وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد المذكور قبله، وهو إسناد الأعمش، عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذرّ - ﵁ -.
وقوله: (وَقَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ» … إلخ) يعني: أن رواية محمد بن جعفر، وإن كان إسناده إسناد سفيان الثوريّ، لكنه يخالفه في المتن، فسفيان قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنّان … إلخ»، وأما محمد، فرواه بلفظ: «ثلاثة لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليه، ولا يُزكّيهم … إلخ».
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر هذه أخرجها الإمام أحمد، فقال في «مسنده»:
(٢٠٥٠٧) حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَةَ بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزارَهُ، والْمُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب».
وأخرجها أيضًا النسائيّ في «المجتبى» بسند المصنّف، فقال:
(٢٥١٧) أخبرنا بشر بن خالد، قال: حدثنا غُندَر، عن شعبة، قال: سمعت سليمان - وهو الأعمش - عن سليمان بن مُسْهِر، عن خَرَشَة بن الْحُرّ، عن أبي ذَرّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله ﷿ يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنّان بما أَعْطَى، والمسبِلُ إزاره، والْمُنَفِّق سلعَتَهُ بالحلف الكاذب»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣] (١٠٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَة، وَلَا يُزَكِّيهِمْ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ -: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، مولى عزّة الأشجعيّة، ثقةٌ [٣] (ت على رأس المائة) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢.
[تنبيه]: ذكر النوويّ في «شرحه» أن أبا حازم هو سلمان الأغرّ مولى عزّة، وهذا خطأ؛ لأن سلمان الأغرّ غير سلمان الأشجعيّ، وكلاهما يرويان عن أبي هريرة - ﵁ -، فأبو حازم هو سلمان الأشجعيّ مولى عزّة الأشجعيّة، وأما سلمان الأغرّ فهو أبو عبد الله المدنيّ، مولى جُهَينة، فراجع ترجمتهما في «تهذيب التهذيب» (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و«التقريب» (ص ١٣٠)، والله تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤، والباقون تقدّموا قبل باب، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى، وفيه التحديث، والعنعنة، والقول.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي حازم.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالكنى، غير الأعمش، ووكيعٌ معه أبو معاوية.
٦ - (ومنها): أن أبا معاوية أثبت الناس في الأعمش، إلا أن يكون الثوريّ.
٧ - (ومنها): أن أبا حازم ممن لازم أبا هريرة - ﵁ -، وأطال صحبته، فقد جالسه خمس سنين.
٨ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة من الصحابة - ﵃ -، روى (٥٣٧٤) حديثًا، وقد سبق هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي لا يكلّمهم أصلًا، أو لا يكلّمهم كلامًا يَسُرُّهم؛ لأنه ثبت أنه يكلّم أهل النار، كما قال تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهؤلاء لا يَكُونون أسوأ من الكفّار، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في حديث أبي ذرّ - ﵁ - (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أي لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم.
وقوله: (قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) إشارة إلى اختلاف وكيع وأبي معاوية في الحديث، فأما أبو معاوية، فزاد في روايته قوله: «ولا ينظر إليهم»، وأما وكيع فلم يذكر ذلك.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الحافظ أبو عوانة ﵀ في «مسنده» (١/ ٤٦)، فقال:
(١١٤) حدثنا علي بن حرب، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا الصاغانيّ، قال: أنبأنا ابن نمير، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملكٌ كَذّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ».
وقال الحافظ أبو نُعيم في «مستخرجه»:
(٢٨٩) حدثنا جعفر بن محمد الأحمسيّ، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، وأبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم - قال أبو معاوية: ولا ينظر إليهم -: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل متكبر».
[فإن قلت]: رواية وكيع ساقها الإمام أحمد رحمه الله تعالى كرواية أبي معاوية، وفيها تلك الزيادة، فقال في «مسنده»:
(٩٨٣٧) حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كَذّاب، وعائلٌ مستكبرٌ».
فكيف تجمع بين هذا، وبين ما قاله المصنّف؟.
[قلت]: يمكن أن يُجمع بينهما بأن وكيعًا رَوَى الحديث بالوجهين، فنفي المصنّف يُحمَل على أنه ما وصلت إليه رواية أحمد، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلِمٌ (شَيْخٌ زَانٍ) خبر لمحذوف: أي أحدهم: رجلٌ كبير السنّ الذي بلغ إلى حالة لا يَحتاج فيها كثيرًا إلى النساء (وَمَلِكٌ كَذَّابٌ) وفي رواية النسائيّ: «وَالْإِمَامُ الْكَذَّابُ»، وفي رواية له: «والإمام الجائر».
(وَعَائِلٌ) أي فقير، والْمُعِيل: الكثير العيال. يقال: عال الرجلُ يَعِيل، من باب باع، فهو عائلٌ: إذا افتقر. والْعَيْلَة: الفقر، وأعال فهو مُعِيلٌ: إذا كثر عياله. وجمع العائل: عالةٌ، وهو في تقدير فُعَلَة، مثلُ كافر وكَفَرَة، أفاده في «المصباح».
(مُسْتَكْبِرٌ») أي متكبّر، وعند النسائيّ: و«العائلٌ الْمَزْهُوُّ»، و«المزهُوّ»بصيغة اسم المفعول: أي المتكبّر، من زُهِي الرجل بالبناء للمفعول على الأكثر، أو من زَهَا بالبناء للفاعل، على قلّة.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى في«المفهم»: وإنما غُلّظ العقاب على هؤلاء الثلاثة؛ لأن الحامل لهم على تلك المعاصي محض المعاندة، واستخفاف أمر تلك المعاصي التي اقتحموها؛ إذ لم يحملهم على ذلك حاملٌ حاجيّ، ولا دعتهم إليها ضرورة، كما يدعو من لم يكن مثلهم. وبيان ذلك أن الشيخ لا حاجة، ولا داعية له تدعوه إلى الزنى؛ لضعف داعية النكاح في حقّه، ولكمال عقله، ولقرب أجله؛ إذ قد انتهى طَرَفٌ من عمره، ونحو ذلك الملك الكذّاب؛ إذ لا حاجة له إلى الكذب، فإنه يمكنه أن يُمَشِّي أغراضه بالصدق؛ فإن خاف من الصدق مفسدةً ورَّى.
وأما العائل المستكبر، فاستحقّ ذلك لغلبة الكبر على نفسه؛ إذ لا سبب له من خارج يحمله على الكبر، فإن الكبر غالبًا إنما يكون بالمال، والْخَدَم،
والجاه، وهو قد عَدِمَ ذلك كلّه، فلا موجب له إلا غلبة الكبر على نفسه، وقلّة مبالاته بتحريمه، وتوعُّد الشرع عليه، مع أنّ اللائق به، والمناسب لحاله الرّقّة، والتواضع؛ لفقره وعجزه. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله تعالى .
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما سبب تخصيصه - ﷺ - هؤلاء الثلاثة بالوعيد المذكور أنّ كلّ واحد منهم التزم المعصية المذكورة مع بُعْدها منه، وعدم ضرورته إليها، وضعف دواعيها عنده، وإن كان لا يُعذر أحد بذنب، لكن لما لم تدعهم إلى هذه المعاصي ضرائر مُزْعِجَة، ولا دواعٍ معتادة، ولا حملهم عليها أسبابٌ لازمةٌ أشبه إقدامهم عليها المعاندة، والاستخفاف بحقّ الله تعالى، وقصد معصيته، لا لحاجة غيرها.
فإن الشيخ لكمال عقله، وتمام معرفته بطول ما مرّ عليه من الزمان، وضعف أسباب الجماع، والشهوة للنساء، واختلال دواعيه لذلك، وبرد مزاجه، وإخلاق جديده عنده ما يريحه من دواعي الحلال في هذا، ويخلي سرّه منه بطبيعته، فكيف بالزنا الحرام؟ وإنما دواعي ذلك الشباب، والحرارة الغريزيّة، وقلّة المعرفة، وغلبة الشهوة؛ لضعف العقل، وصغر السنّ.
وكذلك الإمام لا يَخشى من أحد من رعيّته، ولا يَحتاج إلى مداهنته، ومصانعته، فإن الإنسان إنما يُداهن، ويصانع بالكذب وشبهه من يَحذَره، ويخشى أذاه، ومعاتبته، أو يطلب عنده بذلك منزلة، أو منفعة، وهو غنيّ عن الكذب مطلقًا.
وكذلك العائل المستكبر قد عَدِمَ المال، وإنما سبب الفخر، والخيلاء، والتكبّر، والارتفاع على القرناء إنما هو الثَّرْوَةُ في الدنيا؛ لكونه ظاهرًا فيها، وحاجات أهلها إليه، فإذا لم يكن عنده أسبابها، فلماذا يستكبر، ويحتقر غيره؟، فلم يبق إلا أن في استكبار هذا، وزنا الشيخ الكبير، وكذب الإمام ضربًا من الاستخفاف بحقّ الله تعالى، ومعاندة نواهيه وأوامره، وقلّة الخوف من وعيده؛ إذ لم يبقَ حاملٌ لهم على هذه الأفعال السيّئة إلا هذا، مع ما سبق
القدر لهم بالشقاء. انتهى كلام القاضي رحمه الله تعالى ببعض تصرّف ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في «الإيمان» [٤٨/ ٣٠٣] (١٠٧)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٢٥٧٥)، وفي «الكبرى» (٢٣٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٣٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٤)، و(أبو نُعيم) في «مستخرجه» (٢٨٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٤١٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٨/ ١٦١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٥٩١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم هذه الأشياء المذكورة في الحديث، وأنها تنافي كمال الإيمان، وهو وجه المطابقة في إيرادها في أبواب الإيمان؛ لأنها ضدّه، والشيء ألصق بضدّه.
٢ - (ومنها): بيان أن مرتكبي المعاصي تتفاوت مراتبهم بحسب الدواعي الحاملة لهم على ارتكابها، فمن كان له داعٍ يحمله، ويقهره على ارتكابها، كان أخفّ جُرْمًا ممن لا داعي له إلى ذلك.
٣ - (ومنها): بيان عظمة رحمة الله ﷾ الرؤوف الرحيم بعباده المؤمنين، حيث خفّف العقاب عن المغلوب المقهور؛ إذ حامله عليه قهر النفس، والشهوة، وأما من ليس كذلك، فإنه يَعْظُم عقابه، حيث كان حامله على الارتكاب مجرّد الاستخفاف بأمر الله تعالى، وقلّة خوفه منه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.