٣/ ٣٦٧ و٨/ ١٧٧ و(البغويّ) في «شرح السنة» (٣٣) و(ابن حبان) في «صحيحه» (١٧٥) و(٢١٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): (اعلم): أن هذا الحديث غريب الإسناد، تفرد بروايته شعبة، عن واقد بن محمد، قاله ابن حبان، وهو عن شعبة عزيزٌ، تفرّد بروايته عنه عبد الملك بن الصبّاح عند المصنّف، وحَرَمِيّ بن عُمارة عند البخاريّ، وهو عزيز عن حرميّ، تفرّد به عنه الْمُسْنَديّ، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عوانة، وابن حبان، والإسماعيليّ، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرّد به عنه أبو غسان شيخ المصنّف، فاتفق الشيخان على الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في «مسند أحمد» على سعته. وقد استَبْعَد قوم صحته بأن الحديث لو كان عند ابن عمر لَمَا تَرَكَ أباه يُنازع أبا بكر - ﵃ - في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه، لَمَا كان أبو بكر يُقِرُّ عمر على الاستدلال بقوله - ﷺ -: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وينتقل عن الاستدلال بهذا النّصّ إلى القياس؛ إذ قال: لأُقاتلنّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله. [والجواب]: أنه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كان مُستَحضِرًا له، فقد يَحتَمِل أن لا يكون حَضَرَ المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذَكَرَهُ لهما بَعْدُ، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله - ﷺ - في الحديث الذي رواه: «إلا بحق الإسلام»، قال أبو بكر: والزكاةُ حقُّ الإسلام. ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه، كما سبق بيانه في الأحاديث السابقة. وفي القصة دليلٌ على أن السنة قد تَخْفَى على بعض أكابر الصحابة - ﵃ -، ويَطَّلِعُ عليها آحادهم، ولهذا لا يجوز أن يُلْتَفَتَ إلى الآراء، ولو قَوِيت مع وجود سنة تخالفها، ولا يجوز أن يقال: كيف خَفِي ذا على فلان الإمام؛ إذ لا يكون أعلم، وأرفع رتبة من أبي بكر وعمر - ﵄ -، وقد خفي عليهما ما حفظه صغار الصحابة - ﵃ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلًا على قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم، خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة، وقد تقدم تفنيد ذلك بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن. ٣ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن حبّان رحمه الله تعالى: فيه بيانٌ واضحٌ بأن الإيمان أجزاءٌ وشُعَبٌ تتباين أحوال المخاطبين فيها؛ لأنه - ﷺ - ذَكَرَ في هذا الخبر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، فهذا هو الإشارة إلى الشعبة التي هي فَرْضٌ على المخاطبين في جميع الأحوال، ثم قال: «ويقيموا الصلاة»، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، ثم قال: «ويؤتوا الزكاة»، فذكر الشيء الذي هو فرض على المخاطبين في بعض الأحوال، فدل ذلك على أن كل شيء من الطاعات التي تشبه الأشياء الثلاثة التي ذكرها في هذا الخبر من الإيمان. انتهى كلامه . ٤ - (ومنها): ما قاله النووي: في هذا الحديث أنّ من ترك الصلاة عمدًا يُقْتَلُ، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلك. وسئل الكرماني هنا عن حكم تارك الزكاة، وأجاب بأن حكمهما واحد؛ لاشتراكهما في الغاية، وكأنه أراد في المقاتلة، أما في القتل فلا، والفرق أن الممتنع من إيتاء الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرًا، بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال؛ ليمنع الزكاة قوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق - ﵁ - مانعي الزكاة، ولم يُنقَل أنه قَتَلَ أحدًا منهم صبرًا، وعلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث على قتل تارك الصلاة نظرٌ، للفرق بين صيغة «أُقاتِل»، و«أَقتُل». وقد أطنب ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» في الإنكار على من استَدَلَّ بهذا الحديث على ذلك، وقال: لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل، وحَكَى البيهقي عن الشافعي أنه قال: ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يَحِلّ قتال الرجل ولا يحل قتله. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في دفع الاستشكال الوارد على هذا الحديث، وذلك أنّ مقتضاه قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف تُرِكَ قتال مؤدي الجزية والمعاهد؟ [فالجواب]: من أوجه: [أحدها]: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. [ثانيها]: أن يكون من العام الذي خُصّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم. [ثالثها]: أن يكون من العام الذي أريد به الخاصّ، فيكون المراد بالناس في قوله: «أقاتل الناس»: أي المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائيّ بلفظ: «أُمرت أن أقاتل المشركين». (فإن قيل): إذا تَمَّ هذا في أهل الجزية، لم يتم في المعاهدين، ولا فيمن مَنَعَ الجزية. (أجيب): بأن الممتنع في ترك المقاتلة رَفْعُها، لا تأخيرها مدةً، كما في الهدنة، ومقاتلةِ من امتنع من أداء الجزية، بدليل الآية. [رابعها]: أن يكون المراد بما ذُكِرَ من الشهادة وغيرها التعبير عن إعلاء كلمة الله، وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضٍ بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعض بالمعاهدة. [خامسها]: أن يكون المراد بالقتال هو أو ما يقوم مقامه، من جزية، أو غيرها. [سادسها]: أن يقال: الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام، وسببُ السبب سببٌ، فكأنه قال: حتى يُسلِموا، أو يلتزموا ما يُؤَدِّيهم إلى الإسلام، وهذا أحسن، ويأتي فيه ما في الثالث، وهو آخر الأجوبة، ذكر هذا كلّه في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أقربُ الأجوبة عندي هو الثالث، فكأنه قال: «أمرت أن أقاتل جميع الناس، إلا الذين أخرجتهم الأدلة من وجوب مقاتلتهم، ممن كان من أهل الجزية، أو نحوها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: وقد رُوي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل فَرْض الصلاة، والصيام، والزكاة والهجرة، وهذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظرٌ؛ فإن رواة هذه الأحاديث، إنما صحِبُوا رسول الله - ﷺ - في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه، ثم قوله: «عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم» يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا بالقتال، ويَقتُل من أبي الإسلام، وهذا كله بعد هجرته إلى المدينة، ومن المعلوم بالضرورة أن النبي - ﷺ - كان يقبل مِن كل مَن جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويَعْصِم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد - ﵄ - قتله لمن قال: «لا إله إلا الله» لَمّا رَفَع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ولم يكن النبي - ﷺ - يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد رُوي أنه قَبِلَ مِن قومٍ الإسلامَ، واشترطوا أن لا يُزَكُّوا، ففي «مسند الإمام أحمد» عن جبار - ﵁ - قال: اشتَرَطَت ثقيفٌ على رسول الله - ﷺ - أن لا صدقة عليهم، ولا جهاد، وأن رسول الله - ﷺ - قال: «سيتصدقون، ويجاهدون» . وفيه أيضًا: عن نصر بن عاصم الليثيّ، عن رجل منهم، أنه أتى النبي - ﷺ - فأسلم على أن لا يُصَلِّي إلا صلاتين، فقبل منه . وأخذ الإمام أحمد رحمه الله تعالى بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلْزَم بشرائع الإسلام كلها، واستَدَلَّ أيضًا بأن حكيم بن حزام - ﵁ - قال: بايعت النبي - ﷺ - على أن لا أَخِرَّ إلا قائمًا ، قال أحمد: معناه أن يَسْجُد من غير ركوع. وخَرَّج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًّا عن أنس - ﵁ - قال: لم يكن النبي - ﷺ - يَقبَلُ مَنْ أجابه إلى الإسلام، إلا بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على مَن أَقَرَّ بمحمد - ﷺ - وبالإسلام، وذلك قول الله ﷿: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣]، وهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته، فالمراد منه أنه لم يكن يُقِرُّ أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة، وهذا حقٌّ، فإنه - ﷺ - أَمَر معاذًا - ﵁ - لَمّا بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أوّلًا إلى الشهادتين، وقال: إن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم بالصلاة، ثم بالزكاة، ومراده أنّ من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أُمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة، وكان مَن سأله عن الإسلام يَذْكُر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام، كما قال لجبريل ﵇ لَمّا سأله عن الإسلام، وكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائرَ الرأس، يسأله عن الإسلام. وبهذا الذي قررناه يَظهَر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب، ويتبين أن كلها حَقٌّ، فإن كلمتي الشهادتين بمجردها تَعْصِم مَنْ أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، وإن أَخَلَّ بشيء من هذه الأركان، فإن كانوا جماعةً لهم مَنَعَةٌ قوتلوا. وقد ظَنَّ بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يُقاتَل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وجعلوا ذلك حجةً على خطاب الكفار بالفروع، وفي هذا نظرٌ، وسيرة النبيّ - ﷺ - في قتال الكفار تدل على خلاف هذا، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دعا عليًّا يوم خيبر، فأعطاه الراية، وقال: «امش، ولا تَلْتَفِت حتى يفتح الله عليك»، فسار عليّ شيئًا، ثم وَقَفَ، فَصَرَخَ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: «قاتلهم على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصَمُوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿« . فجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عصمةً للنفوس والأموال، إلا بحقها، ومن حقّها عدم الامتناع عن الصلاة والزكاة، بعد الدخول في الإسلام، كما فهمه الصحابة - ﵃ -. ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة من القرآن، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وثبت أن النبي - ﷺ - إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبِح، فإن سمع أذانًا، وإلا أغار عليهم . مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام، وكان يوصي سراياه: «إن سمعتم مؤذنًا، أو رأيتم مسجدًا، فلا تقتلوا أحدًا» . وقد بَعَثَ عيينة بن حِصْن إلى قوم من بني الْعَنْبر، فأغار عليهم، ولم يَسمَع أذانًا، ثم ادَّعَوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك. وبَعَثَ - ﷺ - إلى أهل عُمَان كتابًا فيه: «من محمد النبي إلى أهل عُمَان، سلام عليكم، أما بعدُ فأقرُّوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَدُّوا الزكاة، وخُطُّوا المساجد، وإلا غَزَوْتكم». خَرَّجه البزّار، والطبرانيّ، وغيرهما . فهذا كله يدلّ على أنه كان يَعتبِر حالَ الداخلين في الإسلام، فإن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وإلا لم يمتنع عن قتالهم، وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر - ﵁ -، كما في قصّتهما السابقة. فأبو بكر - ﵁ - أَخَذَ قتالهم من قوله: «إلا بحقه»، فدَلّ على أن قتالَ مَن أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداءُ حقّ المال الواجب، وعمر - ﵁ - ظَنّ أن مجرد الإتيان بالشهادتين يَعْصِم الدم في الدنيا؛ تَمَسُّكًا بعموم أول الحديث، كما ظَنّ طائفة من الناس أنّ مَن أتى بالشهادتين امتنع من دخول النار في الآخرة؛ تَمَسُّكًا بعموم ألفاظٍ وَرَدت، وليس الأمر على ذلك، ثم إن عمر - ﵁ - رَجَعَ إلى موافقة أبي بكر - ﵁ -. وقد خَرَّج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر - ﵄ - بزيادةٍ، وهي أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله - ﷺ -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»، وخَرَّجه ابن خزيمة في «صحيحه»، ولكن هذه الرواية خطأ أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله الأئمة الحفاظ، منهم علي بن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذيّ، والنسائيّ، ولم يكن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر. وإنما قال أبو بكر: «والله لأقاتلنّ من فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال»، وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث: «إلا بحقها»، وفي رواية: «إلا بحق الإسلام»، فجَعَلَ من حق الإسلام إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا تُرتَكَب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثني بقوله: «إلا بحقها». وقوله: لأقاتلن مَن فَرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقّ المال»، يدلّ على أن من ترك الصلاة، فإنه يُقاتَل؛ لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال. وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مُجْمَعٌ عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسًا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احْتَجَّ به عمر - ﵁ -، وإنما أُخِذ من قوله:«إلا بحقها»، فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها، وكلُّ ذلك من حقوق الإسلام. ويُسْتَدَلُّ أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في«صحيح مسلم»عن أم سلمة - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال:«يُستَعمَل عليكم أمراءُ، فتَعْرِفون وتُنكرِون، فمَن أنكر فقد بَرِئ، ومن كَرِهَ فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابع»، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال:«لا، ما صَلَّوْا». وحُكْمُ مَن تَرَك سائر أركان الإسلام أن يُقاتَلُوا عليها كما يُقاتَلُون على ترك الصلاة والزكاة. ورَوَى ابنُ شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع، أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بَعَثَ خالد بن الوليد - ﵁ -، وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمَن تَرَك واحدة من الخمس، فقاتلهم عليها، كما تُقاتل على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان». وقال سعيد بن جُبير: قال عمر بن الخطاب: لو أَنَّ الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه، كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات، وأما قتل الواحد الممتنع عنها، فأكثر العلماء على أنه يُقتَل الممتنع عن الصلاة، وهو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم، ويدل على ذلك ما في «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن خالد بن الوليد - ﵁ - استأذن النبيّ - ﷺ - في قتل رجل، فقال: «لا، لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: «إني لم أُومَرْ أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم». وفي «مسند الإمام أحمد ﵀» عن عبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه، أنه أتى النبي - ﷺ - فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال النبيّ - ﷺ -: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟»، قال: بلى، ولا شهادة له، قال: «أليس يصلي؟»، قال: بلى، ولا صلاة له، قال: «أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم» .
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «لسان العرب» ٤/ ٣٦٤.

٢. «الأنساب» ٥/ ٢٩٧ و«اللباب» ٣/ ٢١٢ و«معجم البلدان» ٥/ ١٢٣.

٣. «القاموس المحيط» ص ٦٥٧.

٤. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٦١٤ - ٦١٥.

٥. راجع: «الفتح» ١/ ٩٧ و«عمدة القاري» ١/ ١٨٠.

٦. راجع«عمدة القاري»١/ ١٨٠،

٧. أورده الحافظ الهيثميّ في«مجمع الزوائد»١/ ٢٥ - ٢٦ وقال: رواه الطبرانيّ في«الأوسط»، وفيه عمرو بن هاشم البيروتيّ، والأكثر على توثيقه. انتهى.

٨. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.

٩. «الفتح» ١/ ٩٧.

١٠. «جامع العلوم والحكم» ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.

١١. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢.

١٢. راجع: «الفتح» ١/ ٩٦.

١٣. راجع: «الفتح» ١/ ٩٧.

١٤. رواه أحمد ٣/ ٣٤١ وفي سنده ابن لَهِيعة، وفيه كلام مشهور.

١٥. رواه أحمد ٣/ ٤٠٢ والطيالسيّ (١٣٦٠) والنسائيّ ٢/ ٢٠٥ والطحاويّ في «شرح مشكل الآثار» برقم (٢٠٤)، وإسناده صحيح.

١٦. رواه أحمد ٣/ ٢٥ و٣٦٣، وإسناده صحيح على شرط مسلم.

١٧. رواه ابن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٩٥ وفي سنده عروة بن مروان العرقيّ الرقيّ، قال الدارقطنيّ: كان أميًّا ليس بالقويّ، وأبو العوّام، عمران بن داور القطان صاحب أوهام.

١٨. رواه مسلم (٢٤٠٦).

١٩. رواه أحمد في «مسنده» ٣/ ١٥٩، والبخاريّ في «صحيحه» (٦١٠).

٢٠. رواه أحمد ٤/ ٢٢٦ وأبو داود (٢٦٣٥) والترمذيّ (١٥٤٩) وحسّنه، ولكن في سنده ابن عصام المزنيّ، قال ابن المدينيّ: لا يُعرف.

٢١. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٦٤ بعد أن عزاه إلى البزار: وهو مرسل، وفيه من لا يعرف.

٢٢. رواه مسلم برقم (١٨٥٤) وأبو داود (٤٧٦٠).

٢٣. رواه أحمد ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣ وإسناده على شرط الشيخين.