HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦

حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر، عن شعبة، عن علي ابن مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مرار. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا. مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ«الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سلعته بالحلف الكاذب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص71
ج ١ ص ١٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣ ص٢٦٨
الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٨) - (بَابُ بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّة، وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِف، وَبَيَانِ الثَّلَاَثةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ) وبالسند المتّصل إلى الامام الحافظ الحجة مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠] (١٠٦) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَيِ ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاَثة لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكليهِمْ، وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا، وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَيِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، تقدّم قريبًا. ٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار المعروف بـ «بُنْدار»، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بـ «غُنْدَر»، أبو عبد الله البصريّ، ربيب شُعبة، ثقة حافظ [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور المذكور قبل باب. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ) النخعيّ، أبو مُدْرك الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣١/ ٢٣٠. ٧ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل غير ذلك، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٦. ٨ - (خَرَشَةُ - بفتحات، والشين المعجمة - ابْنُ الْحُرِّ) - بضمّ الحاء المهملة، وتشديد الراء - الْفَزَاريّ، قيل: له صحبة، وقيل: ثقةٌ من كبار التابعين [٢]. كان يتيمًا في حِجْر عمر بن الخطاب - ﵁ -، رَوَى عنه، وعن أبي ذَرّ، وحُذيفة، وعبد الله بن سلام. ورَوَى عنه رِبْعيّ بن حِرَاش، وسليمان بن مُسهِر، والمسيَّب بن رافع، وأبو زرعة بن عمرو بن جرير، وأبو حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم. قال الآجريّ، عن أبي داود: خَرَشة بن الْحُرّ له صحبة، وأخته سلامة بنت الْحُرّ لها صحبة، وقال ابن سعد: تُوُفّي في ولاية بشر بن لهروان على الكوفة، وقال خليفة: مات سنة (٧٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» في التابعين، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ من كبار التابعين، وذكره ابن عبد البرّ، وأبو نعيم، وابن منده في «الصحابة»، وقال أبو موسى المدينيّ: خَلَط أبو عبد الله - يعني: ابن منده - بينه وبين خَرَشَة المراديّ، والظاهر أنهما اثنان. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا الحديث، وأعاده بعده، وحديث (٢٤٨٤): «أما الطريق التي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشمال …». ٩ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدّم قريبًا، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وله فيه ثلاثة مشايخ قرن بينهم، وفيه من صيغ الأداء: التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، غير أبي بكر، فكوفيّ، كالباقين، والصحابيّ مدنيّ، ثم رَبَذيّ - ﵁ -. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: عليّ بن مدرك، عن أبي زرعة، عن خَرَشَة. ٦ - (ومنها): خَرَشَة بن الْحُرّ من الأفراد، فليس في الرواة من يشاركه في هذا الاسم، وهذا أول محلّ ذكره في الكتاب، وليس له في الكتاب إلا حديثان، كما أسلفت بيانهما آنفًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) - ﵁ - (عَنِ النَبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «ثَلَاَثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) - ﷿ -، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي بكلامِ مَن رَضِيَ عنه، ويجوز أن يُكلِّمهم بما يُكلّم به من سَخِطَ عليه، كما جاء في»صحيح البخاريّ«من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفُوعًا:»يقول الله لمانع الماء: اليوم أمنعُك فضلي، كما منعت فَضْلَ ما لم تَعْمَل يداك«، وقد حَكَى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقيل: معناه: لا يكلّمهم بغير واسطة؛ استهانةً بهم، وقيل: معنى ذلك الإعراض عنهم، والغضب عليهم. انتهى . وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله:«ثلاثة لا يكلّمهم الله … إلخ »هو على لفظ الآية الكريمة، قيل: معنى«لا يكلمهم»: أي لا يُكَلِّمهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرِّضَا، بل بكلام أهل السخط والغضب، وقيل: المراد الإعراض عنهم، وقال جمهور المفسرين: لا يكلِّمهم كلامًا ينفعهم ويَسرُّهم، وقيل: لا يُرسِل إليهم الملائكة بالتحية. انتهى . (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قيّده به إشارة إلى أنه محلّ الرحمة المستمرّة بخلاف رحمة الدنيا، فإنها قد تنقطع بما يتجدّد من الحوادث، قاله في«الفتح». (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) قال النوويّ: معناه: أنه يُعْرِض عنهم، ونظره - ﷾ - لعباده رحمته، ولطفه بهم. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تفسيره النظر بالرحمة واللطف غير صحيح، بل النظر على ظاهره ثابتٌ لله - ﷾ -، كما ثبت اللطف والرحمة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد. وقال في«الفتح»: معنى:«لا ينظر الله إليهم»: أي لا يرحمهم، فالنظر إذا أُضيف إلى الله تعالى كان مجازًا، وإذا أُضيف إلى المخلوق كان كنايةً، ويحتمل أن يكون المراد: لا ينظر الله إليهم نظرَ رحمةٍ. قال: وقال شيخنا - يعني: الحافظ العراقيّ - في«شرح الترمذيّ»: عَبَّرَ عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر؛ لأن مَن نَظَر إلى متواضع رَحِمَه، ومَن نَظَر إلى مُتَكَبِّر مَقَته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر. وقال الكرمانيّ: نسبة النظر من يجوز عليه النظر كنايةٌ؛ لأن مَن اعتَدَّ بالشخص التفتَ إليه، ثم كَثُر حتى صار عِبارةً عن الإحسان، وإن لم يكن هناك نظر، ولمن لا يجوز عليه حقيقةُ النظر، وهو تقليب الحدقة، والله مُنَزَّه عن ذلك، فهو بمعنى الإحسان، مجازًا عما وقع في حق غيره كنايةً. قال: ويؤيد ما ذُكِر من حمل النظر على الرحمة، أو المقت، ما أخرجه الطبرانيّ، وأصله في «سنن أبي داود»، من حديث أبي جُرَيّ: «إن رجلًا ممن كان قبلكم، لَبِسَ بُرْدةً، فَتَبَخْتر فيها، فنظر الله إليه فمقته، فأمر الأرض فأخذته …» الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من نفي نظر الله - ﷾ - حقيقةً، وأنه ليس له نظرٌ، وإنما هو مجاز عن الرحمة غير صحيح، وإنما حَمَلهم على ذلك أنهم ظنّوا أن النظر لا معنى له إلا تقليب الحدقة، وهذا خطأٌ؛ لأن هذا معنى النظر المضاف إلى المخلوقين، وأما نظر الخالق، فهو نظر يليق بجلاله - ﷾ -، لا نعلم كيفيّته، كما لا نعلم حقيقة ذاته العليّة؛ لأن الصفة فرع عن الذات. فالحقّ أن النظر ثابتٌ لله تعالى حقيقةً، لا مجازًا، وأما تفسير نظره هنا بأنه نظر رحمة وإحسان، فلا يتنافى مع تفسيرنا المذكور؛ لأن هذا بيان للمقصود هنا بقرينة الأدلّة الأخرى؛ لأن نظر الله تعالى محيط بجميع مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء، فكان المراد هنا نظرًا خاصًّا، وهو الذي يكون لأوليائه تعالى، وهو نظر الرحمة واللطف والإحسان، والفرق بين إثبات النظر، وكون المراد نظرًا خاصًّا، وهو نظر الرحمة وبين نفي النظر، وكونه بمعنى الرحمة واضحٌ، لا يخفى من تأمّله بالإنصاف، ولم يسلك سبيل التقليد والاعتساف. وأما الحديث الذي ذكره صاحب «الفتح» عن الطبرانيّ، وادّعَى أنه يؤيّد ما ذُكر من حَمْل النظر على الرحمة، أو المقت، فليس كما ادّعاه، بل هو موضّحٌ لما قلناه، فإنه أثبت أوّلًا النظر لله - ﷾ -، ثم رتّب المقتَ عليه بالفاء التعقيبية، فقال: «فمقته، فأمر الأرض … إلخ»، فإن هذا واضحٌ في إثبات النظر لله تعالى، وهو الذي قلناه، وقد أوضحت المسألة في غير هذا المحلّ من «شرح النسائيّ»، وغيره، فتأمله بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والاعتساف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يُطَهِّرهم من دنس ذنوبهم؛ لِعِظَم جُرْمهم؛ وقال الزجاج وغيره: معناه: لا يُثْنِي عليهم خيرأ، ومن لم يُثْنِ عليه خيرًا عذّبه . (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ») أي شديد الألم الموجِعُ، قال الواحديّ: هو العذاب الذي يَخْلُص إلى قلوبهم وَجَعُهُ، قال: والعذابُ كلُّ ما يُعْيِي الإنسان، وَيشُقُّ عليه، قال: وأصل العذاب في كلام العرب مِنَ الْعَذْب، وهو المنع، يقال عَذَبْتُهُ عَذْبًا: إذا منعته، وعَذَبَ عُذُوبًا: أي امتنع، وسُمِّي الماء عَذْبًا؛ لأنه يمنع الْعَطَش، فسُمِّيَ العذاب عذابًا؛ لأنه يَمْنَع الْمُعَاقَبَ من مُعاودة مثل جُرْمه، ويمنع غيره من مثل فعله. انتهى . وقال الراغب الأصفهانيّ في «مفرداته»: اختُلِف في أصل العذاب، فقال بعضهم: هو من قولهم: عَذَبَ الرجلُ: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذبٌ، وعَذُوب، فالتعذيب في الأصل: حملُ الإنسان أن يَعْذِب: أي يَجُوعَ وَيسْهَرَ، وقيل: أصله من الْعَذْبِ، فعذّبتُهُ: أي أزلتُ عَذْبَ حياته على بناء مرَّضْتُهُ، وقَذَّيتُهُ، وقيل: أصل التعذيب إكثار الضرب بعَذَبَةِ السوط: أي طَرَفها، وقد قال بعض أهل اللغة: التعذيب هو الضرب، وقيل: هو من قولهم: ماءٌ عَذْبٌ: إذا كان فيه قَذًى وكَدَرٌ، فيكون عذّبتُهُ كقولك: كدّرت عيشه، وزَلَّقتُ حياته، وعَذَبَةُ السوط واللسان والشجر: أطرافها. انتهى . وقال الفيّوميّ: عَذَبته تعذيبًا: عاقبته، والاسم: الْعَذَابُ، وأصله في كلام العرب: الضربُ، ثم استُعْمِل في كلِّ عقوبة مُؤْلمةٍ، واستُعِير للأمور الشاقّة، فقيل: السفر قطعة من العذاب، وعَذبَةُ اللسان: طَرَفُهُ، والجمع عَذَبات، مثلُ قَصَبَةٍ وقَصَبَات، ويقال: لا يكون النطقُ إلا بعَذَبَة اللسان، وعَذَبَةُ السَّوْطِ: طَرَفُهُ، وعَذَبَةُ الشجر: غُصْنُهَا، وعَذَبَةُ الميزان: الخَيْطُ الذي تُرْفَعُ به. انتهى . (قَالَ) أبو ذرّ - ﵁ - (فَقَرَأَهَا) أي هذه الْجُمَل المذكورة (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثَلَاثَ مِرَارًا) يعني: أنه - ﷺ - كرّر هذا الحديث الذي هو بمعنى الآية الكريمة ثلاث مرّات تأكيدًا للأمر (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) - ﵁ - (خَابُوا) أي لم يظفروا بمرادهم، والكلام يحتمل أن يكون دعاءً عليهم بالخيبة، وأن يكون إخبارًا بخيبتهم، يقال: يَخِيب خيبةً: إذا لم يظفر بما طَلَبَ، وخيّبه الله تعالى - بالتشديد -: جعله خائبًا، أفاده الفيّوميّ (وَحسِرُوا) أي هَلَكُوا، والكلام عليه كسابقه، ووقع عند النسائيّ: «فقال أبو ذرّ: خابوا وخسروا، خابوا وخسروا»، مكرّرًا (مَنْ) استفهاميّةٌ (هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي من هؤلاء الذين وُصفوا بهذه الأوصاف الْمُخْزِية، والبلايا المحزنة؟ (قَالَ) - ﷺ - «(الْمُسْبِلُ) خبر لمحذوف: أي أحدهم:»المسبل«، اسم فاعل من الإسبال، وهو إرخاء الإزار عن الحدّ الذي ينبغي الوقوف عنده. يعني: أنّ أحد الثلاثة الذين لهم هذا الوعيد الشديد: هو الرجل الذي يُرخِي إزاره، ويجرّ طَرَفه خُيَلاءً، كما جاء مفسّرًا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المتّفق عليه:«لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء». والخيلاء: الكبر، والعجب. قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا التقييد بالجرّ خيلاءً يُخصّص عموم المسبل إزاره، ويدلّ على أن المراد بالوعيد من جرّ خُيَلَاءً، وقد رَخّص النبيّ - ﷺ - في ذلك لأبي بكر الصدّيق - ﵁ -، فقد أخرج الشيخان، من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -:«مَن جَرَّ ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقال أبو بكر: إنّ أحد شقي ثوبي يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله - ﷺ -:«إنك لست تصنع ذلك خيلاء». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الوعيد المذكور خاصّ بمن جرّه خُيلاء، وأما جرّه بغير الخيلاء، فحرامٌ؛ لما أخرجه البخاريّ، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال:«ما أسفَلَ من الكعبين، من الإزار ففي النار». [تنبيه]: يستثنى من ذلك النساء؛ لما أخرجه الترمذيّ، وصحّحه، من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، متّصلًا بحديثه المذكور في قصّة أبي بكر - ﵁ -: فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهنّ؟ فقال:«يُرخين شِبْرًا»، فقالت: إذًا تنكشف أقدامهنّ، قال:«فيُرخينه ذراعًا، لا يَزِدن عليه». لفظ الترمذيّ. قال الحافظ: وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم، فَوَهِمَ، فإنها ليست عنده، وكأنّ مسلمًا أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وغيرهما، من طريق عبيد الله بن عمر، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة. وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع، والنسائيّ، من طريق أيوب بن موسى، ومحمد بن إسحاق، ثلاثتهم، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن أم سلمة. وأخرجه النسائيّ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن أم سلمة نفسها، وفيه اختلاف آخر، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أخرجه أبو داود من رواية أبي الصّدّيق، عن ابن عمر، قال: «رخّص رسول الله - ﷺ - لأمهات المؤمنين شبرًا، ثم استزدنه، فزادهنّ شبرًا، فكن يُرْسِلن إلينا، فنذرع لهنّ ذراعًا». وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه، وأنّه شبران بشبر اليد المعتدلة. قال الحافظ: ويستفاد من هذا الفهم التعقّب على من قال: إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيّدة بالأحاديث الأخرى المصرّحة بمن فعله خيلاء. وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة في محلّه من «كتاب اللباس» - إن شاء الله تعالى. [تنبيه]: قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وغيره: وذَكَر إسبال الإزار وحده؛ لأنه كان عامّة لباسهم، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه. قال النوويّ: وقد جاء ذلك مبيّنًا منصوصًا عليه من كلام رسول الله - ﷺ -، من رواية سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: «الإسبال في الإزار، والقميص، والعمامة، مَنْ جَرَّ منها شيئا، خُيَلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه بإسناد حسن. انتهى . وسيأتي تمام البحث في ذلك في «كتاب اللباس» - إن شاء الله تعالى -. (وَالْمَنَّانُ) زاد في الرواية التالية: «الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ». قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «المنّان»: فَعّالٌ من الْمَنّ، وقد فسّره في الحديث، فقال: «هو الذي لا يُعطي شيئًا إلا مّنّه»: أي إلا امتنّ به على المعطَى له، ولا شكّ في أنّ الامتنان بالعطاء مبطلٌ لأجر الصدقة والعطاء، مؤذٍ للمعطَى له، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وإنما كان المنّ كذلك؛ لأنّه لا يكون غالبًا إلا عن البخل، والعجب، والكبر، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه، فالبخيل يُعظّم في نفسه العطيّةَ، وإن كانت حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنّه مُنعِمٌ بماله على الْمُعطَى له، ومتفضِّل عليه، وإن كان له عليه حقّ يجب عليه مراعاته، والكبر يحمله على أن يَحْتَقِر المعطَى له، وإن كان في نفسه فاضلًا، ومُوجِب ذلك كلّه الجهل، ونسيان منّة الله تعالى فيما أنعم به عليه؛ إذ قد أنعم عليه مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطِي، ولم يجعله ممن يَسْأل، ولو نظر ببصيرته لعلم أنّ المنّة للآخذ؛ لما يُزيل عن المعطي من إثم المنع، وذمّ المانع، ومن الذنوب، ولما يحصل له من الأجر الجزيل، والثناء الجميل. وقيل: المنّان في هذا الحديث هو من المنّ الذي هو القطع، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]: أي غير مقطوع، فيكون معناه: البخيل بقطعه عطاءَ ما يجب عليه للمستحقّ، كما جاءفي حديث آخر: «البخيل المنّان» ، فنعته به. والتأويل الأول أظهر، أفاده القرطبيّ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل التأويل الثاني ضعيفٌ جدًّا، ومما يُضعفه ما في الرواية التالية بلفظ: «والمنان الذي لا يُعطي شيئًا إلا منّه»، فإنه ظاهر في المعنى الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: الحديث الذي أشار إليه القرطبيّ أخرجه أحمد في «مسنده»، فقال: (٢١٠٢٠) حدثنا يزيد، أخبرنا الأسود بن شيبان، عن يزيد أبي العلاء، عن مُطَرّف بن عبد الله بن الشّخّير، قال: بلغني عن أبي ذرّ حديث، فكنت أُحِبُّ أن ألقاه، فلقيته، فقلت له: يا أبا ذر، بلغني عنك حديث، فكنتُ أحبّ أن ألقاك، فأسألَكَ عنه، فقال: قد لقيتَ، فاسأل، قال: قلت: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «ثلاثة يحبهم الله - ﷿ -، وثلاثة يبغضهم الله - ﷿ -»، قال: نعم، فما إخالني، أَكْذِب على خليلي محمد - ﷺ -، ثلاثًا، يقولها، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يحبهم الله - ﷿ -؟، قال: «رجل غزا في سبيل الله، فلقي العدوَّ، مجاهدًا محتسبًا، فقاتل حتى قُتِل»، وأنتم تجدون في كتاب الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]، «ورجل له جار يؤذيه، فيصبر على أذاه، ويحتسبه، حتى يكفيه الله إياه بموت، أو حياة، ورجل يكون مع قوم، فيسيرون حتى يَشُقّ عليهم»الْكَرَى«، أو»النعاس«، فَيَنْزِلون في آخر الليل، فيقوم إلى وُضوئه، وصلاته»، قال: قلت: مَن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: «الفَخُور المختال، وأنتم تجدون في كتاب الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، والبخيل الْمَنّان، والتاجر، والبَيّاع الْحَلّاف»، قال: قلت: يا أبا ذر، ما المال؟ قال: فرق لنا، وذَوْدٌ - يعني بالفرق: غنمًا يسيرة - قال: قلت: لست عن هذا أسأل، إنما أسألك عن صامت المال، قال: ما أصبح لا أمسى، وما أمسى لا أصبح، قال: قلت: يا أبا ذر، ما لك ولإخوتك قريش؟ قال: والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين الله ﵎، حتى ألقى الله ورسوله ثلاثًا يقولها. انتهى . (وَالْمُنَفِّقُ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: الرواية في «الْمُنَفِّق» بفتح النون، والفاء مشدّدةٌ، وهي مضاعَفُ نَفَقَ البيعُ يَنْفُقُ: - أي من باب نصر - نَفَاقًا: إذا خرج، ونَفِدَ، وهو ضدّ كَسَدَ، غير أن نَفَقَ المخفَّفُ لازم، فإذا شُدِّدَ عُدّيَ إلى المفعول، ومفعوله هنا «سِلْعَتَهُ». انتهى . (سِلْعَتَهُ) بكسر السين المهملة، وسكون اللام: البِضَاعة، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سدر وسِدَرٍ. ومثله سِلْعة الجسد ، وهي الْغُدَّة، وأما السَّلْعَة بالفتح، فهي الشجّة، وجمعها سَلَعات، مثل سجدة وسَجَدات، وقد نظم ذلك بعضهم بقوله [من الرجز]: وَسِلْعَةُ الْمَتَاعِ سِلْعَةُ الْجَسَدْ … كُلّ بِكَسْرِ السِّينِ هَكَذَا وَرَدْ أَمَّا الَّتِي بِالْفَتْحِ فَهْيَ الشَّجَّهْ … عِبَارَةُ «الْمِصْبَاحِ» فَاسْلُكْ نَهْجَهْ (بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ») هو معنى قوله في الرواية التالية:«وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ»، و«الْحَلِفُ»: بكسر اللام، وإسكانها، وممن ذكر الإسكان ابنُ السّكّيت في أول«إصلاح المنطق»، قاله النوويّ. وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وَصَفَ«الْحَلِف»، وهي مؤنّثةٌ بـ«الكاذب»، وهو وصف مذكَّرٌ، وكأنه ذهب بالـ«الحلف»مذهب«القول»، فذكّره، أو مذهب المصدر، وهو مثلُ قولهم: أتاني كتابه، فمزّقتُهَا، ذهب بـ«الكتاب»مذهب«الصحيفة». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - انفرد به المصنّف رحمه الله تعالى. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في«الإيمان»[٤٨/ ٣٠٠ و٣٠١] (١٠٦)، و(أبو داود) في«اللباس»(٤٠٨٧ و٤٠٨٨)، و(الترمذيّ) في«البيوع»(١٢١١)، و(النسائيّ) في«الزكاة»(٢٥٦٣ و٢٥٦٤)، و«البيوع»(٤٤٥٨ و٤٤٥٩)، و«الزينة»(٥٣٣٢ و٥٣٣٣)، وفي«الكبرى»في«الزكاة»(٢٣٤٤ و٢٣٤٥) و«البيوع »(٦٠٥٠ و٦٠٥١ و«الزينة»(٩٧٠١ و٩٧٠٢)، و(ابن ماجه) في«التجارات»(٢٢٥٨)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(٤٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٩/ ٩٢ - ٩٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١٤٨ و١٥٨ و١٦٢ و١٦٨ و١٧٧ و١٧٨)، و(الدارميّ) في«البيوع»(٢٦٠٥)، و(أبو عوانة) في«مسنده» (١١١ و١١٢ و١١٣ و١١٥ و١١٦ و١١٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٢٨٧ و٢٨٨)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٦١٦ و٦١٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(١٩١)، و«الأسماء والصفات» (١/ ٣٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان غِلَظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها من الكبائر التي تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة لإيراده في أبواب الإيمان. ٢ - (ومنها): أن الله - ﷾ - ينظر إلى عباده المؤمنين المستقيمين، ويزكّيهم، يوم القيامة، وينجيهم من عذابه، وأن من أجرم بالإسبال، وتنفيق السلعة باليمين الكاذبة، والمنّان بما أعطى لا ينظر إليهم، ولا يزكّيهم، ولهم عذابٌ أليم. ٣ - (ومنها): أن هذه الأفعال المذكورة من الكبائر؛ لأنه تعالى لا يتوعّد بهذا الوعيد الشديد إلا من ارتكب الذنوب الكبائر. ٤ - (ومنها): أن المنفّق لسلعته بالحلف الكاذب قد جمع بين الاستخفاف بحقّ الله تعالى، والكذب فيما حَلَفَ عليه، وأخذ مال الآخر بغير حقّه، وغُرُوره إياه بيمينه . ٥ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ رحمه الله تعالى: إنما جمع بين الثلاثة، وقرنها؛ لأن المسبل هو المتكبّر المرتفع بنفسه على الناس، ويحتقرهم، والمنّان إنما منّ بعطائه لما رأى من علوّه على الْمُعْطَى له، والحالف البائع يُراعي غِبْطة نفسه، وهَضْمَ صاحب الحقّ، فتحصّل من المجموع احتقار الغير، وإيثار النفس، ولذلك يجازيهم الله تعالى باحتقاره لهم، وعدم التفاته إليهم، كما يُلوّح به قوله: «ولا يُكلّمهم». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا، إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِر، وَالْمُسْبِلُ إِزَارَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه الكوفيّ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ) تقدم قريبًا. ٥ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْهِرٍ) الْفَزَاريّ الكوفيّ، [٤]، ووهم من ذكره في «الصحابة». رَوَى عن خَرَشة بن الْحُرّ، وعنه إبراهيم النخعيّ، وهو من أقرانه، والأعمش. قال النسائيّ: ثقة، وقال العجليّ: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وذكره ابن منده في «كتاب الصحابة»، وخَطّأه أبو نعيم، وقال: بل هو تابعيّ. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وحديث (٢٤٨٤): «أما الطرق التي رأيتَ عن يسارك، فهي طرق أصحاب الشمال …». والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (لَا يُعْطِي شَيْئًا) ببناء الفعل للفاعل. وقوله: (إِلَّا مَنَّهُ) أي عدّده على الْمُعْطى له، يقال: مَنَنتُ عليه منًّا: إذا عَدَّدتَ له ما فعلتَ له من الصنائع، مثلُ أن تقول: أعطيتك، وفعلتُ لك، وهو تكديرٌ، وتغييرٌ تنكسر منه القلوب، فلهذا نَهَى الشارع عنه بقوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآية، ومن هنا يقال: الْمَنُّ أخو المنّ: أي الامتنان بتعديد الصنائع أخو القطع والْهَدْم، فإنه يقال: مننتُ الشيءَ مَنًّا: إذا قطعته، فهو ممنون، قاله الفيّوميّ . وقوله: (وَالْمُنَفِّقُ) بتشديد الفاء، من نَفّق السِّلْعَةَ: إذا رَوّجها، قاله في «القاموس»، وفي «المصباح»: ونَفَقَتِ السِّلْعَةُ، والمرأة نَفَاقًا بالفتح: كَثُرَ طُلّابها، وخُطّابها. انتهى. قوله: (سِلْعَتَهُ) بكسر السين، وسكون اللام: البِضَاعَةُ، جمعها سِلَعٌ، مثلُ سِدْرَةٍ وسِدَر، وتقدّم تمام البحث فيها قريبًا. وقوله: (بِالْحَلِفِ) بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام، ويجوز تسكينها: أي اليمين. وقوله: (الْفَاجِرِ) بالجرّ صفة لـ «الحلِف»، وهو بمعنى الكاذب في الرواية السابقة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدٌ - يَعْني: ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»). رجال هذا الإسناد: أربعة، كلهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين، غير: ١ - (بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ) الْعَسكريّ، أبي محمد الفرائضيّ النيسابوريّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْربُ [١٠] (ت ٢٥٣) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ٢٠٠. وقوله: (وَحَدَّثَنِيهِ) الضمير للحديث الماضي الذي رواه عن شيخه أبي بكر بن خلاد الباهليّ.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «المفهم»١/ ٣٠٢.

٢. «شرح النوويّ»٢/ ١١٦.

٣. راجع:«الفتح»١١/ ٤٣٠.

٤. راجع: «الفتح» ١٠/ ٢٧٠.

٥. «إكمال المعلم» ١/ ٤٥٥.

٦. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٦.

٧. «مفردات ألفاظ القرآن»ص ٥٥٥.

٨. «المصباح المنير»٢/ ٣٩٨.

٩. «المصباح المنير»١٨٥.

١٠. سيأتي للمصنف برقم ٢٠٨٥.

١١. «شرح النوويّ» ٢/ ١١٦.

١٢. رواه أحمد من حديث أبي ذرّ رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح

١٣. راجع:«المفهم»١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.

١٤. الحديث رجاله رجال الصحيح، ويزيد هو ابن هارون. والله تعالى أعلم.

١٥. «المفهم» ١/ ٣٥٩.

١٦. قال في «المصباح»: السِّلْعة - أي بكسر، فسكون -: خُرَاجٌ كهيئة الغُدّة، تتحرّك بالتحريك، قال الأطبّاء: هي وَرَمٌ غير ملتزق باللحم، يتحرّك عند تحريكه، وله غلاف، وتقبل التزيّد، لأنها خارجة عن اللحم، ولهذا قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. انتهى. «المصباح» في مادّة سلع.

١٧. راجع:«تحفة الحبيب حاشية إقناع الخطيب»في الفقه الشافعيّ ١/ ١٢٢.

١٨. «المفهم»١/ ٣٠٩.

١٩. راجع: «إكمال المعلم» ١/ ٤٥٨.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨١.