HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣٢

حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ«يَا مُعَاذ!» قَالَ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ!» قَالَ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا معاذ!» قال: لبيك رسول الله وسعديك. قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا» فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ، تأثما.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص45
ج ١ ص ٦١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١ ص٥٥٤
تحقيقٌ مفيدٌ، وقد تقدّم هذا البحث، مُسْتَوْفًى في المسائل التي ذكرتها في شرح حديث جبريل، فراجعها تُشْفَ غُلَّتك، وتَنَلْ بُغْيَتَكْ، وبالله تعالى التوفيق، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف أول الكتاب قال رحمه الله تعالى: [١٤٤] (٢٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: مِثْلَهُ، سَوَاءً). رجال هذا الإسناد: ستة أيضًا، وقد تقدّموا سوى اثنين: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) - بفتح الدال المشدّدة - هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقة [١٠]. رَوَى عن عمه عمر بن عليّ المقَدَّميّ، ويزيد بن زُريع، وحماد بن زيد، وابن علية، وبشر بن المفضل، وعباد بن عباد، ومعتمر بن سليمان، وأبي عوانة، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى البخاريّ عن أحمد غير منسوب عنه، ورَوَى النسائيّ عن أبي بكر بن عليّ المروزيّ عنه، وأبو حاتم، وأبو بكر بن أبي عاصم، وإبراهيم بن هاشم الْبَغَويّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وإبراهيم بن محمد بن نائلة، وعبد الله بن أحمد، ويوسف بن يعقوب القاضي، وهو راويته، وأبو يعلى أحمد بن علي بن الْمُثَنَّى الموصليّ، وغيرهم. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أَكْتُبُ عنه أحاديث أبيه؟ قال: اكتب، وقال أيضًا عن يحيى: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محلُّه الصدق. قال البخاري وغير واحد: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، زاد بعضهم: في أول السنة، وقال ابن قانع: مات في شعبان، وكان ثقة. تفرَّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ - بقاف، ومعجمة - أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وأبي رَيْحَانة، ومحمد بن المنكدر، وابن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، وسُهيل بن أبي صالح، وعاصم بن كُليب، وعبيد الله بن عُمر العمريّ، وعبد الرَّحمن بن إسحاق، وعُمَارة بن غَزِيّة. وعن أبيه المفضل بن لاحق، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، ومسدد، وأبو أسامة، وأبو الوليد، وخليفة بن خياط، وبشر بن معاذ الْعَقَديّ، وعثمان بن أبي شيبة، وحامد بن عُمر البكراويّ، ومحمد بن هشام بن أبي خَيْرة السَّدُوسيّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وعَدَّه ابن معين في أثبات شيوخ البصريين، وقال عليّ بن المدينيّ: كان بشر يصلي كلّ يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، وذُكِرَ عنده إنسان من الجهمية، فقال: لا تذكروا ذاك الكافر، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة فقيه البدن، ثبت في الحديث، حسن الحديث، صاحب سنة، وقال البزار: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً كثيرَ الحديث عثمانيًّا، تُوُفّي سنة (١٨٦)، وقال أحمد بن حنبل: دخلت البصرة في رجب سنة (١٨٦)، واعْتُقِل لسان بشر بن المفضل قبل أن نخرُج، ومات سنة (١٨٧)، وأرَّخه ابن حبان في «الثقات» في ربيع الأول منها. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٧) حديثًا. وقوله: (مثله) يعني أن حديث بشر المفضل مثل رواية إسماعيل بن عُليَّة. وقوله: (سواءً) منصوب على الحال، أي حال كون الحديثين متساويين في اللفظ والمعنى، وإنما الاختلاف في أول الحديث، فإن ابن عليّة رواه بالعنعنة في كلّ من الوليد، وحمران، وأن عثمان قال: «قال رسول الله - ﷺ -»، ورواه بشر بتصريحهما بالسماع، وبقول عثمان: سمعتُ رسول الله - ﷺ -. [تنبيه]: رواية بشر هذه ساقها الحافظ ابن منده: - ﵀ - في «كتاب الإيمان»، فقال: ٣٣ - أنبأ علي بن الحسين بن عليّ، ثنا أبو حاتم الرازيّ ثنا مُسَدَّدٌ (ح) وأنبأ يحيى بن عبد الله بن الحارث، ثنا أحمد بن عليّ بن سعيد، ثنا الْقَوَاريريّ، قال: ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذّاء، عن الوليد أبي بشر، قال: سمعت حُمْران يقول: سمعت عثمان يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مات، وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله، دخل الجَنَّة»، انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضرِ بْنِ أَبِي النَّضْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْم، «قالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْم، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّه، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِه، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: »أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ«). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب إلى جدّه، واسمه كنيته، وقيل: اسمه أحمد، وقيل: محمد، ثقة [١١١] (ت ٢٤٥) (م، س) ٥/ ٣٦. ٢ - (أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبت [٩] (ت ٢٠٧) (ع) ٥/ ٣٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عُبيد الرَّحمن، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩]. رَوَى عن هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، ومالك بن مِغْوَل، وشعبة، والثوريّ، وعبد الملك بن سعيد بن أبجر، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغيرهم. وروى عنه ابناه: أبو عبيدة، وعباد، وأبو النضر هاشم بن القاسم، ويحيى بن آدم، وابن المبارك، وعثمان بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم. قال الأشجعيّ: سمعت من الثوري ثلاثين ألف حديث، وقال ابن سعد: رَوَى كُتُب الثوريّ على وجهها، ورَوَى عنه «الجامع»، وكان من أهل الكوفة، وقَدِمَ بغداد، فمات بها، وقال قبيصة: لَمّا مات الثوريّ أرادوا الأشجعي على أن يقعُد مكانه فأبي، وقال أبو بكر الأعين: سألت أحمد عن أصحاب الثوريّ، فقال: يحيي، وعبد الرَّحمن، ووكيع، ثم الأشجعيّ، وقال أبو داود، عن أحمد: كان يكتب في المجلس، فمن ثَمَّ صح حديثه، وقال ابن مُحْرِز، عن ابن معين: ما كان بالكوفة أعلم بسفيان من الأشجعيّ، وقال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان ثقةً ثبتًا متقنًا عالِمًا بحديث الثوريّ، رجلًا صالحًا، أرفع مَن رَوَى عن سفيان، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: كان أثبت الناس في الثوريّ، إذا أخرج كتابه، وقال ابن سعد: أشجعي، من أنفسهم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يُغْرِب، وينفرد. قال أبو داود: مات سنة اثنتين وثمانين ومائة في أولها. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٠) أحاديث. [تنبيه]: «عبيد الله بن عبيد الرَّحمن» مصغّر الاسمين، في وقع في بعض نسخ «التقريب» مكبّر الاسم الثاني، فمن أخطاء المطابع، وهو منفرد بهذا الاسم، فلا يوجد في الكتب الستّة له فيه مشارك. والله تعالى أعلم. ٤ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) - بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الواو - ابن عاصم بن غَزِيّة بن حُرْثة بن جُريج بن بَجِيلة البجلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار [٧]. روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعون بن أبي جحيفة، وسماك بن حرب، ونافع مولى ابن عمر، والزبير بن عَدِيّ، ومحمد بن سُوقة، والوليد بن العيزار، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق شيخه، وشعبة، ومِسْعَر، والثوري، وزائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة ثبت في الحديث. وقال يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال أبو نعيم: ثنا مالك بن مِغْول، وكان ثقة. وقال العجلي: رجل صالح مُبَرّزٌ في الفضل. وقال الطبراني: من خيار المسلمين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله فوضع خده بالأرض. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، فاضلًا خيرًا. وقال البخاري: قال عبد الله بن سعيد: سمعت ابن مهدي يقول: إذا رأيت الكوفي يذكر مالك بن مغول بخير، فاطمأن إليه. وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ومتقنيهم. قال عمرو بن علي: مات سنة سبع. وقال ابن سعد: سنة ثمان. وقال أبو نعيم وغيره: سنة تسع وخمسين ومائة، وفيها أرَّخه مُطّيِّن، وزاد: في ذي الحجة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. [تنبيه]: «مالك بن مغول» لا مشارك له في هذا الاسم، والله تعالى أعلم. ٥ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بن عمرو بن كعب بن جخدب بن معاوية بن سعد بن الحارث الْهَمْدانيّ الياميّ - بالتحتانيّة - أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ قارئٌ فاضلٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وعبد الله بن أبي أوفي، وخَيْثمة بن عبد الرَّحمن، وزيد بن وهب، وأبي صالح السَّمَّان، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وهو أكبر منه، وإسماعيل بن أبي خالد، وزُبيد بن الحارث الياميّ، والأعمش، وهم من أقرانه، وابنه محمد، ومالك بن مِغْوَل، وغيرهم. قال ابن معين وأبو حاتم: والعجليّ ثقة، وقال أبو معشر: ما ترك بعده مثله، وأثنى عليه، وقال عبد الله بن إدريس: ما رأيت الأعمش يُثني على أحد أدركه إلَّا على طلحة بن مُصَرِّف، قال ابن إدريس: كانوا يُسَمُّونه سيد القراء، وقال العجليّ: كان عثمانيًّا، وكان من أقرإ أهل الكوفة، وخيارهم: قال: واجتمع القراء في منزل الحكم بن عتيبة، فاجتمعوا على أن طلحة أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش يقرأ عليه؛ لِيَذْهَب ذلك الاسم عنه، وقال عبد الملك بن أبجر: ما رأيت مثله، وما رأيته في قوم إلَّا رأيت له الفضل عليهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث صالحةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن أبي حاتم في «المراسيل»: قيل لابن معين: سمع طلحة من أنس؟ فقال: لا، وسمعت أبي يقول: طلحة أدرك أنسًا، وما ثبت له سماع منه. قال أبو نعيم، وعمرو بن عليّ، وابن سعد، وغيرهم: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال يحيى بن بكرٍ، وابنُ نُمَير: مات سنة (١٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٢٧) و(١٧٣) و٩٩٦) و١٠٧١) وأعاده بعده، و(١٦٣٤) و(١٦٣٧). [تنبيه]: «طلحة بن مصرّف» لا مشارك له في هذا الاسم، وهو بضم الميم، وفتح الصاد المهملة، وكسر الراء، هذا هو المشهور المعروف في كتب المحدِّثين، وأصحاب الْمُؤتَلِف، وأصحاب أسماء الرجال وغيرهم. وقال النوويّ في «شرحه»: وحَكَى الإمام أبو عبد الله القلعيّ الفقيه الشافعيّ في كتابه «ألفاظ الْمُهَذب» أنه يُرْوَى بكسر الراء وفتحها، وهذا الذي حكاه من رواية الفتح غريب منكر، ولا أظنه يصح، وأخاف أن يكون قَلَّد فيه بعض الفقهاء، أو بعض النُّسَخ، أو نحو ذلك، وهذا كثيرٌ، يوجد مثله في كتب الفقه، وفي الكتب المصنفة في شرح ألفاظها، فيقع فيها تصحيفات، ونقولٌ غريبةٌ، لا تُعْرَف، وأكثر هذه الغريبة أغاليط؛ لكون الناقلين لها لَمْ يَتَحَرَّوا فيها. والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ . ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) ١/ ٤. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - ١/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث بالإفراد مرتين، وبالجمع مرّة، والعنعنة في الباقي، وكلّها من صيغ الاتّصال على ما قدّمنا تفصيله. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو، والترمذيّ، والنسائيّ، وغير عبيد الله الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من عبيد الله الأسجعيّ، وشيخه، ووالده بغداديّان. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدِّه: أبو بكر، عن أبي النضر، وتابعيّ عن تابعيّ: طلحة عن أبي صالح، وصحابيّه رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كنّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَسِيرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «الْمَسِير»: السير، يريد به السفر. انتهى. وفي رواية الأعمش الآتية: «لَمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة …»، فتبين بها أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَنَفِدَتْ) أي فنيت، وفرغت، يقال: نَفِدَ - بكسر الفاء - يَنْفَدُ - بفتحها، من باب تَعِبَ، نَفَادًا: فَنِيَ، وانقطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أنفدته: إذا أفنيته، قاله في «المصباح» . وقال في «القاموس» نَفِدَ كَسَمِعَ نَفَادًا، ونَفَدًا: فَنِيَ وذهبَ، وأنفده: أفناه، كاستنفده، وانتفده، ونَفِدَ القومُ: فَنِي زادُهُم، وما لُهُم. انتهى . (أَزْوَادُ الْقَوْمِ) بالرفع على الفاعليّة، و«الأَزْوَادُ» بالفتح: جمع زاب، وهو طعامُ المسافر المتّخذ لسفره (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (حَتَّى هَمَّ) الظاهر أن الضمير للنبيِّ - ﷺ -، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيّ في «المفهم»، ويكون المعنى حتى هَمَّ النبيّ - ﷺ - أن يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع، ويحتمل أن يكون الضمير للقوم باعتبار أن لفظه مفرد، ويؤيّد هذا قوله في الرواية التالية: «قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا». قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كان هذا الهمّ من النبيّ - ﷺ - بحكم النظر المصلحيّ، لا بالوحي، إلا ترى كيف عَرَض عمر بن الخطاب - ﵁ - عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبيّ - ﷺ - رُجحانها، فوافقه عليها، وعمل بها . (بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ) يعني ما يَحمل أثقالهم، واحدتها حَمُولةٌ - بفتح الحاء - ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمَل عليها الأثقال، وتُسمّى رواحل؛ لأنَّها يُرحل عليها، وتُسمّى نواضح إذا استُقي عليها، والبعير ناضح، والناقة ناضحة، قاله أبو عبيد . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله «حمائلهم»: رُوِيَ بالحاء المهملة، وبالجيم، وقد نَقَلَ جماعة من الشُّرّاح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، فممن نَقَلَ الوجهين صاحب «التحرير»، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما، واختار صاحب «التحرير» الجيم، وجزم القاضي عياض بالحاء، ولم يذكر غيرها، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وكلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حَمُولة - بفتح الحاء - وهي الإبل التي تُحْمَلُ، وبالجيم جمع جِمَالة - بكسرها - جمع جَمَل، ونظيره حَجَرٌ وحِجَارة، والجمل هو الذكر، دون الناقة. هكذا نقله النوويّ . وعبارة ابن الصلاح: قوله: «همّ بنحر بعض حمائلهم» هو في الأصل الذي هو بخطّ الحافظ أبي عامر الْعَبدريّ، وفي أصل أبي القاسم الدمشقيّ: «حمائلهم» بالحاء المهملة محقَّقًا، ولم يذكر القاضي عياض غير هذا، وفي الأصل المأخوذ عن الْجُلُوديّ بالجيم، والحاء، مكتوبًا عليه «مَعًا»، وهو بالجيم في «تخريج أبي نعيم الحافظ على كتاب مسلم» في أصل مُعتَمَد مسموع عليه، وفي حاشيته: «الْجَمائل»: جمع الْجِمالة، وهي التي لا إناث لها. قال: وكلاهما له وجه صحيح، أما بالحاء فهو جمع «حَمُولة» بفتح الحاء، وهي الإبل التي تحمل، وعند أبي الْهَيْثَم اللغويّ: لا يقال في غير الإبل: حَمُولةٌ، وأما بالجيم، فهو: جمع جِمَالَة، بكسر الجيم، جمع جَمَل، ونظيره حجرٌ وحِجَارةٌ، والجَمَلُ هو الذكر دون الناقة، فيما حكاه الأزهريّ عن الفرّاء وغيره. والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح . وقال ابن الأثير: «الجمائل» جمع جَمَلَ، وقيل: جمع جِمَالَة، وجِمَالَةٌ جمع جَمَل، كرِسَالة ورَسَائل، وهو الأشبه. انتهى . وقال في «المصباح»: الْجَمَل من الإبل بمنزلة الرجل يختصّ بالذكر، قالوا: ولا يُسمَّى بذلك إلَّا إذا بَزَلَ، وجمعه جِمالٌ، وأَجْمالٌ، وأَجْمُلٌ، وجِمَالَةٌ بالهاء، وجمع الجِمَال جِمالات. انتهى. فأفاد أن الجمالة بالهاء جمع جَمَلٍ، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَقَالَ عُمَرُ) أي بعد أن أذن لهم النبيّ - ﷺ - في أن ينحروا بعض حمائلهم (يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ) «لو» هنا للعرض، نحو قولك: لو تَنْزِل عندنا، فتصيبَ خيرًا، ويحتمل أن تكون للتمنّي، كقولك: لو تأتيني، فتحدِّثَني، أي أتمنّى ذلك، ويحتمل أن تكون للشرط، ويقدَّر جوابها «لكان خيرًا». وفي الرواية التالية: «فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلتَ قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم …» (مَا بَقِيَ) «ما» اسم موصول مفعول «جَمَعتَ»، و«بَقِي» بكسر القاف، وفتحها، والكسر لغة أكثر العرب، وبها جاء القرآن المكريم، والفتح لغة طيّء، فإنهم يُبدلون الكسرة فتحةً، فتنقلب الياء ألفًا، فيصير «بَقَا»، وكذلك يفعلون في كلّ فعل ثلاثيّ، سواء كانت الكسرة والياء أصليّتين، نحوُ «بَقِي»، و«نَسِيَ»، و«فَنِيَ»، أو كان ذلك عارضًا، كما لو بُني الفعل للمفعول، فيقولون في «هُدِيَ زيدٌ»، و«بُنِيَ البيتُ»: هُدَى زيدٌ، وبُنَا البيتُ. قاله الفيّوميّ . (مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ) بيان لـ «ما بقي» (فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا) أي على الأزواد (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَفَعَلَ) أي فعل النبيّ - ﷺ - ما أشار عليه عمر - ﵁ - من جمع أزواد القوم (قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ) «البُرّ» بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء: الْقَمْحُ، والواحدة: بُرّةٌ (وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ) «التمر» بفتح، فسكون يذكّر ويؤنّث، فيقال: هو التمر، وهى التمر، وهو من ثمر النخل، كالزبيب من الْعِنَب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُترك على النخل بعد أرطابه حتى يَجِفَّ، أو يقارب، ثم يُقطَع، ويُترك في الشمس حتى ييبَس، قال أبو حاتم السجستانيّ: وربما جُدّت النخل، وهي باسرة بعد ما أَخَلَّت ؛ ليُخفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترَكُ حتى تكون تمرًا، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمورٌ، وتُمْرَانٌ بالضمّ . وقوله: (قَالَ) الضمير لطلحة بن مُصَرِّف، كما قاله الحافظ عبد الغنيّ بن سعيد الحافظ المصريّ (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) يعني أن مجاهدًا زاد في روايته لهذا الحديث قوله: «وذو النواة بنواه»، ولم أجد رواية مجاهد هذه. وقوله: (وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) قال الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: كذا هو في أصولنا وغيرها، الأول «النواة» بهاء التأنيث، والثاني بحذفها، فذكر القاضي عياض رحمه الله تعالى أن صوابه حذف تاء التأنيث في الموضعين، كما قال: «ذو التمر بتمره»، قال ابن الصلاح: وجدته في كتاب أبي نعيم «المخرج على صحيح مسلم»: «ذو النوى بنواه»، بلا هاء في الكلمتين، قال: والواقع في «كتاب مسلم» له عندي وجه صحيح، وهو أن تُجعل «النواة» عبارة عن جملة من النوي، أُفْرِدت عن غيرها، فتُسمّى الجملة المفردة الواحدة باسم النواة الواحدة، كما أُطلق اسم الكلمة على القصيدة، أو تكون النواة من قبيل ما يُسْتَعمَل في الواحد والجمع بلفظ واحد من الأسماء التي فيها علامة التأنيث، نحو: الْحَنْوة، وهي نبتٌ طيّب الريح على مثال الْعَنْوَة. انتهى . (قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو طلحة، كسابقه (وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟) أي: أيَّ شيء يستفيدون بإحضارهم النوى (قَالَ: كَانُوا يَمَصُّونَهُ) - بفتح الميم - هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، ويقال: مَصِصْتُ الرُّمَّانة والتمر، وشبههما - بكسر الصاد - أَمَصُّهَا - بفتح الميم - وحَكَى الأزهريّ عن بعض العرب ضم الميم، وحَكَى أبو عُمَر الزاهد في «شرح الفصيح» عن ثعلب، عن ابن الأعرابيّ هاتين اللغتين: مَصِصْتُ - بكسر الصاد - أَمَصُّ - بفتح الميم - ومَصَصْتُ - بفتح الصاد - أَمُصُّ - بضم الميم - مَصًّا فيهما، فأنا مَاصٌّ، وهي مَمْصُوصَةٌ. وإذا أمرتَ منهما قلتَ: مَصَّ الرُّمّانةَ، ومَصِّهَا، ومُصَّهَا، ومُصِّهَا، ومُصُّهَا، فهذه خمس لغات في الأمر: فتح الميم مع الصاد، ومع كسرها، وضمّ الميم، مع فتح الصاد، ومع كسرها، وضمها، هذا كلام ثعلب، والفصيح المعروف في مُصّها ونحوه، مما يَتَّصِل به «ها» التأنيثِ لمؤنثٍ أنه يتعين فتح ما يلي الهاء، ولا يكسر، ولا يضم. قاله النوويّ في «شرحه» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كذا الذي ذكره النَّوويّ هنا في الأمر من «مصّ»، من المسائل المهمة جدًّا، فينبغي أن نحقّقه بالتفصيل، فنقول: (اعلم): أنه إذا اتّصل بآخر الفعل المدغم من المجزوم وشبهه ضمير الغائبة وجب فتحه، كرُدَّهَا، ولم يَرُدّهَا، أو ضمير الغائب وجب ضمّه، كرُدُّهُ، ولم يَرُدُّهُ؛ لأن الهاء خفيَّة، فلم يُعتدّ بها، فكأنّ الدال قد وليَهَا الألف والواو، وحَكَى ثعلبٌ التثليث قبل هاء الغائب، وغُلِّط في جواز الفتح، وأما الكسر فالصحيح أنه لُغيّةٌ، سَمِعَ الأخفشُ مُدِّه، وغُطِّه، وحكى الكوفيّون التثليث قبل كلّ منهما. وإذا اتْصل بآخر الفعل ساكنٌ، فأكثرهم يكسره، كرُدّ القوم بالكسر؛ لأنَّها حركة لالتقاء الساكنين، وبنو أسد تفتحه؛ تخفيفًا، وحَكَى ابن جني ضمَّهُ؛ إتباعًا، وقد رُوي بهنّ قول جرير [من الوافر]: فَغُضُّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيرٍ … فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا نعم الضمّ قليلٌ، ولذا أنكره في «التسهيل». وإن لم يتّصل الفعل بشيء من ذلك، ففيه ثلاث لغات: الفتح؛ للخفّة مطلقًا، أي سواء كان مضموم الفاء، كرُدُّ، أو مكسورها، كفِرَّ، أو مفتوحها، كعَضَّ، وهو لغة أسد وغيرهم، والكسر مطلقًا، على أصل التخلّص من التقاء الساكنين، وهو لغة كعب، والإتباع لحركة الفاء، كرُدُّ بالضمّ، وفِرِّ بالكسر، وعَضَّ بالفتح، وهذا أكثر في كلامهم. ذكره الخضريّ في «حاشيته» . وقد نظم بعضهم هذه القاعدة، فقال: إِنْ جُزِمَ الْفِعْلُ الَّذِي قَدْ شُدِّدَا … آخِرُهُ كَـ «لَا تَضُرِّ أَحَدَا» فَاكْسِرْهُ مُطْلَقًا لِقَوْمٍ وَافْتَحَا … لآخَرِينَ ثُمَّ إِنَّ الْفُصَحَا مِنْ هَؤُلَاءِ حَيْثُ يَلْقَى ساكِنَا … يَأتُونَ بِالْكَسْرِ كَـ «سُرِّ الْحَزَنَا» ثَالِثَةُ اللُّغَاتِ أَنْ يُتْبَعَ مَا … يَلِي فَإِثْرَ ضَمِّهِ لَهُ اضْمُمَا وَافْتَحْهُ بَعْدَ فَتْحَةٍ أَوْ أَلِفِ … وَبَعْدَ كَسْرَةٍ لَهُ الْكَسْرُ يَفِي إِلَّا بِنَحْوِ «مُسُّهُ» وَ«فِرُّهُ» … فَالضَّمُّ عِنْدَهُمْ كَـ «لَا تُمِرُّهُ» وَنَحْوَ «رُدَّهَا» وَ«حُبَّهَا» افْتَحَا … لِصِلَةٍ وَخِفَّةٍ قَدْ وَضَحَا وَنَحْوَ «غُضِّ الطَّرْفَ» «عَضِّ اللَّحْمَا» … فَاكْسِرْهُ لِلسَّاكِنِ فَابْغِ الْعِلْمَا (وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ) يعني: أنهم، وإن لَمْ ينتفعوا بأكله، إلَّا أنه إذا مُصّ جلب العطش، فشربوا الماء، وتقوَّوا بذلك (قَالَ) الظاهر أن الضمير لأبي هريرة - ﵁ - (فَدَعَا عَلَيْهَا) أي دعا رسول الله - ﷺ - على ما أتوا به من بقيّة الأزواد (حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) غاية لمحذوف، أي فأمرهم بالأخذ منها، فأخذوا حتى ملؤوا أزودتهم. قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كذا الرواية - «أزودتهم» - وصوابه مزاودهم، فإنها هي التي تُمْلأُ بالأزودة، وهي جمع زاد، فسمّي المزاد أزودةً باسمها؛ لأنَّها تُجعل فيها على عادتهم في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، وقد عبّر عنها في الرواية الأخرى بالأوعية. انتهى . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: «أزودتهم» كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و«الأزودة» غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: «أوعيتهم»، ولعلّه «مَزَاودهم»، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية «رَوَايَا» بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى . وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، أي: أهل القرية، وبلغنا عن ابن جني أن في القرآن العظيم زُهاء ألف موضع فيه حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه، أو يكون ذلك من قبيل المقلوب الذي من أمثلته قول الشاعر [من الكامل]: كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ كَمَا … كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ وليس هذا مخصوصًا بضرورة الشعر، كما زعم ابن قتيبة، بل من عادات العرب قلبهم الكلام عند اتّضاح المعنى توسّعًا في فُنون المخاطبات، ومما ذكروا من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠]، أي: بلغت الكبر. قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لَمْ أرهم شرحوه إلَّا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفي، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع «القاموس»، و«شرحه»، و«لسان العرب». والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَقَالَ) - ﷺ - (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد («أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا) بنصب»غير«على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة - إن شاء الله تعالى - أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان: [أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردود بالأدلّة العقليّة والنقليّة. [وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الأخبار بخلود كلّ من دخل الجَنَّة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى . وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) رحمه الله تعالى هنا (١٠/ ١٤٥) عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر عن أبي النضر، عن عُبيد الله الأشجعيّ، عن مالك بن مغول، عن طلحة بن مصرّف، عن أبي صالح، عنه. وفي (١٠/ ١٤٦) عن سهل بن عثمان، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد (شكّ الأعمش). (والنسائيّ) في «السير» من «الكبرى» (٨٧٩٤) عن أبي بكر بن أبي النضر به، (ح) عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن عبد الله، عن عبد العزيز، عن سهيل بن أبي صالح - (ح) عن أحمد بن سليمان، عن قتادة بن الفُضَيل، عن الأعمش - كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -. و(٨٧٩٥) عن موسى بن عبد الرَّحمن الْمَسروقيّ، عن أبي أسامة، عن مالك بن مِغْول، عن طلحة، عن أبي صالح: «بينما النبيّ - ﷺ - …»، فذكره مرسلًا، ولم يذكر أبا هريرة - ﵁ -. و(أحمد) ٢/ ٤٢١ و٣/ ١١، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣١ و١٣٢) و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٣ و١٤ و١٥ و١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث. (اعلم): أن هذا الإسناد، والإسناد الذي بعده مما استدركه الدارقطنيّ رحمه الله تعالى، وعَلَّله: فأما الأول فعلله من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عُبيدَ الله الأشجعيّ فرووه عن مالك بن مِغْوَل عن طلحة، عن أبي صالح مرسلًا. وأما الثاني فعلله؛ لكونه اختُلِف فيه عن الأعمش، فقيل فيه أيضًا عنه عن أبي صالح، عن جابر، وكان الأعمش يَشُكّ فيه. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاريّ ومسلم قَدْحٌ في أسانيدهما غير مُخْرِج لمتون الأحاديث من حَيِّز الصحة، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقيّ الحافظ فيما أجاب الدارقطنيّ عن استدراكاته على مسلم رحمه الله تعالى أن الأشجعيّ ثقة مُجَوِّد، فإذا جَوَّدَ ما قَصَّر فيه غيره حُكِمَ له به، ومع ذلك فالحديث له أصلٌ ثابتٌ عن رسول الله - ﷺ - برواية الأعمش له مُسنَدًا، وبرواية يزيد بن أبي عُبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع، عن سلمة - ﵁ -. قال الشيخ: رواه البخاريّ، عن سلمة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -. وأما شَكُّ الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شَكٌّ في عين الصحابيّ الراوي له، وذلك غير قادح؛ لأن الصحابة - ﵃ - كلهم عدولٌ. انتهى كلامُ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى - بعد ذكر كلام ابن الصلاح -: وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما، أمّا الأول، فلأنا قدّمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذي رواه بعض الثقات موصولًا، وبعضهم مرسلًا، فالصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، والمحققون من المحدثين، أن الحكم لرواية الوصل، سواء كان راويها أقلّ عددًا من رواية الإرسال، أو مساويًا؛ لأنَّها زيادة ثقة، فهذا موجودٌ هنا، وهو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ جَوَّد، وحَفِظَ ما قَصَّر فيه غيره. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن الحكم للوصل مطلقًا، ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، فإنهم إنما يحكمون على ما يظهر لهم من القرائن، فربّما حكموا للوصل، وربّما حكموا للإرسال، فليست المسألة تدخل تحت ضابط كليّ، بل لهم في كلّ سند دراسة خاصّة، كما أسلفنا تحقيق ذلك فيما سبق من «شرح المقدّمة»، فراجعه تستفد ، والله تعالى وليّ التوفيق. وأما الثاني فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي: حَدَّثَني فلان أو فلان، وهما ثقتان احتُجَّ به بلا خلاف، لأن المقصود الرواية عن ثقة مُسَمَّي، وقد حَصلَ، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغداديّ في «الكفاية»، وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة، ففي الصحابة أولى؛ فإنهم كُلَّهم عُدُولٌ، فلا غَرَضَ في تعيين الرواي منهم. انتهى . وإلى القاعدة أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث» بقوله: وَمَنْ يَقُلْ «أَخْبَرَنِي فُلَانٌ اوْ … هَذَا»لِعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا فَإِنْ يَقُلْ «أَوْ غَيْرُهُ» أَوْ يُجْهَلِ … بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا لَا تَقْبَلِ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): أن من مات على التوحيد دخل الجنّة قطعًا، وهذا هو الذي أراده المصنّف رحمه الله تعالى بإيراده في هذا المحلّ. ٢ - (ومنها): أن في هَمِّ النبيّ - ﷺ - بذبح بعض حمائلهم بيانَ مراعاة المصالح، وتقديم الأهمّ فالأهمّ، وارتكاب أخفّ الضررين، لدفع أشدّهما. ٣ - (ومنها): أن في قول عمر - ﵁ -: لو جمعتَ ما بقي من أزواد القوم إلخ»، بيانَ جواز عَرْض المفضول على الفاضل ما يراه مصلحةً؛ لينظر الفاضل فيه، فإن ظَهَرت له مصلحةٌ فعله. ٤ - (ومنها): جوازُ خَلْط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين، وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نصّ العلماء على أن ذلك سنة، وهو نظير مدح النبيّ - ﷺ - للأشعريين - ﵃ - في جمعهم الأزواد إذا قلّت، وتقاسمهم إياها بالسويّة، فقد أخرج الشيخان في«صحيحيهما»من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -:«إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قَل طعام عيالهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم منيّ، وأنا منهم». ٥ - (ومنها): أنّ فيه عَلَمًا من أعلام النبوة الظاهرة، وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي بها، وقد جمعها العلماء، وصَنَّفُوا فيها كُتُبًا مشهورة. قال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: وهو بابٌ عُلِم على القطع والتواتر؛ لترادف الأحاديث بمعناه من تكثير الطعام القليل، وقد جمعنا مشهور أحاديث هذا الباب، ومن رواه من الصحابة، ومن حَمَلَهُ عنهم من التابعين في«باب معجزات نبيّنا - ﷺ - من كتابنا المسمَّى بـ »الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ -«. ولأن هذا الحديث ومثله إذا رواه الصحابيّ الواحد، وذكره عن المواطن المشهورة، والغزوات المحضورة، والجموع الْحَفِلَة، وحدَّث به عنهم بما شاهدوه، وجرى بحضرته، وهم غير منكرين، ولا مكذّبين، مع أنهم الملأ لا يقرّون على منكر، ولا يُداهنون في غير الحقّ، كان إقرارهم على خبره، وسكوتهم على ما حدّث به عن ملئهم كالنطق، ولَحِقَ خبره، وإن كان واحدًا بخبر التواتر الصدق. انتهى . ٦ - (ومنها): أن فيه ترك افتيات أهل العسكر بنحر ما يحملون عليه، وإخراجه عن أيديهم إلَّا بإذن الإمام؛ لأن ذلك يضعفهم عن غزوهم وسفرهم، وكذلك الحكم في أسلحتهم، وجميع ما يحتاجون إليه في غزوهم . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤئف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٦] (٢٨) - (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ جَمِيعًا، مَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَذَثنا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، مَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - شَكَّ الْأَعْمَشُ - قَالَ: لَمَّا كَانَ فَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاء عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْع اللهَ لَهمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَة، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ، فَبَسطَهُ، ثمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ بِالْبَرَكَة، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكنديّ، أبو مسعود العَسكَريّ، نزيل الرَّيّ، ثقةٌ، حافظ، له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) ٥/ ١٢٠. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) ٦/ ١١٤. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار ٩١، (ت ١٩٥) (ع) ٤/ ١١٦. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ قارئ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ١/ ٣٠٢. ٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمان الزيات المذكور في السند الماضي. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةُ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدم في «شرح المقدّمة» ٢/ ٤٧٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه الأول، فمن أفراده، وأما شيخه الثاني فمن المشايخ التسعة الذين اشترك في الرواية عنهم أصحاب الكتب الستة دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي كريب، وأما سهل، فرازيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه قولَه: «قال أبو كريب: حدّثنا إلخ» ومعناه أن أبا كريب صرّح بتحديث أبي معاوية له مع الجماعة، بخلاف سهل، فلم يُصرّح به، وهذا من احتياطات المصنّف، ومحافظته على ألفاظ الشيوخ، وقد سبق مثله غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن أبا معاوية أحفظ من روى لأحاديث الأعمش، والأعمش أكثر الرواية عن أبي صالح، فقد روى عنه ألف حديث، وأبو صالح من أكثر أصحاب أبي هريرة - ﵁ - روايةً عنه. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أبا هريرة، وأبا سعيد - ﵄ - من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: ١٤٦ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَوْ) للشكّ من الراوي (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - (شَكَّ الْأَعْمَشُ) أي في كون الحديث من مسند أبي هريرة، أو من مسند أبي سعيد الخدريّ، ولكن هذا الشكّ لا يضرّ، كما مرّ إيضاحه في المسألة الثالثة من مسائل الحديث الماضي (قَالَ) أبو هريرة، أو أبو سعيد (لَمَّا كَانَ) تامّة بمعنى جاء ووقع، فلا تحتاج إلى خبر، بل تكتفي بمرفوعها، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: ........................ … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحريريّ في «مُلحة الإعراب»: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ (غَزْوَةُ تَبُوكَ)، هكذا في معظم النسخ، ووقع في بعض النسخ: «لَمّا كان وقت غزوة تبوك»، بزيادة لفظة «وقت»، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه «يوم غزوة تبوك»، والمراد باليوم هنا الوقت والزمان، لا اليوم الذي هو ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وليسس في كثير من الأصول، أو أكثرها ذكر اليوم هنا. انتهى. و«الْغَزْوَةُ» - بفتح، فسكون - والجمع غَزَوات، مثلُ شَهْوَةٍ وشَهَوَات، قال ابن الأثير: الْغَزْوَةُ: المرّة من الْغَزْو، والاسمُ الْغَزَاةُ - أي بفتحتين - وجمع الغازي: غُزَاةٌ، وغُزًّى، وغَزِيٌّ، وغُزّاءٌ، كقُضَاةٍ، وسُبَّقٍ، وحَجِيجٍ، وفُسّاقٍ، وأغزيتُ فلانًا: إذا جهّزته للغزو، والْمَغْزَى والْمَغْزَاةُ: موضع الْغَزْو، وقد يكون الغَزْوُ نفسه. انتهى . و«تَبُوك» - بفتح التاء، وضمّ الباء - هي طرف الشام، من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت غزوة النبيّ - ﷺ - تبوك سنة تسع من الهجرة، ومنها راسل عظماء الروم«وجاء إليه - ﷺ - من جاء، وهي آخر غزواته بنفسه، قال الأزهريّ: أقام النبيّ - ﷺ - بتبوك بضعة عشر يومًا، والمشهور ترك صرف تبوك؛ للتأنيث والعلَميّة، قاله النوويّ في»تهذيبه«. وقال الفيّوميّ: بَاكَ الحمارُ الأَتَانَ يَبُوكَهَا بَوْكًا: نَزَا عليها، وباكتِ الناقةُ تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنَت، فهي بائك، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غَزْوة تبوك؛ لأن النبيّ - ﷺ - غَزَاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية من البُؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعثَ اللهُ تعالى إليهم شعيبًا - ﵇ -. انتهى . وذكر المرتضى في«التاج»أنه اختُلف في وزن تبوك، ووجه تسميتها، قال الأزهريّ: فإن كانت التاء أصليّةً، فلا أدري مم اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع، فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تَفْعول. انتهى . [تنبيه]: قيل: سبب غزوة تبوك هو ما رواه البيهقي في«دلائل النبوّة» عن الحاكم، عن أحمد بن عبد البربار العُطَارديّ، عن يونس بن بكرٍ، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرَّحمن بن غَنْم، أن اليهود أتوا رسول الله - ﷺ - يومًا فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبيّ، فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فَصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلَّا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة بني إسرائيل، بعد ما خُتِمَت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: «فيها محياك ومماتك، ومنها تُبْعَث». قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبيّ - ﷺ - لَمْ يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وغزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ ممن قَتَلَ أهلُ مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صَحَّ هذا لَحُمِل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أُنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام»، قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. انتهى كلام ابن كثير ، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم. (أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ) - بفتح الميم، وتخفيف الجيم -: هو الجوع الشديد (قَالُوا) أي الصحابة الذين معه في الغزو، قال سبط ابن الْعَجَميّ في «التنبيه»: لا أعرف أعيانهم، انتهى (يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لنَا) بكسر الذال، يقال: أَذِنتُ له في كذا، من باب عَلِمَ: إذا أطلقت له فعله . وقولهم: «لو أذنت لنا»، من أحسن آداب خطاب الكبار، والسؤال منهم، فيقال: لو فعلتَ كذا، أو أمرت بكذا، أو لو أَذِنت في كذا، وأشرت بكذا، ومعناه لكان خيرًا، أو لكان صوابًا، ورأيًا متينًا، أو مصلحة ظاهرة، وما أشبه هذا، فهذا أجملُ من قولهم للكبير: افْعَلْ كذا بصيغة الأمر. وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الْغُزَاة أن يُضَيِّعُوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلَّا إذا رأى مصلحةً، أو خاف مفسدةً ظاهرةً. والله تعالى أعلم . (فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا) النواضحُ: من الإبل التي يُسْتَقَى عليها، قال أبو عبيد: الذَّكَر منها ناضح، والأُنثى ناضحة، وقال الفيّوميّ: ونَضَحَ البعير الماءَ: حمله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يحمل الماء، والجمع نواضح. انتهى . (فَأَكَلْنَا وَادِّهَنِّا) قال صاحب «التحرير»: ليس مقصودهم ما هو المعروف من الادِّهَان، وإنما معناه اتَّخَذنا دُهْنًا من شُحُومها. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «افْعَلُوا») أي انحروا نواضحكم، فكلوا، وادّهنوا (قَالَ) الراوي، أبو هريرة، أو أبو سعيد (فَجَاءَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﷺ - (فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ)، أي: إن أذنت لهم فيما طلبوه من نحر نواضحهم (قَلَّ الظَّهْرُ)، قال في «اللسان»: «الظَّهْرُ»: الرِّكَاب التي تَحْمِل الأثقال في السفر؛ لحملها إياها على ظهورها، وبنو فلان مُظْهِرُون، إذا كان لهم ظَهْرٌ ينقلون عليه، كما يقال: مُنجِبون، إذا كانوا أصحاب نَجَائب، وقال أيضًا: «الظَّهْرُ» الإبل التي يُحْمَلُ عليها ويُركَب، يقال: عند فلان ظَهْرٌ: أي إبل، ويُجمع على ظُهْرَان بالضمّ. انتهى باختصار . وقال النوويّ في «شرحه»: المرادـ «الظهْرِ» هنا: الدَّوَابُّ، سُمِّيت ظهرًا؛ لكونها يُركَبُ على ظهرها، أو لكونها يُستَظهر، ويُستعان بها على السفر. وفيه جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه، إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يشير عليه بإبطال ما أَمَرُوا بفعله . (وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ)، أي مرهم بأن يأتوا بما فَضَل من أزوادهم (ثُمَّ ادْعُ اللهَ) تعالى (لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ) أصل البركة: كثرةُ الخير، وثبوته، وتبارك الله: ثبت الخير عنده، وقيل: غير ذلك (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ) هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، وفيه محذوف تقديره: «يَجْعَلُ في ذلك بركةً، أو خيرًا، أو نحو ذلك»، فحذف المفعول به؛ لأنه فضلة، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَعَمْ») تقدّم أنَّها للتصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد، وللوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم، ونحو كلام عمر - ﵁ - هنا؛ إذ قوله: «ادعهم بفضل أزوادهم» طلبٌ، والطلب مستقبل، فيكون قوله - ﷺ -: «نعم» وعدًا منه بأن يدعوهم إلى ذلك. (قَالَ) الراوي (فَدَعَا) - ﷺ - «(بِنِطَعٍ) فيه أربع لغات مشهورة: أشهرُها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهمَا، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء، وهو الْمُتَّخذ من الأَدِيم معووف، والجمع: أَنْطَاع، ونُطُوعٌ . (فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ) الراوي (فَجَعَلَ) أي شرع (الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُر) أي بمقدار ما يملأ كفّه، وفيه إشارة إلى قلّته، و«الذّرَة»بضم الذال المعجمة، وفتح الراء المخفّفة: حبّ معروف، ولامها محذوفة، والأصل ذُرَؤ، أي ذُرَيٌ، فحُذِفت اللام، وعُوّضَ عنها الهاء، قاله في«المصباح»(قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ) تقدّم ضبطها ومعناها في الحديث الماضي (قَالَ: وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ) بكسر فسكون: القطعة من الخبز، جمعه كِسَرٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَرٍ (حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ ويَسِيرٌ) أي قليل (قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ) أي بأن يزداد حتى يكفي الجميع (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: («خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ) جمع وعاء بالكسر: ما يُوعَي، أي يُجمع فيه الشيءُ (قَالَ) الراوي (فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا) نافية (تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ) بفتح، فسكون: الجيش، قال الْجُوَاليقيُّ: فارسيّ مُعَرَّب (وِعَاءً إِلا مَلَئُوهُ، قَالَ) الراوي (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا) بكسر المودعّدة (وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ) يقال: فَضَلَ، وفَضَلَ بكسر الضاد، وفتحها - لغتان مشهورتان، قال في »المصباح«: فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنّها على تداخل اللغتين، ونظيره في السالم: نَعِمَ يَنْعُمُ، وَنَكِلَ يَنْكُلُ، وفي المعتلّ: دِمْتَ تَدُوم، ومِتَّ تَمُوتُ. انتهى . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) اعترافًا بفضل الله تعالى، وبيانًا للناس أنه بمحض فضله، وأنه لا دخل له في ذلك، وإنما هو رسول مبلّغ عن الله - ﷾ -، فاستجاب الله تعالى دعوته، وأنزل له البركة في ذلك الطعام تصديقًا لكونه رسوله بالحقّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بهاتين الكلمتين (عَبْدُ) حال كونه (غَيْرَ شَاكٍّ) في مدلولهما (فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: رويناه بنصب«يُحجب»، ورفعه، فالنصب بإضمار «أن» بعد الفاء في جواب النفي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْي أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وهذا الوجه هو الأَظهر، والأجود، وفي الرفع إشكالٌ؛ لأنه يرتفع على أن يكون خبرًا لمبتدإ محذوف، تقديره: فهو يُحجب، وهو نقيض المقصود، فلا يستقيم المعنى حتى يقدّر «لا» النافية، أي: فهو لا يحجب، ولا تُحذف «لا» النافية في مثل هذا. انتهى . وتخريج الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به تقدّما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٧] (٢٩) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ - عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) - بضم الراء مصغرًا - الهاشميّ مولاهم، أبو الفضل الْخُوَارَزميّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠]. رَوَى عن هشيم، والوليد بن مسلم، ومُعَمَّر بن سليمان، ويحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وإسماعيل بن جعفر، وابن علية، وإسماعيل بن عياش، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجة، وروى له البخاريّ حديثًا في فضل العتق، والنسائي آخرَ بواسطة صاعقة، وأحمد بن عليّ المروزيّ، ورَوَى عنه البخاريّ في غير «الجامع» بلا واسطة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبيد الله بن الْمُنَادي، وغيرهم. قال صالح بن محمد: كان يحيى بن معين يوثِّقه، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطنيّ: ثقة نَبِيل، وقال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في سنة (٢٣٩)، زاد غيرهما في شعبان، وهو قول الكلاباذيّ تبعًا للبخاريّ في «تاريخه»، وكذا قال السَّراج، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاريّ وغيره، مات بعدما عَمِيَ، ووَهِمَ ابن حزم، فقال إِثْرَ حديث أخرجه من روايته في «كتاب الحدود» من «الإيصال»: داود بن رُشَيد ضعيف. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقُرَشِيُّ ، مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدَّمَشقيّ، ثقة، عالم الشام، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨]. رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعيّ، وابن جريجٍ، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوريّ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وحنظلة بن أبي سفيان، وبكر بن مُضَر، وإسماعيل بن رافع، وغيرهم. وروى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والْحُمَيديّ، وسليمان بن عبد الرَّحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المدينيّ، وأبو خيثمة، وداود بن رُشيد، وإبراهيم بن المنذر، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال حماد كاتِبُهُ عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ، سألت عنه الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: ليس أحدٌ أروى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش، والوليد، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما رأيت أعقل منه، وقال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام، وعنده علم كثير ولم أستمكن منه، قال: فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجَعَلَ يقول: كان يكتب على الوجه، وقال عبد الله بن علي بن المديني، عن أبيه: ثنا عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة، لَمْ يَشْرَكه فيها أحدٌ، وقال أحمد بن أبي الْحَوَارِ: قال لي مروان - بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعيّ عن الوليد، فما تبالي من فاتك، وقال مروان أيضًا: كان الوليد عالِمًا بحديث الأوزاعيّ، وقال أبو مسهر: كان الوليد معتنيًا بالعلم، وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا، وفي رواية من حفاظ أصحابنا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي أحمد: عندكم ثلاثةٌ أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مُسْهِر، وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عياش، والوليد بن مسلم، فأما الوليد فمَضَى على سنته محمودًا عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا، صحيحَ العلم، وقال العجليّ، ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة، وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث، وقال أبو زرعة الرازيّ: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي، وقال ابن جَوْصاء: لَمْ نزل نسمع أنه مَن كَتَبَ مصنفات الوليد صَلَحَ أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا، وقال صدقة بن الفضل المروزيّ: قَدِمَ الوليد مكة، في رأيت أحفظ للطوال والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حَفِظَ الأبواب، وإذا الرجل حافظٌ متقنٌ، وقال الحميديّ: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون. وقال الْفَسَويّ: سألت هشام بن عمار عن الوليد، فأقبل يَصِفُ علمه، وورعه، وتواضعه، وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله، وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصلٌ، منها أربعة عن نافع، وقال مُهَنّا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديثُ ما سَمِعَ وما لَمْ يَسْمَع، وكانت له منكرات، منها حديثُ عمرو بن العاص: «لا تُلَبّسُوا علينا ديننا» ، في هذا عن النبيّ - ﷺ -، وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعًا. وقال الإسماعيليّ: أُخبرتُ عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، قال: كان الوليد رَفّاعًا، وقال المرُّوذيّ، عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ، وقال حنبل، عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث الأوزاعيّ، وكان أبو السَّفَر كذّابًا، وقال مؤمل بن إهاب، عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يُحَدِّث حديث الأوزاعيّ عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم، وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعيّ، قال: كيف؟ قلتُ: تروي عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهريّ، ويحيى بن سعيد، وغيرُك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرَّةَ، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أُنَبِّلُ الأوزاعيّ عن هؤلاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء، وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير، فأسقطتهم أنت، وصَيَّرْتَها من رواية الأوزاعيّ عن الثقات، ضُغفَ الأوزاعيّ، قال: فلم يلتفت إلى قولي، وقال الدارقطنيّ: كان الوليد يُرسِل، يروي عن الأوزاعيّ أحاديث عند الأوزاعيّ عن شيوخ ضعفاء، عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعيّ، فيُسقِط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعيّ، عن نافع، وعن عطاء. قال دُحَيم عن ابن بنت الوليد: وُلد الوليد سنة تسع عشرة ومائة، وقال ابن سعد، ويعقوب بن شيبة، وغيرهما: حَجَّ الوليد سنة أربع وتسعين، ومات بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دِمَشق، وفي سنة أربع أَرَّخَه عمرو بن عليّ، وأبو موسى، وغيرهما، وقال دُحَيم، وغير واحد: مات في المحرم سنة خمس وتسعين، وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن عبد العزيز: نَزَلَ عَلَيَّ الوليدُ قافلًا من الحج، فمات عندي بذي المروة، وقال معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٤٢) حديثًا. ٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقة [٧]. رَوَى عن مكحول، والزهري، وعطية بن قيس، وعمير بن هانيّ، وسليم بن عامر، وبسر بن عبيد الله الحضرمي، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وصدقة بن خالد، وصدقة بن المبارك، وعمر بن عبد الواحد، وبشر بن بكر، وحسين بن علي الجعفي، وغيرهم. قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، والعجليّ، وابن سعد، والنسائيّ، وغير واحد: ثقة. وقال ابن المديني: يُعَدّ في الطبقة الثانية من فقهاء أهل الشام، بعد الصحابة - ﵃ -. وقال يعقوب بن سفيان: عبد الرَّحمن ويزيد ابنا جابر ثقتان، كانا نزلا البصرة، ثم تحولا إلى دمشق. وقال أبو داود: هو من ثقات الناس. وقال ابنه أبو بكر بن أبي داود: ثقة مأمون. وقال موسى بن هارون: رَوَى أبو أسامة عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهَمًا منه، هو لَمْ يَلْقَ ابنَ جابر، وإنما لَقِي ابنَ تميم، فظَنّ أنه ابن جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف. وقال الفلاس: ضعيف الحديث، وهو عندهم من أهل الصدق، رَوَى عنه أهل الكوفة أحاديث مناكير، قال الخطيب: كأنه اشتبه على الفلاس بابن تميم. وقال ابن مهديّ: إذا رأيت الشامي يَذكر الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وعبد الرَّحمن بن يزيد، فاطمَئِنَّ إليه. وقال دُحيم: هو بعد زيد بن واقد في مكحول. وقال أبو حاتم: صدوق، لا بأس به، ثقة. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، زاد ابن سعد: وهو ابن بضع وثمانين. وقال صفوان بن صالح: سمعت الوليد وغير واحد من أصحابنا يقولون: مات سنة (٥٤)، وقال عبد الله بن يزيد القاري: مات سنة (٥٥)، وقال ابن معين: مات سنة (٥٦)، وكذا حكاه البخاري، ويعقوب بن شيبة، وجزم ابن حبان في «الثقات» بالقول الأول. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٢٨) و(١٠٤) و(٩٧٢) وأعاده بعده، و(١٨٤٧) و(١٨٥٥) و(١٥٣٧) و(٢٨٦٤) و(٢٩٣٧) . ٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ) الْعَنْسيّ - بسكون النون، ومهملتين - أبو الوليد الدمشقيّ الدارانيّ، ثقةٌ، من كبار [٤]. رَوَى عن معاوية، ومالك بن يُخامِر، وجُنَادة بن أبي أُمية، وأبي هريرة. وروى عنه أبو عمرو الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، والعلاء بن عتبة اليحصبيّ، وعثمان بن أبي العاتكة، وسعيد بن بَشِير، ومعاوية بن صالح، وجماعة. قال الحاكم أبو أحمد: يقال: أدرك ثلاثين من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو داود: كان قدريًّا، وكان يُسَبِّح في اليوم مائة ألف تسبيحة، وأسند الترمذيّ بزيادة في «كتاب الدعوات» من جامعه«، فقال: حدثنا علي بن حُجْر: ثنا مَسْلمة بن عَمْرو، قال: كان عُمير بن هانئ يصلي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبح مائة ألف تسبيحة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه يصلّي كلّ يوم ألف سجدة، ويسبّح مائة ألف تسبيحة، ليس له كبير مدح، فإن هذا ليس من هدي النبيّ - ﷺ -، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، فلم يثبت عنه - ﷺ - أنه صلى في يوم هذا القدر، ولا سبّح هذا القدر، فالخير كلّ الخير في اتّباع هديه، وإنما ذكرت هذا لئلا يَغْتَرَّ به من يقرأ مثل هذا، ويظنّ أنه من السنّة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أن الصَّقْر بن حبيب الْمُرِّيّ قتله بداريا سنة سبع وعشرين ومائة، وقال يعقوب بن سفيان: قلت لدُحَيم: عمير بن هانئ؟ قال: مات قديمًا، قلت: قُتِلَ؟ قال: لا، إنما المقتول ابنه. أخرج له لجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وحديث (١٠٣٧): «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله …»، وله عند النسائيّ حديث عبادة - ﵁ - المذكور هنا فقط. ٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) - بضمّ الجيم، وتخفيف النون - الأزديّ، ثم الزَّهْرَانِيّ، ويقال: الدَّوْسيّ، أبو عبد الله الشاميّ، يقال: اسم أبيه كبير، مختلَفٌ في ححبته. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر، وعليّ، ومعاذ، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو، وعبادة بن الصامت، وبُسْر بن أبي أرطاة. وروى عنه ابنه سليمان، وعمير بن هانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وبسر بن سعيد، وشُيَيْم بن بَيْتَان، وغيرهم. قال ابن يونس: كان من الصحابة، شَهِد فتح مصر، ووَليَ البحرين لمعاوية، وممن أثبت صحبته يحيى بن معين، ففي سؤالات إيراهيم بن الْجُنيدٍ عنه: جُنَادة بن أبي أمية الأزديّ الذي رَوَى عنه مجاهد له صحبة؟ قال: نعم، قلت: الذي رَوى عن عبادة؟ قال: هو هو، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: قيل: إن له صحبةً، وليس ذلك بصحيح، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين، سَكَنَ الأُرْدُن، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: صحّح النوويّ - ﵀ - في «شرحه» قول من قال بصحبة جُنادة، لكن الذي صوّبه الحافظ رحمه الله تعالى أنهما اثنان: أحدهما، صحابيّ، والآخر تابعيّ، وهو المترجم هنا، ودُونَك نصّه في «التقريب»: والحقّ أنهما اثنان: صحابيّ، وتابعيّ، متّفقان في الاسم وكنية الأب، وقد بيّنتُ ذلك بأدلته في كتابي في الصحابة، ورواية جُنادة الأزديّ عن النبيّ - ﷺ - في «سنن النسائيّ»، ورواية جُنادة بن أبي أميّة عن عبادة بن الصامت في الكتب الستة. انتهى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ. والله تعالى أعلم. قال الواقديّ، وخليفة، وغيرهما: مات سنة (٨٠)، زاد الواقديّ: وكان ثقة، صاحب غزو، وقيل: مات سنة (٨٦)، وقيل: سنة (٧٥) . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (١٧٠٩): «بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا». ٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس بن أَصْرم بن فِهر بن قيس بن ثعلبة بن غَنْم بن سالم بن عوف بن عَمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجيّ، أبو الوليد، قال خليفة بن خياط: وأمه قُرّة العين بنت عبادة بن نَضْلَة بن العجلان، شهد بدرًا. وقال ابن سعد: كان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين أبي مَرْثَد الْغَنَوِيّ، وشَهِد المشاهد كلها بعد بدر. وقال ابن يونس: شَهِد فتح مصر، وكان أمير ربع الْمَدَد. وفي «الصحيحين» عن الصُّنابحي، عن عبادة قال: أنا من النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ - ليلة العقبة … الحديث. وروى عن النبيّ - ﷺ - كثيرًا، وروى عنه أبناؤه: الوليد، وداود، وعبيد الله، وحفيداه: يحيى، وعبادة ابنا الوليد، وإسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يدركه، ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورفاعة بن رافع، وشُرَحبيل بن حسنة، وسلمة بن الْمُحَبِّق، وأبو أمامة، وعبد الرَّحمن بن غنْم، وفَضَالة بن عبيد، ومحمود بن الربيع، وغيرهم من الصحابة، والأسود بن ثعلبة، وجُبير بن نفير، وجنادة بن أبي أمية، وحطان بن عبد الله الرقاشي، وعبد الله بن محيريز، وأبو عبد الرَّحمن الصنابحي، وربيعة بن ناجذ، وعطاء بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب، ونافع بن محمود بن ربيعة، ويعلى بن شداد بن أوس، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو إدريس الخولاني، وخلق كثير. أخرج حميد بن زنجويه في كتاب «الترغيب» من طريق أبي الأشعث، أنه راح إلى مسجد دمشق، فلقي شداد بن أوس، والصنابحي، فقالا: اذهب بنا إلى أخ لنا نعوده، فدخلا على عبادة، فقالا: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بنعمة من الله وفضل. قال عبد الصمد بن سعيد في «تاريخ حمص»، وهو أول من ولي قضاء فلسطين. ومن مناقبه ما ذُكِرَ في «المغازي» لابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الصامت قال: لما حارب بنو قينقاع بسبب ما أمرهم عبد الله بن أُبَيّ، وكانوا حلفاءه، فمشى عبادة بن الصامت، وكان له حِلْف مثل الذي لعبد الله بن أُبَيّ، فخلعهم، وتبرأ إلى الله ورسوله من حِلْفهم، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٥١]. وذكر خليفة أن أبا عبيدة ولّاه إِمْرَة حمص، ثم صرفه، ووَلَّى عبد الله بن قُرْط. وروى ابن سعد في ترجمته من طريق محمد بن كعب القرظي، أنه ممن جمع القرآن في عهد النبيّ - ﷺ -، وكذا أورده البخاري في «التاريخ» من وجه آخر عن محمد بن كعب، وزاد: فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى عمر، قد احتاج أهل الشام إلى من يُعَلِّمهم القرآن، ويفقههم، فأرسل معاذًا وعبادة وأبا الدرداء، فأقام عبادة بفلسطين. وقال السراج في «تاريخه» حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن جنادة: دخلت على عبادة، وكان قد تفقه في دين الله. هذا سند صحيح. وفي مسند إسحاق بن راهويه، و«الأوسط» للطبراني من طريق عيسى بن سنان، عن يعلى بن شداد، قال: ذكر معاوية الفرار من الطاعون، فذكر قصة له مع عبادة، فقام معاوية عند المنبر، بعد صلاة العصر، فقال: الحديث كما حدثني عبادة، فاقتبِسُوا منه، فهو أفقه مني. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية، وإنكاره عليه أشياء، وفي بعضها رجوع معاوية له، وفي بعضها شكواه إلى عثمان منه، تدل على قوته في دين الله، وقيامه في الأمر بالمعروف. ورَوَى ابن سعد في ترجمته أنه كان طِوَالا جميلًا جسيمًا، ومات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وكذا ذكره المدائني، وفيها أرّخه خليفة بن خياط، وآخرون منهم من قال: مات ببيت المقدس. وأورد ابن عساكر في ترجمته أخبارًا له مع معاوية، تدل على أنه عاش بعد ولاية معاوية الخلافة، وبذلك جزم الهيثم بن عديّ، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. قاله في «الإصابة» . وفي «تهذيب التهذيب»: قال ابن سعد، عن الواقدي، عن يعقوب بن مجاهد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه: مات بالرملة سنة أربع وثلاثين، وهو ابن (٧٢) سنة. قال ابن سعد: وسمعت من يقول: إنه بقي حتى توفي في خلافة معاوية، وكذا قال الهيثم بن محمدي. وقال دُحَيم: توفي ببيت المقدس. وقال ابن حبان: هو أول من ولى القضاء بفلسطين. وقال سعيد بن عُفَير: كان طوله عشرة أشبار . أخرج له الجماعة، وله (١٨١) حديثًا، اتفق. الشيخان على ستة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بحديثين وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، في أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فخُوَارزميّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث إلَّا في موضع واحد. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ كبير: عمير، عن جُنادة. ٦ - (ومنها): أن صحابيِّه - ﵁ - من كبار الصحابة، جمّ المناقب، فإنه أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وأنه أول من ولي القضاء بفلسطين - ﵁ -. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أنه قال: (حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) الأنصاريّ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ») شرطيّةٌ مبتدأ جوابها «أدخله الله إلخ»، أو موصولة مبتدأ خبره الجملة المذكورة (قَالَ: أَشْهَدُ) أي من تكلّم بها، عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فلا بدّ في الشهادتين من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، أي أنه (لا إِلَهَ) أي لا معبود بحقّ (إِلَّا الله وَحْدَهُ) تأكيد للإثبات، وهو منصوب على الحال بتأويله بـ «منفردًا»، كما قال في «الخلاصة»: وَالْحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعْنًى كَـ «وَحْدَكَ اجْتَهِدْ» أي حال كونه منفردًا في ربوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته. وقوله: (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، وهو تأكيد للنفي. [تنبيه]: قال الوزير أبو المظفر رحمه الله تعالى في «الإفصاح»: قوله: «شهادة أن لا إله إلَّا الله» يقتضي أن يكون الشاهد عالِمًا بأنه لا إله إلَّا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، قال: واسم «الله» مرتفع بعد «إلَّا» من حيث إنه الواجب له الإلهيّة، فلا يستحقها غيره - ﷾ -، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لَمَّا نَفَيتَ الإلهيَّة، وأثبت الإيجاب لله - ﷾ - كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله. وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى في «المبدائع» ردًّا لقول من قال: إن المستثنى مُخرج من المستثنى منه، قال: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثني، إذ لو كان كذلك لَمْ يدخل الرجل في الإسلام بقوله: «لا إله إلَّا الله»؛ لأنه لَمْ يُثبت الإلهيّة لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمّنت بالوضع نفي الإلهيّة عمّا سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيّته أعظم من دلالة قولنا: «الله إله»، ولا يستريب أحدٌ في هذا البتّة. انتهى. وقال أيضًا: «الإله» هو الذي تالهه القلوب محبّةً وإجلالًا وإنابةً، وإكرامًا وتعظيمًا، وذُلًّا وخضوعًا، وخوفًا ورجاءً، وتوكّلًا. وقال شيخ الإسلام: «الإله» هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحقّ أن يُعبَد، وكونه يستحقّ أن يُعبد هو بما اتّصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحبّ، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تُؤَلِّهُهُ القلوب بحبها، وتخضع له، وتذلّ له، وتخافه وترجوه، وتُنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها وتلجأ إليه، وتطمئنّ بذكره، وتسكن إلى حبّه، وليس ذلك إلَّا اللهُ وحده، ولهذا كانت «لا إله إلَّا الله» أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لَمْ يُصحّحها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله. انتهى. وقال ابن رجب: «الإله» هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا، ومحبَّةً وخوفًا ورجاء، وتَوَكُّلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلّه إلَّا لله - ﷿ -، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهيّة كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: «لا إله إلَّا الله»، وكان فيه من عبوديّة المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك. انتهى . (وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي وشهِدَ بذلك، وهو معطوف على «أن لا إله إلَّا الله»، وهذان الوصفان أخصّ أوصاف النبيّ - ﷺ -، ولذا وصفه الله تعالى بالعبوديّة في أسمى المقام، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ)، أي خلافًا لما يعتقده النصارى أنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]. فلا بدَّ للمكلف أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه مملوك لله، خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فليس ربًّا ولا إلهًا، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٦]، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ الآية [النساء: ١٧٢]. ولا بدّ أيضًا أن يشهد ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغيّ، لعنهم الله تعالى، فلا يصحّ إسلام أحد علم ما يقولونه حتى يتبرّأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى - ﵇ -، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: إنه عبد الله ورسوله. وقوله: (وَكَلِمَتُهُ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي عيسى - ﵇ - كلمةً؛ لأنه كان بكلمة الله، قيل: هي قوله: «كن»، فكان، وقيل: هي الرسالة التي جاء بها الملك لأمه مبشّرًا به عن أمر الله، كما ذكره في كتابه، وقال ابن عبّاس في: الكلمة اسم عيسى. انتهى . وقال النوويّ: سُمّي كلمةً؛ لأنه كان بكلمة «كن» فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، وقال الهرويّ: سُمِّي كلمة؛ لأنه كان عن الكلمة، فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمةٌ. انتهى . وقال في «الفتح»: وقوله: «وكلمته»: إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمِّي كلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله: «كن»، فلما كان بكلامه سُمِّي به، كما يقال: سيف الله، وأسد الله، وقيل: لَمّا قال في صغره: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] . وقال القرطبيّ: اختُلف في وصف عيسى ﵇ بكونه كلمة، فقيل: لأنه تكوَّن بكلمة «كن» من غير أب، وقيل: لأن الملك جاء أمَّه بكلمة البشارة به عن أمر الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل: في ذلك. انتهى . وقال التوربشتيّ: «الكلمة» تقع على كلّ واحد من الأنواع الثلاثة: الاسم، والفعل، والحرف، وتقع على الألفاظ المنظومة، والمعاني المجموعة تحتها، وبهذا تُستعمل في القضيّة، والحكم، والحجة، وبجميعها ورد التنزيل، وكأنّ الكلام أُخذ من الكَلْم، فإن الكَلْمِ يُدرك تأثيره بحاسّة البصر، والكلام يُدرك تأثيره بحاسّة السمع، وأما تسمية عيسى بالكلمة، فإنه حجة الله تعالى على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقد قيل: إنه سُمي كلمةً؛ لكونه مُوجَدًا بـ «كن»، وقيل: لما انتُفع بكلامه سمي به، كما يقال: فلان سيف الله، وأسد الله، وقيل: لما خصّه الله به في صغره، حيث قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية [مريم: ٣٠] . (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها ، وقيل: معنى «ألقاها»، أي أعلمها بها، يقال: ألقيتُ عليك كلمة: أي أعلمتك بها، قاله القاضي عياض . وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه، ثم استُعمل في كلّ طرح، ويقال: أبيقيتُ إليك قولًا، وسلامًا، وكلامًا، ومودّةً، وألقى الله الشيء في القلب: قذفه، وألقى القرآن: أوحى به، وأنزله . وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته القاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل - ﵇ - إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه - ﷿ -، فكان عيسى بإذنه - ﷿ -، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: ﴿كُنْ﴾ البقرة: ١١٧، فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل - ﵇ -، وكانت تلك النفخة التي نَفَخَها في جيب دِرْعها، فَنَزَلت حتى وَلَجَت فرجها بِمَنْزِلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله - ﷿ -، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله، وروح منه؛ لأنه لَمْ يكن له أبُ تَوَلَّدَ منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروحِ التي أَرسل بها جبريل - ﵇ -. قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطيّ، قال: سمعت شاذ بن يحيى، يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، قال ابن كثير: وهذا أحسن مما ادّعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]: أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]: أي يُعْلمك بكلمة منه، ويَجْعَلُ ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، بل الصحيح أنَّها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فَنَفَخَ فيها بإذن الله، فكان عيسى - ﵇ -. قال: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]: أي من خلقه، ومن عنده، وليست «من» للتبعيض، كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]: أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من رُوح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة، والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما وَرَدَ في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره»، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد . انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها، كعيسى وجبريل - ﵇ - وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين: [أحدهما]: أن تضاف إليه؛ لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شاملٌ لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله. [الوجه الثاني]: أن يُضاف إليه لما خصّه به من معنى يُحبّه، ويأمر به، ويرضاه، كما خصّ البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله تعالى ورسوله - ﷺ -، ومن هذا الوجه، فعباد الله هم الذين عبَدُوه، وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمّن ألوهيّته، وشرعه، ودينه، وتلك إضافة تتضمّن ربوبيته وخَلْقه. انتهى ملخّصًا . وقوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمِّي عيسى - ﵇ - «روح الله»، و«روح منه»؛ لأنه حَدَث من نفخة جبريل - ﵇ -، فنسبه الله إليه؛ لأنه كان عن أمره، وسُمّي النفخ رُوحًا؛ لأنه ريحٌ يخرُج من الروح، قاله مكيّ، وفي هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه: حياة منه، وقيل: رحمةٌ منه، والروح: الرحمة، كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١]، وقيل: روح منه: برهان لمن اتّبعه، وقيل: لأنه لَمْ يكن من أب، كما في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما كان جعل الروح فيه بلا واسطة، قاله الحربيّ . وقيل: و«روح منه»، أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم له - ﷾ -، ومن عنده . وقال في «الفتح»: سمّاه بالروح؛ لأجل ما أقدره الله عليه من إحياء الموتي، وقيل: لكونه ذا روح، وُجِد من غير جزء من ذي روح . وقال القرطبيّ: سمّي عيسى - ﵇ -، روح الله؛ لأنه حَدَثَ عن نفخة الملك، وإضافته إلى الله تعالى؛ لأن ذلك النفخ كان عن أمره وقدره، وسُمّي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرُج من الروح، وقيل: سُمّي بذلك؛ لأنه روح لمن اتّبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروح من غير واسطة أب، كما قال تعالى في آدم - ﵇ -: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]. [فائدة]: ذكر الطيبيّ أنه روي أن عظيمًا من النصارى سمع قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا دين النصارى؟ يعني هذا يدلّ على أن عيسى - ﵇ - بعض منه، فأجاب علي بن الحسين بن واقد صاحب «كتاب النظائر»: أن الله تعالى يقول أيضًا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد بقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] بعض منه، وجزءٌ منه لكان قوله هنا: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] معناه بعض منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيّ. ومعنى الآية أنه تعالى سخّر هذه الأشياء كائنةً منه، وحاصلةً من عنده، يعني أنه مكوّنها، ومُوجِدها بقدرته وحكمته، ثم سخّرها لخلقه. انتهى . (وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ) أي الجَنَّة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدّها للمتّقين، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١] حقّ، أي ثابتة لا شكّ فيها، (وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ)، أي: وأن النار التي أخبر بها في كتابه أنه أعدّها للكافرين، فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، كذلك ثابتةٌ. وقال الطيبي رحمه الله تعالى: لعله - ﷺ - إنما ذكر الجنّة والنار، وأخبر عنهما بقوله: «حقّ»، وهو مصدرٌ للمبالغة في حقّيّته، وأنهما عين الحق، كقولك: زيد عَدْلٌ؛ تعريضًا بالزنادقة، ومن يُنكر دار الثواب ودار العقاب. انتهى . (أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخولَ الجَنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي في «كتاب الزكاة»، فإنه فيه ما يقتضي أن كلّ من كان من أهل الجنّة إنما يدخل من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله الداخل غالبًا، فإنه قال فيه: «فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرّيّان …» الحديث . قال: والتوفيق أنّ كلَّ من يدخل الجَنَّة مُخَيَّر في الدخول من أيّ باب شاء، غير أنه إذا عُرِضَ عليه الأفضل في حقّه، دخل منه مُختارًا للدخول منه، من غير جبر عليه، ولا منع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر - ﵁ -: ما على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة. انتهى . وقال الحافظ بعد ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فاعل «شاء» هو الله تعالى، والمعنى أن الله يوفقه لعملٍ يُدخله برحمة الله من الباب الْمُعَدّ لعامل ذلك العمل. انتهى . وتوجيه القرطبي أقرب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى التجيبي، واللفظ لأبي الطاهر، قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «من أنفق زوجين في سيل الله نودي في الجَنَّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريّان»، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحد يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله - ﷺ -: «نعم، وأرجو أن تكون منهم». مسائل تتعلَّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [١٠/ ١٤٧] (٢٨) عن داود بن رُشيد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر - و(١٠/ ١٤٨) عن أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، عن مُبشّر بن إسماعيل، عن الأوزاعيّ - كلاهما عن عُمير بن هانيّ، عن جُنادة بن أبي أُميّة، عن عبادة - ﵁ -. و(البخاريّ) في «أحاديث الأنبياء» ٤/ ٢٠١ (٣٤٣٥) عن صدقة بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وعبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر، كلاهما عن عمير بن هانئ به. و(النسائيّ) في «التفسير» (١١١٣٢) و«عمل اليوم والليلة» (١١٣١) عن محمود بن خالد، عن عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعيّ به، وفي «عمل اليوم والليلة» (١١٣٠) عن عمرو بن منصور، عن أبي مُسهر، عن صدقة بن خالد، عن عبد الرَّحمن بن يزيد بن جابر به. و(أحمد) في «مسنده» ٥/ ٣١٣ و٣١٤ و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨) و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٣٣ و١٣٤ و١٣٥)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٢٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): أن هذا الحديث حديثٌ عظيم الموقع، وهو أجمعُ، أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد، فإنه - ﷺ - جَمَعَ فيه ما يُخْرِج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم، وتباعدها، فاختصر - ﷺ - في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم . ٢ - (ومنها): بيان فضل هؤلاء الكلمات، حيث إنها توجب دخول الجَنَّة، من أيّ أبوابها شاء. ٣ - (ومنها): إنما جمع في قوله: «وأن محمدًا عبده ورسوله»، بين الوصفين؛ تحذيرًا عن الإفراط والتفريط، فإن كثيرًا ممن يدّعي أنه من أمته يُفْرِط بالغلوّ قولًا وفعلًا، فيرفعه فوق مَنْزلته من العبوديّة، ويُفَرّط بترك متابعته، معتمدًا على آرائه، أو آراء مقلّديه المخالفة لما جاء به، ويتعسّف في تأويل أخباره وأحكامه بصرفها عن مدلولها، فشهادة أن محمدًا عبده ورسوله تنافي ذلك؛ لأنَّها تقتضي الإيمان به، وتوجب تصديقه فيما به أخبر، وطاعته فيما به أَمَر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وأن تُعَظَّم سنّته، ولا يُقدّم عليها قول أحد كائنًا من كان. وقد بيّن هذا في الحديث الآخر، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» من حديث عمر - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله». وقد ورد وصفه بهاتين الصفتين في الكتب السابقة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» (٢١٢٥) عن عطاء بن يسار، قال: لَقِيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا«. ٤ - (ومنها): بيان بطلان - ما عليه النصارى من اعتقادهم في عيسى - ﵇ - أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. ٥ - (ومنها): بيان ضلال اليهود الذين يعتقدون في عيسى وأمه - ﵇ - ما لا يليق بهما، من أنَّها حملته من الزنا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. ٦ - (ومنها): بيان فضل عيسى - ﵇ - حيث إنه كلمة الله تعالى، وروح منه. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه - ﵇ -، والتحذير من ذلك بأن عيسى عبد الله، لا إله، ولا ولد، وأمّه أَمَةُ الله تعالى، ومملوكة له، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا. ويُستَفاد منه ما يُلَقَّنه النصرانيّ إذا أسلم، وقال غيره: في ذكر عيسى - ﵇ - تعريض بالنصاري، وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض، وكذا قوله: «عبد الله»، وفي ذكر «رسوله» تعريض باليهود في إنكارهم رسالته، وقذفه بما هو مُنَزّه عنه، وكذا أمه، وفي قوله: «وابن أمته» تشريف له، وكذا تسميته بالروح، ووصفه بأنه منه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فالمعنى أنه كائن منه كما أن معنى الآية الأخرى أنه سَخّر هذه الأشياء كائنة منه، أي أنه مُكَوِّن كلّ ذلك، ومُوجِده بقدرته وحكمته . ٨ - (ومنها): إثبات الجَنَّة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة، وأن الإيمان بحقيّتهما من أصول الدين. ٩ - (ومنها): أن الجنّة لها أبواب، وأنها ثمانية. ١٠ - (ومنها): أن بعض عباد الله يخيّرون في دخول الجَنَّة من أيّ أبوابها شاؤوا، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]، اللهم ارزقنا الجَنَّة، وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار، وما قرّب إليها من قول وعمل، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٨] (٣٠) - (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقيُّ) النُّكْريّ البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٤٦) (م د، ق) ٥/ ٦٦. ٢ - (مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَلَبيّ، أبو إسماعيل الكلبيّ مولاهم، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وحسان بن نوح، وتَمَّام بن نَجِيح، وجعفر بن بُرْقان، والأوزاعي، ومُعَان بن رِفَاعَةَ، وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن موسى الرازي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مِهْرَان الجمّال، وموسى بن عبد الرَّحمن الأنطاكي، ومحمد بن إبراهيم بن العلاء، وغيرهم. قال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان ثقةً مأمونًا، ومات بحلب سنة مائتين. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أحمد بن حنبل. وقال ابن قانع: ضعيف، وقال الذهبي: تُكُلِّم فيه بلا حجة. وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٧٥٣): «أن الفتيا التي كانوا يُفتون بها الماء من الماء …». ٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقة ثبت فقيه إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) ٥/ ٢٨. ٤ - (عُمَيْرُ بْنُ هَانِئ) المذكور في السند الماضي. وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) الإشارة إلى الإسناد الماضي. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت - ﵁ -. وقوله: (غَيْرَ أنهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: «عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، بدل قوله:»مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ«. [تنبيه]: لفظ رواية الأوزاعيّ ساقها أبو نعيم في«مستخرجه»(ج ١ ص ١٢٢)، فقال: (١٣٣) - حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يعلى بن الوليد بن عبد العزيز الْعَنسيّ، ثنا مُبَشِّر بن إسماعيل الْحَلبيّ، عن الأوزاعيّ، عن عُمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - ﷺ -:«من شَهِدَ أن لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، أدخله الله الجَنَّة على ما كان من عمل». وقوله: (أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ) ولفظ البخاريّ:«من العمل»بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي يدخله الجنّة، ولا بُدّ، سواء كان عمله صالحًا، أو سيّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبِيَ ثوابها على ذلك العمل السيّيء، وكلُّ ذلك يحصُلُ - إن شاء الله - لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفًا. انتهى . وقال في«الفتح»: معنى قوله:«على ما كان عليه من العمل»: أي من صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجَنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله:«على ما كان من العمل»: أي يَدْخُل أهل الجَنَّة الجَنَّة على حسب أعمال كُلٍّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله:«على ما كان عليه من العمل»، دليلٌ على المعتزلة في مقامين: [أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله:«من قال: أشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله إلخ». [وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله:«على ما كان من عمل»حال من قوله:«أدخله الله الجَنَّة»، كما في قولك: رأيت فلانًا على أكل، أي آكلًا، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلَّا إذا أُدخل قبل استيفاء العقوبة. [فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة. [قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ. قال الطيبي: أقول: إن التعريف في «العمل» للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه قوله: «وإن زنى وإن سرق» في حديث أبي ذرّ - ﵁ - الآتي، وقوله: «على ما كان عليه» حال كما في قول الحماسيّ [من الطويل]: فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى قَتِيلًا رُزِئْتُهُ … بِجَانِبِ قَوْسِي مَا مَشَيْتُ عَلَى الأَرْضِ عَلَى أَنَّهَا تَعْفُو الْكُلُومُ وَإِنَّمَا … يُوَكَّلُ بِالأَدْنَى وَإِنْ جَلَّ مَا يَمْضِي قال أبو البقاء: «على» وما يتّصل بها حال، أي ما أنسى بهذا الرَّزْء في حال الكلوم، أي حالي مُخالف لحال غيري في استدامة الحُزْن، فالمعنى من يشهد أن لا إله إلَّا الله يدخل الجنّة في حال استحقاقه العذاب بموجب أعماله من الكبائر، أي حال هذا مخالفة للقياس في دخول الجنّة، فإن القياس يقتضي أن لا يدخل الجَنَّة مَنْ شأنه هذا، كما زعمت المعتزلة، وإلى هذا المعنى ذهب أبو ذرّ - ﵁ - في قوله: «وإن زنى وإن سرق»، وردّ بقوله: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرّ». انتهى كلام الطيبيّ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٤٩] (…) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْه، وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ، إِلا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) ٨/ ١٣٢. ٢ - (لَيْثٌ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» ٢/ ٣٩٧. ٣ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو محمد بن عجلان القرشيّ، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، أبو عبد الله المدنيّ، أحد العلماء العاملين، صدوقٌ، إلَّا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، ورجاء بن حيوة، وسُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن، وصيفي مولى أبي أيوب، وعامر بن عبد الله بن الزبير، والأعرج، وأبي الزناد، وعكرمة، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وغيرهم. ورَوَى عنه صالح بن كيسان، وهو أكبر منه، وعبد الوهاب بن بُخْت، ومات قبله، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو من أقرانه، ومالك، ومنصور، وشعبة، وزياد بن سعد، والسفيانان، والليث، وسليمان بن بلال، ويحيى القطان، وخلق كثير. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا محمد بن عجلان، وكان ثقة. وقال أيضًا: سألت أبي عن محمد بن عجلان، وموسى بن عقبة؟ فقال: جميعًا ثقة، وما أقربهما. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقدمه على داود بن قيس الفراء. وقال الدُّوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمرو، وما يشك في هذا أحد. كان داود بن قيس: يجلس إلى ابن عجلان يتحفظ عنه، وكان يقول: إنها اختطلت على ابن عجلان - يعني أحاديث سعيد المقبري -. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق وسط. وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات. وقال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا فقيهًا، وكانت له حلقة في المسجد، وكان يفتي. وقال العجلي: مدني ثقة. وقال الساجي: هو من أهل الصدق، لَمْ يحدث عنه مالك إلَّا يسيرًا. وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا. وقال يحيى القطان عن ابن عجلان: كان سعيد المقبري يحدث عن أبي هريرة، وعن أبيه عن أبي هريرة، وعن رجل عن أبي هريرة، فاختلطت عليه، فجعلها كلها عن أبي هريرة. ولَمّا ذكر ابن حبان في كتاب «الثقات» هذه القصة قال: ليس هذا بِوَهْنٍ يُوَهَّنُ الإنسانُ به؛ لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة، وربما قال ابن عجلان: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهذا مما حُمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته، فلا يجب الاحتجاج إلَّا بما يروي عنه الثقات. وقال العقيلي: يضطرب في حديث نافع. وقال الواقدي: سمعت عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِل بأبي أكثر من ثلاث سنين، قال: وقد رأيته، وسمعت منه، ومات سنة ثمان أو تسع وأربعين ومائة، وكان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن يونس: قدم مصر، وصار إلى الإسكندرية، فتزوج بها امرأة، فأتاها في دبرها، فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك، فصاحوا به، فخرج منها، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وأربعين. علّق له البخاريّ، وأخرج له المصنف في المتابعات، ولم يحتج به، وله عنده في هذا الكتاب (١٥) حديثًا، وأخرج له الأربعة. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح المهملة، وتشديد الموحّدة - ابن مُنْقِذ بن عمرو بن مالك بن خَنْسَاء بن مَبْذُول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النّجّار الأنصاريّ المازنيّ، أبو عبد الله الأنصاريّ المدنيّ، ثقة فقيه [٤]. رَوَى عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خَديج، وأنس، وعَبّاد بن تميم، ويحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري، والأعرج، وعمرو بن سليم الزُّرَقيّ، وعبد الله بن مُحيريز، وغيرهم. ورَوَى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد ربه بن سعيد، وربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، وربيعة بن عثمان التيمي، وابن عجلان، وابن إسحاق، ومالك، وآخرون. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الواقدي: كانت له حلقة في مسجد المدينة، وكان يفتي، وكان ثقة، كثير الحديث، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا. ٥ - (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) هو: عبد الله بن مُحَيريز - بمهملة، وراء، آخره زاي، مصغّرًا - ابن جُنَادة بن وهب بن لُوذان بن سَعْد بن جُمَح بن عَمْرو بن هُصَيص الْجُمحيّ - بضم الجيم، وفتح الميم، بعدها مهملة - أبو مُحَيريز المكيّ، من رَهْط أبي مَحْذُورة، وكان يتيمًا في حَجْرِه، نَزَلَ الشامَ، وسَكَنَ بيت المقدس، ثقة عابدٌ [٣]. رَوَى عن أبي محذورة، وأبي سعيد الخدريّ، ومعاوية، وأبي صِرْمَة الأنصاريّ، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن السَّعْديّ، وأم الدرداء، وغيرهم. وروى عنه عبد الملك بن أبي محذورة، وعبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، ومكحول الشاميّ، وبسر بن عبد الله الحضرميّ، وغيرهم. قال أبو زرعة: ابن مُحَيريز الْمُقَدَّم - يعني على خالد بن معدان - وكان الأوزاعيّ لا يذكر خمسة من السلف، إلَّا ذكر فيهم ابن مُحَيريز، ورَفَع من ذكره وفضله، قال دُحَيم: ورأيته أجلَّ أهل الشام عند أبي زرعة، بعد أبي إدريس، وأهلِ طبقته، وقال ضمرة عن الأوزاعيّ: كان ابن أبي زكريا يَقْدَمُ فلسطين، فيَلْقَى ابن محيريز، فتتصاغر إليه نفسه؛ لِمَا يَرَى من فضل ابن محيريز، وقال رَجَاء بن حَيْوَة: إن كان أهل المدينة لَيَرون ابن عمر فيهم أَمَانًا، وإنّا نَرَى ابن محيريز فينا أمانًا، وعن الأوزاعي قال: من كان مقتديًا فليقتد بمثل ابن محيريز، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقةٌ، من خيار المسلمين، وقال ابن أبي خيثمة: لَمْ يكن أحدٌ بالشام يَعِيب الحجاج علانية إلَّا ابن محيريز، وفي «الزهد» لأحمد عن أبي زرعة الشيباني: لَمْ يكن بالشام يُظْهِرُ عيب الحجاج إلَّا ابن محيريز، وأبو الأبيض الْعَنْسيّ، وقال له الوليد. لَتَنْتهِيَنَّ عنه، أو لأَبْعَثَنّ بك إليه. وقد ذكره العقيليّ في «الصحابة»، وساق بسنده إلى أبي قلابة، عن ابن محيريز، وكانت له صحبة، فذكر خبرًا. قال الحافظ: وهذا إن كان محفوظًا يكون صحابيًّا لَمْ يُسَمَّ، وأما عبد الله، فتابعيّ لا ريب فيه، وقد بالغ ابن عبد البر في الإنكار على الْعُقيليّ في ذلك، وقال ابن خِرَاش: كان من خيار الناس، وثقات المسلمين، وقال النسائيّ: ثقة. قال خليفة: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال ضمرة بن ربيعة: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكذا قال ابن حبان في «الثقات». قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: مات سنة تسع وتسعين، انتهي، وهو مقضى قول الهيثم بن محمديّ: إنه مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وأما الكلاباذيّ، فقال في «رجال البخاريّ»: مات في خلافة الوليد بن عبد الملك كما تقدم. انتهى . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا، و(٣٧٩) و(١٤٣٨) وأعاده بعده. ٦ - (الصُّنَابحيّ) عبد الرَّحمن بن عُسَيلة - بمهملة، مصغّرًا - ابن عِسْل بن عَسّال المراديّ، أبو عبد الله الصُّنَابحيّ ، من كبار التابعين، رَحَلَ إلى النبيّ - ﷺ -، فوجده قد مات، وهو في الطريق، وهو بالجحفة، قبل أن يَصِلَ إلى المدينة بخمس ليال، أو ست، فسمع أبا بكر الصديق، وخلائق من الصحابة ﵃ أجمعين. رَوَى عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، وعن أبي بكر، وعمر، وعليّ، وبلال، وسعد بن عبادة، وعمرو بن عَبَسَةَ، وشداد بن أوس، ومعاذ بن جبل، ومعاوية، وعائشة. وروى عنه أسلم مولى عمر، وربيعة بن يزيد الدمشقيّ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزنيّ، وعطاء بن يسار، وسُويد بن غَفَلة، وعبد الله بن محيريز، ومحمود بن لبيد الأنصاريّ، وعبد الله بن سعد البجليّ الكاتب، وجماعة. قال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: هؤلاء الصنابحيون الذين يُرْوَى عنهم في العدد ستة، وإنما هما اثنان فقط: الصنابحيّ الأحمسيّ، وهو الصنابح الأحمسيّ، هذان واحد، مَن قال فيه: الصنابحيّ فقد أخطأ، وهو الذي يروي عنه الكوفيون، والثاني: عبد الرَّحمن بن عُسَيلة، كنيته أبو عبد الله، لَمْ يدرك النبيُّ - ﷺ -، بل أرسل عنه، وروى عن أبي بكر وغيره، فمَن قال عن عبد الرَّحمن الصنابحيّ، فقد أصاب اسمه، ومن قال: عن أبي عبد الله الصنابحيّ، فقد أصاب كنيته، وهو رجل واحد، ومن قال: عن أبي عبد الرَّحمن، فقد أخطأ، قَلَبَ اسمه، فجعله كنيته، ومَن قال: عن عبد الله الصنابحيّ، فقد أخطأ، قَلَب كنيته، فجعلها اسمه، هذا قول علي بن المدينيّ، ومن تابعه، وهذا الصواب عندي، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، وكان كثير المناقب، فمن أجلّها ما أخرجه الطبراني في مسند عبادة، من طريق ابن محيريز، قال: عُدْنَا عبادة بن الصامت، فأقبل أبو عبد الله الصنابحيّ، فقال عبادة: مَن سَرَّه أن ينظر إلى رجل، عُرِج به إلى السماء، فنَظَرَ أهل الجَنَّة، وأهل النار، فرَجَعَ وهو يعمل على ما رأي، فلينظر إلى هذا. وذكر ابن حبان في «الثقات» عبد الرَّحمن بن عسيلة نحو ما ذكره ابن سعد، وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقال ابن معين: تأخر إلى زمن عبد الملك بن مروان، وكان عبد الملك يُجلسه معه على السرير، وذكره البخاري في «التاريخ الأوسط» في «فصل من مات ما بين السبعين والثمانين». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث (١٧٠٩): «بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا …». ٧ - (عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه اجتمع فيه أربعة تابعيون، يروي بعضهم عن بعض: ابن عجلان، عن ابن حَبّان، عبد الله بن مُحَيريز، عن الصُّنَابحيّ. ٣ - (ومنها): أن الصُّنابحيّ هذا، وهو تابعيّ كبير، ربما اشتبه على من لا دراية له بمعرفة الرجال بالصُّنابح بن الأعسر الصحابيّ - ﵁ -، فينبغي الانتباه لهذا الفرق. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الصُّنَابحِيِّ) - بضم الصاد المهملة - عبد الرَّحمن بن عُسَيلة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعةٌ حسنةٌ، وتقديره: عن الصُّنابحيّ أنه حَدَّثَ عن عبادة بحديث، قال فيه: دَخلتُ عليه، ومثله ما سيأتي قريبًا في «كتاب الإيمان»، في حديث: «ثلاثة يُؤْتَون أجرهم مرتين»، قال مسلم - ﵀ -: حدثنا يحيى بن يحيى، قال. أنا هشيم، عن صالح بن صالح، عن الشعبيّ، قال: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، فقال: يا أبا عمرو إن من قبلنا من أهل خراسان، ناس يقولون كذا، فقال الشعبيّ: حدثني أبو بردة، عن أبيه … فهذا الحديث من النوع الذي نحن فيه، فتقديرّه: قال هشيم: حدثني صالح، عن الشعبيّ بحديثٍ قال فيه صالح: رأيت رجلًا سأل الشعبيّ، ونظائر هذا كثير، سننبه على كثير منها في مواضعها - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيد. (وَهُوَ فِي الْمَوْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير «عليه»، أي والحال أن عبادة رمنه في حال الموت، أي ظهرت عليه أماراته (فَبَكَيْتُ) بفتح الكاف، من باب ضرب، قال الأبيّ رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون بكاؤه لِمَا رأى به من كرب الموت، أو لفقده الانتفاع به، والأظهر أنه لذكره القدوم على الله تعالى؛ لأنه المناسب لتسليته بما ذُكر. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأظهر بكناؤه تأسّفًا على ما فقده من الانتفاع به، ولما رآه من كرب الموت عليه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: مَهْلًا) بإسكان الهاء، وتُفتح ، ومعناه أنظرني، قال الجوهري : يقال: مَهْلًا يا رجل، بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث، وهي موحدة، بمعنى أَمْهِلْ، فإذا قيل لك: مهلًا، قلت: لا مَهْلَ والله، ولا تقل: لا مهلًا والله، وتقول: ما مَهْلٌ والله بمغنية عنك شيئًا، قال الكميت [من الوافر]: أَقُولُ لَهُ إِذَا مَا جَاءَ مَهْلًا … وَمَا مَهْلٌ بِوَاعِظَةِ الْجَهُولِ قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس فيه نهيٌ عن البكاء، لأن النهي إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفي بكاء بصفة مخصوصة، تأتي مفسَّرة - إن شاء الله - في «الجنائز»، انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي بهذا إلى حديث جابر بن عَتِيك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله - ﷺ - فلم يُجِبه، فاسترجع رسول الله - ﷺ - وقال: غُلِبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبَكَيْنَ، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله - ﷺ -: «دَعْهُنّ، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنّ باكية»، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت … الحديث . والحاصل أن الجمهور على جواز البكاء قبل الموت، والأولى تركه بعد الموت، وهذا الحكم خاصّ بجريان الدمع من أثر الرحمة وحزن القلب، دون ندب ونياحة، فإن ذلك وأمثاله من لطم الخدود، وشقّ الجيوب، وخمش الوجوه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، كلّ ذلك محرم بلا خلاف بين العلماء، وعلى الصفة الأولى حملوا الأحاديث الواردة في إباحة البكاء، وعلى الصفة الثانية حملوا الأحاديث الواردة في النهي عنه، جمعًا بين الأدلّة، وسيأتي تمام البحث في هذا في «كتاب الجنائز» - إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم. (لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي طُلب منّي أن أَشْهَدَ (لأَشْهَدَنَّ لَكَ) أي بكونك من أهل الخير والصلاح (وَلَئِنِ شُفِّعْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي قُبِلت شفاعتي (لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ) بحذف المفعول بدليل ما بعده، أي النفعَ لك (لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ) عبادة - ﵁ - (وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنه كَتَمَ ما خَشِيَ عليهم المضرّة فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كلّ واحد، وذلك فيما ليس تحته عَمَلٌ، ولا فيه حَدٌّ من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة - ﵃ - كثيرٌ في ترك الحديث بما ليس تحته عَمَل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو خُشِيت مضرته على قائله، أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين أقوام وُصِفُوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. انتهى . (إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)، يعني قَرُبْتُ من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب «التحرير»: أصلُ الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مَطْمَعٌ، فيقال: أحاطوا به، أي أطافوا به من جوانبه، ومقصوده قَرُبَ موتي. (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أي منعه من دخولها، وهو بمعنى الحديث الماضي:»أدخله الله الجَنَّة«، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، لَمْ يُخرجه البخاريّ. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا (٢٩) عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن عبد الله بن مُحيريز، عنه. و(الترمذي) (٢٣٦٨) عن قتيبة به، و(أحمد) في«مسنده»٥/ ٣١٨ عن يونس بن محمد، عن الليث به، و٥/ ٣١٨ عن قتيبة به، و(عبد بن حميد) في«مسنده»عن ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيّان، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن ابن محيريز، فقال: كنا جلوسًا عند عبادة بن الصامت، إذ جاء الصنابحيّ، فبكي، فقال له: ما يُبكيك … فذكره، و(النسائيّ) في«عمل اليوم والليلة»(١١٢٨) عن قتيبة بن سعيد به و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٦) و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٣٦)، و(ابن حبان) في«صحيحه» (٢٠٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١١) - (بَابُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٠] (…) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) - بفتح الهاء، وتشديد الدال - ويقال له: هُدْبَة - بضمّ أوله، وسكون الدال، بعدها موحّدة - ابن خالد بن الأسود القيسيّ الثوباني، أبو خالد البصريّ الحافظ، ثقة عابدٌ، تفرّد النسائئ بتليينه، من صغار [٩]. رَوَى عن أخيه أمية بن خالد، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى، والحمادين، وحماد بن الْجَعْد، وسليمان بن المغيرة، وأبان بن يزيد العطار، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وأبو حاتم، وحرب بن إسماعيل، وعبد الله بن أحمد، وزكرياء الساجيّ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحارث بن أبي أسامة، وابن أبي عاصم، والبزار، والحسن بن سفيان، والمعمري، وغيرهم. قال علي بن الجنيد، عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال عبدان الأهوازيّ: سمعت عباس بن عبد العظيم يقول: هي كتب أمية بن خالد - يعني الذي يحدث به هُدْبة - وقال عبدان: كنّا لا نصلي خلف هُدْبة من طول صلاته، يُسَبِّح نيفًا وثلاثين تسبيحة، وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلي، وسئل عن هدبة وشيبان، أيهما أفضل؟ فقال: هدبة أفصلهما، وأوثقهما حديثًا، وكان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين، نسخة على الشيوخ، ونسخة على المصنفين، وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة يقول: صليت على شعبة، وقال ابن عدي: لَمْ أر له حديثًا منكرًا، وهو كثير الحديث، صدوق لا بأس به، وقد وثقه الناس. قال الحافظ: وقرأت بخط الذهبيّ: قَوّاه النسائي مَرّةً، وضعفه مرةً. قال أبو داود، عن محمد بن عبد الملك: مات سنة خمس وثلاثين، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات سنة ست أو سبع وثلاثين، وقال غيره: مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومائتين، وقال ابن قانع: مات أول سنة ست، وهو صالح، وفيها ذكره الْقَرّاب، عن موسى بن هارون، وقال الآجريّ، عن أبي داود: هدبة أعلى عندنا - يعني من شيبان - قيل لي: في سماعه من أخيه من الشيوخ؟ فقال: لا يُنكر له السماع، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة. تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب (٣٤) حديثًا. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقة ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٤) (ع) ٥/ ٦٩. ٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقة ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) ٥/ ٦٩. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير - ﵁ -، مات سنة (٢) أو (٩٣) وقد جاوز مائة (ع) ١/ ٢. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بن عمرو بن أوس الأنصاريّ الْخَزرجيّ، أبو عبد الرَّحمن، من أعيان الصحابة - ﵃ -، شهد بدرًا وما بعدها، مات بالشام سنة (١٨) (ع) ٦/ ١٢٩، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنّ شيخه مشهور بهدّاب، وهُدْبة، وقد ذكره المصنّف رحمه الله تعالى في مواضع من الكتاب، يقول في بعضها: هُدْبة، وفي بعضها: هَدّاب، واتفقوا على أن أحدهما اسم، والآخر لقب، ثم اختلفوا في الاسم منهما، فقال أبو عليّ الغسّانيّ، وأبو محمد عبد الله بن الحسن الطَّبَسيّ ، وصاحب «المطالع»، والحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ المتأخّر: هُدْبة هو الاسم، وهَدّاب لقبٌ، وقال غيرهم: هَدّابٌ اسم، وهُدْبة لقبٌ، واختار الشيخ أبو عَمْرِو بن الصلاح هذا، وأنكر الأول، وقال أبو الفضل الفلكيّ الحافظ: إنه كان يَغضَبُ إذا قيل له: هُدْبة، وذكره البخاريّ في «تاريخه»، فقال: هدبة بن خالد، ولم يذكر هدّابًا، فظاهره أنه اختار أن هدبة هو الاسم، والبخاريّ أعرف من غيره، فإنه شيخه وشيخ مسلم رحمهم الله تعالى أجمعين، ذكره النوويّ رحمه الله تعالى، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فتفرد به هو، والبخاري، وأبو داود. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير معاذ - ﵁ -، فمدنيّ، ثم نزل الشام، ومات بها. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - هذا ظاهرٌ في أنه من مسند معاذ - ﵁ -، أخذه أنس عنه، قال في «الفتح»: هكذا رواه هَمّام، عن قتادة، ومقتضاه التصريح بأنه من مسند معاذ - ﵁ -، وخالفه هشام الدستوائيّ، عن قتادة، فقال: «عن أنس أن النبيّ - ﷺ - قال - ومعاذٌ رَدِيُفُه على الرَّحْل -:»يا معاذ«، قال: وقد تقدم في أواخر»كتاب العلم«، ومقتضاه أنه من مسند أنس، والمعتمد الأول، ويؤيده أن البخاريّ أتبع رواية هشام رواية سليمان التيميّ، عن أنس، قال: ذُكِرَ لي أن النبيّ - ﷺ - قال لمعاذ، فدَلَّ على أن أنسًا لَمْ يسمعه من النبيّ - ﷺ -، واحتَمَلَ قوله:»ذُكِرَ«على البناء للمجهول أن يكون أنسٌ حمله عن معاذ بواسطة، أو بغير واسطة، قال: وقد أشرت في شرحه في»العلم«إلى احتمال أن يكون أنس حمله عن عمرو بن ميمون الأوديّ، عن معاذ، أو من = هذا ممن جال الأقطار، وسمع الكثير من الشيوخ، وخرّج لهم التاريخ، وكان حافظًا ثقة، توفّي سنة (٤٤٩ هـ) بمرو الروذ«اللباب»٢/ ٢٧٤«المنتظم» ٩/ ١٢٥. عبد الرَّحمن بن سَمُرَة، عن معاذ، وهذا كله بناءٌ على أنه حديث واحد، وقد رَجَحَ لي أنهما حديثان، وإن اتَّحَد مخرجهما، عن قتادة، عن أنس، ومتنهما في كون معاذ رِدْفَ النبيّ - ﷺ - للاختلاف فيما وردا فيه، وهو أن حديث الباب في حق الله على العباد، وحق العباد على الله، والماضي فيمن لقي الله لا يشرك به شيئًا، وكذا رواية أبي عثمان النَّهْديّ، وأبي رَزِين، وأبي الْعَوّام كلهم عن معاذ، عند أحمد، ورواية عمرو بن ميمون موافقة لرواية حديث الباب، ونحوُها رواية عبد الرَّحمن بن سَمُرة، عن معاذ عند النسائيّ، والرواية الأخرى موافقة لرواية هشام التي في «العلم»، قال: وقد أشرت إلى شيء من ذلك في «باب اسم الفرس والحمار»، من «كتاب الجهاد»، وقد جاء عن أنس، عن معاذ نحو حديث الباب، أخرجه أحمد من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس، قال: أتينا معاذًا، فقلنا: حَدِّثنا من غرائب حديث رسول الله - ﷺ -، فذكر مثل حديث همام، عن قتادة. انتهى كلام الحافظ ، وهو بحثٌ نفيسٌ. (قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -) - بكسر الراء، وإسكان الدال - هذه الرواية المشهورة التي ضبطها معظم الرواة، وحَكَى القاضي عياض رحمه الله تعالى أن أبا عليّ الطبريّ الفقيه الشافعيّ أحدَ رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء، وكسر الدال، و«الرِّدْف»، و«الرَّدِيف» هو الراكب، يقال منه: رَدِفْتُهُ بكسر الدال في الماضي، وفتحها في المضارع: إذا ركبتَ خلفه، وأردفته أنا رباعيًّا، وأصله من ركوبه على الرِّدف، وهو الْعَجُز، قال القاضي: ولا وجه لرواية الطبريّ إلَّا أن يكون فَعِل هنا اسم فاعل، مثلُ «عَجِلٍ»، و«زَمِنٍ»، و«فَرِقٍ»، إن صحت رواية الطبريّ، انتهى . [تنبيه]: قد أفرد الحافظ ابن منده رحمه الله تعالى أسماء من أردفه النبيّ - ﷺ - خلفه، فبلغوا ثلاثين نفسًا، ذكره في «الفتح» (لَيْسَ بَيْني وَبَيْنَهُ) - ﷺ - أراد به المبالغة في شدة قربه؛ ليكون أوقع في نفس سامعه أنه ضابطٌ ما رواه (إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ) - بضم الميم، بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة - هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى: «مُؤَخَّرَةٌ» - بفتح الهمزة، والخاء المشددة - قال القاضي عياض - ﵀ -: أنكر ابن قتيبة فتح الخاء، وقال ثابت السَّرَقسطيّ: «مُؤَخَّرَةُ الرحل، ومُقَدَّمَتُهُ» بفتحهما، ويقال: «آخرة الرحل»، بهمزة ممدودة، وهذه أفصح وأشهر، وقد جمع الجوهريّ في «صحاحه» فيها ست لغات، فقال في «قادمتي الرحل»: ست لغات: مُقْدِمٌ، ومُقْدِمَةٌ بكسر الدال مخففةً، ومُقَدَّم، ومُقَدَّمَةٌ، بفتح الدال مشددة، وقَادِمٌ، وقَادِمَةٌ، قال: وكذلك هذه اللغات كلها في «آخرة الرحل»، وهي الْعُودُ الذي يكون خلف الراكب، كذا نقله النوويّ في «شرحه» . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «إلَّا مؤخرة الرحل»، كذا وقع ها هنا «مُؤْخِرة»، وقرأناه على من يوثَقُ بعلمه بضم الميم، وفتح الراء، والخاء المشدّدة على أنه اسم مفعول؛ لأنَّها تُؤخِّر، وأنكر هذا اللفظ يعقوب، وابن قُتيبة، وقالا: المعروف عند العرب «آخِرَةُ الرَّحْل»، وهي العود الذي خلف الراكب، وتقابله قادمته، وقيل فيها: مؤخرة بهمز الواو خفيفة، وكسر الخاء، حكاهما صاحب «الصحاح»، وأبو عُبيدة. و«الرَّحْلُ» للبعير كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. انتهى . وعبارة ابن الصلاح في «الصيانة»: «مؤخِرة الرحل»: هي التي خلف الراكب، يستند إليها، والأكثر الأغلب تسميتها «آخرة الرحل»، وهي مُؤْخِرةُ الرحلِ«بميم مضمومة، ثم همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة خفيفة، وقالها بعض الرواة بفتح الهمزة، وفتح الخاء المشدَّدة، وهو غالبٌ على ألسنة الطلبة، وليس ذلك بثابت. وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى في كتابيه«مشارق الأنوار»، و«إكمال المعلم»عن ابن مكيّ أنه أنكر الكسر، وقال: لا يقال:«مُقدم»، ولا«مؤخر»بالكسر، إلَّا في العين - يعني - قولهم: مُقَدِّم العين، ومؤخرها. قال ابن الصلاح: وهذا الذي حكاه عن أبي حفص عمر بن مكيّ الصقليّ، صاحب كتاب«ما تلحن فيه العامّة»معروف عن الخليل، ومن تقدّم من أهل اللغة، وما توهّمه القاضي من كونه مخالفًا لما تقدّم ذكرُهُ وهَمٌ منه، فإن ذلك في مُقَدَّم، ومؤخَّر، بغير تاء التأنيث، والمراد به أنه لا يقال:«مُؤَخِّر السفينة»، وغيرها، و« مُقَدِّمُها»بالكسر، بل« مُؤَخَّرُها»، و« مقَدَّمُها»بالفتح والتشديد، وليس في ذلك تعرّض لمؤخِرة الرحل بتاء التأنيث، وهما نوعان، فاعلم ذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح وهو تحقيق جيد. (فَقَالَ) - ﷺ - (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) يجوز في«معاذ»وجهان من الإعراب، أحدهما: الفتح، والضمّ، كما أشار إليه في«الخلاصة»بقوله: وَنَحْوَ«زيدٍ»ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ«أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ»وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا وحاصل المسألة أنه إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووُصف بابن«مضافٍ إلى علم، ولم يُفصَل بين المنادى وبين »ابن« جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضمّ، على الأصل؛ لأنه منادى مفرد علم، فتقول: »يا معاذُ بنَ جبل«، فتضم الذال، والفتح؛ إتباعًا، فتقول: »يا معاذَ بن جبل«، فتفتحها، ويجب حذف ألف »ابن« والحالة هذه خطًّا. وأما إذا لَمْ يقع «ابن» بعد علم، نحو «يا غلامُ ابنَ عمرو»، أو لَمْ يقع بعده علمٌ، نحو «يا زيدُ ابنَ أخينا»، وجب ضمّ المنادي، وامتنع فتحه، ويجب إثبات ألف «ابن»، والحالة هذه . (قُلْتُ: لَبَّيْكَ) بفتحٍ اللام، تثنية «لَبّ»، ومعناه إجابةً لك بعد إجابة، وقيل: قربًا منك، وطاعة لك، وقيل: أنا مقيم على طاعتك، وقيل: محبتي لك، وقيل: غير ذلك. وقال الخليل: لَبّ بالمكان: أقام به، حكاه عنه أبو عبيدة، قال الفرّاءُ: ومنه قولهم: لبيك: أي أنا مقيم على طاعتك، وكان حقَّه أن يقال: لبًّا لك، فثُنّي على معنى التأكيد، أي إلبَابًا لك بعد إلباب، وإقامةً بعد إقامة، قال الخليل: هذا من قولهم: دار فلان تلبّ داري: أي تحاذيها، أي مواجهك بما تُحبّ إجابةً له، والياء للتثنية، وقال ابن الأنباريّ في «لبيك» أربعة أقوال: [أحدها]: إجابتي لك، مأخوذ من لَبَّ بالمكان، وألبّ به: إذا أقام به، وقالوا: لبيك، فثنَّوْا؛ لأنهم أرادوا إجابةً بعد إجابةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ: أي رحمةَّ بَعد رحمةٍ، وقال بعض النحويين: أصل «لبيك» لبّبك، فاستُثقل الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنّيتُ، أصله تظَنّنْتُ. [والثاني]: اتّجاهي يا ربّ، وقصدي لك، فثُنّيَ للتأكيد؛ أخذًا مَن قولهم: داري تلبّ دارك، أي تواجهها. [والثالث]: محبّتي لك يا ربّ، من قول العرب: امرأةٌ لَبّةٌ: إذا كانت محبّةً لولدها، عاطفةً عليه. [والرابع]: إخلاصي له يا ربّ، من قوله: حَسَبٌ لُبَابٌ إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولبابه . [تنبيه]: «لبيك» من المصادر التي يجب حذف فعلها، ونصبه، وكان حقّه أن يقال: لَبًّا لك، ولكنه ثُنّي على معنى التأكيد، فأصله «لبّين»، فحذفت النون للإضافة، كما في «الخلاصة»: نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَـ «طُورِ سِينَا» قال الفراء: نُصِب على المصدريّة، وقال ابن السكِّيت: كقولك: حمدًا وَشكرًا. وهو من الأسماء الملازمة للإضافة إلى الضمير، كَـ «سَعْدَيك»، كما قال في «الخلاصة» أيضًا: وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ كَـ «وَحْدَ» «لَبَّى» وَ«دَوَالَيْ» «سَعْدَيْ» … وَشَذَّ إِيلَاءُ «يَدَيْ» لِـ «لَبَّيْ» (رَسُولَ اللهِ) بالنصب على أنه منادى حُذف منه حرف النداء، وهو جائزٌ، كما قال في «الخلاصة»: وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا وقال الحريريّ في «ملحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» أي: يا رسول الله (وَسَعْدَيْكَ) هو مثل«لبيك»، ومعناه إسعادًا لك بعد إسعاد، وقال النوويّ: معنى«سعديك»: أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدة. (ثُمَّ سَارَ) - ﷺ - (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - (يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ) - ﷺ - (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ) إنما كرر النبيّ - ﷺ - نداء معاذ - ﵁ - ثلاثًا؛ لتأكيد الاهتمام بما يُخبره به، وليكمل تَنَبُّهُ معاذٍ فيما يَسمعه، وقد ثبت في «الصحيح» أنه - ﷺ -: «كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا»، لهذا المعنى، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - (هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: حقّ الله على عباده: ما أوجبه عليهم بحكمه، وألزمهم إِيَّاهُ بخطابه انتهى . وقال صاحب «التحرير»: اعلم أنّ الحقّ كلُّ موجودٍ متحققٍ، أو ما سيوجد لا مَحَالةَ، والله - ﷾ - هو الحق الموجود الأزليّ الباقي الأبديّ، والموت والساعة والجنة والنار حقٌّ؛ لأنَّها واقعة لا مَحالَةَ، وإذا قيل للكلام الصدقِ: حقٌّ، فمعناه أن الشيء الْمُخْبَرَ عنه بذلك الخبر واقع، متحققٌ، لا تردُّد فيه، وكذلك الحق المستَحَقُّ على العبد من غير أن يكون فيه تردد وتحير، فحقُّ الله تعالى على العباد، معناه ما يستحقه عليهم مُتَحَتِّمًا عليهم، وحق العباد على الله تعالى معناه أنه متحققٌ لا مَحَالةَ، هذا كلام صاحب «التحرير». وقال غيره: إنما قال: «حقهم على الله تعالى» على جهة المقابلة لحقه عليهم، ويجوز أن يكون من نحو قول الرجل لصاحبه: حَقُّكَ واجب علي، أي متأكد قيامي به، ومنه قول النبيّ - ﷺ -: «حَقٌّ على كلّ مسلم أن يغتسل في كلّ سبعة أيام»، والله تعالى أعلم، ذكره النوويّ في «شرحه» . (قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، المراد بالعبادة عملُ الطاعات، واجتناب المعاصي، ولقد أحسن الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى حيث عرّف العبادة بتعريف جامع مانع، فقال في «نونيّته»: وَعِبَادَةُ الرَّحْمَانِ غَايَةُ حُبِّهِ … مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ وَعَلَيْهِمَا فَلَكُ الْعِبَادَةِ دَائِرٌ … مَا دَارَ حَتَّى قَامَتِ الْقُطْبَانِ وَمَدَارُهُ بِالأَمْرِ أَمْرِ رَسُولِهِ … لَا بِالْهَوَى وَالنَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وإنما عَطَفَ عليها عدم الشرك؛ لأنه تمام التوحيد، والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الْكَفَرة كانوا يَدَّعُون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى، فاشتَرَطَ نفي ذلك. وجملة «لا يُشركون إلخ» حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به، قال ابن حبان رحمه الله تعالى: عبادة الله إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: «في حق العباد إذا فعلوا ذلك»، فَعَبَّرَ بالفعل، ولم يُعَبِّر بالقول، ذكره في «الفتح» . وقال في موضع آخر: اقتصر على نفي الإشراك؛ لأنه يستدعي التوحيد باقتضاء، وششدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذّب رسول الله، فقد كذّب الله، ومن كذّب الله فهو مشرك، أو هو مثلُ قول القائل: من توضّأ صحّت صلاته، أي مع سائر الشرائط، فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به. انتهى . (ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ) - ﷺ - («يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) - ﷺ - («هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى الله، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، أي العبادة، مع عدم الشرك (قَالَ) - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (»أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ«)، وفي رواية ابن حبان من طريق عمرو بن ميمون:»أن يغفر لهم، ولا يعذبهم«، وفي رواية أبي عثمان:»يُدخِلهم الجَنَّة«، وفي رواية أبي الْعَوّام مثله، وزاد:»ويغفر لهم«، وفي رواية عبد الرَّحمن بن غَنْم:»أن يدخلهم الجَنَّة«. قال القرطبي رحمه الله تعالى: حَقُّ العباد على الله: ما وَعَدَهم به من الثواب والجزاء، فَحَقَّ ذلك، ووجَبَ بحكم وعده الصدق، وقولِهِ الحقِّ الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فالله - ﷾ - لا يجب عليه شيء بحكم الأمر، إذ لا آمر فوقه، ولا بحكم العقل؛ لأنه كاشف لا موجب، انتهى . وقال ابن أبي العزّ رحمه الله تعالى في«شرح الطحاويّة» معلِّقًا على هذا الحديث: فهذا حقّ وجب بكلماته التامّة، ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحقّ على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله تعالى هو المنعم على العباد بكل خير، وحقّهم الواجب بوعده هو أن لا يُعذبّهم، ولقد أحسن القائل [من الكامل]: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ … كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا … فَبِفضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ السَّامِعُ وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحقّ الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، ليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحقّ المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلَّا أنه أخبر بذلك، ووعدُهُ صدقٌ، ولكن أكثر الناس يُثبتون استحقاقًا زائدًا على هذا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، لكن أهل السنّة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحقّ، لَمْ يوجبه عليه مخلوقٌ، والمعتزلة يدّعون أنه واجبٌ عليه بالقياس على المخلوق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يَجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقّون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغَلِطوا في ذلك، وهذا الباب غَلِطَت فيه الجبريّة، والقدريّة، أتباع جهم، والقدريّة النافية. انتهى . وقال في «الفتح»: تمسك بعض المعتزلة بظاهره، ولا مُتَمَسَّكَ لهم فيه؛ لأن المراد بالحقّ هنا المتحقق الثابت، أو الجدير، لأن إحسان الربّ لمن لَمْ يتخذ ربًّا سواه جديرٌ في الحكمة أن لا يعذبه، أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده، أو ذكر على سبيل المقابلة، انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [١١/ ١٥٠] (٣٥) عن هدّاب بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه. و(البخاريّ) في «اللباس» (٥٩٦٧) و«الرقاق» (٦٥٠٠) و«الاستئذان» (٦٢٦٧) عن هُدْبَةَ بن خالد - و«الاستئذان» (٦٢٦٧) عن موسى بن إسماعيل - كلاهما عن همام بن يحيى به. و(النسائي) في «عمل اليوم والليلة» (١٨٦) عن عمرو بن عليّ، عن أبي داود، عن همام به نحوه. و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٢٨) عن وكيع - و(٥/ ٢٣٦) عن أبي معاوية - عن الأعمش، عن أبي سفيان - وفي (٥/ ٢٤٢) عن عفان، عن هَمَّام، عن قتادة - كلاهما عن أنس بن مالك - ﵁ - به، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٧ و٢٨ و٢٩) في «مستخرجه» (١٣٧ و١٣٨ و١٣٩ و١٤٠) و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢١٠). والله تعالى أعلم. [تنبيه]: هذا الحديث مما اتّفق فيه الشيخان بإخراجه عن شيخ واحد، وهو هدّاب بن خالد، وذكره البخاري بِهُدْبة بن خالد، وقد تقدّم أنه يطلق عليه الاسمان، أحدهما اسمه، والآخر لقبه، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال في «الفتح»: هذا الحديث من الأحاديث التي أخرجها البخاري في ثلاثة مواضع، عن شيخ واحد، بسند واحد، وهي قليلة في كتابه جِدًّا، ولكنه أضاف إليه في «الاستئذان» موسى بن إسماعيل، وقد تتبع بعض من لَقِيناه ما أخرجه في موضعين بسند، فبلغ عدتها زيادة على العشرين، وفي بعضها يتصرف في المتن بالاختصار منه. انتهى . والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده. ١ - (منها): بيان حقّ الله تعالى الذي أوجبه على عباده، وهو أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا. ٢ - (ومنها): بيان حقّ العباد على الله تعالى الذي أوجبه على نفسه فضلًا منه ونعمةً، وهو أن يدخلهم الجَنَّة، ولا يعذبهم. ٣ - (ومنها): جواز ركوب اثنين على دابّة إذا كانت تُطيق ذلك. ٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ - ﷺ -، حيث كان يُردف أصحابه، ولا يتكبّر عليهم. ٥ - (ومنها): بيان فضل معاذ - ﵁ -، وحسن أدبه في القول، وفي العلم، بردّه لِمَا لَمْ يُحطْ بحقيقته إلى علم الله تعالى، وعلم رسوله - ﷺ -، وقرب مَنْزِلته من النبيّ - ﷺ -. ٦ - (ومنها): استحباب تكرار الكلام؛ لتأكيده، وتفهيمه، وهكذا هديه - ﷺ -، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» من حديث أنس - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: «أنه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم، فسَلَّمَ عليهم سَلَّم عليهم ثلاثًا». ٧ - (ومنها): مشروعيّة استفسار الشيخ تلميذه عن الحكم؛ ليختبر ما عنده من العلم، ويُبَيِّن له ما يُشْكِلُ عليه منه. ٨ - (ومنها): مشروعيّة إجابة الداعي بـ «لبيك، وسعديك». ٩ - (ومنها): أن فيه بشارة عظيمة للموحّدين الذين لا يشركون بالله تعالى شيئًا، حيث وعدهم الله تعالى الذي لا يخلف وعده، أن لا يعذّبهم، بل يُكرمهم بدخول الجَنَّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. وبسندنا المتَّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِن حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ - ﷿ - أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ؟ «لَا تُبَشَرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ الحافظ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو الأَحْوَص، سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ) الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) ٤/ ١١٤. [تنبيه]: «أبو الأحوص» في سند المصنّف هو سلّام بن سُليم، كما صرّح به، ورواه البخاريّ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ - ﵁ -، فأبو الأحوص هو عمّار بن رُزيق. قال الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح»: كنتُ أظنّ أنه سلّام بن سُليم، وعلى ذلك يدلّ كلام المزيّ، لكن أخرج هذا الحديث النسائيّ، عن محمد بن عبد الله بن المبارك الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، شيخ شيخ البخاريّ فيه، فقال: «عن عمّار بن رُزيق، عن أبي إسحاق»، والبخاريّ أخرجه ليحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وكنية عمّار بن رُزيق أبو الأحوص، فهو هو، ولم أَرَ من نبّهَ على ذلك، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود عن هنّاد بن السريّ، كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، وأبو الأحوص هذا هو سلّام بن سُليم، فإن أبا بكر، وهنّادًا أدركاه، ولم يُدركا عمّارًا، انتهى كلام الحافظ ، وهو بحثٌ مُهِمٌّ جدًّا، والله تعالى أعلم. ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله الْهَمْدانيّ السَّبِيعيِّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بأخَرة، ويدلّس [٣] (ت ١٢٩) (ع) ٢/ ١١. ٤ - (عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ) الأَوْديّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحيى الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم يَلْقَ النبي - ﷺ -، ثقة عابدٌ، مخضرمٌ، مشهور [٢]. روى عن عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر، وأبي مسعود البدري، وسعد بن أبي وقاص، ومعقل بن يسار، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه سعيد بن جبير، والربيع بن خُثَيم، وأبو إسحاق السبيعي، ويزيد بن شريك، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبوه، وغيرهم. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق: كان أصحاب النبي - ﷺ - بعمرو بن ميمون. وقال يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد، فرُؤي ذُكِر الله. وقال الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن عبد الرَّحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون: قدم علينا معاذ اليمن رسولَ رسولِ الله - ﷺ - الشِّحر، رافعًا صوته بالتكبير، أجش الصوت، فَأَلْقَيْتُ عليه محبتي … الحديث. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب»، فقال: أدرك النبيّ - ﷺ -، وصَدَّقَ إليه، وكان مسلمًا في حياته. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. قال أبو نعيم، وغير واحد: مات سنة أربع وسبعين. ويقال: سنة (٧٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلَّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير معاذ - ﵁ -، فإنه مدنيّ، نزل الشام، ومات بها. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الأوديّ بفتح المزة، وسكون الواو (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل) - ﵁ - أنه (قَالَ: كنْتُ رِدْفَ) بكسر، فسكون (رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ) - بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، مصغّرًا - هذا هو الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة، وفي كتب أهل المعرفة بذلك، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: وقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنه بغين معجمة متروك، قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان له - ﷺ -، قيل: إنه مات في حجة الوداع، قال: وهذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرّة أخرى غير المرّة المتقدّمة في الحديث السابق، فإن مُؤْخِرَة الرحل تختص بالإبل، ولا تكون على حمار. قال النوويّ: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدةً، وأراد بالحديث الأول قدر مُوخِرة الرحل، والله أعلم، انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «عُفَير» - بالمهملة والفاء، مُصَغَّرًا - مأخوذ من الْعَفَر، وهو لون التراب، كأنه سُمِّي بذلك؛ للونه، والْعُفْرة حُمْرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سُوَيد في تصغير أسود، ووَهِمَ من ضبطه بالغين المعجمة، وهو غير الحمار الآخر الذي يقال له: يعفور، وزعم ابن عبدوس أنهما واحد، وقَوّاه صاحب «الْهَدْي»، ورَدَّه الدمياطيّ، فقال: عُفَير أهداه الْمُقَوقِس، ويعفور أهداه فَرْوَة بن عمرو، وقيل بالعكس، ويعفور بسكون المهملة، وضمّ الفاء، هو اسم ولد الظبي، كأنه سُمِّي بذلك؛ لسرعته، قال الواقديّ: نَفَقَ يعفور مُنْصَرَف النبيّ - ﷺ - من حجة الوداع، وبه جزم النووي عن ابن الصلاح، وقيل: طَرَح نفسه في بئرٍ، يوم مات رسول الله - ﷺ - يه، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبان في ترجمة محمد بن مَرْثد في «الضعفاء»، وفيه: أن النبيّ - ﷺ - غَنِمَه من خيبر، وأنه كلم النبيّ - ﷺ -، وذكر له أنه كان ليهوديّ، وأنه خرج من جده ستون حمارًا؛ لركوب الأنبياء، فقال: ولم يبق منهم غيري، وأنت خاتم الأنبياء، فسماه يعفورًا، وكان يركبه في حاجته، ويرسله إلى الرجل، فيقرع بابه برأسه، فيعرف أنه أرسل إليه، فلما مات النبيّ - ﷺ - جاء إلى بئر أبي الهيثم بن التَّيِّهَان، فَتَرَدَّى فيها، فصارت قبره، قال ابن حبان: لا أصل له، وليس سنده بشيء، انتهى . (قَالَ) معاذ - ﵁ - (فَقَالَ) - ﷺ - («يَا مُعَاذُ، تَدْرِي) بحذف همزة الاستفهام، وقد صُرِّح بها في الرواية التالية، أي أتدري (مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟»، قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - («فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد، أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ) معاذ - ﵁ - (قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أفَلَا أُبَشَرُ النَّاسَ؟ قَالَ) - ﷺ - «(لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا») بحذف نون الرفع؛ للنصب في جواب النهي، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ والمعنى أنهم إذا أخبرتهم بهذه البشارة، يمتنعون عن العمل، ويتركونه؛ اعتمادًا على هذه الكلمة، فاتركهم يجتهدوا في العمل. قال في «الفتح»: ما نصّه: قال ابن رجب في «شرحه» لأوائل البخاريّ : قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ - ﷺ - من تبشير الناس لئلا يتكلوا أن أحاديث الرُّخَصِ لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يَقْصُرَ فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ - ﵁ -، فلم يَزْدَد إلَّا اجتهادًا في العمل، وخشيةً لله - ﷿ -، فأما من لَمْ يَبْلُغ مَنْزِلته فلا يؤمن أن يُقَصِّر اتَّكالًا على ظاهر هذا الخبر. وقد عارضه ما تواتر من نصوص الكتاب والسنة أن بعض عُصَاة الموحدين يدخلون النار، فعلى هذا فيجب الجمع بين الأمرين، وقد سَلَكُوا في ذلك مسالك: [أحدها]: قول الزهريّ: إن هذه الرخصة كانت قبل نزول الفرائض والحدود، وسيأتي ذلك عنه في حديث عثمان في الوضوء، واستبعده غيره من أن النسخ لا يدخل الخبر، وبأن سماع معاذ لهذه كان متأخرًا عن أكثر نزول الفرائض، وقيل: لا نسخَ، بل هو على عمومه، ولكنه مُقَيَّد بشرائط، كما تُرَتَّب الإحكام على أسبابها المقتضية المتوقفة على انتفاء الموانع، فإذا تكامل ذلك عَمِلَ المقتضي عمله، وإلى ذلك أشار وهب بن منبه بقوله المتقدم في «كتاب الجنائز» في شرح «إنّ لا إله إلَّا الله مفتاح الجَنَّة» ليس من مفتاح إلَّا وله أسنان، وقيل: المراد ترك دخول نار الشرك، وقيل: ترك تعذيب جميع بدن الموحدين؛ لأن النار لا تُحْرِق مواضع السجود، وقيل: ليس ذلك لكل مَنْ وَحَّدَ وعَبَدَ، بل يختص بمن أخلص، والإخلاص يقتضي تحقيق القلب بمعناها، ولا يُتَصَوَّر حصول التحقيق مع الإصرار على المعصية؛ لامتلاء القلب بمحبة الله تعالى وخشيته، فتنبعث الجوارح إلى الطاعة، وتَنْكَفُّ عن المعصية انتهى مُلَخَّصًا . وسيأتي بعد ثلاثة أحاديث حديث أنس عن معاذ - ﵄ -، نحو هذا الحديث، وفي آخره: «قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس؟ فيستبشروا، قال:»إذًا يتكلوا«، فأخبر بها معاذٌ عند موته تَأَثُّمًا، أي خروجًا من إثم كتمان العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا من رواية عمرو بن ميمون عنه، متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه المصنف هنا في«الإيمان»[١١/ ١٥١] (٤٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص سلام بن سُليم، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن معاذ - ﵁ -. و(البخاريّ) في«الجهاد»(٢٨٥٦) عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، عن أبي الأحوص، وهو عمّار بن رُزَيق، عن أبي إسحاق به. و(أبو داود) في«الجهاد»عن هنّاد بن السريّ، عن أبي الأحوص، وهو سلّام بن سُليم، عن أبي إسحاق، به، بقصّة الحمار فحسب. و(الترمذيّ) في«الإيمان»(٢٦٤٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيريّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق به. (النسائيّ) في«العلم»من«الكبرى»(٥٨٧٧) عن محمد بن عبد الله الْمُخَرِّميّ، عن يحيى بن آدم، عن عمّار بن رُزَيق، به، ولم يذكر قصة الحمار. و(أحمد) في«مسنده» ٥/ ٢٢٨ عن وكيع، عن إسرائيل - وفي ٥/ ٢٢٨ عن عبد الرَّحمن، عن سفيان - (ح) وعبد الرزاق، عن معمر - ثلاثتهم عن أبي إسحاق به، وفوائد الحديث تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٢] (٣١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْن الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْم، أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مُعَاذُ، أتدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَاد؟»، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْه، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ، كان هو ومحمد بن المثنّى فَرَسَي رِهَان، وماتا في سنة واحدة [١٠]، (ت ٢٥٢) (ع) ٢/ ٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) ٢/ ٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقة حافظٌ متقنٌ عابدٌ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» ١/ ٣٨٥. ٥ - (أَبُو حَصِينٍ) - بفتح الحاء المهملة، وكسر الصاد المهملة، مكبّرًا - عثمان بن عاصم بن حَصِين الأسديّ الكوفيّ، ثقة سُنّيٌّ، وربّما دلّس [٤] (ت ١٢٧) (ع) ١/ ٤. ٦ - (الأَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ) بن أسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن أبيه، والأسود بن يزيد، والأسود بن هلال، وسعيد بن جبير، وعمرو بن ميمون، ومعاوية بن سُويد بن مُقَرِّن، وأبي وائل، وجماعة. وروى عنه شعبة، والثوريّ، وشريك، وأبو الأحوص، وشيبان النحويّ، وإسرائيل، وزائدة، ومسعر، وزهير، وأبو عوانة، وعدّة، ورَوَى عنه أبو إسحاق الشيبانيّ، وهو من أقرانه. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وقال حرب: سمعت أحمد يُقَدِّمه على سماك بن حرب، وقال أبو داود، والبزار: ثقة، وقال ابن سعد: تُوُفِّي في إمارة يوسف بن عُمَر بالكوفة، وذكره ابن حبان، وابن شاهين في «الثقات»، وقال العجليّ: من ثقات شيوخ الكوفيين، وليس بكثير الحديث، إلَّا أنه شيخٌ عَال، مات سنة (١٢٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٧ - (الأَسْوَدُ بْنُ هِلَالٍ) المحاربيّ، أبو سَلَّام الكوفيّ، مخضرمٌ ثقة جليلٌ [٢]. رَوَى عن معاذ بن جبل، وعمر، وابن مسعود، والمغيرة، وأبي هريرة، وثعلبة بن زَهْدَم. وروى عنه أشعث بن أبي الشعثاء، وأبو حَصِين، وأبو إسحاق السبيعيّ، وإبراهيم النخعيّ، وغيرهم. قال أحمد: ما علمتُ إلَّا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: كان جاهليًّا، وكان رجلًا من أصحاب عبد الله، ووثقه، وذكره الباوَرْديّ، وجماعة ممن أَلَّفَ في الصحابة ؛ لادراكه، وقال ابن سعد، عن الأسود: هاجرتُ زمن عمر، فذكر قصةً، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن سعد: تُوُفِّي زمن الحجاج بعد الجماجم، وقال عمرو بن عليّ: سنة (٨٤). أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: بينا أنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة، إذ نزل، فقضى حاجته … « الحديث. ٨ - (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) - ﵁ - المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير الأسود بن هلال، فلم يخرج له الترمذيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه من المشايخ التسعة الذين اتفق الأئمة الستّة على الرواية عنهم دون واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى شعبة، ومن بعده كوفيون إلَّا الصحابيّ، كما مرّ قريبًا. ٥ - (ومنها): أن فيه مقارنة بين راويين في موضعين، في أول السند بين شيخيه، وفي وسطه بين أبي حَصِين، والأشعث. ٦ - (ومنها): أنه لا يوجد في «الصحيحين» من يكنى بأبي حَصِين بفتح، فكسر، مكبّرًا غير عثمان بن عاصم هذا، ولا يوجد فيهما من اسمه حَصِين بهذا الضبط أصلًا. ٧ - (ومنها): أن الأشعث، والأسود هذا أول محلّ ذكرهما في هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف للأشعث اثنا عشر حديثًا، وللأسود حديثان فقط، كما مرّ آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ») ببناء الفعلين للمفعول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه «يُعْبَدُ» بضم المثنّاة تحتُ، و«شيْء» بالرفع، وهذا ظاهرٌ، وقال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: ووقع في الأصول «شيئًا» بالنصب، وهو صحيح على التردد في قوله: «يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا» بين وجوه ثلاثة: [أحدها]: «يَعْبُدَ الله» بفتح الياء التي هي للمذكر الغائب، أي يَعْبُدَ العبدُ اللهَ، ولا يُشْرِكَ به شيئًا، قال: وهذا الوجه أَوْجَهُ الوجوه. [والثاني]: «تَعْبُدَ» بفتح المثنّاة فوقُ، للمخاطب على التخصيص لمعاذ؛ لكونه المخاطب، والتنبيه به على غيره. [والثالث]: «يُعْبَدَ» بضم أوله، على ما لَمْ يُسمَّ فاعله، ويكون قوله: «شيئًا» كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أي لا يُشْرَك به إشراكًا، ويكون الجارّ والمجرور في قوله: «به» هو القائم مقام الفاعل، قال: وإذا لَمْ تُعَيِّن الرواةُ شيئًا من هذه الوجوه، فَحَقٌّ على من يروي هذا الحديثَ منّا أن ينطق بها كُلّها واحدًا بعد واحدٍ؛ ليكون آتيًا بما هو المقول منها في نفس الأمر جزمًا، والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن الصلاح . قال النووي رحمه الله تعالى بعد ما ذكر كلام ابن الصلاح: ما نصّه: وما ذكرناه أوّلًا صحيح في الرواية، والمعنى، والله تعالى أعلم، انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى من صحّة الرواية بضبط «يُعبد الله، ويُشرَك» بالبناء للمفعول، ورفع «شيء» على أنه نائب الفاعل، هو المتعيّن؛ لأن ما صحّ رواية لا يجوز تعدّيه إلى غيره، وإن صحَّ عربيّة، فافهمه فإنه مهمّ جدًّا. هذا بالنسبة لهذه الرواية هنا، وإلا فرواية البخاريّ في «كتاب التوحيد» من «صحيحه» عن محمد بن بشّار بسند المصنّف بلفظ: «أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا»، والله تعالى أعلم. (قَالَ) - ﷺ - («أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ) أي العباد (عَلَيْهِ) أي على الله تعالى حقًّا أوجبه على نفسه فضلًا منه ومنّةً، لا إيجابًا منهم عليه، كما سبق تحقيقه قريبًا (إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟)، الإشارة إلى ما ذُكر من عبادته، وعدم إشراك شيء به (فَقَالَ) معاذ - ﵁ - (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ - (»أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ«) قد تقدّم البحث في هذه الجملة مستوفًى قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاذ بن جبل - ﵁ - هذا من رواية الأسود عنه متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه. أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»(١١/ ١٥٢) عن محمد بن المثنّى، وابن بشّار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي حَصِين، والأشعث بن سُليم، كلاهما عن الأسود بن هلال، عن معاذ بن جبل - ﵁ -، وفي (١١/ ١٥٣) عن القاسم بن زكرياء، عن حسين الْجُعفيّ، عن زائدة، عن أبي حَصِين، عن الأسود به. و(البخاريّ) في«التوحيد»(٨٣٧٣) عن محمد بن بشّار، عن غُنْدر به. و(أحمد) في«مسنده» (٥/ ٢٢٨) عن عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن أبي حَصِين به، وفي (٥/ ٢٢٩) عن محمد بن بشار به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٣] (٣٢) - (حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا، يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى النَّاسِ …» نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا في السند الماضي، سوى ثلاثة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربما نُسب لجدّه، ثقة [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م، س ق) ٤/ ١١٦. ٢ - (حُسَيْنٌ) بن عليّ بن الوليد الْجُعفيّ مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الكوفيّ المقريء، ثقة عابدٌ [٩]. رَوَى عن خاله الحسن بن الْحُرّ، والأعمش، وزائدة، وابن أبي رَوّاد، وحمزة الزيات، وإسرائيل بن موسى، وفضيل بن عياض، وجعفر بن بُرْقان، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وهارون الْحَمّال، ومحمد بن رافع، وجماعة، وقد روى عنه سفيان بن عيينة، وهو أكبر منه. قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين، وسعيد بن عامر، وقال محمد بن عبد الرَّحمن الْهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو داود: سمعت قتيبة يقول: قيل لسفيان بن عيينة: قَدِمَ حسين الجعفي، فوَثَبَ قائمًا، فقيل له؟ فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عيينة، فجاء حسين الجعفيّ، فقام سفيان، فقَبَّلَ يده، وقال ابن عيينة: عَجِبت لمن مَرّ بالكوفة، فلم يُقَبِّل بين عيني حسين الجعفي، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ: إن بَقِي أحد من الأبدال، فحسين الجعفيّ، وقال أبو مسعود الرازيّ: أفضل مَن رأيت الْحَفَرِيُّ، وحسين الجعفيّ، وذكر غيرهما، وقال الحجاج بن حَمْزة: ما رأيت حسينًا الجعفيّ ضاحكًا ولا مبتسمًا، ولا سمعت منه كلمة رَكِنَ فيها إلى الدنيا، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ عن الكسائيّ: قال لي هارون الرشيد: مَن أقرأ الناس؟ قلت: حسين بن علي الجعفيّ، وقال حُميد بن الربيع الخزاز: كان لا يحدث، فرأى منامًا، فشَرَعَ يُحَدِّث حتى كتبنا عنه أكثر من عشرة آلاف، وقال العجليّ: ثقة، وكان يُقرئ القرآن، رأسٌ فيه، وكان صالِحًا، لَمْ أر رجلًا قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال: إنه لَمْ يطأ أُنثى قط، وكان جميلًا، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى الناس عنه، وكان الثوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفَي، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: بَخٍ بَخٍ، ثقة، صدوق. قيل: ولد سنة (١١٩)، ومات سنة (٣) أو (٢٠٤)، وجزم البخاريّ، وابن سعد، وابن قانع، ومُطَيَّن، وابن حبان في «الثقات» بأنه مات سنة (٣). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٣٥) حديثًا. [تنبيه]: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «إكماله»: قوله في هذا الحديث: من رواية القاسم بن زكرياء: حدثنا حسين، عن زائدة «هكذا هو في أكثر النُّسَخ، والأصول، ووقع في بعضها»حُصَين«بالصاد المهملة، وكذا وجدْتُه مُصْلَحًا في كتابي بخطّي»حُصَين«بالصاد المهملة، ولستُ أدري من أين كتبته؟ وهو خطأٌ، والصواب»حسين« بالسين، وكذا وجدته مُصْلَحًا مغيَّرًا من حُصَين في كتاب شيخنا القاضي أبي عبد الله التميميّ ، وهو حُسين بن علي الجعفي، مولى الجُعفيين، وقد تكررت روايته عن زائدة في غير موضع من هذا الكتاب، ولا يُعْرَف حُصَين بالصاد، عن زائدة، والله تعالى أعلم، انتهى . ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقة ثبتٌ، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٠) (ع) ٥/ ٥٢. وقوله: (نحو حديثهم) يعني أن القاسم بن زكرياء، شيخ مسلم في الرواية الرابعة، رواه نحو رواية شيوخ مسلم الأربعة المذكورين في الروايات الثلاث المتقدّمة، وهم هَدَّابٌ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثني، وابن بشار. ورواية القاسم ساقها الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في «المستخرج»، فقال: ١٤٠ - حدثنا أبو محمد بن حَيّان، ثنا محمد بن عبد الرَّحمن بن الحجاج بن جَمرة، ثنا جَدِّي، ثنا حسين الجعفيّ، ثنا زائدة، عن أبي حصين، عن الأسود بن هلال، سمعت معاذ بن جبل يقول: دعاني رسول الله - ﷺ - فأجبته، فقال: «هل تدري ما حق الله على الناس؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه، لا يشركوا به شيئًا»، ثم دعاني فأجبته، فقال: «هل تدري ما حق الناس على الله، إذا فعلوا ذلك؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذبهم، وأن لا يدخلهم النار«. رواه مسلم عن القاسم بن زكريا، عن حسين الجعفي، انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. (١٢) - (بَابٌ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ بِالشَّهَادَتَيْن، بَلْ لَا بُدَّ مِنِ اسْتِيقَانِ الْقَلْبِ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذه الترجمة تنبيهٌ على فساد مذهب غُلاة المرجئة القائلين: إن اللفظ بالشهادتين كافٍ في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدلّ على فساده، بل هو مذهبٌ معلوم الفساد من الشريعة لمن وَقَفَ عليها؛ لأنه يلزم منه تسويغ النفاق، والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطلٌ قطعًا، انتهى . وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٤] (٣١) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: كنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا للأَنْصَار، لِبَنِي النَّجَّار، فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ، مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟»، فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأَتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ - قَالَ:»اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْن، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِط، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ«، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟«، قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِه، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟«، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: »نَعَمْ«، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »فَخَلِّهِمْ«). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) ٢/ ٣. ٢ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ) هو: عمر بن يونس بن القاسم الْحَنَفيّ، أبو حفص اليماميّ الْجُرَشِيّ، ثقةٌ [٩]. روى عن أبيه، وعكرمة بن عَمّار، وأيوب بن عُتْبة، وأيوب بن النَّجّار، وخَبَّاب بن فَضَالة، وعاصم بن محمد بن زيد، ومُلازِم بن عمرو، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن ابنه أحمد بن محمد بن عمر، وأبو عمرو الناقد، وأبو موسى، وبندار، وإسحاق بن وهب الْعَلّاف، وأبو خيثمة، والعباس العنبريّ، ومحمود بن غيلان، وغيرهم. قال أحمد: ثقةٌ، ولم أسمع منه، وقال ابن معين: والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يُتَّقَى حديثُهُ من رواية ابن ابنه عنه؛ لأنه كان يقلب الأخبار، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في «كتاب أحكام القرآن»: ثنا عليّ - هو ابن المدينيّ - ثنا عمر بن يونس اليماميّ، وكان ثقةً ثبتًا، ووَثَّقه أبو بكر البزار، ويقال: مات سنة ست ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٩) حديثًا. ٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) الْعِجليّ، أبو عَمّار اليماميّ، بصري الأصل، صدوقٌ يَغْلَطُ [٥]. روى عن الْهِرْماس بن زياد، وله صحبة، وإياس بن سلمة بن الأكوع، وسالم بن عبد الله بن عمر، وسماك بن الوليد الحنفي، وضَمْضَم بن جَوْس، وأبي كثير السُّحَيمِيّ، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوريّ، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وابن مهديّ، وعمر بن يونس اليماميّ، وعلي بن ثابت الْجَزَريّ، وغيرهم. قال المفضل الْغَلّابيّ: حدثنا رجل من أهل اليمامة، وسألته عن عكرمة، فقال: هو عكرمة بن عمار بن عقبة بن حَبِيب بن شِهَاب بن ذُبَاب بن الحارث بن حمصانة بن الأسعد بن جُذَيْمَة بن سعد بن عِجْل، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث عن يحيى بن أبي كثير، وقال أيضًا عن أبيه: عكرمةُ مضطرب الحديث، عن غير إياس بن سلمة، وكان حديثه عن إياس صالِحًا، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: سمعت أحمد يُضَعِّف رواية أيوب بن عتبة، وعكرمة بن عَمَّار، عن يحيى بن أبي كثير، وقال: عكرمة أوثق الرجلين، وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله، هل كان باليمامة أحدٌ يُقَدَّم على عكرمة اليماميّ، مثلُ أيوب بن عُتبة، ومُلازم بن عمرو، وهؤلاء؟ فقال: عكرمة فوق هؤلاء، أو نحو هذا، ثم قال: رَوَى عنه شعبة أحاديث، وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ثقة، وقال الغلابي، عن يحيى: ثبتٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صدوقٌ ليس به بأس، وقال أبو حاتم، عن ابن معين: كان أُمِّيًّا، وكان حافظًا، وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: أيوب بن عُتبة أحبّ إليك، أو عكرمة بن عمار؟ فقال: عكرمة أحب إليّ، وأيوب ضعيف، وقال ابن المدينيّ: أحاديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير، ليست بذاك، مناكير، كان يحيى بن سعيد يُضَعّفها، وقال في موضع آخر: كان يحيى يضعف رواية أهل اليمامة، مثل عكرمة، وضَرْبِه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عليّ بن المدينيّ: كان عكرمة عند أصحابنا ثقةً ثبتًا، وقال العجليّ: ثقة، يَرْوي عنه النضر بن محمد ألف حديث، وقال البخاريّ: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، ولم يكن عنده كتاب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، كان أحمد بن حنبل يُقَدِّم عليه ملازم بن عمرو، وقال النسائيّ: ليس به بأس، إلَّا في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو حاتم: كان صَدُوقًا، ورُبَّما وَهِمَ في حديثه، وربما دَلَّسَ، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير بعض الأغاليط، وقال الساجيّ: صدوقٌ وثقه أحمد ويحيي، إلَّا أن يحيى بن سعيد ضعفه في أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازمًا عليه، وقال محمد بن عبد الله بن عَمّار: عكرمة بن عمار ثقة عندهم، ورَوَى عنه ابن مهديّ، ما سمعت فيه إلَّا خيرًا، وقال في موضع آخر: هو أثبت من مُلازم، وهو شيخُ أهل اليمامة، وقال علي بن محمد الطنافسيّ: ثنا وكيعٌ، عن عكرمة بن عمار، وكان ثقة، وقال صالح بن محمد الأَسَديّ: كان يتفرد بأحاديث طوال، ولم يَشْرَكه فيها أحد، قال: وقَدِمَ البصرة، فاجتمع إليه الناس، فقال: إلا أراني فقيهًا وأنا لا أشعر، وقال صالح بن محمد أيضًا: إن عكرمة بن عمار صدوق، إلَّا أن في حديثه شيئًا، روى عنه الناس، وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: ثقةٌ، رَوَى عنه الثوريّ، وذكره بالفضل، وكان كثير الغلط، ينفرد عن إياس بأشياء، وقال ابن خِرَاش: كان صدوقًا، وفي حديثه نُكْرَةٌ، وقال الدارقطنيّ: ثقة، وقال ابن عديّ: مستقيم الحديث، إذا روى عنه ثقة، وكذا ذكر ابن حبان في «الثقات»، وقال: في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابٌ، كان يُحَدِّث من غير كتابه، وقال أبو أحمد الحاكم: جُلُّ حديثه عن يحيي، وليس بالقائم، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن صالح: أنا أقول: إنه ثقةٌ، وأحتجُّ به، وبقوله. وقال عاصم بن عليّ: كان مستجاب الدعوة، قال معاوية بن صالح: مات في إمارة المهديّ، وقال ابن معين وغيره: مات سنة (١٥٩). علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب (٣٨) حديثًا. ٤ - (أَبُو كَثِيرٍ) السُّحَيْمِيّ - بمهملتين، مصغّرًا - الْغُبَريّ - بضمّ المعجمة، وفتح الموحَّدة - اليماميّ الأعمي، قيل: اسمه يزيد بن عبد الرَّحمن الضرير، وقيل: يزيد بن عبد الله بن أُذينة، وقيل: ابن غُفَيلة، قال أبو عوانة الإسفرائينيّ: إنه أصح من أُذينة، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي هريرة، وعنه ابنه زُفَرُ، ويحيى بن أبي كثير، وعكرمة بن عَمّار، وعبد الله بن بَدْر السُّحَيميّ، وموسى بن نَجْدة وعقبة بن التَّوْأَم، والأوزاعيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم، وأبو داود، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وفَرّق بين يزيد بن أُذينة، وبين يزيد بن غُفَيلة الشاميّ، وغُفَيلة - بضم المعجمة، وفتح الفاء، مصغّرًا -. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٣١) و(١٩٨٥) وكرره ثلاث مرّات، و(١٩٨٩) و(٢٤٩١). ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي هريرة - ﵁ - أنه (قَالَ: كُنَّا قُعُودًا) بالضمّ: جمع قاعد، كالركوع، والسُّجُود، جمع راكع، وساجد، كما قال الله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] (حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال أهل اللغة: يقال: قَعَدْنا حولَهُ، وحَوْلَيه، وحَوَاليه وحواله - بفتح الحاء واللام - في جميعها، منصوب على الظرفيّة، أي على جوانبه، وفي الجهات المحيطة به، قالوا: ولا يقال: حَوَالِيهِ - بكسر اللام -. (مَعَنَا) - بفتح العين - هذه اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب «المحكم»، والجوهريّ، وغيرهما، وهي للمصاحبة، قال صاحب «المحكم» «مَعَ»: اسمٌ معناه الصحبة، وكذلك «مَعْ» بإسكان العين، غير أن المحركة تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة لا تكون إلَّا حرفًا، قال اللحيانيّ: قال الكسائيّ: رَبِيعةُ وغَنْمٌ يُسَكِّنون، فيقولون: «مَعْكُم»، و«مَعْنَا»، فإذا جاءت الألف واللام، أو ألف الوصل اختلفوا، فبعضهم يفتح العين، وبعضهم يَكْسِرها، فيقولون: مع القوم، ومَع ابنك، وبعضهم يقول: مَعَ القوم، ومَعَ ابنِكَ، أما مَن فَتح فبناه على قولك: كنا معًا ونحن معًا، فلما جعلها حرفًا، وأخرجها عن الاسم حذف الألف، وترك العين على فتحتها، وهذه لغة عامّة العرب، وأما مَن سَكَّن، ثم كَسَرَ عند ألف الوصل، فأخرجه مخرج الأدوات، مثال: هل، وبل، فقال: مع القوم، كقولك: هَلِ القومُ، وبَلِ القومُ ، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَ«مَعَ»مَعْ«فِيهَا قَلِيلٌ وَنُقِلْ … فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُونٍ يَتَّصِلْ والظرف خبر مقدّم لقوله: (أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما (فِي نَفَرٍ) متعلّق بحال مقدَّر، أي حال كونهما كائنين مع جماعة آخرين. و«النَّفَرُ»بفتحتين: جماعة الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نَفَرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ . فقوله:«في نفر»من فصيح الكلام، وحُسْن الإخبار، فإنهم إذا أرادوا الإخبار عن جماعة، فاستكثروا أن يذكروا جميعهم بأسمائهم، ذكروا أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قالوا: وغيرهم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى . (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا)، وقال بعده:«كنت بين أظهُرنا»، هكذا هو في الموضعين«أَظْهُرنا»، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ووقع الثاني في بعض الأصول:«ظَهْرَينا»، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: يقال:«نحن بين أظهركم»، و«ظَهْرَيْكم»، و«ظَهْرَانَيْكُم»- بفتح النون - قال الأصمعيّ: الْعَربُ تقول: نحن بين ظَهْرَيكم، على لفظ الاثنين، وظهرانَيْكم، قال الخليل: أي بينكم، وقال غيره: والعرب تضعا لاثنين موضع الجمع، انتهى . وقال في«المصباح»: هو نازلٌ بين ظَهْرَانَيْهِمْ - بفتح النون - قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، وبين ظَهْرَيْهِمْ، وبين أظْهُرهم كلُّها بمعنى بينهم، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأنّ المعنى أن ظَهْرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كَثُر، حتى اسْتُعمِل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم، انتهى . (فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا) أي تأخّر من الرجوع إلينا (وَخَشِينَا) بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي. قال في «القاموس»: خَشِيَهُ، كرَضِيَه خَشْيًا، ويُكسر، وخَشْيَةً، وخَشَاةً، ومَخْشَاةً، ومَخْشِيَةً، وخَشَيَانًا، وتخشّاه: خافه، فهو خاشٍ، وخَشٍ، وهي خَشْيَاءُ، جمعه خَشَايَا، انتهى . وفي «المصباح»: خَشِيَ خَشْيَةً: خاف، فهو خَشْيَان، والمرأة خَشْيَا، مثلُ: غَضْبَان وغَضْبَى، وربّما قيل: خَشِيتُ بمعنى عَلِمْتُ، انتهى . (أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُصاب بمكروه من عدوّ، إما بأسر، وإما بغير ذلك قبل أن يصل إلينا، وقال القرطبيّ: أي يُحال بيننا وبينه بأخذ، أو هلاك (وَفَزِعْنَا) بكسر الزاي، من باب تَعِبَ: أي خِفْنا، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: «الْفَزَعُ» يكون بمعنى الرَّوْع، وبمعنى الْهُبُوب للشيء، والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، قال: فتصح هذه المعاني الثلاثة: أي ذُعِرْنَا؛ لاحتباس النبيّ - ﷺ - عنّا، إلا تراه كيف قال: «وخَشِينا أن يُقْتَطَع دوننا»، ويدل على الوجهين الآخرين قولُهُ: «فكنتُ أَوَّلَ من فَزعَ» انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «ففزعنا» من قولهم: فَزِعتُ إلى كذا: إذا أقبلت عليه، وتفرّغت له، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَزِعْتُ إِلَيْكُمْ مِنْ بَلَايَا تَنُوبُنِي … فَأَلْفَيْتُكُمْ مِنْهَا كَرِيمًا مُمَجَّدَا وقد دلَّ على ذلك قوله: «فكنتُ أَوّلَ من فَزِعَ»: أي أوّل من أخذ في طلبِه، وليس هو من الفزع الذي هو الذُّعْرُ والخوف؛ لأنه قد قال قبل هذا: «فخَشِينا أن يُقتَطَعَ دوننا»، ثمّ رَتَّبَ «فَزِعْنَا» عليه بفاء التعقيب المشعرة بالتسبب، والفزع مشترك يُطلق على ذينك المعنيين، وعلى الإغاثة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما سبق عن القاضي عياض رحمه الله تعالى من صحة إطلاقه على المعاني الثلاثة هو الأولي، ولا ينافيه قوله الماضي: «فخشينا إلخ»؛ إذ يكون من باب التوكيد، فتبصر، والله تعالى أعلم. (فَقُمْنَا) أي لطلبه، والبحث عنه، وقال القرطبيّ: قوله: «وقمنا»، أي تركنا ما كنّا فيه، وأقبلنا على طلبه. (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ) أي أسبق من ارتاع به، أو قام لطلبه، أو لإغاثته (فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) أي أطلبه، والجملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مبتغيًا، أي طالبًا له - ﷺ -، وإنما قال: «رسول الله»، مع أن المقام يقتضي الإضمار؛ تلذُّذًا بذكره - ﷺ - على حدّ قول القائل [من الطويل]: أَعِدْ ذِكْرَ نُعْمَانٍ لَنَا إنَّ ذِكْرَهُ … هُوَ الْمِسْكُ مَا كَرَّرْتَهُ يَتَضَوَّعُ (حَتَّى أَتَيْتُ) غاية لمقدّر، أي فاستمرّ بي الذهاب إلى أن أتيتُ (حَائِطًا) أي بستانًا، وجمعه: حوائط، وسُمّي بذلك؛ لأنه حائطٌ لا سقف له (للأنصَارِ) بفتح الهمزة، وهو في الأصل جمع نَصِير، بمعنى الناصر، كشَرِيف وأشراف، لُقِّبَ به أنصار رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج، غَلَبت عليهم الصفة، فجرى مجرى الأسماء، كأنه اسم الحيّ، ولذا نُسب إليه على لفظ الجمع، من غير ردّه إلى مفرده، فقال: أنصاريّ ، وهذا معنى قول ابن مالك رحمه الله تعالى في «الخلاصة»: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ وقوله: (لِبَنِي النَّجَّارِ) - بفتح النون، وتشديد الجيم - بدل من الجارّ والمجرور قبله، وبنو النّجّار: بطن من الخزرج، يُنسبون إلى النجّار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وإنما قيل له: النّجّار؛ لأنه اختَتَن بِقَدُوم، وقيل: ضَرَبَ رجلًا بقدُوم، فسُمّي نجّارًا، وهم أخوال عبد المطّلب بن هاشم جدّ النبيّ - ﷺ -، وهو تيم بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، قاله ابن السمعانيّ . (فَدُرْتُ) بضمّ الدال: يقال: دار حولَ البيت يدورُ دَوْرُ ودَوَرَانًا: إذا طاف به (بِهِ) أي بذلك الحائط (هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا) أي للدخول إلى داخله حتى يبحث عنه - ﷺ - (فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ) «إذا» هي الْفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود ربيع - بفتح، فكسر -: النهر الصغير (يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ) أي بستان (مِنْ بِئْرٍ) متعلّق بحال من «ربيع» لكونه موصوفًا بالجملة، أي حال من ذلك الرَّبِيع جاريًا من بئر (خَارِجَةٍ) صفة لـ «بئر»، أي إن تلك البئر ليست من داخل البستان، وإنما هي من خارجه، ثم أدرج عن بعض الرواة، ولم أعرفه، تفسير الربيع، فقال: (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: (أما «الرَّبِيع» - فبفتح الراء - على لفظ الرَّبِيع الفصلِ المعروف، و«الْجَدْول - بفتح الجيم -، وهو النهر الصغير، وجمع الربيع: أَرْبِعَاء، كنَبِيِّ وأنبياء. وقوله:«من بئر خارجة»: هكذا ضبطناه بالتنوين في«بئر»، وفي«خارجة»على أن«خارجة»صفة لـ«بئر»، وكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح عن الأصل الذي هو بخط الحافظ أبي عامر العبدريّ، والأصل المأخوذِ عن الْجُلُودِيّ، وذكر الحافظ أبو موسى الأصبهانيّ وغيره أنه رُوِي على ثلاثة أوجه: [أحدها]: هذا. [والثاني]: من«بئر خارجَهُ»بتنوين«بئر»، وبهاء في آخر«خارجه»، مضمومةٍ، وهي ضمير الحائط، أي البئر في موضع خارجٍ عن الحائط. [والثالث]:«من بئرِ خارجةَ»، بإضافة«بئر»إلى«خارجة»آخره تاء التأنيث، وهو اسم رجل، والوجه الأول هو المشهور الظاهر. وخالف هذا صاحب«التحرير»، فقال: الصحيح هو الوجه الثالث، قال: والأول تصحيفٌ، قال: و«البئر»يَعْنُون بها البستان، قال: وكثيرًا ما يَفْعَلُون هذا، فيُسَمُّون البساتين بالآبار التي فيها، يقولون:«بئرُ أَرِيس»، و«بئرُ بُضاعة»، و«بئرُ حاء»، وكلُّها بساتين. قال النوويّ - بعد نقله كلام صاحب«التحرير»هذا -: وأكثره، أو كله لا يُوافَقُ عليه، والله أعلم. قال: و«الْبِئْرُ»: مؤنثة مهموزة، يجوز تخفيف همزتها، وهي مشتقة من بَأَرْتُ: أي حَفَرتُ، وجمعها في القلّة أَبْؤُرٌ، كَأَفْلُسٍ، وأَبْآرٌ، ساكن الباء، على أفْعالٍ، ومن العرب من يَقْلِب الهمزة التي هي عين الكلمة، ويُقدِّمها على الباء، ويقول: أَأْبار، فتجتمع همزتان، فتُقلَبُ الثانيةُ ألفًا، وجوَّزَ الفرّاء القلب في«أَبْؤُر، فيقال: آبُرٌ: وجمعها في الكثرة بِئَارٌ بكسر الباء بعدها همزة، بوزن كِتَابٍ، وتصغيرها بُؤَيرَةٌ ، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَاحْتَفَزْتُ، كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ)، قد رُوي على وجهين: رُوِي بالزاي، وروي بالراء، قال القاضي عياض: رواه عامّة شيوخنا بالراء عن الْعَبْدريّ وغيره، قال: وسمعنا عن الأسديّ، عن أبي الليث الشاشيّ، عن عبد الغافر الفارسيّ، عن الجلوديّ بالزاي، وهو الصواب، ومعناه تضامَمْتُ وتداخلتُ؛ لِيَسَعني الْمَدْخَل، ومنه حديث عليّ - ﵁ -: «إذا صلّت المرأة، فلتحفز» ، أي لتضامّ، وتَنْزَوي إذا سجدت، وكذا قال الشيخ أبو عمرو: إنه بالزاي في الأصل الذي بخطّ أبي عامر العبدريّ، وفي الأصل المأخوذ عن الجلوديّ، وإنها رواية الأكثرين، وإن رواية الزاي أقرب، من حيث المعنى، ويدُلّ عليه تشبيهه بفعل الثعلب، وهو تَضَامُّهُ للدخول في الْمَضَايِق . وأما صاحب «التحرير»، فأنكر الزاي، وخَطّأَ رُوَاتها، واختار الراء، قال النوويّ: وليس اختياره بمختار، والله تعالى أعلم . [تنبيه]: وقع في «مستخرج أبي عوانة» بالراء في المواضع كلها، إلَّا أنه تصحّف الأول إلى «فاحترفت» بتقديم الراء على الفاء، والظاهر أنه غلط من النّاسخ، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ) أي الرسول - ﷺ - («أَبُو هُرَيْرَةَ؟») خبر لمحذوف، مع همزة الاستفهام، أي أأنت أبو هريرة؟ (فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ) - ﷺ - («مَا شَأَنُكَ؟»)، أي: ما حالك في دخولك عليّ في هذا المحلّ؟ (قُلْتُ: كنْتَ) بتاء الخطاب (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا (فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا) أي تأخَّر رجوعك إلينا (فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا) أي تصاب بضرر قبل وصولك إلينا (فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ) أي البستان (فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي). قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني به النفر الذين كانوا مع النبيّ - ﷺ -، فقام عنهم، وأخذوا في طلبه، وهم المعنيّون للنبيّ - ﷺ - بقوله: «فمن لقيتَ من وراء هذا الحائط، يشهد أن لا إله إلَّا الله، مستيقنًا بها قلبه، فبشّره بالجنة»، فإنه قيّده بقوله: «من لقِيتَ من وراء هذا الحائط»، ولا شكّ في أن أولئك هم من أهل الجنّة، وهذا ظاهر اللفظ، وَيحتَمِل أن يقال: إن ذلك القيد مُلْغًى، والمراد هم، وكلّ من شاركهم في التلفّظ بالشهادتين، واستيقان القلب بهما. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الثاني هو ظاهر اللفظ، لا ما قاله القرطبيّ من أن الأول هو الظاهر، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) - ﷺ - «(يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وقوله: (قَالَ) مؤكّد لـ»قال«الأول، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الكلام فائدة لطيفة، فإنه أعاد لَفْظَةَ»قال«، وإنما أعادها؛ لطول الكلام، وحصول الفصل بقوله:»يا أبا هريرة، وأعطاني نعليه«، وهذا حَسَنٌ، وهو موجودٌ في كلام العرب، جل جاء أيضًا في كلام الله تعالى، قال الله ﵎: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: قال محمد بن يزيد: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩] تكرير للأول؛ لطول الكلام، قال: ومثله قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، أعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾، لطول الكلام، والله تعالى أعلم. وأما إعطاؤه النعلين، فلتكون علامةً ظاهرةً معلومةً عندهم، يَعرِفون بها أنه لقي النبيّ - ﷺ -، ويكون أوقع في نفوسهم، لما يُخْبِرهم به عنه - ﷺ -، ولا يُنكَرُ كون مثل هذا يفيد تأكيدًا، وإن كان خبره مقبولًا، انتهى . («اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ) بفتح اللام، مضاف إلى ياء المتكلّم، وإنما لَمْ يُكسر ما قبلها، وإن كان ذلك هو الأصل؛ لكونه مثنّى، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في»الخلاصة«: آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ«رَامٍ»وَ«قَذَى»أَوْ يَكُ كَـ«ابْنَيْنِ»، وَ«زَيْدِينَ»فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ (هَاتَيْنِ) بدل أو عطف بيان لـ«نعليّ»، وهو تثنية«تا»اسم إشارة للمؤنّثة، كما قال في«الخلاصة»: بِـ«ذَا»لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ … بِـ«ذِي»و«ذِهْ» «تِي» «تَا»عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ و«ها»حرف تنبيه (فَمَنْ لَقِيتَ) بكسر آلاف، يقال: لَقِيتُه أَلْقَاهُ، من باب تَعِبَ لُقِيًّا، والأصل على فُعُولٍ، ولُقًى بالضمّ مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء اسْتَقْبَلَ شيئًا، أو صادفه، فقد لَقِيَهُ، ومنه لِقَاء البيت، وهو استقباله، قاله الفيّوميّ (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ) أي بعد هذا البستان (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، وكذا قوله (مُسْتَيْقِنًا بِهَا) أي عالِمًا بمعنى هذه الكلمة، يقال: يَقِنَ الأمرَ، كفَرِحَ يَقْنًا، وَيُحَرَّكُ، وأَيْقَنَهُ وَبِه، وتيقّنه، واستيقنه، وبه: عَلِمَهُ، وتحقَّقه، وهو يَقِنٌ، مَثلَّثَ القاف، قاله في «القاموس» ، وقال في «المصباح»: اليَقِينُ: العلمُ الحاصل عن نظر واستدلال، ولهذا لا يُسمّى علم الله تعالى يَقِينًا، ويَقِنَ الأمرُ يَيْقَنُ يَقَنًا، من باب تَعِبَ: إذا ثبت ووضَحَ، فهو يَقِينٌ، فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، ويُستعمل متعدّيًا أيضًا بنفسه، وبالباء، فيقال: يَقِنْتُهُ، ويَقِنْتُ به، وأيقنتُ به، وتيقَّنتُهُ، واستيقنته: أي علمته، انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: اليقين: هو العلم الراسخ في القلب الثابت فيه، قال: وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ، قال الشاعر [من الطويل]: تَحَسَّبَ هَوَّاسٌ وَأَيْقَنَ أَنَّنِي … بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لَا أُغَامِرُهْ يقول: تَشَمَّمَ الأسد ناقتي، يظنّ أنني أفتدي بها منه، وأتركها له، ولا أقاتله، قاله الجوهريّ، وقال غيره: اليقين هو السكون مع الوضوح، يقال: يَقِنَ الماءُ: أي سَكَنَ، وظهر ما تحته، انتهى . وقوله: (قَلْبُهُ) مرفوع على الفاعليّة باسم الفاعل (فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) والمراد أنّ من كانت هذه صفته، فهو من أهل الجنّة، وإلا فأبو هريرة - ﵁ - لا يعلم استيقان قلوبهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق، ولا النطق دون الاعتقاد، بل لا بُدّ من الجمع بينهما، وقد تقدم إيضاحه في أول الباب، وذِكْرُ القلب هنا للتأكيد، ونفي توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا يكون إلَّا بالقلب . (فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - بنصب «أَوَّلَ» على أنه خبر «كان»، مقدَّمًا، ورفع «عمرُ» على أنه اسمها، ويجوز العكس، و«من» موصولة، والعائد محذوفٌ؛ لكونه فضلة، كما قال في «الخلاصة»: ........................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ «مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» وقال أيضًا: وَحَذْفَ فَضلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ (فَقَالَ) أي عمر - ﵁ - (مَا) استفهاميّةٌ (هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في «شرح النوويّ» بلفظ: «فقلت: هاتين نعلا رسول الله - ﷺ - بعثني بهما»، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في جميع الأصول: «فقلت: هاتين نعلا» بنصب «هاتين»، ورفع «نعلا»، وهو صحيح، معناه: فقلت: يعني هاتين هما نعلا رسول الله - ﷺ -، فنصب «هاتين» بإضمار «يعني» ، وحذف «هما» التي هي المبتدأ؛ للعلم به. قال الجامع عفا الله تعالى: الظاهر أن النوويّ رحمه الله تعالى لَمْ يقع عنده إلَّا بنصب «هاتين»، كما يفيده قوله: «هكذا هو في جميع الأصول»، ولكن بعض النسخ التي بين يديّ وقع فيها «هاتان» بالرفع، وهو الذي وقع في مختصر القرطبيّ، ولم يذكر في شرحه شيئًا، مع أنه يعلّق في مثل هذا، وكذا لَمْ يذكر القاضي عياض في «الإكمال» شيئًا، مع أنه كثير التنبيه على مثل هذا، ولا ابنُ الصلاح في «صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الإسقاط والسقط»، مع أن مثل هذا التنبيه موضوع كتابه. والحاصل أنه لَمْ تتّفق النسخ كلّها على ما قاله النوويّ، بل وقع في بعضها رفع «هاتان»، وهو واضح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في «مستخرج أبي نعيم» (١/ ١٢٤، ١٤١) «هاتين نعلي رسول الله - ﷺ -» بنصب الاثنين، فإن صحّت النسخة، فيؤّل على أن الأول منصوب بفعل مقدَّر، أي أخذتُ هاتين، وقوله: «نعلي رسول الله - ﷺ - إلخ بدل منه، والله تعالى أعلم. (بَعَثَنِي بِهِمَا) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا ضبطناه«بهما»على التثنية، وهو ظاهر، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها«بها»من غير ميم، وهو صحيحٌ أيضًا، ويكون الضمير عائدًا إلى العلامة، فإن النعلين كانتا علامة، والله تعالى أعلم . (مَنْ لَقِيتُ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ)، أي ليرجع عما هو عازم عليه من تبشير الناس بما أُرسل به، لا بقصد سقوطه وإيذائه، وإنما ضرب بيده في صدره؛ ليكون أبلغ في زجره (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) تثنية«ثَدْيٍ»- بفتح الثاء، وسكون الدال - وهو مذكر، وقد يؤنث في لغة قليلة، واختلفوا في اختصاصه بالمرأة، فمنهم من قال: يكون للرجل والمرأة، ومنهم من قال: هو للمرأة خاصة، فيكون إطلاقه في الرجل مجازًا، واستعارةً، وقد كثر إطلاقه في الأحاديث للرجل، قاله النووي . وقال في«القاموس»:«الثَّدْيُ»- أي بفتح، فسكون - ويُكسَرُ، وكالثَّرَى، خاصّ بالمرأة، أو عامّ، ويؤنِّث، جمعه أَثْدٍ، وثُدِيٌّ، كَحُلِيٍّ، انتهى . (فَخَرَرْتُ لِاسْتِي) أي على استي، فاللام بمعنى«على»، كما في قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، أي: عليها، وكأنه وَكَزَ في صدره، فوقع على استه، وليس قول من قال: خَرَّ على وجهه بشيء، قاله القرطبيّ . وقال الفيّوميّ رحمه الله تعالى:«الاسْتُ»: الْعَجُزُ، ويُراد به حَلْقَةُ الدُّبُر، والأصل سَتَهٌ بالتحريك، ولهذا يُجمع على أَسْتَاهٍ، مثلُ سبب وأسباب، ويُصَغَّرُ على سُتَيهٍ«، وقد يُقال: سَهٌ بالهاء، وسَتٌ بالتاء، فيُعرب إعرابَ يَدٍ ودَمٍ، وبعضهم يقول في الوصل بالتاء، وفي الوقف بالهاء، على قياس هاء التأنيث، قال الأزهريّ: قال النحويّون: الأصلُ سَتْهٌ بالسكون، فاستثقلوا الهاء؛ لسكون التاء قبلها، فحَذَفُوا الهاءَ، وسَكَنتِ السينُ، ثم اجْتُلِبت همزة الوصل، وما نقله الأزهريّ في توجيهه نظرٌ؛ لأنهم قالوا: سَتِهَ سَتَهًا، من باب تَعِبَ: إِذا كَبِرَت عَجِيزته، ثم سُمّي بالمصدر، ودخله النقص بعد ثُبُوت الاسم، ودعوى السكون لا يشهد له أصلٌ، وقد نَسَبُوا إليه، سَتَهِيٌّ بالتحريك، وقالوا في الجمع: أَسْتَاهٌ، والتصغير والتكسير يرُدّان الأسماء إلى أصولها، انتهى . [تنبيه]: «است» أحد الأسماء العشرة التي بُدأت بهمزة الوصل، وأصل هذه القاعدة أن همزة الوصل إنما تأتي في الفعل الماضي إذا كان أكثر من أربعة أحرف، نحو انطلق، واستخرج، وكذا الأمرُ منه، نحو انطَلِقْ، واسْتَخْرِجْ، والمصدر، نحو انطلاقٍ، واستخراج، وكذا أمرُ الثلاثيّ، نحو اخشَ، وامض، وانفُذ، ولم يُحْفَظْ عن العرب همزة الوصل في الأسماء التي ليست مصادر لفعل زائد على أربعة، إلَّا في عشرة أسماء: اسم، واست، وابن، وابنم، واثنين، وامريّ، وامرأة، وابنة، واثنتين، وايمن في القسم، وكذا لَمْ تُحفَظ همزة الوصل في الحروف إلَّا في «أل»، وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: لِلْوَصْلِ هَمْزٌ سَابِقٌ لَا يَثْبُتُ … إِلا إِذَا ابْتُدِي بِهِ كَاسْتَثْبِتُوا وَهْوَ لِفِعْلٍ مَاضٍ احْتَوَى عَلَى … أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ نَحْوُ انْجَلَى وَالأَمْرِ وَالْمَصْدَرِ مِنْهُ وَكَذَا … أَمْرُ الثُّلَاثِي كَاخْشَ وَامْضِ وَانْفُذَا وَفِي اسْمٍ اسْتٍ ابْنٍ ابْنِمٍ سُمِعَ … وَاثْنَيْنِ وَامْرِئٍ وَتَأَنِيثٍ تَبِعْ وَايْمُنُ هَمْزُ «أَلْ» كَذَا وَيُبْدَلُ … مَدًّا فِي الاسْتِفْهَامِ أَوْ يُسَهَّلُ [تنبيه آخر]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: «لاستي» المستحب في مثل هذا الكناية عن قبيح الأسماء، واستعمال المجاز، والألفاظ التي تُحَصِّل الغرض، ولا يكون في حورتها ما يُستحيا من التصريح بحقيقة لفظه، وبهذا الأدب جاء القرآن العزيز، والسنن، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقد يَستَحْمِلون صريح الاسم؛ لمصلحة راجحة، وهي إزالة اللبس، أو الاشتراك، أو نفي المجاز، أو نحو ذلك، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢]، وكقوله - ﷺ -: «أَنِكْتَها»، وكقوله - ﷺ -: «أدبر الشيطان وله ضرَاط»، وكقول أبي هريرة - ﵁ -: «الحدث فُسَاءٌ أو ضُرَاطٌ»، ونظائر ذلك كثيرة، واستعمال أبي هريرة - ﵁ - هنا لفظ الاست من هذا القبيل، والله تعالى أعلم، انتهى . (فَقَالَ) عمر - ﵁ - (ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ) قال القاضي عياض وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: ليس فعلُ عمر - ﵄ -، ومراجعته النبيّ - ﷺ - اعتراضًا عليه، ولا ردًّا لأمره، وإنما كان ذلك سعيًا في استكشافٍ عن مصلحةٍ ظهرت له، لَمْ يُعارض بها حكمًا ولا شرعًا؛ إذ ليس فيما بعث به أبا هريرة - ﵁ - غير تطييب قلوب الأمة وبُشْرَاهم، فرأى عمر - ﵁ - أنّ كَتْمَ هذه البشرى أصلح لهم، وأحرى بهم لئلا يَتَّكِلُوا عليها، فتقلّ أعمالهم وأُجورهم، وأن ذلك أعوَد عليهم بالخير، من مُعَجَّل هذه البشرى، فلما عرضه على النبيّ - ﷺ - صَوَّبَهُ فيه. والله تعالى أعلم . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ولعلّ عمر - ﷺ - قد كان سمع ذلك من النبيّ - ﷺ -، كما سمعه معاذ - ﵁ -، كما سبق في حديثه، فيكون ذلك تذكيرًا للنبيّ - ﷺ - بما قد سَمِعَ منه، ويكون سكوت النبيّ - ﷺ - عن ذلك تعديلًا على ما قد كان تعذّر لهم تبيانه لذلك، ويكون عمر - ﵁ - لِمَا خصّه الله تعالى من الفطنة وحضور الذهن تذكّر ذلك، واستبلد أبا هريرة؛ إذ لَمْ يتفطّن لذلك، ولا تذكّره، فضربه تلك الضربةَ؛ تأديبًا وتذكيرًا انتهى، والله تعالى أعلم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «ولعلّ عمر سمع ذلك من النبيّ - ﷺ - إلخ، فيه نظر لا يخفى؛ إذ السياق يأبى ذلك، فإنه لَمّا قال له النبيّ - ﷺ -:»يا عمر ما حملك على ما فعلتَ؟ «، أجابه بقوله: فإني أخشى أن يتّكل الناسُ عليها، ولو كان سمع ذلك منه، لَقال له: إنك قلت لمعاذ:»لا تبشّرهم، فيتكلوا«، وإنما الظاهر من حال عمر - ﵁ - أن هذا مما أُلهمه، فإنه من المحدّثين، فقد أخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:«لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فإنه عمر»، وفي رواية:«لقد كان فيمن كان قبلكم، من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمُون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن من أمتي منهم أحدٌ، فعمر». وأخرج مسلم من حديث عائشة - ﵂ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يقول:«قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإن يكن في أمتي منهم أحدٌ، فإن عمر بن الخطاب منهم»، قال ابن وهب تفسير مُحَدَّثون مُلْهَمُون، والله تعالى أعلم. (فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، فَأَجْهَشْتُ) - بالجيم والشين المعجمة - والهمزةُ والهاءُ مفتوحتان، أي تهيّأت له، وأخذتُ فيه، قاله القرطبيّ، وقال النوويّ: هكذا وقع في الأصول التي رأيناها، ورأيت في كتاب القاضي عياض رحمه الله تعالى:«فَجَهِشْتُ»بحذف الألف، وهما صحيحان، قال في«القاموس»: جَهَشَ إليه، كسَمِعَ، ومَنَعَ جَهْشًا، وجُهُوشًا، وجَهَشَانًا: فَزِعَ إليه، وهو يريد البكاء، كالصبيّ يَفزَعُ إلى أمه، كأجهشَ، ومن الشيء جَهَشَانًا: خاف، أو هَرَبَ، انتهى . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وهو أن يَفْزَع الإنسان إلى غيره، وهو متغير الوجه، مُتَهَيِّءٌ للبكاء، ولَمّا يَبْكِ بَعْدُ، وقال الطبريّ: هو الفزع والإستغاثة، وقال أبو زيد: جَهَشْتُ للبكاء والحزن والشوق، والله أعلم. (بُكَاءً) منصوب على المفعول له، وقد جاء في رواية: «للبكاء»، و«الْبُكَاء» يُمَدُّ ويُقْصَر لغتان، قال الفيّوميّ رحمه الله تعالى: بَكَى يبكي بُكًى، وبُكاءً بالقصر والمدّ، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جَمَعَ الشاعرُ اللغتين، فقال [من الوافر]: بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أبكيته، ويقال: بَكَيتُهُ، وبَكَيتُ عليه، وبَكَيتُ لَهُ، انتهى . (وَرَكِبَني عُمَرُ) أي تَبِعَني، ومَشَى خَلْفي في الحال، بلا مُهْلَة. (فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي) «إذا» هي الفُجَائيّة، أي ففاجأني وجود عمر - ﵁ - ورائي، و«الأَثَرُ» فيه لغتان فصيحتان، مشهورتان: إحداهما: كسرُ الهمزة، وإسكان الثاء، والثانية: فتحهما، ومعناه تَبِعَهُ عن قُرب (فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)،»ما«: استفهاميّةٌ، أي: أيّ شيء ثبت لك في تغيّر حالك عن الحال التي خرجت من عندي، وأنت عليها، من السرور والبهجة بوصولك إليّ، ومشاهدتك لي، وأنا سالم من كلّ مكروه، وحملك البشرى إلى الأمة؟ (قُلْتُ: لَقِيتُ) بكسر القاف، كما سبق بيانه (عُمَرَ) بن الخطّاب (فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ) من الْبُشْرَى (فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لِاسْتِي) أي سقطتُ على عجُزي من شدّة الضرب (قَالَ) أي عمر (ارْجِعْ) يا أبا هريرة، ولا تبلّغ النَّاسَ ما أُمرت به (فَقَالَ لَهُ) أي لعمر (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: »يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟)«ما» استفهاميّة أيضًا، أَيْ: أَيُّ شيءٍ حملك على منع أبي هريرة من التبليغ، حتى أذى ذلك إلى ضربه (قَالَ) عمر (يَا رَسُولَ اللهِ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بخبر مبتدأ محذوف، أي أنت مَفْدِيٌّ بأبي وأمي، أو متعلِّق بفعل محذوف، أي أَفْدِيك بهما (أَبَعَثْتَ) الهمزة للإستفهام (أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ) أي بجعلك نعليك علامة على صدقه، (مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟)، فـ «من لقي» مبتدأ، وجملة «بشّره بالجنة» خبره، والجملة في محلّ نصب على الحال من «أبا هريرة»، أي حال كونه مبشّرًا من لقي إلخ (قَالَ) - ﷺ - («نَعَمْ») أي بعثته بذلك (قَالَ) عمر - ﵁ - (فَلَا تَفْعَلْ) الفاء فصيحيّة، أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، أي: فإذا ثبت وصحّ لديّ أنك بعثته بهذا، فأقول لك: لا تفعل هذا (فَإنِّي أَخْشَى) الفاء هنا تعليليّة؛ أي إنما أطلب منك عدم الفعل لأني أخاف (أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا) أي على هذه الشهادة، ويتركوا الأعمال (فَخَلِّهِمْ) أي اتركهم (يَعْمَلُونَ) سائر الأعمال الصالحات (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَخَلِّهِمْ») الفاء هنا فصيحيّة أيضًا، أي: فإذا كان يترتّب على التبشير اتّكالهم عليها، فاتركهم ولا تبشّرهم؛ لكي يستكثروا من الأعمال الصالحات التي تتفاوت بها الدرجات في الجنّة، فإن تفاوت أهلها إنما يكون بتفاوت أعمالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، لم يُخرجه من أصحاب الأصول أحد غيره، أخرجه هنا في «الإيمان» (١١/ ١٥٤) عن زهير بن حرب، عن عمر بن يونس الحنفيّ، عن عكرمة بن عمّار، عن أبي كثير عنه. وأخرجه (أبو نعيم) في «المسند المستخرج» (١٤١) عن أبي محمد، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة - زهير بن حرب - بسند المصنّف، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٢٦) عن أحمد بن عليّ بن المثنّى، عن أبي خيثمة به، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده. ١ - (منها): أن مجرّد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في تحقّق الإيمان، بل لا بدّ من استيقان القلب، فالإيمان المنجي من الخلود في النار لا بُدّ فيه من الإعتقاد، والنطق معًا، فإن الإيمان اعتقاد بالجَنان، ونطق باللسان، وعملٌ بالجوارح والأركان، كما سبق البحث فيه مستوفى في المسائل المذكورة في أول «كتاب الإيمان». ٢ - (ومنها): استحباب جلوس العالم لأصحابه، ولغيرهم من المستفتين وغيرهم، يُعَلِّمهم، ويفيدهم ويفتيهم. ٣ - (ومنها): ما قدمناه من أنه إذا أراد ذكر جماعة كثيرة، فاقتصر على ذكر بعضهم، ذَكَر أشرافهم، أو بعض أشرافهم، ثم قال: وغيرهم. ٤ - (ومنها): بيان ما كان الصحابة - ﵃ - عليه من القيام بحقوق رسول الله - ﷺ -، وإكرامه، والشفقة عليه، والإنزعاج البالغ لِمَا يَطْرُقُه - ﷺ -. ٥ - (ومنها): استحباب اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم، والإعتناء بتحصيل مصالحه، ودفع المفاسد عنه. ٦ - (ومنها): جوازُ دخول الإنسان ملكَ غيره بغير إذنه إذا عَلِمَ أنه يَرْضَى ذلك؛ لمودة بينهما، أو غير ذلك؛ فإن أبا هريرة - ﵁ - دَخَلَ الحائط، وأقرّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، ولم يُنْقَل أنه أنكر عليه. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا غير مُخْتَصٍّ بدخول الأرض، بل يجوز له الإنتفاع بأدواته، وأكل طعامه، والحمل من طعامه إلى بيته، وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذي يَعْلَمُ أنه لا يشقّ على صاحبه. هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف، من العلماء رحمة الله عليهم، وصرح به أصحابنا. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا يَتَجَاوَزُ الطعام وأشباهه إلى الدراهم والدنانير وأشباههما، وفي ثبوت الإجماع في حَقِّ مَن يُقْطَع بطيب قلب صاحبه بذلك نظرٌ، ولعل هذا يكون في الدراهم الكثيرة التي يُشَكّ، أو قد يُشَكّ في رضاه بها، فإنهم اتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقًا فيما تشكك في رضاه به. ثم دليل الجواز في الباب الكتاب والسنة، وفِعلُ وقولُ أعيانِ الأمة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، والسنة هذا الحديث، وأحاديث كثيرة معروفة بنحوه، وأفعال السلف، وأقوالهم في هذا أكثر من أن تحصى، والله تعالى أعلم، انتهى كلام النوويّ ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن الإمام، وكبير القوم مطلقًا إذا رأى شيئًا، ورأى بعض أتباعه خلافَه أنه ينبغي للتابع أن يَعْرِضه على المتبوع؛ لينظر فيه، فإن ظَهَر له أن ما قاله التابع هو الصواب رجع إليه، وإلا بَيَّنَ للتابع جواب الشبهة التي عَرَضَتْ له. ٨ - (ومنها): مشروعيّة إرسال الإمام، والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يَعرِفونها؛ ليزدادوا بها طُمأنينةً. ٩ - (ومنها): جوازُ إمساك بعض العلوم التي لا حاجة إليها؛ للمصلحة، أو خوف المفسدة، وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «كتاب العلم» من «صحيحه» بابًا لذلك، فقال: «باب من خصّ بالعلم قومًا دون قوم»، فأورد فيه حديث أنس في قصة معاذ - ﵄ - الآتي بعد هذا. ١٠ - (ومنها): جواز إشارة بعض الأتباع على المتبوع بما يراه مصلحةً، وموافقةُ المتبوع له إذا رآه مصلحةً، ورجوعه عما أَمرَ به بسببه. ١١ - (ومنها): إدخال الْمَشُورة على الإمام من أهل العلم والدين، ومن وزرائه وخاصّته، وعرضُ النصائح له، وإن لم يستشرهم . ١٢ - (ومنها): جواز قول الرجل للآخر: «بأبي أنت وأمي»، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد كرهه بعض السلف، وقال: لا يُفَدَّى بمسلم، ولكن الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليه، فهي تدلّ على جوازه، سواء كان المُفَدَّى به مسلمًا أو كافرًا، حيًّا كان أو ميتًا. ١٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: فيه دليلٌ على جواز تخصيص العموم بالمصلحة المشهود لها بالإعتبار، وقد اختَلَف فيه الأصوليّون انتهى . ١٤ - (ومنها): أن في دفعه - ﷺ - لأبي هريرة - ﵁ - نعليه دليلًا على جواز عَضُدِ خبر المخبِر الواحد بالقرائن؛ تقويةً لخبره، وإن كان لا يُتّهم. ١٥ - (ومنها): اعتبار القرائن والعلامات، والعمل على ما يقتضيه من الأعمال والأحكام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز الاجتهاد لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: أما أمره - ﷺ - في حديث أبي هريرة - ﵁ - بالتبشير، فهو من تغير الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد جائزًا له وواقعًا منه - ﷺ - عند المحققين، وله مزية على سائر المجتهدين بأنه لا يُقَرّ على الخطأ في اجتهاده، ومن نفى ذلك، وقال: لا يجوز له - ﷺ - القول في الأمور الدينية إلا عن وحي، فليس يمتنع أن يكون قد نَزَل عليه - ﷺ - عند مخاطبته عمر - ﵁ - وحيٌ بما أجابه به، ناسخٌ لوحيٍ سَبَقَ بما قاله - ﷺ - أوّلًا. قال النوويّ بعد ذكر كلام ابن الصلاح هذا: ما نصّه: وهذه المسألة، وهي اجتهاده - ﷺ - فيها تفصيل معروف. فأما أمور الدنيا فاتفق العلماء - ﵃ - على جواز اجتهاده - ﷺ - فيها، ووقوعه منه. وأما أحكام الدين، فقال أكثر العلماء بجواز الاجتهاد له - ﷺ -؛ لأنه إذا جاز لغيره فله - ﷺ - أولى، وقال جماعة: لا يجوز له لقدرته على اليقين، وقال بعضهم: كان يجوز في الحروب دون غيرها، وتوقف في كل ذلك آخرون، ثم الجمهور الذين جوَّزوه اختلفوا في وقوعه، فقال الأكثرون منهم: وُجِدَ ذلك، وقال آخرون: لم يوجد، وتوقف آخرون، ثم الأكثرون الذين قالوا بالجواز والوقوع، اختلفوا هل كان الخطأ جائزًا عليه - ﷺ -، فذهب المحققون إلى أنه لم يكن جائزًا عليه - ﷺ -، وذهب كثيرون إلى جوازه، ولكن لا يُقَرُّ عليه بخلاف غيره، وليس هذا موضع استقصاء هذا، والله تعالى أعلم، انتهى . وقال القاضي عياضٌ رحمه الله تعالى: كان النبيّ - ﷺ - يأخذ في أمور الدنيا باجتهاده، ويرجع عن رأيه فيها أحيانًا إلى رأي غيره، كما فعل في تلقيح النخل، وفي النزول ببدر، وفيما هَمَّ به من مُصالحة الأحزاب، ولا خلاف في ذلك. واختلف العلماء هل كان يجتهد برأيه في الشرعيّات فيما لم ينزل عليه فيه شيء أم لا؟ وهل هو معصوم في اجتهاده، أم هو كسائر المجتهدين؟ والصواب جواز الاجتهاد له، ووقوعه منه، وعصمته فيه على كلّ حال، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ١٠٥]، ودلّت الآثار الصحيحة على اجتهاده - ﷺ - في نوازل، وحكمه فيها برأيه، كقصّة أسرى بدر، قاله القاضي عياض . قال الجامع عفا الله تعالى: ملخّص هذه المسألة أن العلماء اختلفوا فيها على أقوال: [أحدها]: الجواز مطلقًا، وهو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو الصحيح؛ لكثرة أدلته، وقوّتها. [الثاني]: المنع مطلقًا، وهو مذهب أبي عليّ الجبّائي المعتزليّ، وابنه أبي هاشم، وبعض أهل الظاهر. [الثالث]: الجواز في مصالح الدنيا دون غيرها، وهو مذهب القدريّة. [الرابع]: التوقّف في ذلك. وكذلك اختلفوا في وقوعه من النبيّ - ﷺ -، فذهب الجمهور إلى وقوعه مطلقًا، وهو الصحيح، وذهب كثير من الحنفيّة إلى وقوعه بشرط انتظار الوحي، وذهب بعضهم إلى المنع مطلقًا، وذهب آخرون إلى وقوعه في أمور الدنيا فقط، والمذهب الخامس التوقّف. وأما عصمته - ﷺ - من الخطإ في اجتهاده، فللعلماء فيها قولان، مؤدّاهما واحد. [أحدهما]: امتناع وقوع الخطإ منه - ﷺ - في اجتهاده، وهو مذهب كثير من أهل العلم، وصوّبه الرازيّ، والسبكيّ، وغيرهما. [الثاني]: - وهو الأصحّ - وقوعُ الخطإ في اجتهاده - ﷺ -، إلا أنه لا يُقرّ عليه، بل يُنبَّه إلى الصواب، وهو مذهب أكثر الحنفيّة، والشافعيّة، والحنابلة، وأصحاب الحديث، واختاره الآمديّ، وابن الحاجب، وغيرهما، وهو الأصحّ، وعليه دلّت نصوص الكتاب والسنّة . وقد ذكرت هذه الأقوال في نظمي في الأصول، بقولي: اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ … فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي … حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ … جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا … وُقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ … يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لأَمْرٍ نُسِبَا … لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ … اتَّفَقُوا فِي كَوْنِه فِيهَا اجْتَهَدْ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٥٥] (٣٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ، فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا») . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن بَهْرَام الْكَوْسجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبت [١١]. رَوَى عن ابن عيينة، وابن نُمَير، وعبد الرزاق، وأبي داود الطيالسيّ، وجعفر بن عون، وبشر بن عُمر، وابن مهدي، والقطان، وخلق كثير، وتَلْمَذَ لأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وله عنهم مسائل. وروى عنه الجماعَة، سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وإبراهيم الحربيّ، وعبد الله بن أحمد، والْجُوزَجانيّ، وأبو بكر محمد بن علي ابن أُخت مسلم بن الحجاج، وغيرهم. قال مسلم: ثقة مأمون، أحد الأئمة، من أصحاب الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الحاكم: هو أحد الأئمة، من أصحاب الحديث، من الزُّهّاد، والمتمسكين بالسنة، وقال الخطيب: كان فقيهًا عالِمًا، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ صدوقٌ، وكان غيره: أثبت منه. قال البخاريّ: مات بنيسابور يوم الاثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء لعشر خَلَوْن من جمادى الأولى، سنة (٢٥١)، وكذا قال ابن حبان في «الثقات». وله في هذا الكتاب (٩٤) حديثًا. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، ثم البصرة، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩]. روى عن أبيه، وابن عون، وشعبة، وأشعث بن عبد الملك، وبُكير بن أبي السَّمِيط، ويحيى بن العلاء الرازي. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وابن المدينيّ، وابن معين، وعفان، وعمرو بن عليّ، وبُندار، وأبو موسى، وأبو قدامة السَّرَخْسِيّ، وأبو خيثمة، وإسحاق بن منصور الْكَوْسَج، وعبيد الله بن عمر القواريري وأبو غَسّان الْمِسْمَعِيّ، وغيرهم. قال الميمونيّ: عن أحمد: كان في كتاب أبيه: ليس المعاصي من القدر، قال: فَحَجَّ، فقال الحميديّ: لا تسمعوا من هذا القدريّ شيئًا، قال: وسمعت أبا عبد الله، وسَمِع من يُكثره في الحديث والفقه، فقال: وأيُّ شيء عنده من الحديث؟ ما كتبتُ عنه سوى مجلس واحد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: صدوقٌ، وليس بحجة، وقال عباس بن عبد العظيم، عن علي بن المدينيّ: سمعت معاذ بن هشام يقول: سَمِعَ أبي من قتادة عشرة آلاف حديث، قال: ثم أخرج إلينا من الكُتُب عن أبيه نحوًا مما قال، فقال: هذا سمعته، وهذا لم أسمعه، فجعل يُمَيِّزها، وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: معاذ بن هشام عندك حجة؟ قال: أكره أن أقول شيئًا، كان يحيى لا يرضاه، وقال ابن عبدِيّ: ولمعاذ عن أبيه، عن قتادة، حديث كثير، وله عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو رُبَّما يَغْلَط في الشيء، وأرجو أنه صدوقٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس بذاك القويّ، وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى بن معين: معاذ بن هشام أثبت في شعبة، أو غندر؟ فقال: ثقة، وثقة، وقال ابن قانع: ثقةٌ مأمونٌ. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات في ربيع الآخر سنة مائتين، وفيها أَرَّخَه أبو حاتم، وأبو داود، وغير واحد. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٥) حديثًا. ٣ - (أَبُوهُ) هو: هشام بن أبي عبد الله، واسم أبيه سَنْبَر - بمهملة، ثم نون، ثمّ موحّدة، وزان جعفر - أبو بكر البصريّ الدَّسْتَوائيّ - بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح المثنّاة، ثمّ مدّ - الرَّبَعِيّ، كان يبيع الثياب التي تُجْلَب من دَسْتَوَاء، فنُسِب إليها، ورُبّما قيل له: صاحب الدَّسْتَوَائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧]. روى عن قتادة، ويونس الإسكاف، وشعيب بن الحبحاب، وعامر بن عبد الواحد الأحول، ومطر الورّاق، وأبي الزبير، والقاسم بن عوف، وبُديل بن ميسرة، وأيوب وأبي جعفر الخطميّ، وأبي عِصَام البصريّ، وحماد بن أبي سليمان، وابن أبي نَجِيح، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد الله، ومعاذٌ، وشعبة بن الحجاج، وهو من أقرانه، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وابن مهدي، ويحيى القطان، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وبشر بن المفضل، وعبد الأعلى، وغُندر، ووكيع، وخلق كثير. قال يزيد بن زريع: كان أيوب قبل الطاعون يأمرنا بهشام، والأخذ عنه، وقال أمية بن خالد، عن شعبة: ما من الناس أحدٌ أقول: إنه طلب الحديث، يريد به وجه الله تعالى إلا هشام، وكان يقول: ليتنا ننجو منه كفافًا، قال شعبة: فإذا كان هشام يقول هذا، فكيف نحن؟ وقال عليّ بن الْجَعْد: سمعت شعبة يقول: كان هشام أحفظ مني عن قتادة، وقال أيضًا: كان أعلم بحديث قتادة مني، وذكره ابن علية في حفاظ البصرة، وقال أبو هشام الرِّفَاعيّ، عن وكيع، ثنا هشام، وكان ثَبْتًا، وقال يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد، إذا سمع الحديث من هشام لا يبالي أن لا يسمعه من غيره، وقال أبو داود الطيالسيّ: هشام الدَّسْتَوَائيّ أمير المؤمنين في الحديث، وقال أبو حاتم: ثنا أبو نعيم، ثنا هشام الدستوائيّ، وأثنى عليه خيرًا، قال: وما رأيت أبا نعيم يَحُثُّ على أحد إلا على هشام، وقال أبو حاتم: وسألت أحمد بن حنبل عن الأوزاعيّ والدستوائيّ: أيهما أثبت في يحيى بن أبي كثير؟ قال: الدستوائيّ لا تسأل عنه أحدًا، ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه، أما مثله فعسى، وأما أثبت منه فلا، وقال صالح بن أحمد بن حنبل: قال أبي: هشام الدستوائي أكثر في يحيى بن أبي كثير من أهل البصرة، وقال في رواية: هو أرفع من شيبان، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: الدستوائي ثبت، وقال أبو حاتم: سألت ابن المدينيّ: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ فقال: هشام، قلت: ثم أيّ؟ قال: ثم الأوزاعيّ، وسَمَّى غيره، قال: فإذا سمعت عن هشام عن يحيى، فلا تُرِدْ به بَدَلًا، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديث، حجةٌ، إلا أنه يَرَى القدر، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة، مَنْ أحبّ إليكما من أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قالا: هشام، قالا: والأوزاعيّ بعده، زاد عن أبي زرعة: لأن الأوزاعيّ ذهبت كتبه، قال: وأثبت أصحاب قتادة هشام وسعيد، قال: وسئل أبي عن هشام وهمام أيهما أحفظ؟ فقال: هشام، وقال البزار: الدستوائيّ أحفظ من أبي هلال، وقال أبو إسحاق الْجُوزجانيّ: كان ممن تَكَلَّم في القدر، وكان من أثبت الناس. وقال عبد الصمد بن عبد الوارث: كان بينه وبين قتادة في المولد سبع سنين، ومات سنة اثنتين وخمسين ومائة، قال معاذ بن هشام: عاش أبي ثمانيًا وسبعين سنة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع وخمسين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١٢) حديثًا. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة بن قتادة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ المذكور في الباب الماضي. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - المذكور في الباب الماضي أيضًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ، ثم نيسابوريّ، وهو أيضًا دخل البصرة؛ للأخذ عن أهلها. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار، في غير هشام، فقال: «عن قتادة». ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٦ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة، من الصحابة - ﵃ -، مات سنة (٩٢) أو (٩٣)، وهو من المعمّرين، فقد تجاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرديف: هو الراكب خلف الراكب على الدابّة، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في حديث معاذ - ﵁ -، وقوله: (عَلَى الرَّحْلِ) متعلقٌ بحال مقدّر، أي حال كونه راكبًا على الرحل، وهو بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة، آخره لام، قال في «القاموس»: الرَّحْلُ: مَرْكبٌ للبعير، كالرَّاحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحالٌ، ومَسْكَنُكَ، وما تستصحبه من الأثاث، انتهى . وقال في «العباب»: الرَّحْلُ رَحْلُ البعير، وهو أصغر من الْقَتَب، وهو من مراكب الرجال، دون النساء، وثلاثةٌ أَرْحُلٌ، والكثيرُ رِحالٌ، وَرَحَلتُ البعيرَ أَرْحَلُهُ رَحْلًا: إذا شدَدْتَ على ظهره رَحْلًا، و«الْقَتَبُ» بالتحريك: رحلٌ صغيرٌ على قدر السَّنَام، انتهى . وقال في «الفتح»: «الرَّحْلُ» بإسكان الحاء المهملة، أكثر ما يُستَعمَلُ للبعير، لكن معاذٌ كان في تلك الحالة رديفه - ﷺ - على حمار، كما بُيّن في رواية البخاريّ في «الجهاد». (قَالَ) - ﷺ - («يَا مُعَاذُ») منادى مفرد علم، مبنيّ على الضمّ (قَالَ) معاذ - ﵁ - (لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ) منادى بحذف حرف النداء جوازًا، كما قال الحريريّ في «مُلحته»: وَحَذْفُ «يَا» يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ «رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي» (وَسَعْدَيْكَ) «اللَّبّ» - بفتح اللام - معناه هنا: الإجابة، و«السَّعْد»: المساعدة، وكأنه قال: لَبًّا لك، وإسعادًا لك، ولكنهما ثُنِّيا على معنى التأكيد والتكثير، أي إجابة بعد إجابة، وإسعادًا بعد إسعاد، وقد تقدّم تمام البحث فيهما قريبًا (قَالَ) - ﷺ - («يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ الله، وَسَعْدَيْكَ) كرّر النداء والإجابة ثلاثًا؛ للتأكيد، فقد صحّ أنه - ﷺ - «كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهم عنه» (قَالَ) - ﷺ - («مَا مِنْ عَبْدٍ) كلمة»ما«للنفي، وكلمة»مِنْ«زائدة للتأكيد، كما قال في»الخلاصة«: وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ«مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ»وقوله:«عَبد»مجرور اللفظ بـ«من»، مرفوع المحلّ على الإبتداء، ولفظ البخاريّ:«ما من أحد»، وجملة (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) صفة لـ«عبد»(إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ«)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم عن جميع رواته فيما علمته، وقد زاد البخاريّ فيه: »صدقًا من قلبه«، وهي زيادة حسنة تنصّ على صحّة ما تضمّنته الترجمة المتقدّمة، وعلى فساد مذهب المرجئة، كما قدّمناه، ومعنى صدق القلب تصديقه الجازم بحيث لا يخطُرُ له نقيضُ ما صدّق به، وذلك إما عن برهان، فيكون علمًا، أو عن غيره فيكون اعتقادًا جزمًا، ويجوز أن يُحرِّم الله تعالى من مات على الشهادتين على النار مطلقًا، ومن دخل النار من أهل الشهادتين بكبائره حرّم على النار جميعه، أو بعضه، كما قال في الحديث الآخر: «فتحرّم صورهم على النار» ، وقال: «حرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود» ، ويجوز أن يكون معناه: إن الله يُحرّمه على نار الكفّار التي تُنضج جلودهم، ثم تُبدّل بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقد قال - ﷺ -: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها، ولا يَحْيَون، ولكنّ ناسًا أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتةً، حتى إذا كانوا فَحْمًا أُذن لهم في الشفاعة …» الحديث، وسيأتي للمصنّف ، انتهى كلام القرطبيّ . وقال في «الفتح»: قوله: «صدقًا» فيه احتراز عن شهادة المنافق، وقوله: «من قلبه» يمكن أن يتعلق بـ «صدقًا»، أي يشهد بلفظه، ويُصَدِّق بقلبه، ويمكن أن يتعلق بـ «يَشْهَد»، أي يشهد بقلبه، والأول أولى. وقال الطيبيّ: قوله: «صدقًا» أقيم هنا مُقامَ الاستقامة؛ لأن الصدق يُعَبَّر به قولًا عن مطابقة القول الْمُخْبَرِ عنه، ويُعَبَّر به فعلًا عن تَحَرِّي الأخلاق المرضية، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، أي: حَقَّق ما أورده قولًا بما تَحَرّاه فعلًا، انتهى. وأراد بهذا التقريرِ رفعَ الإشكال عن ظاهر الخبر؛ لأنه يقتضي عدم دخول جم
مصادر المؤلف (١٦٣)

١. «كتاب الإيمان» لابن منده ١/ ١٧٤.

٢. «شرح مسلم» ١١/ ٢٢٢.

٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦١٦ بزيادة.

٤. «القاموس المحيط» ص ٢٩١.

٥. «المفهم» ١/ ١٩٨.

٦. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣١ و«المفهم» ١/ ١٩٧.

٧. «شرح مسلم» ١/ ٢٢٣.

٨. الذي في «مستخرج أبي نعيم» ١/ ١٢٠ في النسخة المطبوعة: «حمائلهم» بالحاء المهملة، لا بالجيم، فليُحرَّر.

٩. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٧٨ - ١٧٩.

١٠. «النهاية» ١/ ٢٩٨.

١١. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٥٨.

١٢. «المصباح» ص ١٤٣.

١٣. أي صارت بلحًا، وهو ثمر النخل ما دام أخضر قريبًا إلى الاستدارة إلى أن يغلظ النوى، وأهل البصرة يسمونه الخَلَالَ.

١٤. المصدر السابق.

١٥. «الصيانة» ص ١٧٩ - ١٨٠.

١٦. «شرح مسلم» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

١٧. راجع: «حاشية الخضريّ على شرح ابن عَقِيل على الخلاصة» ٢/ ٣٢٩.

١٨. راجع: «الفتح الودوديّ في حاشية المكوديّ» ٢/ ٨٣٩.

١٩. «المفهم ١١/ ١٩٨.

٢٠. «إكمال المعلم» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠.

٢١. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٨٠ - ١٨١.

٢٢. «المفهم» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.

٢٣. أي عن البخاريّ رحمه الله تعالى.

٢٤. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٧٦ - ١٧٨.

٢٥. راجع: «شرح المقدّمة» ١/ ٣٦٢ - ٣٦٦.

٢٦. «شرح مسلم» ١/ ٢٢٢.

٢٧. راجع: «المفهم» ١/ ١٩٨.

٢٨. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣١ - ٢٣٢.

٢٩. المصدر السابق.

٣٠. «النهاية»٣/ ٣٦٦.

٣١. «تهذيب الأسماء واللغات»٣/ ٤٣.

٣٢. «المصباح المنير» ١/ ٦٦.

٣٣. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٧/ ١١٣.

٣٤. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٥٤.

٣٥. «تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم» ص ٥٣.

٣٦. راجع: «المصباح» ١/ ٩.

٣٧. «شرح النووي» ١/ ٢٢٥.

٣٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠.

٣٩. «لسان العرب» ٤/ ٥٢٢.

٤٠. «شرح مسلم» ١/ ٢٢٥.

٤١. راجع: «المصباح» ٢/ ٦١١ و«شرح النووي» ١/ ٢٢٥.

٤٢. «المصباح» ٢/ ٤٧٥.

٤٣. «المفهم» ١/ ١٩٨ - ١٩٩ بزيادة.

٤٤. بالقاف والشين، ويقال له: الفَرَسِيّ بالفاء والسين المهملة.

٤٥. تمام الحديث: «عدّةُ أم الولد عدّة المتوفّى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشرًا»، أخرجه ابن حبَّان (٤٣٠٠) والدارقطني ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠ والبيهقيُّ ٧/ ٤٤٧ - ٤٤٨.

٤٦. هذه الأرقام حسب ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، لا حسب ترقيمي في الشرح، فتنبّه.

٤٧. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة»١/ ٦٠٧ - ٦٠٨ و«التقريب» ص ٥٧.

٤٨. هكذا ذكر هذه الاختلافات في تاريخ وفاته في: «التهذيب» ١/ ٣١٧، وذكر في «الإصابة» أنه مات سنة (٦٧) ولم يذكر خلافًا، فليُحرّر.

٤٩. «الإصابة» ٣/ ٥٠٥ - ٥٠٧.

٥٠. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦.

٥١. هذا يدلُّ على أن لعبادة - ﵁ - في «صحيح مسلم» ثمانية أحاديث فقط، والذي في برنامج الحديث أن له (١٨) حديثًا، ولا تخالف بينهما؛ لأنَّها ثمانية عشر بالتكرار، فتنبّه.

٥٢. راجع: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٥٨.

٥٣. نقل هذا كلّه في: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٦٠ - ٦١.

٥٤. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣.

٥٥. «شرح مسلم» ١/ ٢٢٧.

٥٦. «الفتح» ٦/ ٥٤٧.

٥٧. «المفهم» ١/ ٢٠٠.

٥٨. «الكاشف» ٢/ ٤٨١.

٥٩. «الكاشف» ٢/ ٤٨١.

٦٠. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣.

٦١. راجع: «المفردات» للراغب ص ٤٥٣، و«تاج العروس شرح القاموس» ١٠/ ٣٣٠ - ٣٣١.

٦٢. «تفسير ابن كثير» ص ٣٧٤.

٦٣. راجع: «فتح المجيد» ص ٦٦ - ٦٧.

٦٤. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٥.

٦٥. «شرح النووي» ١/ ٢٢٧.

٦٦. «الفتح» ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٦٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨٠.

٦٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨٠.

٦٩. ونصّ المصنّف في «كتاب الزكاة»:

٧٠. «المفهم» ١/ ٢٠١.

٧١. «الفتح» ٦/ ٥٤٨.

٧٢. «شرح النوويّ» ١/ ٢٢٧.

٧٣. «الفتح» ٦/ ٥٤٧ - ٥٤٨.

٧٤. بصيغة اسم الفاعل المضعّف، من التبشير.

٧٥. «المفهم» ١/ ٢٠١.

٧٦. هذا في رواية البخاريّ، وأما رواية مسلم، فإنها بلفظ: «من عمل» بالتنكير، لا بالتعريف، فتأمّل.

٧٧. التعبير بالقياس في مثل هذا الموضع محلّ نظر.

٧٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨١ - ٤٨٢.

٧٩. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٢٩.

٨٠. بضم الصاد المهملة، وتخفيف النون: نسبة إلى الصُّنَابح: بطن من مراد. «شرح النووي» ١/ ٢٢٨.

٨١. «شرح الأبيّ» ١/ ١١٩ - ١٢٠.

٨٢. هكذا جوّز الوجهين في هائه في «القاموس». و«المصباح»، في في «شرح النوويّ» من ضبطه بإسكان الهاء فقط تقصير، فتنبَّه.

٨٣. راجع: «الصلح» ٤/ ١٤٨٢ - ١٤٨٣.

٨٤. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣٥.

٨٥. حديث صحيح أخرجه مالك في «الموطّإ» ١/ ٢٣٣ وأحمد في «مسنده» رقم (٢٢٦٣٣) وأبو داود (٢٧٠٤) والنسائيّ (١٨٢٣) والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٥٢ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ.

٨٦. «إكمال المعلم»١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.

٨٧. «الطَّبَسيّ» بفتحتين نسبة إلى طبس: مدينة بين نيسابور وأصبهان، وكرمان، وأبو محمد =

٨٨. «الفتح» ١١/ ٤١١ «كتاب الرقاق» رقم الحديث (٦٥٠٠).

٨٩. «إكمال المعلم» ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧ و«شرح النوويّ» ١/ ٢٣٠.

٩٠. «الفتح» ١٠/ ٤١٢ «كتاب اللباس» رقم الحديث (٥٩٦٧).

٩١. «شرح مسلم»١/ ٢٣٠.

٩٢. «المفهم»١/ ٢٠٢.

٩٣. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٨٣ - ١٨٤.

٩٤. راجع: «شرح ابن عقيل على الخلاصة مع حاشية الخضريّ» ٢/ ١١٦ - ١١٨.

٩٥. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ٢٠٦.

٩٦. «المفهم» ١/ ٢٠٣.

٩٧. «شرح مسلم» ١/ ٢٣١.

٩٨. «الفتح»١١/ ٤١٢ - ٤١٣.

٩٩. «الفتح»١/ ٢٧٥.

١٠٠. «المفهم» ١/ ٢٠٣.

١٠١. راجع «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٤٨ - ٤٩.

١٠٢. «الفتح» ١١/ ٤١٢ - ٤١٣.

١٠٣. «الفتح» ١١/ ٤١٣.

١٠٤. راجع: «الفتح» ٦/ ٧٠ «كتاب الجهاد» رقم الحديث (٢٨٣٧).

١٠٥. هكذا النسخة، والظاهر أن «أَلْقَيتُ» بضمير المتكلم مبني للفاعل، و«محبتي» منصوب على المفعولية، ومعناه أحببته، والله أعلم.

١٠٦. «شرح مسلم» ١/ ٢٣٢.

١٠٧. «الفتح» ٦/ ٧٠.

١٠٨. هذا الكلام ليس موجودًا في الشرح المطبوع الآن؛ لأن كتاب العلم منه مفقود.

١٠٩. راجع:«الفتح الباري»للحافظ ابن حجر ١١/ ٤١٣«كتاب الرقاق»رقم (٦٥٠٢).

١١٠. متعلق بـ «ذكره»، أي عدُّوه في جملة الصحابة لأجل أنه أدرك زمن النبي - ﷺ -.

١١١. «صيانة صحيح مسلم» ص ١٨٧ - ١٨٨.

١١٢. «شرح مسلم» ١/ ٢٣٢.

١١٣. هو محمد بن عيسى التميميّ، أخذ عنه القاضي عياض «صحيح مسلم» سماعًا، وقراءةً، وإجازةً.

١١٤. «إكمال المعلم» ١/ ٢٤٣ للقاضي عياض و«شرح مسلم» للنوويّ ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.

١١٥. «المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم» ١/ ١٢٤.

١١٦. «المفهم» ١/ ٢٠٤.

١١٧. «شرح النوويّ»١/ ٢٣٤ و«المصباح المنير»١/ ١٥٨.

١١٨. «شرح النوويّ»١/ ٢٣٤.

١١٩. «المصباح المنير»٢/ ٦١٧.

١٢٠. «شرح النوويّ» ١/ ٢٣٤.

١٢١. «إكمال المعلم» ١/ ٢٤٥ و«شرح النووي» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.

١٢٢. «المصباح المنير» ٢/ ٢٨٧.

١٢٣. «القاموس المحيط» ص ١١٥٢.

١٢٤. «المصباح المنير» ١/ ١٧٥.

١٢٥. «المفهم» ١/ ٢٠٥.

١٢٦. «إكمال المعلم» ١/ ٢٤٥.

١٢٧. «المفهم» ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥.

١٢٨. راجع:«لسان العرب»٥/ ٢١٠.

١٢٩. «الأنساب»٥/ ٣٥٦.

١٣٠. «المصباح»١/ ٢٠٢.

١٣١. راجع: «شرح النوويّ» ١/ ٢٣٥ و«المصباح المنير» ١/ ٦٨.

١٣٢. أخرجه أبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/ ٢٣٨) موقوفًا على عليّ - ﵁ -، وهو ضعيف؛ لأن في سنده الحارث بن عبد الله الأعور، كذّبه الشعبيّ في رأيه، وضعّفوه في روايته.

١٣٣. «إكمال المعلم» ١/ ٢٤٤.

١٣٤. «شرح النوويّ» ١/ ٢٣٦.

١٣٥. «شرح مسلم» ١/ ٢٣٦.

١٣٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٥٨.

١٣٧. «القاموس المحيط» ص ١١١٨.

١٣٨. «المصباح المنير» ٢/ ٦٨١.

١٣٩. «المفهم» ١/ ٢٠٦.

١٤٠. «شرح النوويّ» ١/ ٢٣٧.

١٤١. الأوضح أن يقدّر: «أخذت هاتين».

١٤٢. «شرح النووي» ١/ ٢٣٧.

١٤٣. «شرح صحيح مسلم» ١/ ٢٣٧.

١٤٤. «القاموس المحيط» ص ١١٤٠.

١٤٥. «المفهم» ١/ ٢٠٧.

١٤٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٦.

١٤٧. «شرح مسلم»١/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

١٤٨. «شرح مسلم»١/ ٢٣٨.

١٤٩. «المفهم»١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.

١٥٠. «القاموس المحيط» ص ٥٢٨.

١٥١. «المصباح المنير» ١/ ٥٩.

١٥٢. «المصباح المنير» ٤/ ١ و«شرح النوويّ» ١/ ٢٣٩.

١٥٣. «الإحسان» ٧/ ٣٧ - ٣٨ بنسخة كمال يوسف الحوت.

١٥٤. «شرح النوويّ» ١/ ٢٣٩ - ٢٤٠.

١٥٥. «إكمال المعلم» ١/ ٢٤٨.

١٥٦. «المفهم» ١/ ٢٠٨.

١٥٧. «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ١/ ٢٤١.

١٥٨. «إكمال المعلم» ١/ ٢٥٠ - ٢٥١.

١٥٩. راجع لتحقيق هذه المسألة «الإحكام» للآمديّ ٤/ ١٥ و«المحصول» ٣/ ٩ - ٢٥ و«المستصفى» ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٧ و«مناهج العقول» و«نهاية السول» و«منهاج الوصول» ٣/ ٢٦٢ - ٢٦٨ و«اللمع» ص ٣٦٧ و«مختصر ابن الحاجب» مع حاشية التفتازاني، والجرجاني« ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢.

١٦٠. راجع: «المنحة الرضية شرح التحفة المرضية» في تحقيق معنى الأبيات، وما احتوته من الفوائد.

١٦١. كان الأولى للمصنّف رحمه الله تعالى أن يقدّم حديث أنس - ﵁ - هذا إلى حديثه عن معاذ - ﵁ - قبل أربعة أحاديث مُرَاعَاةً للمناسبة، والله تعالى أعلم.

١٦٢. «القاموس المحيط» ص ٩٠٤.

١٦٣. راجع: «عمدة القاري» ١/ ٢٠٦.