HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٤

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ بغض الأنصار. وآية المؤمن حب الأنصار».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص60
ج ١ ص ٨٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢ ص٥١٦
(٣٥) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُبَّ الأَنصَارِ وَعَلِيٍّ - ﵃ - مِنَ الإيمَانِ وَمِنْ عَلَامَاتِه، وَبُغْضُهُمْ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٢] (٧٤) - (حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آيةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الْأنصَار، وَآيةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأنصَارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الحافظ تقدّم قريبًا. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبت حافظ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور تقدّم قريبًا. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بن عَتِيك، وقيل: ابن جابر بن عَتِيك الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: إنهما اثنان، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأنس، وجده لأمه عَتِيك بن الحارث، وعن أبيه عبد الله بن جَبْر إن كان محفوظًا. وروى عنه مالك، وشعبة، ومِسْعَر، وأبو العُمَيس المسعوديّ، وعبد الله بن عيسى بن أبي ليلى، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قلت له: عبد الله أحب إليك أو موسى الْجُهَنيّ؟ قال: عبد الله أحب إليّ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو بكر بن منجويه: أهل العراق يقولون: جَبْر، ولا يصحّ، إنما هو جابر. قال الحافظ: هذا نقله ابن منجويه من كلام البخاريّ، فإنه قال في «تاريخه»: عبد الله بن عبد الله بن جابر، سمع ابن عمر، وأنسًا، قاله مالك، وقال شعبة، ومِسْعَر، وأبو العُمَيس، وعبد الله بن عيسى: عن عبد الله بن عبد الله بن جَبْر، ولا يصح جَبْر، إنما هو جابر بن عَتِيك، قال: وقال بعضهم: عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله - يعني قَلبه -. وقال الخطيب في «رافع الارتياب»: قال عمار بن رُزيق: عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله بن عَتِيك، وكذا حُكِي عن الثوريّ، وحمزة الزيات في رواية، قال الخطيب: الصواب عبد الله بن عبد الله بن جبر، قال: والكوفيون يضطربون فيه. وقال الدارقطنيّ: لم يتابع مالكًا أحد على قوله: جابر بن عَتِيك، وهو مما يُعتَمد به عليه. وذكر الحافظ شرف الدين الدمياطي أن قول من قال: جابر بن عتيك وَهَمٌ، وأن الصواب جَبْر بن عَتِيك. وقد فَرّق بينهما ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، فحَكَى عن أبيه أنه وَثَّقَ ابنَ جابر، وكذا عن العباس الدُّوريّ، عن ابن معين، وحَكَى في ابن جَبْر عن إسحاق، عن ابن معين توثيقه، قال: وسألت أبي عنه، فذكر ما تقدم. قال الحافظ: وممن فرّق بينهما أيضا النسائيّ في «الجرح والتعديل»، والصواب أنه رجل واحد، ووقع الخلاف في اسم جدّه، هل جَبْر أو جابر؟. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث وأعاده بعده، وحديث (٣٢٥): «يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك …» وأعاده بعده. [تنبيه]: أخرج الشيخان من طريق مِسْعَر، عن ابن جَبْر، عن أنس حديث الوضوء بالمدِّ والاغتسال بالصاع، فلم يُسَمِّه مِسعر ولا نسبه، وأخرجه مسلم من طريق شعبة، فقال: عن عبد الله بن عبد الله بن جبر، عن أنس، وروى عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن فلان الأنصاريّ، عن أنس، هذه رواية أبي خالد الدالانيّ، وقال الثوريّ، وعمار بن رُزيق، عن عبد الله بن عيسى، عن جَبْر بن عبد الله بن عتيك، عن أنس، وهذا من مقلوب الأسماء. وأخرج أبو داود من طريق شَرِيك القاضي، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر نسبه لجده. وأخرج مالك في «الموطأ» حديثين عن عبد الله بن جابر بن عَتيك، فقيل: هو هذا، فَوَهِم مالك في تسمية جدّه جابرًا، وقيل: هو آخر، وهو الراجح، والله أعلم. انتهى . ٥ - (أنس) بن مالك الخادم الشهير - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير ابن جبر فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه راويًا وافق اسمه اسم أبيه، وهو عبد الله بن عبد الله بن جبر. ٦ - (ومنها): أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵁ - بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٣)، خدم النبيّ - ﷺ - عشرين سنين، وهو من المعمّرين، فقد جاوز مائة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون الموحّدة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا) - ﵁ - (قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آيةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الأنصَارِ) مبتدأ وخبر: أي علامة الشخص الذي فيه النفاق أن يُبغض أنصار رسول الله - ﷺ -. قال القرطبيّ رحمهم الله تعالى: الآية: العلامة والدلالة، وقد تكون ظنيّةً، وقد تكون قطعيّةً، وحُبُّ الأنصار من حيثُ كانوا أنصار الدين ومُظهريه، وباذلين أموالهم وأنفسهم في إعزازه وإعزاز نبيّه - ﷺ - وإعلاء كلمته دلالة قاطعةٌ على صحّة إيمان من كان كذلك، وصحّة محبّته للنبيّ - ﷺ -، وبُغضُهُم كذلك دلالة قاطعةٌ على النفاق، وكذلك القو في حبّ عليّ - ﵁ - وبُغْضه، فمن أحبّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائه فيه، وذَوْده عنه، وعن النبيّ - ﷺ -، ولمكانته من النبيّ - ﷺ -، وقرابته، ومصاهرته، وعلمه، وفضائله كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صحّة إيمانه ويقينه ومحبّته للنبيّ - ﷺ - ومن أبغضه لشيء من ذلك كان على العكس. انتهى كلام القرطبيّ . وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: «آية المنافق بغض الأنصار …»، وقوله مثل ذلك في عليّ - ﵁ - معناه بَيّنٌ؛ لأن من عرف حقّ الأنصار، ومكانهم من الدين، ومُبادرتهم إلى نصره وإظهاره، وقتال كافّة الناس دونه، وذبّهم عن النبيّ - ﷺ -، ونصرهم له أحبّهم ضرورةً بحكم صحّة إيمانه وحبّه للإسلام وأهله، وعَظُمُوا في نفسه بمقدار عِظَمِ الإسلام في قلبه، ومن كان منافق السريرة، غير مسرور بما كان منهم، ولا مُحبّ في إظهارهم للإيمان، ونصرهم له أبغضهم لا شكّ في ذلك، وكذلك في حقّ عليّ - ﵁ -. انتهى باختصار . [فائدة]: «الأنصار» - بفتح الهمزة: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير، كأشراف وشريف، واللام فيه للعهد: أي أنصار رسول - ﷺ -، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يُعرفون ببني قَيلة - بقاف مفتوحة، وياء تحتانية ساكنة - وهي الأم التي تجمع القبيلتين، فسماهم رسول الله - ﷺ - الأنصار، فصار ذلك علمًا عليهم، وأُطلق أيضًا على أولادهم، وحلفائهم، ومواليهم. وقال في «القاموس» و«شرحه»: وأنصار النبيّ - ﷺ - من الأوس والخزرج نصروه في ساعة العسرة، غلبت عليهم الصفة، فجرى مَجْرَى الأسماء، وصار كأنه اسم الحيّ، ولذلك أضيف إليه بلفظ الجمع، فقيل: أنصاريّ. انتهى . وقوله: «أضيف إليه»: أي نُسب إلى لفظه، فقيل: أنصاريّ، لكونه جاريًا مجرى العلم، قال في «الخلاصة»: وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحِدًا بِالْوَضْعِ يعني أنه إذا نُسب إلى المثنّى أو الجمع وجب ردّه إلى واحده، فنُسب إليه، كقولك في النسبة إلى الفرائض: فَرَضيٌّ، فأما إذا كان علَمًا، كأنمار اسم قبيلة، أو جاريًا مجرى العلم كأنصار، فتنسب إلى لفظه، فتقول: أنماريّ، وأنصاريّ ، والله تعالى أعلم. وقال في «الفتح»: اسم إسلاميّ، سَمَّى به النبيّ - ﷺ - الأوسَ والخزرجَ، وحُلفاءهم، والأوس يُنسبون إلى أوس بن حارثة، والخزرج يُنسبون إلى الخزرج بن حارثة، وهما ابنا قَيْلَةَ، وهو اسم أمّهم، وأبوهم هو حارثة بن عمرو بن عامر الذي يجتمع إليه أنساب الأزد. انتهى . وقال السمعانيّ رحمه الله تعالى: هم جماعة من أهل المدينة من الصحابة من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم: الأنصار؛ لنصرتهم رسول الله - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٢]، وقال عزّ من قائل: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وفيهم كثرة وشُهْرة على اختلاف بطونهم وأفخاذهم. انتهى ، والله تعالى أعلم. (وَآيةُ الْمُؤْمِنِ حُبُّ الْأنصَارِ»)«وفي الرواية التالية: »حُبُّ الأنصار آية الإيمان، وبُغضهم آية النفاق«، وفي رواية البخاريّ: »آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأنصار«. قال في «الفتح»: قوله: «آية الإيمان» - هو بهمزة ممدودة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء تأنيث - و«الإيمان» مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد، في ضبط هذه الكلمة في جميع الروايات، في «الصحيحين»، و«السنن»، و«المستخرَجات»، و«المسانيد»، و«الآية»: العلامة، كما ترجم به البخاريّ والنسائيّ. ووقع في «إعراب الحديث» لأبي البقاء الْعُكْبَريّ: «إنه الإيمان» - بهمزة مكسورة، ونون مشددة، وهاء - و«الإيمان» مرفوع، وأعربه، فقال: «إن» للتأكيد، والهاء ضمير الشأن، و«الإيمان»: مبتدأ، وما بعده خبر، ويكون التقدير: إن الشأن الإيمانُ حُبُّ الأنصار. وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار، وليس كذلك. [فإن قيل]: واللفظ المشهور أيضا يقتضي الحصر، وكذا رواية البراء - ﵁ - الآتية هنا، وقد أوردها البخاريّ في «فضائل الأنصار» قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يُبغضهم إلا منافق». [فالجواب]: عن الأول: أن العلامة كالخاصّة تَطَّرِد ولا تنعكس، فإن أُخذ من طريق المفهوم، فهو مفهومُ لَقَب لا عبرة به. سلمنا الحصر، لكنه ليس حقيقيًّا، بل ادعائيًا؛ للمبالغة، أو هو حقيقي، لكنه خاص بمن أبغضهم من حيث النصرة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجواب يأتي فيما قاله أبو البقاء أيضًا، فله أن يُجيب بهذا، والصواب الردّ عليه بعدم ثبوت الرواية بما قاله، وإلا فالجواب له ظاهر، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم. [والجواب]: عن الثاني: أن غايته أن لا يقع حب الأنصار إلا لمؤمن، وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلك، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم. [فإن قيل]: فعلى الشق الأوّل، هل يكون من أبغضهم منافقًا وإن صَدّق وأقرّ؟. [فالجواب]: أن ظاهر اللفظ يقتضيه، لكنه غير مراد، فيحمل على تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي كونهم نَصَروا رسول الله - ﷺ -، أَثَّر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق، ويُقَرِّب هذا الحمل زيادةُ أبي نعيم في «المستخرج» في حديث البراء بن عازب: «من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم»، ويأتي مثل هذا في الحبّ كما سبق. وسيأتي حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، رفعه: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر»، ولأحمد من حديثه: «حب الأنصار إيمان، وبغضهم نفاق». ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير، فلا يراد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، بل قابله بالنفاق؛ إشارة إلى أن الترغيب والترهيب، إنما خوطب به من يظهر الإيمان، أما من يظهر الكفر فلا؛ لأنه مرتكب ما هو أشد من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «كتاب الإيمان» [٣٥/ ٢٤٢ و٢٤٣] (٧٤)، و(البخاريّ) في «كتاب الإيمان» (١٧) و«كتاب المناقب» (٣٧٨٤)، و(النسائيّ) في «كتاب الإيمان» (٥٠٢١)، و(أحمد) في «مسنده» (١١٩٠٧ و١١٩٦١ و١٣١٩٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٣٣ و٢٣٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان علامة الإيمان، وهو أن الشخص إذا أحب الأنصار دلّ على أنه مؤمنٌ، كما نصّ عليه النبيّ - ﷺ -، والعكس بالعكس. ٢ - (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار، بل وحبّ الصحابة - ﵃ - جميعًا عنوان لحبّ رسول الله - ﷺ -، وأن بغضهم عنوان لبغضه - ﷺ -؛ لقوله - ﷺ «فبحبي أحبهم، وببغضي أبغضهم». ٣ - (ومنها): بيان أن حبّ الأنصار عنوان لمحبّة الله تعالى لمن أحبهم، وبغضه لمن أبغضهم؛ لقوله - ﷺ - الآتي: «مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضهُمْ أَبْغَضَهُ اللهُ». ٤ - (ومنها): بيان مناقب الأنصار - ﵃ -، حيث جعل الله - ﷾ - حبهم شعبة من شعب الإيمان؛ لمبادرتهم بالاستجابة لدينه تعالى، ونصرهم رسوله - ﷺ - وإيوائهم له وللمهاجرين في دينهم. قال في «الفتح»: وإنما خُصَّ الأنصار بهذه المنقبة العظمى؛ لما فازوا به دون غيرهم من القبائل، من إيواء النبي - ﷺ - ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جميع الفِرَق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تَجُرُّ الْبُغْضَ، ثم كان ما اختصوا به مما ذُكِر موجبًا للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حتى جُعل ذلك آية الإيمان والنفاق؛ تنويهًا بعظيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان مَن شاركهم في معنى ذلك مشاركًا لهم في الفضل المذكور، كُلّ بقسطه، وقد ثبت في «صحيح مسلم» - يعني الحديث الآتي آخر الباب - عن علي - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق»، وهذا جار باطراد في أعيان الصحابة - ﵃ -؛ لتحقق مُشْتَرَكِ الإكرام في جميعهم؛ لما لهم من حسن الغَنَاء في الدين. انتهى . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى - بعد ذكره مزايا الأنصار، وقد قدّمناه - ما نصّه: وهذا المعنى جار في أعيان الصحابة - ﵃ -، كالخلفاء الراشدين، والعشرة، والمهاجرين، بل وفي كلّ الصحابة - ﵃ -؛ إذ كلُّ واحد منهم له شاهد، وغَنَاءٌ في الدين، وأَثَرٌ حسنٌ فيه، فحُبُّهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبُغضهم له محضُ النفاق، وقد دلّ على صحّة ما ذكرناه قوله - ﷺ - فيما أخرجه البزّار في أصحابه كلّهم: «فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عَبِيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زباد، عن عبد الله بن مُغَفَّل، قال: قال رسول الله - ﷺ -:«اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. هكذا قال، ولكن فيه عبد الرحمن بن زياد مجهول، لم يرو عنه إلا عبيدة بن أبي رائطة، لكن الحديث له شواهد، كأحاديث الباب، وكحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي للمصنّف في«فضائل الصحابة»قال: قال رسول الله - ﷺ -:«لا تسبوا أصحابي، = أبغضهم»، لكنهم لَمّا كانوا في سَوَابقهم، ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكّن الأمكن، والتالي والمقدّم، خَصّ الأمكن منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرف حديث، وهذا كما قال العليّ الأعلى - ﷾ -: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. ثم قال: [تنبيه]: من أبغض من ذكرنا من الصحابة - ﵃ - من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمر طارئ وحَدَثٍ واقعٍ، من مخالفة غرض أو ضرر حصل، أو نحو ذلك لم يكن كافرًا ولا منافقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله تعالى عن جميعهم - قد وقعت بينهم مخالفات عظيمة، وحروب هائلة، ومع ذلك لم يُكفّر بعضهم بعضًا، ولا حكم عليه بالنفاق لما جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يكون كلهم مصيبًا فيما ظهر له، أو المصيب واحد، والمخطئ معذورٌ، بل مخاطب بالعمل على ما يراه ويظنّه مأجورٌ، فمن وقع له بغضٌ في واحد منهم لشيء من ذلك، فهو عاصٍ يجب عليه التوبة من ذلك، ومجاهدة نفسه في زوال ما وقع له من ذلك، بأن يذكر فضائلهم، وسوابقهم، وما لهم على كلّ من بعدهم من الحقوق الدينيّة والدنيويّة؛ إذ لم يصل إلى أحد ممن بعدهم شيء من الدنيا ولا الدين إلا بهم وبسببهم وأدبهم وصلت إلينا كلّ النعم، واندفعت عنا كلّ الجهالات والنقم، ومن حصلت به مصالح الدنيا والآخرة، فبغضه كفران النعم، وصفقة خاسرة. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا المعنى يرجع إلى ما تقدّم من أن من أحبّ المرء لا يحبّه إلا لله من علامات الإيمان، وأن الحبّ في الله من أوثق عُرى الإيمان، وأنه أفضل الإيمان، فالأنصار = فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفه»، وغيره من الأحاديث الكثيرة، فتحسين الترمذي رحمه الله تعالى يكون من هذا الباب، والله تعالى أعلم. نصروا الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فمحبّتهم من تمام محبّة الله تعالى ورسوله - ﷺ -. قال: فمحبّة أولياء الله تعالى وأحبابه عمومًا من الإيمان، وهي من أعلى مراتبه، وبغضهم محرّم، فهو من خصال النفاق؛ لأنه مما لا يُتَظاهر به غالبًا، ومن تظاهر به فقد تظاهر بنفاقه، فهو شرّ ممن كتمه وأخفاه، ومن كان له مزيّة في الدين لصحبته النبيّ - ﷺ -، أو لقرابته، أو نصرته، فله مزيد خصوصيّة في محبّته وبغضه، ومن كان من أهل السوابق في الإسلام كالمهاجرين الأولين، فهو أعظم حقًّا مثل عليّ - ﵁ -، وقد رُوي أن المنافقين إنما كانوا يُعرفون ببغض عليّ - ﵁ - ومن هو أفضل من عليّ، كأبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما، فهو أولى بذلك، ولذلك قيل: إن حبهما من فرائض الدين، وقيل: إنه يرجى على حبّهما ما يُرجى على التوحيد من الأجر. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٣] (…) - (حَدَّثنَا يَحْيىَ بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثيُّ، حَدَّثنَا خَالِدٌ - يَعْني ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدَ الله، عَنْ أنسٍ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: «حُبُّ الأَنصَارِ آيةُ الإيمَان، وَبُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيىَ بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِ) البصريّ، ثقةٌ [١٠]، (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٥. ٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سليمان، ويُقال: ابن الحارث بن سُليم بن عُبيد بن سُفيان الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨]. رَوَى عن حميد الطويل، وأيوب، وابن عون، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، والثوري، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائي، وجماعة. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ومسدد، وعارم، والفلاس، وعبد الله بن عبد الوهاب الْحَجَبيّ، وعبيد الله بن معاذ، ويحيى بن حبيب بن عربي، ونصر بن علي الْجَهْضَميّ، والحسن بن عرفة وهو آخر أصحابه، وغيرهم، وحَدَّثَ عنه شعبة، وهو من شيوخه. قال ابن عَمّار عن القطان: ما رأيت خيرًا من سفيان وخالد بن الحارث، وقال الأثرم عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال الْمَرُّوذيُّ عن أحمد: كان خالد بن الحارث يجيء بالحديث كما يَسْمَع، وقال أبو زرعة: كان يقال له خالدُ الصدق، وقال ابن سعد: ثقة. وقال أبو حاتم: إمام ثقة، وقال النسائي: ثقة ثبت، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من عُقلاء الناس ودُهاتهم، وقال معاوية بن صالح: قلت ليحيى بن معين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: خالد بن الحارث، مع جماعة سماهم، وقال الترمذي: ثقة مأمون، سمعت ابن مثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثله، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال فيه حماد بن زيد: ذاك الصدوق، وقال الآجري: سألت أبا داود عن خالد ومعاذ، فقال: معاذ صاحب حديث، وخالد كثير الشكوك، وذكر من فضله، وقال الدارقطني: رَوَى عنه حسان بن إبراهيم الكرماني، وهو أكبر من خالد، وأقدم وفاةً، وقال في موضع آخر: أحد الأثبات. وقال عمرو بن عليّ: وُلد سنة عشرين ومائة، وقال هو وابن سعد: مات سنة (١٨٦)، وقال ابن حبّان: وُلد سنة (١١٩). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٧٧) حديثًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت هناك. وقوله: (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ) قد تقدّم سبب زيادة «يعني» عند قوله في الباب الماضي: «وهو ابن عمّار»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع:«تهذيب التهذيب» ٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨.

٢. «المفهم» ١/ ٢٦٤.

٣. «إكمال المعلم» ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧.

٤. «تاج العروس» ٣/ ٥٦٨.

٥. راجع: «شرح ابن عقيل على الخلاصة» في هذا البيت ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١.

٦. «الفتح» ٧/ ١٤٠.

٧. «الأنساب» ١/ ٢٢٨.

٨. «فتح»١/ ٩٠ - ٩١.

٩. بل أخرجه الترمذيّ رحمه الله تعالى، فكان الأولى عزوه إليه، ولفظه:

١٠. «فتح الباري شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ١/ ٦٤ - ٦٦.