HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٢

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. (قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ) يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص65
ج ١ ص ٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص١٢١
[٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٣، والباقون تقدّموا قبل حديث، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٢) - (بَابُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا دَخَلَ النَّارَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٧٥] (٩٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»، وَقُلْتُ أَنَا: «وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمَير الْهَمْداني، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، من أهل السنّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (شَقيق) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧، والباقيان تقدّما في الباب الماضي، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه من صيغ الأداء: التحديثُ، والعنعنة، والقول، والسماع. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالحفّاظ الكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): قوله: «قال وكيع: قال رسول الله - ﷺ -، وقال ابن نُمَير: سمعت رسول الله - ﷺ -»، هذا وما أشبهه من الدقائق التي يُنَبِّه عليها الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وهي من الدلائل القاطعة على شِدَّة تحريه، وإتقانه، وضبطه، وعِرْفانه، وغَزَارة علمه، وحِذْقه، وبراعته في الغوص على المعاني، ودقائق علم الإسناد، وغير ذلك، فرحمه الله تعالى. والدقيقة في هذا أن ابن نمير قال في روايته: إن ابن مسعود قال: «سمعت رسول الله - ﷺ -»، فصرّح بالسماع، وهذا متصل، لا شكّ فيه، وقال وكيع في روايته: إنه قال: «قال رسول الله - ﷺ -»، وهذا مما اختَلَفَ العلماء فيه، هل يُحْمَل على الاتصال، أم على الانقطاع؟ فالجمهور أنه على الاتصال، كـ«سمعت»، وذهبت طائفة إلى أنه لا يُحْمَلُ على الاتصال إلا بدليل عليه، فإذا قيل بهذا المذهب، كان مرسل صحابيّ، وفي الاحتجاج به خلافٌ، فالجماهير قالوا: يُحْتَجّ به، وإن لم يحتج بمرسل غيرهم، وذَهَب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيّ الشافعيّ رحمه الله تعالى إلى أنه لا يُحْتَجّ به، فعلى هذا يكون الحديث قد رُوي متصلًا ومرسلًا، وفي الاحتجاج بما رُوي مرسلًا ومتصلًا خلافٌ معروفٌ، قيل: الحكم للمرسل، وقيل: للأحفظ روايةً، وقيل: للأكثر، والصحيح أنه تُقَدَّم رواية الوصل، فاحتاط مسلم رحمه الله تعالى، وذكر اللفظين؛ لهذه الفائدة، ولئلا يكون راويًا بالمعنى، فقد أجمعوا على أن الرواية باللفظ أولى، والله تعالى أعلم، أفاده النوويّ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي من صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا أنه لا يريد بيان اختلاف الحكم من حيث الاتّصال والانقطاع، وإنما يريد بيان اختلاف الشيوخ في صيغ الأداء، فبيّن اختلاف ابن نمير ووكيع في اللفظ الذي قاله ابن مسعود - ﵁ -، فقال الأول: قال: «سمعت رسول اللهِ - ﷺ -»، وقال الثاني: «قال رسول الله - ﷺ -»، فعنده لا فرق بين اللفظين من حيث الإتّصال والانقطاع، فكلاهما للإتّصال، وإنما هو من باب الاحتياط في أداء ما تحمّله، وبيان الواقع من ألفاظ الشيوخ في رواياتهم، فهو كمثل قوله في مواضع أخرى: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، وتارة يقول: حدّثنا فلان وفلان، فقال فلان: حدثنا، وقال فلان: حدّثني، فلا شكّ أن هذا وأمثاله لا يختلف الحكم فيه بالاتّصال والانقطاع، وإنما هو لمجرّد بيان الإختلاف في صيغ الأداء. والحاصل أن صنيع الإمام مسلم رحمه الله تعالى هذا ليس لبيان اختلاف الحكم من حيث الإتصال والانقطاع، وإنما هو من باب الاحتياط والتدقيق في أداء ما سمعه على الوجه الذي سمعه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ - (قَالَ وَكِيعٌ) في روايته (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي قال عبد الله - ﵁ -: «قال رسول الله - ﷺ -»، فعبّر بلفظ «قال» (وقَالَ) عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) في روايته قال عبد الله - ﵁ -: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ) أي فعبّر بلفظ «سمعتُ» («مَنْ مَاتَ)»من«شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، جوابها، أو خبرها جملة»دَخَل«، وقوله: (يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا) جملة في محلّ نصب على الحال (دَخَلَ النَّارَ») قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا وقع في أصولنا من «صحيح مسلم»، وكذا هو في «صحيح البخاريّ»، وكذا ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى في روايته لـ «صحيح مسلم»، ووُجِد في بعض الأصول المعتمدة من «صحيح مسلم» عكس هذا: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، قلت أنا: «ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، وهكذا ذكره الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، عن «صحيح مسلم» رحمه الله تعالى، وهكذا رواه أبو عوانة في كتابه «المخرج على صحيح مسلم»، وقد صَحّ اللفظان من كلام رسول الله - ﷺ - في حديث جابر المذكور بعد هذا. فأما اقتصار ابن مسعود - ﵁ - على رفع إحدى اللفظتين، وضمه الأخرى إليها من كلام نفسه، فقال القاضي عياض وغيره: سببه أنه لم يَسْمَع من النبيّ - ﷺ - إلا إحداهما، وضَمَّ إليها الأُخرى؛ لِمَا عَلِمَه من كتاب الله تعالى، ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سَمِعه من النبيّ - ﷺ -. وهذا الذي قاله هؤلاء فيه نقص من حيث إنّ اللفظتين قد صَحَّ رفعهما من حديث ابن مسعود - ﵁ - كما ذكرناه، فالجيِّد أن يقال: سمع ابن مسعود - ﵁ - اللفظتين من النبيّ - ﷺ -، ولكنه في وقت حَفِظَ إحداهما، وتيقنها عن النبيّ - ﷺ -، ولم يَحْفَظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت آخر حَفِظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعةً، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، فهذا جمعٌ ظاهرٌ بين روايتي ابن مسعود - ﵁ -، وفيه موافقة لرواية غيره في رفع اللفظتين، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى. وقد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» هذا الجمع الذي ذكره النوويّ، ودونك عبارته: قال: قوله: «من مات يُشرك بالله … إلخ» في رواية أبي حمزة، عن الأعمش - أي عند البخاريّ - في «تفسير البقرة»: «من مات، وهو يدعو من دون الله نِدًّا»، وفي أوله: «قال النبيّ - ﷺ - كلمة، وقلت أنا أخرى». ولم تختلف الروايات في «الصحيحين» في أن المرفوع الوعيد، والموقوف الوعد، وزعم الحميديّ في «الجمع»، وتبِعَه مغلطاي في «شرحه»، ومن أخذ عنه: أن في رواية مسلم من طريق وكيع وابن نمير بالعكس، بلفظ: «من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، وقلت أنا: من مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار». وكأن سبب الوهم في ذلك ما وقع عند أبي عوانة، والإسماعيليّ من طريق وكيع بالعكس، لكن بَيَّن الإسماعيليّ أن المحفوظ عن وكيع كما في البخاريّ، قال: وإنما المحفوظ أن الذي قلبه أبو معاوية وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في «صحيحه»، والصواب رواية الجماعة، وكذلك أخرجه أحمد من طريق عاصم، وابن خزيمة من طريق يسار ، وابن حبان من طريق المغيرة كلهم عن شقيق، وهذا هو الذي يقتضيه النظر؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد، فإنه في محلّ البحث؛ إذ لا يصح حمله على ظاهره، كما تقدم. وكأنّ ابن مسعود - ﵁ - لم يبلغه حديث جابر - ﵁ - الذي أخرجه مسلم بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار». وقال النوويّ: الجيد أن يقال: سَمِع ابن مسعود اللفظتين من النبيّ - ﷺ -، ولكنه في وقت حفظ إحداهما وتيقنها، ولم يحفظ الأخرى، فرفع المحفوظة، وضمّ الأخرى إليها، وفي وقت بالعكس، قال: فهذا جمع بَيْن روايتي ابن مسعود، وموافقته لرواية غيره في رفع اللفظتين. انتهى. قال الحافظ: وهذا الذي قال محتمل بلا شكّ، لكن فيه بُعْدٌ، مع اتّحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود، لكان احتمالًا قريبًا، مع أنه يُسْتَغرب مِنِ انفراد راو من الرواة بذلك دون رفقته، وشيخهم ومن فوقه، فنسبة السهو إلى شخص ليس بمعصوم أولى من هذا التعسُّف. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ رحمه الله تعالى، من ردّه الجمع الذي ذكره النوويّ، واستبعاده له؛ حيث إن مخرج الحديث واحد؛ إذ مثل هذا الجمع إنما يُقبل إذا تعدّد مخرج الحديث، هو الصواب في نظري؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، وأما اعتراض العينيّ عليه في ذلك فمما لا يخفى على منصف كونه من عادته المستمرّة في الاعتراض، والتحامل دون تأمّل، فتنبّه لذلك، وتأمّله بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: حَكَى الخطيب البغداديّ رحمه الله تعالى في كتابه «المدرج» أن أحمد بن عبد الجبار رواه عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، مرفوعًا كلَّه، وأنه وَهِمَ في ذلك. انتهى . قال ابن مسعود - ﵁ - (وَقُلْتُ أَنَا: «وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ») قال الكرمانيّ رحمه الله تعالى: [فإن قلت]: من أين عَلِم ابن مسعود - ﵁ - هذا الحكم؟. [قلت]: من حيث إن انتفاء السبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشرك انتفى دخول النار، وإذا انتفى دخول النار يلزم دخول الجنّة؛ إذ لا ثالث لهما، أو مما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ونحوه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما عبّر ابن مسعود - ﵁ - إلى ما قاله مع أن المتّجه أن يقول: «ومن مات لا يُشرك بالله شيئًا لا يدخل النار»؛ لكون عدم دخوله النار غير محقّق بتقدير عصيانه، بخلاف دخول الجنّة فإنه محقّقٌ للموحّد، ولو كان آخرًا، فلذا جَزَم به، والله تعالى أعلم . وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول ابن مسعود - ﵁ -: «وقلت أنا … إلخ» يعني بذلك: أنه لم يسمع هذا اللفظ من النبيّ - ﷺ - نصًّا، وإنما استنبطه من الشريعة، إما دليل خطاب قوله - ﷺ -: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، أو من ضرورة انحصار الجزاء في الجنّة والنار، أو من غير ذلك، وعلى الجملة، فهذا الذي لم يسمعه ابن مسعود - ﵁ - من النبيّ - ﷺ - هو حقٌّ في نفسه، وقد رواه جابر - ﵁ - في الحديث التالي من قول النبيّ - ﷺ -. انتهى . وقد اعترض القاضي عياض رحمه الله تعالى على قوله: «إما بدليل الخطاب»، ودونك عبارته، قال: استدلّ به بعضهم على صحّة دليل الخطاب، وفي الاستدلال به ضعفٌ، وهو كلام من لم يُميّز دليل الخطاب؛ إذ لا يدلّ وجوب النار لمن مات على الكفر على وجوب الجنّة لمن كان على ضدّه، وإنما دليل خطابه أنه لا يدخل النار، وأما صحّة قول ابن مسعود - ﵁ - فمن دليل صحّة التقسيم، لا من دليل الخطاب؛ لأنه لَمّا قال - ﷺ -: «من مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار»، وصحّ أنه ليس ثَمَّ منزل ثالث، سوى الجنّة والنار، وتميّز بهذا اللفظ نازل أحدهما، بَقِي الصنف المخالف له للأخرى، فكيف، وقد جاء بنصّه بعد هذا عن النبيّ - ﷺ - في حديث جابر - ﵁ -، وجاءت النصوص، والظواهر البيّنة، وإجماع أهل السنّة على صحّة ذلك. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ القول بدليل الخطاب هنا ليس ببعيد؛ لأن المراد دليل الخطاب الذي تُعَيِّن المرادَ منه هنا الأدلّةُ الأخرى، كما أبداها القاضي نفسه في وجه صحة قول ابن مسعود، ففي الحقيقة لا اختلاف بين ما قاله القاضي، وما سبق عن القرطبيّ، فتأمّله بإنصاف، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: روى الإمام أحمد هذا الحديث في «مسنده» وفي آخره زيادة، ولفظه: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من جعل لله نِدًّا جعله الله في النار»، وقال: وأخرى أقولها، لم أسمعها منه: «من مات لا يجعل لله نِدًّا أدخله الله الجنة، وإن هذه الصلوات كفاراتٌ لما بينهنّ، ما اجتنب المقتل». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في «الإيمان» [٤٢/ ٢٧٥] (٩٢)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٣٨)، و«التفسير» (٤٤٩٧)، و«الأيمان والنذور» (٦٦٨٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٧٤ و٣٨٢ و٤٠٢ و٤٠٧ و٤٢٥ و٤٤٣ و٤٦٢ و٤٦٤)، و(النسائي) في «التفسير» من «الكبرى» (١٠٩٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٠)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٦٦ و٦٧ و٦٨ و٦٩ و٧٠ و٧١ و٧٢ و٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن من مات يشرك بالله تعالى شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك به شيئًا دخل الجنّة، فالإيمان سبب في دخول الجنّة، وهو وجه المطابقة في إيراده في «كتاب الإيمان». ٢ - (منها): أن فيه دلالة على أن ابن مسعود - ﵁ - كان يقول بدليل الخطاب، ويحتمل أن يكون أخذه من ضرورة انحصار الجزاء في الجنة والنار، كما سبق تحقيقه. ٣ - (ومنها): أن فيه إطلاق الكلمة على الكلام، حيث قال ابن مسعود - ﵁ - كما في رواية: «كلمتان سمعت إحداهما من رسول الله - ﷺ -، والأخرى أنا أقولها» … ثم ذكره، وإطلاق الكلمة على الكلام كثير شائع في كلام العرب، فقد وقع في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠] إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقولهم: «لا إله إلا الله» كلمة «الإخلاص»، وقوله - ﷺ -: «أصدق كلمة قالها شاعر» كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ وإلى هذا أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في «الخلاصة» حيث قال: وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمْ … وَكِلْمَةٌ بِهَا كَلَامٌ قَدْ يُؤَمْ ٤ - (ومنها): أن حكمه - ﷺ - بدخول النار على من مات يُشرك بالله شيئًا حدثنا عبد الرحمن - هو ابن مهديّ - عن سفيان، قال: حدثنا عبد الملك بن عُمير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: أَلَا كُل شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلٌ وكاد أمية بن أبي الصَّلْت أن يُسْلِمَ». وهو حديث صحيح، وأخرجه أيضًا ابن ماجه في «سننه» (٣٧٤٧).
مصادر المؤلف (٩)

١. «شرح النوويّ»٢/ ٩٤ - ٩٥.

٢. في «نسخة»: «أبو عوانة»، والإصلاح من «مسند أبي عوانة» ١/ ٢٧.

٣. الظاهر أن الصواب «سيّار»، والله تعالى أعلم.

٤. راجع:«الفتح»٣/ ١٣٤«كتاب الجنائز»رقم (١٢٣٩ - ١٢٤٠).

٥. «شرح البخاريّ»للكرمانيّ ٣/ ٤٩ - ٥٠.

٦. وقد أشار إلى نحو هذا الكرمانيّ، وقد نقله في«الفتح»١١/ ٥٧٦«كتاب الأيمان والنذور»ح (٦٦٨٤ - ٦٦٨٦)، فتصرّفت فيه بالزيادة والإيضاح.

٧. «المفهم»١/ ٢٩٠.

٨. «إكمال المعلم» ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥.

٩. أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في «مسنده» (٩٦٩٤)، فقال: