HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٥

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ (وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ) أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ. فَقَاتَلَنِي. فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا. ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ. أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَقْتُلْهُ قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا. أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:»لَا تَقْتُلْهُ. فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قال».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص66
ج ١ ص ٩٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص١٥٣
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما ما يتعلّق بالحديث من المسائل، فقد استوفيته في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٣) - (بَابُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْكَافِرِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ») [٢٨١] (٩٥) - (حَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٌ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثيّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَار، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَد، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّار، فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْف، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لله، أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ الله، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقْتُلْهُ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ المذكور قبل بابين. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المذكور قبل بابين أيضًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٨. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الحافظ الحجة الثبت، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ) المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «شرح المقدّمة» أيضًا جـ ٢ ص ٤٨٦. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - بن عديّ بن نوفل بن عبد مناف القرشيّ النّوْفليّ المدنيّ، ثقة [٢]. رَوَى عن عمر، وعثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، والمقداد بن الأسود، ووَحْشيّ بن حَرْب، والْمِسْور بن مَخْرمة، وابن عباس، وكعب الأحبار. ورَوَى عنه عروة بن الزبير، وعطاء بن يزيد الليثيّ، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف، وجعفر بن عمرو بن أمية، وعبيد الله بن المغيرة بن مُعيقيب، وعروة بن عياض، ومعمر بن أبي حبيبة، ويحيى بن يزيد الباهليّ. قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه وُلد على عهد رسول الله - ﷺ -، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وقال: أمه: أمُّ قتال بنت أُسَيد بن أبي العيص، ومات بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، وكان ثقة، قليل الحديث، وقال خليفة: مات في آخر خلافة الوليد، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان، وقال ابن ماكولا: قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، وقال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ بن الْخِيَار، وكان من فُقهاء قُريش وعلمائهم، وقد أدرك أصحاب النبيّ - ﷺ - متوافرين، وذكره ابن حبان في الصحابة، وقال: وُلد في زمن النبيّ - ﷺ - ثم ذكره في ثقات التابعين، وقال: مات سنة (٩٥). قال الحافظ: وأما كون أبيه قتل ببدر فليس بمتفق عليه، فقد ذكر ابن سعيد أباه في مسلمة الفتح، وذكر له المدينيّ قصةً مع عثمان بن عفان في خلافته، ولعلها التي وقعت في البخاريّ بسبب الوليد بن عقبة. انتهى . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٧ - (الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ) هو: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثُمامة بن مَطْرُود الْبَهْرَانِيّ الْكِنْديّ، أبو الأسود الزهريّ، ويقال: أبو عمرو، ويقال: أبو مَعْبَد، وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن الكلبيّ: كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه، فلحِق بحضرموت، فحالف كندة، فكان يقال له: الكِنديّ، وتزوّج هناك امرأة، فولدت له المقداد، فلما كبِرَ المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حُجر الكنديّ، فضرب رجله بالسيف، وهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، وكَتَب إلى أبيه، فقدِمَ عليه، فتبنّى الأسودُ المقدادَ، فصار يقال له: المقداد بن الأسود، وغلبت عليه، واشتهر بذلك، فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] قيل له: المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود. أسلم قديمًا، وشَهِد بدرًا، والمشاهد، وكان فارسًا يوم بدر، ولم يثبت ممن شَهِدها فارسًا غيره. روى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه عليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبيد الله بن عَدِيّ بن الخيار، وهمام بن الحارث، وسليمان بن يسار، وسُليم بن عامر، وأبو معمر عبد الله بن سَخْبَرَة الأزديّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجُبير بن نُفير، وعُمر بن إسحاق، وزوجته ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وابنته كَرِيمة بنت المقداد، وابنته ضُبَاعة على خلاف في ذلك. قال ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شِماسة الْمَهْريّ، عن سفيان بن صُهَابة، قال: كنت صاحبَ المقداد بن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بَهْراء، فأصاب دمًا، فَهَرَب إلى كِندة، فحالفهم، ثم أصاب الهجرة الثانية، في قول ابن إسحاق، ثم شَهِد بدرًا والمشاهد، ويقال: إن رسول الله - ﷺ - آخى بينه وبين عبد الله بن رَوَاحة، وقال زِرّ بن حُبيش، عن عبد الله بن مسعود: أَوّلُ مَن أظهر إسلامه سبعة، فذكره فيهم، وقال مُخارق، عن طارق، عن ابن مسعود: شَهِدت من المقداد مَشْهَدًا، لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما عُدِل به، فذكر القصة يوم بدر، وهي في البخاريّ. وقال أبو ربيعة الإياديّ، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: أن النبيّ - ﷺ - أَمَرَني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: عليّ، والمقداد، وأبو ذَرّ، وسلمان. أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وسنده حسن . وذكر البغويّ من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زِرّ: أول من قاتل على فرس في سبيل الله المقداد بن الأسود. ومن طريق موسى بن يعقوب الزّمَعيّ، عن عمّته قُريبة، عن عمتها كريمة بنت المقداد، عن أبيها: شهِدتُ بدرًا على فرسٍ لي، يقال لها: سَبْحَة. ومن طريق يعقوب بن سليمان، عن ثابت البنانيّ، قال: كان المقداد وعبد الرحمن بن عوف جالسين، فقال له: ما لك لا تتزوّج؟ قال: زوّجني ابنتك، فغضب عبد الرحمن، وأغلظ له، فشكا ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: أنا أزوّجك، فزوّجه بنت عمه ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطّلب. وأخرج يعقوب بن سفيان، وابن شاهين، من طريقه بسنده إلى كريمة زوج المقداد: كان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام رُوميّ، فقال له: أشُقّ بطنك، فأُخرج من شحمه حتى تلطُف، فشقّ بطنه، ثم خاطه، فمات المقداد، وهَرَب الغلام. قال خليفة بن خياط، وغير واحد: مات سنة ثلاث وثلاثين، قال بعضهم: وهو ابن سبعين سنة بِالْجُرُف، على ثلاثة أميال من المدينة، وحُمِل إلى المدينة، ودُفِن بها. وفي «فوائد ابن الْبُحْتُريّ»، من رواية سَوّار بن حمزة، عن ثابت، عن أنس: أن المقداد قال: لا أَتَحَمَّل على أحد أبدًا، فكانوا يقولون: تَقَدَّم، فَصَلّ، فيأبى، وفيه قصّةُ أنه حين استعمله النبيّ - ﷺ - . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط : هذا الحديث، وحديث (٢٠٥٥): «احتلبوا هذا اللبن بيننا …»، و(٢٨٦٤): «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق …»، و(٣٠٠٢): «أن نَحْثي في وجوه المداحين التراب …»، وأعاده بعده. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن له فيه شيخين، فرّق بينهما، وإنما لم يقرن بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء، وفي اسم شيخهما، حيث قال قتيبة: حدثنا، وقال ابن رُمح: أخبرنا الليث، فالأول أخذه سماعًا، والثاني أخذه قراءةً، والأول قال: ليثٌ، والثاني قال: الليث بإدخال «أل»، وهو جائز للمح الأصل، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ ٣ - (ومنها): أن فيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة، والإخبار. ٤ - (ومنها): كتابة (ح) وهي إشارة إلى تحويل السند، وقد تقدّم أنها مختصرة من التحويل، أو من الحديث، أو من صحّ، أو من حاجز. ٥ - (ومنها): أن في قوله: «واللفظ متقارب» إشارةً إلى أن لفظ هذا السياق ليس لواحد منهما، وإنما هو معناه، ولكن لفظهما متقاربان، وإلى هذا أشار السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، حيث قال: وَمَنْ رَوَى مَتنًا عَنَ اشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ مُقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّنِ اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ أَوْ قَالَ «قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ» أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ حَكَوْا وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ «قَالَ» أَوْ «قَالَا» فَذَاكَ أَحْسَنُ ٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله بن عديّ. ٧ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من ابن شهاب، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان مصريّان. ٨ - (ومنها): أن صحابيّه - ﵁ - من أوائل من أسلم، قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم: المقداد، وهاجر إلى الحبشة، ويُكنى أبا الأسود، وقيل: أبا عمرو، وقيل: أبا معبد، وليس له في «الصحيحين» إلا أربعة أحاديث ، وهذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وكذا عبيد الله، كما أسلفناه آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن الْمِقْدَادِ بْن الْأَسْوَدِ) تقدّم أنه المقداد بن عَمرو، وإنما الأسود تبنّاه (أَنَّهُ) أي المقداد (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عبيد الله (أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: هكذا هو في أكثر الأصول المعتبرة، وفي بعضها: «أرأيتَ لقيتُ» بحذف «إن»، والأول هو الصواب. انتهى . ووقع عند البخاريّ بلفظ: «قال: يا رسول الله إن لقِيتُ كفارًا، فاقتتلنا، فضرب إحدى يديّ بالسيف …»، قال في «الفتح»: قوله: «إن لقيتُ» كذا للأكثر بصيغة الشرط، وفي رواية أبي ذرّ: «إني لقيتُ كافرًا، فاقتتلنا، فضرب يدي فقطعها»، وظاهر سياقه أن ذلك وقع، والذي في نفس الأمر بخلافه، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع. انتهى. (فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْف، فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي) أي اعتصم منّي، وهو معنى قوله: «قالها مُتَعَوّذًا»: أي معتصمًا، وهو بكسر الواو، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: لاذ الرجل بالجبل، يَلُوذ لِوَاذًا بكسر اللام، وحُكِي التثليث، وهو الالتجاء، ولاذ بالقوم، وهي الْمُداناة، وألاذ بالألف لغة فيهما. انتهى. وقال المجد: اللَّوْذُ بالشيء: الاستتار، والاحتصان به، كاللُّوَاذ، مثلَّثةً، واللياذ، والْمُلاوذة، والإحاطةُ، كالإلاذة، وجانبُ الجبل، وما يُطيف به، ومُنعَطَف الوادي، جمعه أَلْوَاذٌ. انتهى . (بِشَجَرَةٍ) قال في «الفتح»: الشجرة مثال. انتهى. يعني أنه إنما ذُكر على سبيل المثال، لا على سبيل التحديد، فلو لاذ بغير شجرة، كالِجدار ونحوه، كان حكمه كذلك (فَقَالَ: أَسْلَمْت للهِ) أي دخلتُ في دين الإسلام، وتديّنتُ به، وفيه دليلٌ على أن كلَّ من صَدَرَ عنه أمرٌ يدلّ على الدخول في دين الإسلام من قول أو فعل حُكِم له لذلك بالإسلام، وأن ذلك ليس مقصورًا على النطق بكلمتي الشهادة، وقد حَكَم النبيّ - ﷺ - بإسلام بني جَذِيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد، وهم يقولون: صَبَأْنا صَبَأْنَا، ولم يُحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فلما بَلَغ النبيّ - ﷺ - قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد»، رافعًا يديه إلى السماء، ثم وَدَاهم، رواه البخاريّ. على أن قوله في هذه الرواية: «أسلمت لله» يَحْتَمِل أن يكون ذلك نقلًا بالمعنى، فيكون بعض الرواة عَبّر عن قوله: لا إله إلا الله بأسلمتُ، كما قد جاء مُفسَّرًا في رواية أخرى، قال فيها: فلَمّا أهويتُ لأقتله قال: لا إله إلا الله. (أَفَأَقْتُلُهُ، يَا رَسُولَ الله، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟) أي الكملة التي هي قوله: أسلمتُ لله (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: («لَا تَقْتُلْهُ») أي لأنه معصوم الدم بسبب تلك الكلمة (قَالَ) المقداد - ﵁ - (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ) أي ما قاله من كلمة الإسلام (بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا) أي يده (أَفَأَقْتُلُهُ؟) أعاده تأكيدًا للسؤال (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ، فَإِنَّهُ بمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: يعني - والله أعلم -: أَنه بمنزلك في عصمة الدم؛ إذ قد نطق بما يوجب عصمته من كلمتي الشهادة. انتهى . وقال الكرمانيّ رحمه اللهُ تعالى: القتل ليس سببًا لكون كل منهما بمنزلة الآخر، لكن عند النحاة مؤول بالإخبار: أي هو سبب لإخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازمه، كقوله: يباح دمك إن عصيت. انتهى. (وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ») قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختُلِف في معناه، فأحسن ما قيل فيه، وأظهره ما قاله الإمام الشافعيُّ، وابن القصار المالكيّ، وغيرهما: إن معناه: فإنه معصوم الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا مُحَرَّم القتل، كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، قال ابن القصّار: يعني: لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك، قال القاضي: وقيل: معناه: أنك مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف أنواع المخالفة والإثم، فيسمى إثمه كفرًا، وإثمك معصيةً وفسقًا. انتهى . وقال في«الفتح»: قال الخطابيّ: معناه: أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مُصان الدم كالمسلم، فإن قَتَله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحق القصاص كالكافر بحق الدين، وليس المراد إلحاقه في الكفر، كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة. وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، فالأول: أنه مثلك في صون الدم، والثاني: أنك مثله في الْهَدَر. ونقل ابن التين عن الداودي، قال: معناه: أنك صِرْتَ قاتلًا كما كان هو قاتلًا، قال: وهذا من المعاريض؛ لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلًّا منهما قاتل، ولم يُرد أنه صار كافرًا بقتله إياه. ونَقَل ابنُ بطال عن المهلب معناه، فقال: أي أنك بقصدك لقتله عمدًا آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آثمًا، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. وقيل: المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تُسلم، وكنت مثله في الكفر، كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك. وقيل: معناه: أنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر. ونقل ابن بطال عن ابن القصّار أن معنى قوله: «وأنت بمنزلته»: أي في إباحة الدم، وإنما قَصَدَ بذلك رَدْعه وزجره عن قتله، لا أن الكافر إذا قال: أسلمت حَرُمَ قتله. وتُعُقّب بأن الكافر مباح الدم، والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله، ولم يكن عَرَف أنه مسلم، إنما قتله مُتأوّلًا، فلا يكون بمنزلته في إباحته. وقال القاضي عياض: معناه: أنه مثله في مخالفة الحقّ، وارتكاب الإثم، وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرًا، والآخر معصيةً، وقيل: المراد إن قتلته مستحلًا لقتله، فأنت مثله في الكفر، وقيل: المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد، وأنت مغفور لك بشهود بدر. ونَقَل ابن التين أيضًا عن الداوديّ أنه أوّله على وجه آخر، فقال: يفسره حديث ابن عباس الذي في آخر الباب ، ومعناه: أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطعُ لليد مؤمنًا يكتم إيمانه، مع قوم كُفّار، غَلَبوه على نفسه، فإن قتلته فأنت شاكّ في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطأ، كما كان هو مشكوكًا في إيمانه؛ لجواز أن يكون يَكْتُم إيمانه. ثم قال: فإن قيل: كيف قَطَع يد المؤمن، وهو ممن يكتم إيمانه؟. فالجواب: أنه دَفَع عن نفسه من يريد قتله، فجاز له ذلك، كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه مَن يريد قتله، ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله، فإن دمه يكون هَدَرًا، فلذلك لم يُقِد النبيّ - ﷺ - من يد المقداد؛ لأنه قَطَعها مُتأوّلًا. وتعقّبه الحافظ: فقال: وعليه مؤاخذات: منها: الجمع بين القصتين بهذا التكلّف، مع ظهور اختلافهما، وإنما الذي ينطبق على حديث ابن عباس قصة أسامة الآتية بعد هذا، حيث حَمَلَ على رجل أراد قتله، فقال: إني مسلم، فقتله ظنًّا أنه قال ذلك مُتَعَوِّذًا من القتل، وكان الرجل في الأصل مُسلمًا، فالذي وقع للمقداد نحوُ ذلك، كما سأبيّنه، وأما قصة قطع اليد فإنما قالها مستفتيًا على تقدير أن لو وقعت، كما تَقَدَّم تقريره، وإنما تَضَمَّن الجواب النهي عن قتله؛ لكونه أظهر الإسلام، فحُقِن دمه، وصار ما وقع منه قبل الإسلام عَفْوًا. ومنها: أن في جوابه عن الاستشكال نظرًا؛ لأنه كان يمكنه أن يَدفع بالقول، بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله: إني مسلم، فيكُفّ عنه، وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ليس بين أكثر هذه التأويلات تعارضٌ، وأولاها وأقربها في نظري ما تقدّم عن الشافعيّ رحمه الله تعالى. قال الحافظ أبو عوانة في «مسنده» بعد إخراجه الحديث، ما نصّه: سمعت الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعيّ يقول: معناه: أن يصير مباح الدم، لا أنه يصير مشركًا، كما كان مباح الدم قبل الإقرار. انتهى . وحاصله أنه معصوم الدم، مُحرَّمٌ قتله بعد قوله: لا إله إلا الله، كما كنت أنت كذلك قبل أن تقتله، وأنك بعد قتله غير معصوم الدم، ولا محرّم القتل، كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله، وهذا معنى واضحٌ، فتأملّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المقداد بن الأسود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه المصنّف هنا في «الإيمان» [٤٣/ ٢٨١ و٢٨٢ و٢٨٣] (٩٥)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٠١٩)، و«الديات» (٦٨٦٥)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٤٤)، و(النسائيّ) في «السير» من «الكبرى» (٨٥٣٧)، و(عبد الرزاق) في «مصنّفه» (١٨٧١٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ١٢٦ و١٢/ ٣٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣ و٤ و٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٨٧ و١٨٨ و١٨٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٧٢ و٢٧٣ و٢٧٤ و٢٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٦٤)، و(ابن منده) في «الإيمان» (٥٥ و٥٦ و٥٧ و٥٨ و٥٩ و٦٠)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١/ ٤٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا الله. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على صحة قول مَن قال: أسلمت لله، ولم يزد على ذلك، هكذا قيل: لكن فيه نظر؛ لأن ذلك كافٍ في الكفّ، على أنه ورد في بعض الروايات الإشارة إلى أنه قال: لا إله إلا الله، وهي رواية معمر، عن الزهريّ الآتية بعد هذا. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها؛ بناءً على ما تقدم ترجيحه من أن المقداد - ﵁ - إنما سأل عمّا لم يقع له، وأما ما نُقِل عن بعض السلف من كراهة ذلك فمحمول على ما يَنْدُر وقوعه، وأما ما يمكن وقوعه عادةً، فيُشْرَع السؤال عنه؛ ليُعْلَم حكمه إذا وقع. ٤ - (ومنها): بيان فضل كلمة التوحيد؛ إذ بقولها عُصِم دم من كان كافرًا طول حياته. ٥ - (ومنها): بيان فضل الصحابة - ﵃ - حيث إنهم كانوا حريصين على التفقّه في دين الله تعالى، فكانوا يسألون النبيّ - ﷺ - حتى عما لم يقع؛ ليعلموا حكمه إذا وقع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أورد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في «صحيحه» بعد هذا الحديث، ما نصّه: وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ - للمقداد: «إذا كان رجل مؤمنٌ، يُخفي إيمانه، مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل». فقال في «الفتح»: قوله: «وقال حبيب بن أبي عمرة»: هو القَصّاب الكوفيّ، لا يعرف اسم أبيه، وهذا التعليق وصله البزّار، والدارقطنيّ في «الأفراد»، والطبراني في «الكبير» من رواية أبي بكر بن عليّ بن عَطَاء بن مُقَدَّم، والد محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّميّ، عن حبيب، وفي أوّله: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيَّةً فيها المقداد، فلما أَتَوهم وجدوهم تفرَّقوا، وفيهم رجل له مالٌ كثيرٌ، لم يَبْرَح، فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله، فأهوى إليه المقداد فقتله …» الحديث، وفيه: فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: «يا مقداد، قتلت رجلًا قال: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله؟» فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية [النساء: ٩٤]، فقال النبيّ - ﷺ - للمقداد: «كان رجلًا مؤمنًا يُخفي إيمانه …» إلخ. قال الدارقطنيّ: تفرد به حبيب، وتفرد به أبو بكر عنه. قال الحافظ: قد تابع أبا بكر سفيان الثوريّ، لكنه أرسله، أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عنه، وأخرجه الطبريّ، من طريق أبي إسحاق الفزاريّ، عن الثوريّ كذلك، ولفظ وكيع بسنده، عن سعيد بن جبير: «خَرَج المقداد بن الأسود في سرية …»، فذكر الحديث مختصرًا إلى قوله: فنزلت، ولم يذكر الخبر الْمُعَلَّق. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٢] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، أمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: أَسْلَمْتُ لله، كَمَا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِه، وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن راهويه المروزيّ الحافظ الإمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نَصْر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقة حافظ [١١] (٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّفٌ عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاريّ الْخَطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ مُتقنٌ [١٠]. رَوَى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وجرير بن عبد الحميد، وأبي ضَمْرة، وابن وهب، ومعاذ بن معاذ، ومَعْن بن عيسى الْقَزَّاز، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وابنه موسى بن إسحاق الحافظ القاضي، وابن خزيمة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وصالح جَزَرة، وموسى بن هارون، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسين القبانيّ، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كان أبي يُطْنِب القول فيه في صدقه وإتقانه، وقال النسائيّ: أصله كوفيّ، وكان في العسكر، ثقةٌ، وقال الخطيب: وَرَدَ بغداد، وحَدّث بها، وكان ثقةً، وقال ابن عساكر: وَلِيَ القضاء بنيسابور، وقال يحيى بن محمد الذهليّ: هو من أهل السنة، قال البغويّ: مات سنة (٢٤٤) بحمص، وقال أبو الحسن محمد بن أحمد الْقَوّاس الْوَرّاق: مات بِجُوسِيَةَ راجعًا من دمشق، وقال الحاكم: قَدِمَ نيسابور أوّلًا على القضاء في حياة يحيى بن يحيى، ثم وَرَدَ ثانيًا سنة (٤٠)، وذكره ابن حِبّان في «الثقات». وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا. ٦ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٧ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه الدمشقيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمَة» ٤/ ١٨. ٩ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، يدلّس، ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩، والزهريّ تقدّم في السند الماضي. وقوله: (جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ) يعني أن معمرًا، والأوزاعيّ، وابن جريج كلهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أشار به إلى الإسناد الماضي، وهو إسناد الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود. وقوله: (أمَّا الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا) هكذا وقع في كثير من النسخ بلفظ: «ففي حديثهما» بفاءين، وهذا هو الأصل، والجيِّد؛ لأن جواب «أما» يجب اقترانه بالفاء، كما قال في «الخلاصة»: «أَمَّا» كَـ«مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيْءٍ» وَفَا … لِتِلْوِ تِلْوِهَا وُجُوبًا أُلِفَا ووقع في أكثر الأصول بلفظ: «في حديثهما» بفاء واحدة، وهذا أيضًا له وجه؛ لأنه قد تُحذف الفاء من جواب «أما» قليلًا، وإن قُدّر القول فلا يكون قليلًا، بل هو كثير، كما قال في «الخلاصة» أيضًا: وَحَذْفُ ذِي الْفَا قَلَّ فِي نَثْرٍ إِذَا … لَمْ يَكُ قَوْلٌ مَعَهَا قَدْ نُبِذَا فالأولى هنا تقدير القول معها، فيكون تقدير الكلام: أما الأوزاعيّ، وابنُ جريج، فقالا في حديثهما: كذا، ومثل هذا في القرآن العزيز، وكلام العرب كثير، فمنه في القرآن قوله ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾، أي فيقال لهم: أكفرتم؟، وقوله ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الجاثية: ٣١]، ومنه قول الشاعر [من الطويل]: فَأَمَّا الْقِتَالُ لَا قِتَالُ لَدَيْكُمُ … وَلَكِنَّ سَيْرًا فِي عِرَاضِ الْمَوَاكِبِ والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ التي أشار إليها المصنّف هنا، أخرجها ابن منده في «الإيمان» (١/ ٢٠٣)، فقال: (٥٩) أنبأ أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مِهوان النيسابوريّ، حدثني أبي، ثنا دُحَيم، وهشام قالا: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، عن المقداد بن الأسود، قال: قلت: يا رسول الله، رجلٌ قَطَع يدي، ثم لاذ مِنِّي بشجرة، أأقتله؟ .. فذكر الحديث. انتهى. ثم قال: هذا حديث وَهَمٌ من حديث الأوزاعيّ، وتفرَّد به الوليد، وعنه مشهور، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، والصواب من حديث الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرَّة، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عديّ. انتهى. قال الجامع: سيأتي قريبًا تمام البحث في رواية الأوزاعيّ هذه - إن شاء الله تعالى -. وأما رواية ابن جريج، فقد أخرجها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (٢٢٧١٣) حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن عبيد الله بن عَديّ بن الخيار، أنه قال: أخبرني أن المقداد أخبره، أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فقاتلني، فاختلفنا ضربتين، فضرب إحدى يديَّ بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله، أقاتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقتله»، قلت: يا رسول الله، إنه قَطَع إحدى يديّ، ثم قال ذلك بعدما قطعها، أقاتله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال». وكذا أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٦٦ - ٦٧) رقم (١٨٧). وقوله: (وَأَمَّا مَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِ … إلخ) يعني رواية معمر بن راشد عن الزهريّ بلفظ: «فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» بدل رواية الأوزاعيّ، وابن جريج عنه بلفظ: «أَسْلَمْتُ للهِ»، وقد تقدّم أنه بمعناه. وقوله: (فَلَمَّا أَهْويتُ لِأَقْتُلَهُ … إلخ) معناه: مِلْتُ لقتله، قال الجوهريّ: أهوى إليه بيده ليأخذه، وقال الأصمعيّ: أهويتُ بالشيء: إذا أومأت إليه، ويقال: أهويتُ له بالسيف، فأما هَوَى: فمعناه: سَقَطَ إلى أسفل، ويقال: انهوى بمعناه، فهو مُنْهَوٍ، قاله في «المفهم» . وقال في «الإكمال»: قال الخليل: أهوى إليه بيده، وقال أبو بكر بن الْقُطيّة: هَوَى إليه بالسيف، والشيُ هُوِيًّا، وأهويته: أي أملته، وقال أبو زيد: والإهواء: التناول باليد والضرب. انتهى . وفي «المصباح»: وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرْبٍ، فإن كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأتُ به. انتهى . [تنبيه]: رواية معمر هذه، أخرجها أبو عوانة في «مسنده» (١/ ٦٧)، فقال: (١٩٠) حدثنا السّلميّ، ومحمد بن مهل الصنعانيّ، قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، عن عبيد الله بن عديّ بن الخيار أن المقداد بن الأسود حدثه، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين بالسيف، فقَطَع يدي، فلما أهويت إليه لأضربه، قال: لا إله إلا الله، أقتله، أم أَدَعُه؟ قال: «لا، بل دَعْهُ»، قلت: وإن قطع يدي؟ قال: «وإن فعل»، فراجعته مرتين أو ثلاثًا، قال النبيّ - ﷺ -: «إن قتلته بعد أن يقول: لا إله إلا الله، فأنت مثله قبل أن يقولها، وهو مثلك قبل أن تقتله». انتهى. [تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: (اعلم): أن في إسناد بعض روايات هذا الحديث ما أنكره الدارقطنيّ وغيره، وهو قول مسلم: «حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حُميد قالا: أنبأ عبد الرزاق، أنبأ معمر (ح) وحدثنا إسحاق بن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ (ح) وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج جميعًا عن الزهريّ بهذا الإسناد». فهكذا وقع هذا الإسناد في رواية الْجُلُوديّ، قال القاضي عياض: ولم يقع هذا الإسناد عند ابن ماهان - يعني رفيقَ الْجُلُوديّ - قال القاضي: قال أبو مسعود الدمشقيّ: هذا ليس بمعروف عن الوليد بهذا الإسناد، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد الله، قال: وفيه خلاف على الوليد، وعلى الأوزاعيّ. وقد بَيَّن الدارقطنيّ في «كتاب العلل» الخلاف فيه، وذكر أن الأوزاعيّ يرويه عن إبراهيم بن مُرّة، واختُلِف عنه، فرواه أبو إسحاق الفزاريّ، ومحمد بن شعيب، ومحمد بن حِمْير ، والوليد بن مَزْيَد، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرّة، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن الْخِيَار، عن المقداد، لم يذكروا فيه عطاء بن يزيد. واختُلِف عن الوليد بن مسلم، فرواه أبو الوليد القرشيّ، عن الوليد، عن الأوزاعيّ، والليث بن سعد، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن الخيار، عن المقداد، لم يذكر فيه عطاء، وأسقط إبراهيم بن مُرّة. وخالفه عيسى بن مُسَاوِر، فرواه عن الوليد، عن الأوزاعيّ، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن الخيار، عن المقداد، لم يذكر فيه إبراهيم بن مُرّة، وجَعَل مكان عطاء بن يزيد حميدَ بنَ عبد الرحمن. ورواه الفريابيّ، عن الأوزاعيّ، عن إبراهيم بن مُرّة، عن الزهريّ مرسلًا، عن المقداد. قال أبو عليّ الجيانيّ : الصحيح في إسناد هذا الحديث ما ذكره مسلم أوّلًا، من رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج، وتابعهم صالح بن كيسان. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى . قال النوويّ: وحاصل هذا الخلاف والاضطراب، إنما هو في رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، وأما رواية الليث، ومعمر، ويونس، وابن جريج، فلا شَكّ في صحّتها، وهذه الروايات هي المستقلّة بالعمل، وعليها الاعتماد، وأما رواية الأوزاعيّ، فذكرها متابعةً، وقد تقرر عندهم أن المتابعات يُحْتَمَل فيها ما فيه نوعُ ضَعْف؛ لكونها لا اعتماد عليها، وإنما هي لمجرد الاستئناس. فالحاصل أن هذا الاضطراب الذي في رواية الوليد، عن الأوزاعيّ، لا يَقْدَح في صحّة أصل هذا الحديث، فلا خلاف في صحّته، وقد قدمنا أن أكثر استدراكات الدارقطني من هذا النحو، ولا يُؤَثِّر ذلك في صحّة المتون، وقدمنا أيضًا اعتذار مسلم رحمه الله تعالى عن نحو هذا بأنه ليس الاعتماد عليه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٨٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَار، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ …»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقة ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤، والباقون تقدّموا في الحديث الماضي. وقوله: (اللَيْثِيُّ، ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ) فبضم الجيم، وإسكان النون، وبعدها دال، ثم عين مهملتان، وتفتح الدال، وتضمّ لغتين، و«جُنْدُع» بطنٌ من ليث، فلهذا قال: الليثيّ، ثم الجندعيّ، فبدأ بالعامّ، وهو ليث، ثم الخاصّ، وهو جُندع، ولو عُكِس هذا، فقيل: الجندعيّ، ثمّ الليثيّ، لكان خطأً من حيث إنه لا فائدة في قوله: «الليثيّ» بعد الجندعيّ، ولأنه أيضًا يقتضي أن ليثًا بطن من جندع، وهو خطأ، قاله النوويّ رحمه الله تعالى . وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو بْنَ الْأَسْوَدِ) هو المقداد ابن الأسود الذي سبق في السند الماضي، قال النوويّ رحمه الله تعالى في «شرحه»: قد يُغْلَط في ضبطه، وقراءته، والصواب فيه أن يُقْرَأ «عمرٍو» مجرورًا منونًا، و«ابنَ الأسود» بنصب النون، ويُكتب بالألف؛ لأنه صفة للمقداد، وهو منصوبٌ، فينصب، وليس «ابن» ها هنا واقعًا بين علمين متناسلين، فلهذا قلنا: تتعين كتابته بالألف، ولو قُرِئ «ابن الأسود» بجر «ابن» لفسد المعنى، وصار عمرو بن الأسود، وذلك غَلَطٌ صريحٌ، ولهذا الاسم نظائر، منها: «عبد الله بن عمرٍو ابنُ أم مكتوم»، كذا رواه مسلم ﵀ آخر الكتاب، في حديث الْجَسّاسة، و«عبد الله بن أُبيٍّ بنُ سَلُولَ»، و«عبد الله بن مالكٍ ابنُ بُحَينة»، و«محمد بن عليٍّ ابنُ الْحَنَفِيَّة»، و«إسماعيل بن إبراهيمَ ابنُ عُلَيَة»، و«إسحاق بن ابراهيمَ ابنُ راهويه»، و«محمد بن يزيد بن ماجه»، فكل هؤلاء ليس الأب فيهم ابنًا لمن بعده، فيتعين أن يُكتَب «ابن» بالألف، وأن يُعْرَب بإعراب الابن المذكور أوّلًا، فـ«أمُّ مكتوم» زوجة عمرو، و«سَلُول» زوجة أُبَيّ، وقيل غير ذلك مما سنذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - و«بُحَينة» زوجة مالك، وأمُّ عبد الله، وكذلك «الحنفية»، زوجة عليّ - ﵁ -، و«عُلَيَّةُ» زوجة إبراهيم، و«راهويه»، هو إبراهيم، والد إسحاق، وكذلك «ماجه» هو يزيد ، فهما لقبان، والله تعالى أعلم. ومرادهم في هذا كله تعريفُ الشخص بوصفيه؛ ليَكْمُل تعريفه، فقد يكون الإنسان عارفًا بأحد وصفيه دون الآخر، فيجمعون بينهما؛ ليتم التعريف لكل أحد، وقُدِّم هنا نسبته إلى عمرو على نسبته إلى الأسود؛ لكون عمرو هو الأصل، وهذا من المستحسنات النفيسة، والله تعالى أعلم. وقوله: (الْكِنْدِيَّ) قال النوويّ رحمه الله تعالى: فيه إشكال من حيث إن أهل النسب قالوا: إنه بَهْرَانيّ صُلْبِيَّةً من بَهْراء بن الْحَاف - بالحاء المهملة، وبالفاء - ابن قُضَاعة، لا خلاف بينهم في هذا، وممن نقل الإجماع عليه القاضي عياض وغيره - رحمهم الله تعالى -. وجوابه: أن أحمد بن صالح الإمام الحافظ المصريَّ، كاتب الليث بن سعد - رحمه الله تعالى - قال: إن والد المقداد حالف كِنْدَة، فنسب إليها، ورَوَينا عن ابن شِمَاسة، عن سفيان، عن صُهَابة - بضم الصاد المهملة، وتخفيف الهاء، وبالباء الموحدة - الْمَهْريّ، قال: كنت صاحب المقداد بن الأسود في الجاهلية، وكان رجلًا من بَهْراء، فأصاب فيهم دمًا، فَهَرَب إلى كِندة، فحالفهم، ثم أصاب فيهم دمًا، فَهَرَب إلى مكة، فحالف الأسود بن عبد يغوث، فعلى هذا تَصِحُّ نسبته إلى بهراء؛ لكونه الأصل، وكذلك إلى قُضَاعة، وتصحّ نسبته إلى كندة؛ لِحِلْفه، أو لِحِلف أبيه، وتصح إلى زُهْرة؛ لِحِلفه مع الأسود. انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيق نفيس، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ) أي لمحالفته الأسودَ بن عبد يغوث الزهريَّ، فقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن الأسود حالفه أيضًا، مع تبنيه إياه، كما أسلفنا هذا كلّه قريبًا. وقوله: (أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو ابْنَ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِيَّ - إلى قوله: أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ … إلخ). فأعاد لفظة «أَنَّهُ»؛ لطول الكلام، ولو لم يذكرها لكان صحيحًا، بل هو الأصل، ولكن لَمّا طال الكلام جاز، أو حَسُنَ ذكرها، ونظيره في كلام العرب كثيرٌ، وقد جاء مثله في القرآن العزيز، والأحاديث الشريفة، ومما جاء في القرآن قوله ﷿ حكايةً عن الكفار: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ﴿أَنَّكُمْ﴾؛ للطول، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠]، فأعاد ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وقد تقدّم تحقيق نظير هذه المسألة، فلا تكن من الغافلين. [تنبيه]: رواية يونس التي أحالها المصنف على رواية الليث ساقها
مصادر المؤلف (٢٣)

١. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢١.

٢. «الإصابة» ٦/ ١٥٩ - ١٦١.

٣. «الإصابة» ٦/ ١٥٩ - ١٦١، و«تهذيب التهذيب» ٤/ ١٤٦.

٤. ذكرت في «قرّة العين» (ص ٤٥٧) أنه روى من الأحاديث (٤٢) حديثًا، اتّفقا على حديث، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث.

٥. راجع: «تحفة الأشراف» ٨/ ٢٠٥ - ٢١١.

٦. «شرح مسلم» ٢/ ١٠٤.

٧. «القاموس المحيط» ص ٣٠٥.

٨. «المفهم»١/ ٢٩٤.

٩. «شرح مسلم» للنوويّ ٢/ ١٠٦.

١٠. أراد ما أورده البخاريّ تعليقًا، فقال: وقال حبيب بن أبي عَمْرة، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ - للمقداد: «إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه، مع قوم كُفّار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تُخفي إيمانك بمكة من قبل».

١١. «الفتح» ١٢/ ١٩٧ - ١٩٨ رقم الحديث (٦٨٦٥).

١٢. «مسند أبي عوانة» ١/ ٦٧ رقم (١٨٩).

١٣. «الفتح» ١٢/ ١٩٨ «كتاب الديات» رقم الحديث (٦٨٦٦).

١٤. «المفهم» ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.

١٥. «إكمال المعلم» ١/ ٤٤٢.

١٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.

١٧. وقع في شرح النوويّ: «محمد بن حُميد» بالدال، وهو غلط، فتنبّه.

١٨. وقع في شرح النووي: «فرواه الوليد … إلخ» وهو غلط، فتنبّه.

١٩. راجع: «تقييد المهمل» ٣/ ٧٧٧ - ٧٧٩.

٢٠. راجع: «إكمال المعلم» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٥.

٢١. «شرح مسلم» ٢/ ١٠٥ - ١٠٦.

٢٢. «شرح النوويّ» ٢/ ١٠٣.

٢٣. هذا فيه اختلاف بين العلماء، وقد حقّقته في مقدمة «شرح سنن ابن ماجه»، فارجع إليه، تستفد.