HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كلاهما عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ؛ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ... مِثْلَهُ سَوَاءً.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص41
ج ١ ص ٥٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٥٤٠
(١٠) - (بَابٌ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٣] (٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ خالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ المذكور قريبًا. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) ٢/ ٣. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُلَيَّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) (ع) ١/ ٣. ٤ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان، أبو الْمَنَازل - بفتح الميم، وقيل: بضمّها، وكسر الزاي - الْحَذّاء - بفتح المهملة، وتشديد الذال المعجمة - مولى قريش، وقيل: مولى بني مُجَاشِع، البصريّ، ثقة، يُرسل [٥]. رَأَى أنس بن مالك، ورَوَى عن عبد الله بن شقيق، وأبي رجاء العُطَارديّ، وأبي عثمان النَّهْدي، وأبي قلابة، وأنس، ومحمد، وحفصة أولاد سيرين، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، والثوري، وشعبة، وابن علية، وسعيد بن أبي عروبة، وخالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الوهاب الثقفي، وبشر بن المفضل، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: ثَبْت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به. وقال ابن سعد: لم يكن خالد بِحَذّاء، ولكن كان يجلس إليهم، قال: وقال فهد بن حَيّان: إنما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقَب الحذاء، قال: وكان خالد ثقة، مَهِيبًا، كثير الحديث، توفي سنة (١٤١)، وكان قد استُعْمِل على العشور بالبصرة. وقال محمد بن المثنى عن قُريش بن أنس: مات سنة (١٤٢) أو أكثر، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وحكى القولين في تاريخ وفاته. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال أبو الوليد الباجي: قرأت على أبي ذر الهروي في «كتاب الكنى» لمسلم: خالدٌ الحذاء أبو المنازل - بفتح الميم -، قال أبو الوليد: والضم أشهر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في «كتاب العلل» عن أبيه: لم يسمع خالد الحذاء من أبي عثمان النَّهْدي شيئًا، وقال أحمد أيضًا: لم يسمع من أبي العالية، وذكر ابن خزيمة ما يوافق ذلك، ويشهد له. وقال ابن أبي حاتم في «المراسيل» عن أبيه عن أحمد: ما أُراه سمع من الكوفيين من رجل أقدم من أبي الضحى، وقد حَدَّث عن الشعبي، وما أُراه سمع منه، وقال غيره: لم يسمع من عِرَاك بن مالك، بينهما خالد بن أبي الصَّلْت، وحكى العُقيليّ في «تاريخه» من طريق يحيى بن آدم، عن أبي شهاب قال: قال لي شعبة: عليك بحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، فإنهما حافظان، واكْتُم علَيَّ عند البصريين في خالد الحذاء وهشام، قال يحيى: وقلت لحماد بن زيد: فخالد الحذاء؟ قال: قَدِمَ علينا قَدْمَةً من الشام، فكأنا أنكرنا حفظه. وقال عباد بن عباد: أراد شعبة أن يَقَعَ في خالد، فأتيته أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: ما لك أَجُنِنتَ؟ وتَهَدَّدناه، فسكت. وحَكَى الْعُقَيليّ من طريق أحمد بن حنبل: قيل لابن علية في حديث كان خالد يرويه، فلم يَلْتَفِت إليه ابنُ علية، وَضَعَّفَ أمر خالد. وعن الذهبي: ما خالد في الثبت بدون هشام بن عروة وأمثاله. قال الحافظ: والظاهر أن كلام هؤلاء فيه، من أجل ما أشار إليه حماد بن زيد من تغير حفظه بأخرة، أو من أجل دخوله في عمل السلطان. والله أعلم. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٨) حديثًا. [تنبيه]: لا يوجد في الرواة من يسمّى خالد بن مِهْران غير صاحب الترجمة. والله تعالى أعلم. ٥ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن شهاب التَّمِيميّ الْعَنْبَريّ، أبو بِشْر البصريّ، ثقة [٥]. رَوَى عن جُندُب البجليّ، وحُمْران بن أبان، وأبي المتوكل الناجيّ، وأبي الصِّدّيق الناجيّ، وأبي سفيان، طلحة بن نافع، وغيرهم. ورَوى عنه سعيد بن أبي عروبة، ويونس بن عُبيد، وأبو بشر، وخالد الحذّاء، ومنصور بن زاذان، وسلمة بن علقمة، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاري في «جزء القراءة»، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وحديث رقم (٤٥٢) : «كنّا نحزُر قيام رسول الله - ﷺ - …» الحديث، وأعاده بعده. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بالوليد بن مسلم في الكتب الستة اثنان فقط: ١ - صاحب الترجمة هذا. ٢ - والوليد بن مسلم الدمشقيّ الثقة المعروف بتدليس التسوية، وسيأتي في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - برقم (١٤٧) - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (حُمْرَانُ) بن أبان، مولى عثمان بن عفّان، يُكنى أبا يزيد ، كان من النَّمِر بن قاسط، سُبِي بعين التَّمر، في خلافة أبي بكر - ﵁ - فابتاعه عثمان - ﵁ - من الْمُسَيَّب بن نَجَبَة، فأعتقه، ثقة [٢]. أدرك أبا بكر، وعُمر، وروى عن عثمان، ومعاوية. ورَوَى عنه أبو وائل، شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صَخْرَة، جامع بن شدّاد، وعروة بن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيميّ، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجليّ، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حُمران من تابعي أهل المدينة، ومحدثيهم، وأورد ابن عبد البر نسبه إلى النَّمِر بن قاسط في ترجمة هشام بن عروة من «التمهيد»، وقال: إنه ابن عَمِّ صُهَيب بن سِنَان، يَلْتَقِي معه في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حُمران أحد العلماء الْجِلّة، أهل الْوَجَاهة والرأي والشَّرَف، ورَوَينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن الْمسور أن عثمان مَرِضَ، فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطْلِع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمران عبد الرحمن على ذلك، فبَلَغَ عثمانَ، فغضب عليه، فنفاه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأَرَّخ ابن قانع وفاته سنة (٧٦)، وابن جرير الطبريّ سنة (٧١). وقال ابن سعد: نزل البصرة، وادَّعَى وُلْده في النَّمِر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «ولم أرهم يحتجّون به»، فيه نظر لا يخفى، فقد احتجّ به الشيخان، بل هو مما أجمعوا على الاحتجاج به، فتبصّر. والله تعالى أعلم. وحَكَى قتادة أنه كان يصلي مع عثمان، فإذا أخطأ فَتَحَ عليه، وحَكَى الليث بن سعد أن عثمان أَسَرَّ إليه سِرًّا، فأَخبَرَ به عبدَ الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبره به، فغَضِبَ عليه عثمان ونفاه، وذكره خليفة بن خيّاط في تسمية عُمّال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة (٧٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. [تنبيه]: جملة من يُسمّى بحمران في الكتب الستة ثلاثة: ١ - صاحب الترجمة هنا. ٢ - وحمران بن أعين الكوفيّ، مولى بني شيبان، ضعيف، رُمي بالرفض من الطبقة الخامسة، عند ابن ماجه فقط. ٣ - وحمران مولى الْعَبَلات، مقبول من الطبقة الثالثة، عند النسائيّ فقط. والله تعالى أعلم. ٧ - (عُثْمَانُ) بن عَفّان بن أبي العاص بن أُمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أمير المؤمنين أبو عبد الله، وأبو عمر، وأمه أَرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، عمة رسول الله - ﷺ - وُلد بعد الفيل بست سنين على الصحيح، وكان رَبْعَةً، حسن الوجه، رقيق البشرة، عظيم اللحية، بعيد ما بين المنكبين، أسلم قديمًا، قال ابن إسحاق: كان أبو بكر مؤئفًا لقومه، فجعل يدعو إلى الإسلام مَن يَثِقُ به، فأسلم على يده فيما بلغني: الزبير، وطلحة، وعثمان، وزَوَّجَ النبي - ﷺ - ابنته رُقَتة من عثمان، وماتت عنده في أيام بدر، فزوجه بعدها أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب ذا النورين. وجاء من أوجه متواترة أن رسول الله - ﷺ - بَشّره بالجنة، وعَدّه من أهل الجنة، وشهد له بالشهادة. ورَوَى أبو خيثمة في «فضائل الصحابة» من طريق الضحاك، عن النَّزَّال بن سَبرَة قلنا لعلي: حَدِّثنا عن عثمان، قال: «ذاك امرؤ يُدْعَى في الملأ الأعلى ذا النورين. وجاء من طرُق كثيرة شهيرة صحيحة عن عثمان - ﵁ - لَمّا أن حصروه انتشد الصحابةَ في أشياء، منها: تجهيزه جيش العسرة، ومنها مبايعة النبي - ﷺ - عنه تحت الشجرة لَمّا أرسله إلى مكة، ومنها شراؤه بئر رُومة، وغير ذلك. وهو أول من هاجر إلى الحبشة، ومعه زوجته رُقيّة، وتخلف عن بدر لتمريضها، فكتب له النبي - ﷺ - بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبي - ﷺ - كان بعثه إلى مكة، فأُشيع أنهم قتلوه، فكان ذلك سبب البيعة، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه عن عثمان. وقال ابن مسعود لَمّا بويع: بايعنا خيرنا ولم نَأْلُ. وقال علي - ﵁ -: كان عثمان أوصلنا للرحم. وكذا قالت عائشة لما بلغها قتله: قتلوه، وإنه لأوصلهم للرحم، وأتقاهم للرب. وكان سبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، كان بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاص، وبمصر عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان مَنْ حَجّ منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لَيّن العَرِيكة ، كثير الإحسان والحلم، وكان يستبدل بمعض أمرائه فيرضيهم، ثم يعيده بعدُ إلى أن رحل أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح، فعزله وكتب له كتابًا بتولية محمد بن أبي بكر الصديق، فرضوا بذلك، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبًا على راحلة، فاستخبروه، فأخبرهم أنه من عند عثمان باستقرار ابن أبي سرح، ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فاخذوا الكتاب ورجعوا، وواجهوا به، فحلف أنه ما كتب ولا أذن، فقالوا: سَلمْنا كاتبك، فخَشِي عليه منهم القتل، وكان كاتبه مروان بن الحكم، وهو ابن عمه، فغضبوا وحصروه في داره، واجتمع جماعة يَحمُونه منهم، فكان ينهاهم عن القتال إلى أن تسوَّروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه فقتلوه، فعظم ذلك على أهل الخير من الصحابة وغيرهم، وانفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان . وروى البخاري في قصة قتل عمر - ﵁ - أنه عَهِد إلى ستة، وأمرهم أن يختاروا رجلًا، فجعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف، فاختار عثمان فبايعوه، ويقال: كان ذلك يوم السبت غُرّة المحرم، سنة أربع وعشرين. وقال ابن إسحاق قُتل على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرًا واثنين وعشرين يومًا من خلافته، فيكون ذلك في ثاني وعشرين ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وقال غيره: قُتل لسبع عشرة، وقيل: لثمان عشرة، رواه أحمد، عن إسحاق بن الطباع، عن أبي معشر. وقال الزبير بن بكار: بويع يوم الاثنين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقُتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودُفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حَشّ كَوْكَب، كان عثمان اشتراه، فوسع به البقيع. وقُتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور. وقيل: دون ذلك. وزعم أبو محمد بن حزم أنه لم يبلغ الثمانين . روى (١٤٦) حديثًا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاريّ بثمانية، ومسلم بخمسة . أخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، والوليدُ بن مسلم، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخيه، فالأول كوفي، والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وهما من صيغ الاتّصال، على ما أوضحته سابقًا. ٥ - (ومنها): أن قوله: «قال أبو بكر: حدّثنا ابن عليّة إلخ» من شدّة احتياط المصنّف رحمه الله تعالى، حيث يراعي اختلاف ألفاظ الشيوخ، ويؤدّيها كما سمعها منهم، وإن لم يكن اختلافهم مما يؤدّي إلى اختلاف المعنى، فإن ابن عليّة هو إسماعيل بن إبراهيم الذي ذكره به زهير بن حرب، فلما اختلف الشيخان في ذكره باسمه، وكنيته بيّن ذلك كما تحمّله منهما، ولم يقتصر على لفظ أحدهما؛ احتياطًا، وورعًا. [تنبيه]: عُلَيَّة - بضم العين المهملة، مصغّرًا - اسم أم إسماعيل، وكان يكره أن يقال له: ابن عُليّة، لكن لضرورة اشتهاره بها استعمله العلماء، وقالوا: إنما يُنهى عنه إذا أريد به التنقيص، وإلى ذلك أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَذِكْرُهُ بِالْوَصْفِ أَوْ بِاللَّقَبِ … أَوْ حِرْفَةٍ لَا بَأَسَ إِنْ لَمْ يَعِب ومن لطيف ما نُقل عن الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى في ذلك أنه كَان يقول: حدثنا إسماعيل الذي يقال له: ابن عُليّة، انظر أيها اللبيب إلى حسن تلطف الإمام الشافعي ﵀ حيث بَرَّأَ نفسه عن وصف شيخه بما يكرهه، لكن لما اضطرَّ إلى ذكره بما يعرفه به الناس أسنده إليهم، فقال: الذي يقال له، فلله در الشافعي رحمه الله تعالى، ما أذكاه، وأحسن أدبه، وهكذا ينبغي للتلميذ أن يُبَجِّلَ شيخه، ويبتعد عما يكرهه، فإن الله تعالى يَجْزِيه بأن يبارك علمه، كما بارك علم الشافعي رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أنه ربّما اشتبه الوليد بن مسلم بن شهاب العنبريّ، أبو بِشْر البصرفي هذا على من لا عِنَاية له بمعرفة أسماء الرجال وطبقاتهم، بالوليد بن مسلم الأمويّ مولاهم الدمشقيّ أبي العباس، صاحب الأوزاعيّ، ولا يشتبه ذلك على العلماء العارفين بالرجال والطبقات، فإنهما مفترقان في النسب إلى القبيلة، والبلدة، والكنية، كما ذكرنا وفي الطبقة، فإن الأول أقدم طبقة، من الطبقة الخامسة، كما أسلفناه، فهو من التابعين، في طبقة كبار شيوخ الثاني، ويفترقان أيضًا في الشهرة، والعلم، والجلالة، فإن الثاني متميزٌ بذلك كله، قال العلماء: انتهى علمُ الشام إليه، وإلى إسماعيل بن عَيّاش، وكان أجلّ من ابن عيّاش، إلا أنه كان شديد التدليس، والتسوية . ٧ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: خالد، عن الوليد، عن حمران. ٨ - (ومنها): أن «الْحَذّاء» بالمدّ: لقب لخالد، قال أهل العلم: لم يكن خالدٌ حذّاءً قط، ولكنه كان يَجلس إليهم، فقيل له: الحذّاء لذلك، هذا هو المشهور، وقيل: إنما كان يقول: احْذُوا على هذا النحو، فلُقِّب بالحذّاء. ٩ - (ومنها): أن الصحابيّ - ﵁ - أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵁ -، ذو المناقب الجمة، كما مرّ آنفًا في ترجمته. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُمْرَانَ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم - ابن أبان (عَنْ عُثْمَانَ) بن عفّان - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ») «من» يحتمل أن تكون شرطيّة، وأن تكون موصولة مبتدأ، وجوابها، أو الخبر، قوله: «دخل» (وَهُوَ) الواو وللحال، أي والحال أَنّه (يَعْلَمُ أنهُ) الضمير للشأن، وضمير الشأن هو ضمير غائب يعمل فيه الابتداء، أو أحد نواسخه، وتُفسّره الجملة بعده، ويسمّى ضمير القصّة إذا كان بلفظ مؤنّث، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في «الكافية الشافية» : وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كـ«إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى» لِلابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ فِي بَابِ «إِنَّ» اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كـ«إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ» وَجَائِزٌ تَأنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ تَشْبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا وَقَبْلَ مَا أَنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأنِيثُهُ كـ«إِنَهَا هِنْدٌ رَشَا» والجملة المفسّرة هنا هي قوله: (لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ)، أي لا معبود بحق إلا الله ﷾ (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال بعض المحقّقين: لا شكّ أن الإقرار باللساق ركن من أركان الإيمان في حقّ القادر عليه، فمن علم أن لا إله إلا الله، ولكنه أبي أن يقرّ بذلك بلسانه مع القدرة على النطق، فليس بمؤمن، فمثل هذا الحديث يجب حمله على العاجز عن النطق؛ لخرس، أو مرض، أو عدم مُهلة. انتهى. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في «المفهم»: حقيقة العلم هي وُضُوح أمر ما، وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شكّ في أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنّة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصّدّيقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك أن لا يدخُل الجنّة، فإن من اعتقد الحقّ، وصدّق به تصديقًا جازمًا لا شكّ فيه ولا ريب دخل الجنّة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «من لَقِي الله، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله غير شاكّ فيهما دخل الجنّة»، وكما قال: «من كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنّة»، فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى، وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنّة، غير أن هناك فرقًا بين الدرجتين كما بين الحالتين، كما صرّحت به الآيات الواضحات، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، انتهى . وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عثمان - ﵁ - هذا مما تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا ١٠/ ١٤٣ عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن إسماعيل ابن عليّة - و١٠/ ١٤٤ عن محمد بن أبي بكر المقدّميّ، عن بشر بن المفضل - كلاهما عن خالد الحذاء، عن الوليد بن مسلم العنبريّ البصري، عن حُمران، عنه. و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (١١١٤) عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، عن غندر - و(١١٣ عن بُندار، عن ابن أبي عديّ - كلاهما عن شعبة، عن خالد الحذّاء به. و(أحمد) في «مسنده» ١/ ٦٥ (٤٦٤) عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة به، ١/ ٦٩ و(٤٩٨) عن إسماعيل ابن عليّة به، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (٥٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة به، و(أيو عوانة) في «مستخرجه» (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(ابن خزيمة) في «كتاب التوحيد» ٧١٠ و٧١١ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٥ و٧١٦ و٧١٧ و٧١٨ و٧١٩) و(ابن حبان) في «صحيحه» (٢٠١) و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٠ و١١ و١٢) و(ابن منده) في «الإيمان» (٣٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: (اعلم): أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات مُوَحّدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالِمًا من المعاصي، كالصغير، والمجنون، والذي اتَّصَل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحة من الشرك، أو غيره من المعاصي إذا لم يُحْدِث معصية بعد توبته، والْمُوفَّق الذي لم يُبْتَلَ بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يَرِدُون على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم - أعاذنا الله منها، ومن سائر المكروه - وأما من كانت له معصيةٌ كبيرة، ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة أوّلًا، وجعله كالقسم الأوّل، وان شاء عذّبه القدر الذي يُريده ﷾، ثم يدخله الجنة، فلا يُخَلَّد في النار أحدٌ مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عَمِلَ، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر، ولو عَمِلَ من أعمال البر ما عَمِلَ. هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحقّ في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع مَن يُعْتَدُّ به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوصٌ تُحَصِّلُ العلم القطعيّ. فإذا تَقَرَّرت هذه القاعدة، حُمِل عليها جميعُ ما وَرَدَ من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مُخَالَفَةٌ وَجَبَ تأويله عليها «لِيُجْمَعَ بين نصوص الشرع، وسنذكر من تأويل بعضها ما يُعْرَف به تأويل الباقي - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تكلّم العلماء في معنى هذا الحديث، فقد جَمَع القاضي عياض رحمه الله تعالى كلامًا حسنًا، جَمَعَ فيه نفائس، لخّصه النوويّ رحمه الله تعالى في«شرحه»، وزاد عليه، فقال: قال القاضي رحمه الله تعالى: اختلف الناس فيمن عَصَى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقالت المرجئة: لا تضرّه المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره، ويُكَفَّر بها، وقالت المعتزلة: يُخَلَّد في النار، إذا كانت معصيةً كبيرةً، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسقٌ، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يُغْفَر له، وعُذِّب فلا بد من إخراجه من النار، وإدخاله الجنة، قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج، والمعتزلة، وأما المرجئة، فإن احتجت بظاهره، قلنا: مَحْمِله على أنه غُفِر له، أو أُخرج من النار بالشفاعة، ثم أُدخل الجنة، فيكون معنى قوله - ﷺ -: «دَخَل الجنة»، أي دخلها بعد مُجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله، لِمَا جاء في ظواهرَ كثيرةٍ من عذاب بعض العصاة، فلا بُذ من تأويل هذا؛ لئلا تتناقض نصوص الشريعة. وفي قوله - ﷺ -: «وهو يَعْلَمُ»، إشارة إلى الردّ على من قال من غلاة المرجئة: إنّ مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، وقد قُيِّد ذلك في حديث آخر بقوله - ﷺ -: «غير شاكّ فيهما»، وهذا يؤكد ما قلناه. قال القاضي: وقد يَحتَجّ به أيضًا من يَرَى أن مجرد معرفة القلب نافعة، دون النطق بالشهادتين؛ لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تُنجي من النار دون الأُخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين؛ لآفة بلسانه، أو لم تُمْهِله لمدة ليقولها، بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَدَ مُفَسَّرًا في الحديث الآخر: «من قال: لا إله إلا الله»، و«من شَهِد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله»، وزاد في الحديث الآخر: «مستيقنًا بها قلبه»، وفي الآخر: «صادقًا من قلبه»، وفي الآخر: «غير شاكّ فيهما». وقد جاء هذا الحديث، وأمثلة له كثيرة، في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلافٌ، وللناس فيها خبط كثيرٌ، وعن السلف خلاف مأثورٌ. فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية معاذ - ﵁ - عنه - ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة» ، وفي رواية عنه قال - ﷺ -: «من لَقِيَ الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة»، وعنه - ﷺ -: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا حرمه الله على النار»، وكلها أحاديث صحيحة. ونحوه في حديث عبادة بن الصامت، وعِتبان بن مالك، وزاد في حديث عبادة: «على ما كان من عَمَل»، وفي حديث أبي هريرة: «لا يلقى الله تعالى بهما عبدٌ غير شاكّ فيهما إلا دخل الجنة»، وفي حديث آخر: «فيُحجب عن الجنّة». وفي حديث أبي ذرّ، وأبي الدرداء - ﵄ -: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنّة، وإن زنى، وإن سرق». وفي حديث أنس - ﵁ - «حَرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله». وهذه الأحاديث كلُّها سردها مسلم رحمه الله تعالى في كتابه. فَحُكِيَ عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض، والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مُجْمَلةٌ تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة، وأَدَّى حقَّها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصريّ، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاريّ. وهذه التأويلات إنما هي إذا حُمِلت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نُزِّلت منازلها، فلا يُشكِل تأويلها على ما بينه المحققون. فنقر أوّلًا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم، من السلف الصالح، وأهل الحديث، والفقهاء، والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين، أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان، وتشهَّد مُخْلِصًا من قلبه بالشهادتين، فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا، أو سليمًا من المعاصي، دخل الجنة برحمة ربه، وحُرِّم على النار بالجملة، فإن حَمَلْنا اللفظين الواردين على هذا فيمن هذه صفته كان بَيِّنًا، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاريّ، وإن كان هذا من الْمُخَلِّطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حُرِّم عليه، فهو في المشيئة، لا يُقْطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة لأول وَهْلَة، بل يُقْطَع بأنه لا بُدّ من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله تعالى عَذَّبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله. ويُمكِن أن تَسْتَقِلّ الأحاديث بنفسها، وُيجمَع بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل مُوَحِّد، إما مُعَجَّلًا مُعَافًى، وإما مُؤَخَّرًا بعد عقابه. والمراد بتحريم النار الخلود، خلافًا للخوارج والمعتزلة في المسألتين. ويجوز في حديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة»، أن يكون مخصوصًا بمن كان هذا آخر نطقه، وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مُخَلِّطًا، فيكون سببًا لرحمة الله تعالى إيّاه، ونجاته رأسًا من النار، وتحريمه عليها، بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلِّطين. وكذلك ما وَرَدَ في حديث عبادة - ﵁ - من مثل هذا، ودخوله من أيّ أبواب الجَنَّة شاء يكون مخصوصًا بمن قال ما ذكره النبيُّ - ﷺ -، وقُرِنَ بالشهادتين من حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يُرَجِّح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجَنَّة لأول وَهْلَةٍ - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بمراد نبيّه - ﷺ - . قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى، وهو في نهاية الحسن، وأما ما حكاه عن ابن المسيِّب وغيره فضعيف باطل، وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة - ﵁ -، وهو متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر، سنة سبع بالاتفاق، وكانت أحكام الشريعة مُسْتَقِرَّةً، وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة، وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الإحكام قد تقرر فرضها، وكذا الحج على قول من قال فُرِض سنة خمس أو ست، وهما أرجح من قول من قال سنة تسع. والله تعالى أعلم. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا آخر في الظواهر الواردة بدخول الجَنَّة بمجرد الشهادة، فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارًا من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله - ﷺ -، بدلالة مجيئه تامًّا في رواية غيره، وقد تقدم نحو هذا التأويل، قال: ويجوز أن يكون اختصارًا من رسول الله - ﷺ - فيما خاطب به الكفارَ، عبدةَ الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام، ومستلزمًا له، والكافر إذا كان لا يُقِرّ بالوحدانية، كالوثنيّ والثنويّ، فقال: لا إله إلَّا الله، وحاله الحال التي حكيناها حُكِم بإسلامه، ولا نقول - والحالة هذه -: ما قاله بعض أصحابنا، من أن من قال: لا إله إلَّا الله يحكم بإسلامه، يُجْبَر على قبول سائر الإحكام، فإن حاصله راجع إلى أنه يُجْبَر حينئذ على إتمام الإسلام، ويجعل حكمه حكم المرتد إن لَمْ يفعل، من غير أن يُحْكَم بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو
مصادر المؤلف (١٢)

١. أي برقم محمد فؤاد عبد الباقي، لا برقم شرحي، فتنبّه.

٢. قاله النوويّ في «شرحه» ١/ ٢١٨.

٣. أي: سَلِسَ الْخُلُق.

٤. راجع: «الإصابة» ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.

٥. راجع: «الإصابة» ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.

٦. هكذا عند ابن الجوزيّ في «المنتقى»، والذي في برنامج الحديث أن له في «صحيح مسلم» (٣١) حديثًا، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار وعدمه.

٧. «شرح مسلم» بزيادة ١/ ٢١٨.

٨. راجع: «الكافية الشافية» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ بنسخة الشرح.

٩. «المفهم» ١/ ١٩٦ - ١٩٧.

١٠. «شرح مسلم» ١/ ٢١٧.

١١. أخرجه أبو داود (٣١١٦)، وصححه الحاكم في«المستدرك ١/ ٥٠٠، ووافقه الذهبيّ.

١٢. «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٧.